الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نقطة أخيرة نحب أن نضيفها إلى ما أسلفنا من قول في المبنى، هي أن مصطلح النحاة قد درج عند تسمية المبنى أن يجعل معناه مضافًا إليه، كأن تقول: تاء التأنيث أو نون التوكيد إذ المضاف إليه فيهما هو المعنى والمضاف هو المبنى، وقد يجعلون المعنى هو النعت، والمبنى هو المنعوت، نحو: ما النافية وإن المؤكدة، وقد يجعلون المعنى صيغة نسبة، والمبنى موصوفًا بها، نحو: ما الاستفهامية وأن الشرطية وما التعجبية.
الاشتقاق:
قد تقوم بين الكلمات التي جاءت على صيغٍ مختلفة صلة رحم معينة قوامها اشتراك هذه الكلمات المختلفة الصيغة في أصول ثلاثة معينة، فتكون فاء الكلمة وعينها ولامها فيهنّ واحدة، هذه الصلة تدرس في الصرف تحت اسم "الاشتقاق"، وفي المعجم تحت اسم "الاشتراك في المادة"، ولم يكن الاختلاف بين الصرفيين والمعجميين منصبًّا على تسمية الظاهرة فحسب، وإنما تعدَّى ذلك إلى المنهج وطريقة النظر. فأمَّا الصرفيون فقد نظروا إلى المسألة من وجهة نظر المعنى الوظيفي من ناحية، ثم وجهة نظر التجرد والزيادة من ناحية أخرى، فأما المعنى الوظيفي الذي تشترك فيه المشتقات جميعًا فهو صلتها بمعنى الحدث، فهذا المعنى يوجد في أصفى صورة في المصدر، ويكفي لمعرفة ذلك أن نقرأ قول ابن مالك فيه:
المصدر اسم ما سوى الزمان من
مدلولي الفعل كأَمْن من أَمِنَ
فإذا كان الفعل دالًّا على مدلولين هما الحدث والزمن، كان تعريف المصدر في نظر ابن مالك هو أنه "اسم الحديث" الذي وصف بأنه "ما سوى الزمان"، ومعنى الحدث مشترك بين جميع المشتقات، ولكن كل مشتق منها يضم إلى الحدث معنًى آخر كالزمن في الفعل، وفاعل الحدث في صفة الفاعل، ومفعول الحدث في صفة المفعول، وهلم جرا. وأما المصدر فهو اسم الحدث فقد؛ إذ لا يدل على معنى آخر إلى جانب الحدث، ولذلك رآه البصريون أصلًا للاشتقاق حين نظروا من هذه الزواية، وأردوا في تدعيم مناقشات
طويلة ليس هنا محل إيرادها. وأما وجهة النظر الكوفية فقد نظرت إلى المشكلة من ناحية التجرد والزيادة، فالمجرد من بين الصيغ هو في فهم أصحاب هذه النظرة أقرب إلى الأصالة من المزيد، وقد نظروا في صيغ الكلام فلم يجدوا أكثر تجردًا من الفعل الماضي الثلاثي المجرد المسند إلى المفرد الغائب نحو "ضرب"، فقالوا: إن أصل المشتقات هو الفعل الماضي، وأورد هؤلاء أيضًا في تدعيم نظرتهم مناقشات إضافية لا محل هنا لروايتها كذلك.
تلك كانت وجهة النظر الصرفية إلى المسألة، وهي وجهة نظر تجعل بعض الصيغ أصلًا، وتجعل الصيغ الأخرى فروعًا عليه، وتفترض أن كل مادة من مواد اللغة بدأت في صورة المصدر أو في صورة الفعل الماضي، ثم عكف الناس عليها يشتقون منها ويفرعون عليها، حتى تصل اللغة إلى مرحلة تستنفد فيها حاجتها إلى المزيد من مشتقات هذه المادة، أو تتوقف عن الاشتقاق لأنها فرغت من الصياغة على مثال كل المباني الصرفية الممكنة. وليس شيء أبعد من طبيعة نشأة اللغة وتطورها من هذا الافتراض، والمعروف أن بعض المواد يتَّسع لعدد من الصيغ الاشتقاقية أكثر ما يتَّسع البعض الآخر، أو بعبارة أخرى قد توجد صيغة مستعملة في مادَّة ومهجورة في مادة أخرى، فصيغة "فعل" توجد من مادة "وق ع" ولا توجد من مادة "ود ع"، وقد تتحقق المطاوعة من "كسر" بصيغة "انفعل"، ولا تتحقق بهذه الصيغة من "ركب"؛ لأن هذه الصيغة وتلك مهجوران في المادتين "ودع" و"رك ب" على الترتيب.
والواقع أن الصعوبات تقوم فعلًا دون الاقتنتاع برأي البصريين أو برأي الكوفيين على حد سواء. فأم للرد على البصريين فأنا أسألهم عن "كان" الناقصة، "وهي عندهم "فعل" ألها مصدرًا أم لا مصدر لها. إن مذهبهم يقول: إنَّ كان الناقصة لا مصدر لها، ومع ذلك يعتبرونها مشتَّقة، فما أصل اشتقاقها؟ وأما للرد على الكوفيين فإنَّ "يدع" و"يذر" في رأيهم لا ماضي لهما وهما مشتقان على رغم ذلك، فما أصل اشتقاقهما إذًا؟
أما المعجميون فليست لعبتهم الصيغ؛ لأن هذه الصيغ قد تتحقق بكلمات، وقد تظل احتمالًا نظريًّا صالحًا للتحقق بصياغة الكلمة المناسبة على مثالها عند
الحاجة إليها. لا! إن لعبة المعجميين هي الكلمات نفسها لا صيغها، مع أنهم في منهج تناولهم للكلمات لا يغفلون الهوية الصرفية للكلمة، كما سنرى ذلك بعد قليل عند الكلام عن المعجم. حقًّا إن بعض الكلمات التي أصبحت عربية بالتعريب قد لا تكون مناسبة لإحدى صيغ الصرف العربي كما في كلمة "أرثماطيقا" مثلًا، أو كلمة "اسطرلاب" ومع ذلك يوردها المعجم "أو ينبغي له أن يوردها" بين كلماته دون نظر إلى مناسبتها للصيغ الصرفية العربية.
وعندما يعبّر المعجميون عن صلة الرحم بين الكلمات لا يقنعون بالمباني الصرفية التي ظهر وجه قصورها عن الوفاء بمطالب المعجم، وإنما يلجئون إلى وسيلة أخرى تتصل بروابط الكلمات لا بتنوع الصيغ، أو بعبارة أخرى تتصل بالمتن لا بالبنية، وهذه الوسيلة هي أصول المادة يجعلونها رحمًا تربط بالقرابة أفراد أسرة واحدة، ويجعلون حروف المادة مدخلًا إلى شرح معاني هذه الكلمات المفردات، ولكنم لا ينسبون إلى حروف المادة معنًى معينًا، بل إنهم يعترفون بإمكان تعدد المعاني بين الكلمات التي تشترك في هذه الأصول كالحل والحل والحلول تتفق مادة وتختلف معنى. والذي نحب أن نشير إليه هنا ونؤكد ضرورة اعتباره عند التفكير في هذه المسألة أن المعجميين لم يروا في الأصول الثلاثة أكثر من ملخص علاقة أو رحم قربى بين المفردات التي تترابط معجميًّا بواسطتها، ولذلك كان الإجراء المفضَّل عندهم في معاجمهم أن يفصلوا في الكتابة بين أصول المادة حتى لا تفهم منها كلمة ما.
على أن أحد الصرفيين "ابن جني" كان عند كلامه عن الاشتقاق الصغير والكبير والأكبر أكثر طموحًا من بقيتهم حين ينسب معنى إلى هذه الأصول عند اجتماعها مرتبة ترتيبًا معينًا، كما نسب المعنى إلى ما ينتج عن تشويش حروفها، والعبث بترتيبها، ومن شاء أن يرى ما قاله ابن جني فلينظر في "الخصائص".
والذي أراه أجدى على دراسة هذه المشكلة "مشكلة الاشتقاق" أن يعدل الصرفيون بها عن طريقتهم إلى طريقة المعجميين، بل أن يجعلوا دراستها
في إطار علم الصرف حسبة لوجه علم المعجم، مبتعدين بها عن شكلية الصيغ والزوائد والملحقات ذات المعاني الوظيفية، جانحين بها في اتجاه المعجم بحيث يكون "الاشتقاق" حدودًا مشتركة بين المنهجين، وإذا صحَّ لنا أن نوجد رابطة بين الكلمات فينبغي لنا ألّا نجعل واحدة منها أصلًا للأخرى، وإنما نعود إلى صنيع المعجميين بالربط بين الكلمات بأصول المادة، فنجعل هذا الربط بالأصول الثلاثة أساس منهجنا في دراسة الاشتقاق، وبذلك نعتبر الأصول الثلاثة أصل الاشتقاق، فالمصدر مشتق منها والفعل الماضي مشتق منها كذلك. وبهذا لا نستطيع أن ننسب إلى هذه الأصول الثلاثة أي معنى معجمي على نحو ما صنع ابن جني، وإنما نجعل لهذه الأصول معنى وظيفيًّا هو ما تؤديه من دور تلخيص العلاقة بين المفردات.
وحين نرى الأصول الثلاثة وهي فاء الكلمة وعينها ولامها أصلًا لاشتقاق الكلمة وذوات رحمها، نحب أن ننبِّه إلى أن هذا الاعتبار يقتضي أن تكون كلمات اللغة العربية جميعها فيما عدا الضمائر والظروف والأدوات وبعض الخوالف مشتقة، وأن الكلمات الصلبة الوحيدة في اللغة هي هذه الضمائر والظروف والأدوات والخوالف. ويصبح الاشتقاق مع ذلك الفهم دراسة صرفية مسوقة لخدمة المعجم كما كانت المباني والزيادات والملحقات دراسة صرفية مسوقة لخدمة النحو. ويتبع هذا الفهم الجديد للاشتقاق أمر آخر هو تقسيم الكلمات المشتقة حسب هذا الفهم إلى متصرفة وجامدة، فأما الأولى فهي التي تتضح الصلات بين بعضها وبعض بواسطة تقليب حروف مادتها على صيغ مختلفة كالأفعال والصفات، وأما الثانية: فهي التي لا يمكن فيها ذلك كرجل وفرس وكتاب. ويكون المصدر بهذا الفهم مشتقًّا متصرفًا لأن صيغته تعتبر إحدى الصيغ التي تتقلب عليها أصول المادة، وكذلك يعتبر الفعل الماضي مشتقًّا متصرفًا. وتصبح الصورة العامة للمشتقات والصلاب على النحو التالي: