الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المعجم:
لقد رأينا أن اللغة العربية الفصحى مكوَّنة من أنظمة لغوية هي النظام الصوتي والنظام الصرفي والنظام النحوي للغة، وحين نسمي أفكارًا مركبة ما نظامًا فلا بُدَّ أن تكون بين بعضها وبعض علاقات عضوية معينة، وكذلك أوجه خلاف بين كل واحدة منها وبين الأخرى؛ بحيث تؤدي كل واحدة منهما في النظام وظيفة تختلف عمَّا تؤديه الأخرى، فللنظام إذًا تكامل عضوي واكتمال وظيفي يجعله جامعًا مانعًا بحيث يصعب أن يستخرج منه شيء أو أن يضاف إليه شيء، ومن طبيعة النظام اللغوي أن يصلح "للجدولة" -إن صح هذا التعبير- فيكون له من معانيه بعد رأسي وبعد آخر أفقي، ويكون من التقاء كل معنى في البعد الرأسي بمعنى آخر في البعد الأفقي وحدة معنية من وحدات النظام. ولما كان طابع النظام اللغوي عضويًّا إلى هذا الحد أصبح من الصعب على اللغات أن تستعير الواحدة منها جزءًا من نظام الأخرى، ومن ثَمَّ لم نجد لغة تستعير من لغة أخرى أحد أصواتها أو ظاهرة سياقية من ظواهرها أو صيغة صرفية أو حرف زيادة أو ملحقًا من ملحقاتها، أو علاقة نحوية من علاقاتها.
والسؤال الذي ينبغي أن نعرف إجابته الآن هو: "هل يمكن أن يكون المعجم نظامًا من أنظمة اللغة كما كان النظام الصوتي والصرفي والنحوي؟ " للإجابة على هذا السؤال ينبغي أن ننظر في الأمور الثلاثة التي نسبناها إلى أنظمة اللغة لنرى في كل أمر ما إذا كان يتحقق أولًا يتحقق المعجم. وهذه الأمور الثلاثة هي:
أ- العلاقات العضوية والقيم الخلافية بين المكونات.
ب- الصلاحية للجدولة "أي أن يوضع في صورة جدول".
جـ- عدم إمكان الاستعارة بين لغة ولغة.
أما من حيث العلاقات العضوية فليس بين كلمات المعجم أيّ علاقة عضوية، وقد يكون بين كل طائفة من هذه الكلمات علاقة اشتقاقية معنية
هي اشتراكها في أصول المادة، ولكن هذه العلاقة الاشتقاقية تختلف عمَّا نقصده من العلاقة العضوية؛ لأن العلاقة العضوية لأية وحدة من وحدات النظام تدخلها في علاقة خلافية مع بقية الوحدات جميعًا أيًّا كان موضعها من النظام، فإذا نظرنا مثلًا إلى جدول الصرف وأخذنا وحدة من وحداته التقسيمية كالاسم مثلًا، وجدنا هذا الاسم يختلف عن كل ما عداه، وقد بينَّا ذلك تحت عنوان أقسام الكلم العربي في موضعه من هذا الكتاب، فالاسم يختلف عن الصفة باعتبارات، وعن الفعل باعتبارات أخرى، وعن الضمير والخالفة والظرف والأداة كذلك، وكل ذلك في إطار النظام الصرفي. وكذلك لو نظرنا في المعاني التصريفية كالتكلم أو الخطاب والغيبة، أو الإفراد والتثنية والجمع، أو التذكير والتأنيث، وجدنا أن كل معنى من هذه المعاني كله مكانه في النظام لا يتركه ولا يطغي على أماكن المعاني الأخرى. فالتكلم والخطاب يتصلان بالأفعال والضمائر، ولكن الغيبة تضم إن هذين الأسماء والصفات؛ لأن الاسم والصفة في قوة ضمير الغيبة كما يقول النحاة، ولذلك يسند الفعل إليهما على الصورة التي يسند بها إلى ضمير الغيبة. ذلك هو ما نقصده بالعلاقات العضوية بين وحدات النظام. والمعجم ليس كذلك ومن ثَمَّ تنتفي عن كلماته سمة العلاقات العضوية فلا يكون نظامًا.
والأمر الثاني هو صلاحية أيّ نظام لغوي للجدولة، وقد رأينا كيف أمكن وضع النظام الصوتي والنظام الصرفي والنظام النحوي للعربية الفصحى في صورة جداول ذات أبعاد رأسية وأخرى أفقية تتشابك فيها العلاقات، وتقوم القيم الخلافية في كل جدول حارسًا أمينًا لأمن اللبس في النظام والسياق معًا. وواضح أن المعجم لا يمكن أن يوضع في صورة جدول؛ لأنه كما قلنا تنقصه العلاقات العضوية بين مكوناته، ومن شروط إمكان أي جدول أن يوضع أن يكون بين مكوناته هذه العلاقات العضوية كما ذكرنا. وإذا كان المعجم غير صالح للجدولة فلا يمكن أن يكون نظامًا لغويًّا.
والأمر الثالث الذي تتميز به الأنظمة اللغوية هو صعوبة الاستعارة بالنسبة لوحداتها من لغة إلى أخرى، فلا تستعار أداة ولا رتبة ولا صيغة
ولا باب نحوي من لغة إلى لغة أخرى في العادة، والملاحظ أن مجال الاقتراض بين اللغات هي الكلمات المفردة وهي مكونات المعجم. ولقد اشتملت اللغة العربية منذ الزمن القديم في العصر الجاهلي على مفردات مستعارة من لغات أخرى في الشرق والغرب؛ كالسكر من السنسكريتية، والإبريسيم والاستبرق من الهلوية، والإقليم والقسطاس والدينار من الإغريقية، ولكن العربية الفصحى لم تستعر من واحدة من هذه اللغات قاعدة ولا طريقة من طرق التركيب ولا أداة ولا جزءًا آخر من أجزاء أنظمتها. ومعنى ذلك كله أن المعجم لا يمكن لهذا السبب أن يوصف بأنه نظام.
هذه فروق ثلاثة بين الأنظمة اللغوية وبين المعجم، وهناك أمر آخر يرجع إلى الوظيفة الاجتماعية للغة في عمومها؛ فالمعروف أن لغة كل قوم إنما تسمي تجاربهم الاجتماعية فتضع للمسميات اسمًا، وتضع للأعمال أفعالًا، وتضع للعلاقات فيما بينهما أدوات تربط بين الكلمات في السياق. ويتم كل ذلك في حدود العرف المحلي لهؤلاء القوم، ومن ثَمَّ تختلف المفردات من لغة إلى لغة؛ لأن تعارف جماعة ما لا يتشابه بالضرورة مع تعارف الجماعة الأخرى. زد على ذلك أن الجماعات تختلف بيئاتها فتختلف مسمياتها، فإذا كانت بيئة ما تسمي "الجمل" فإن بيئة أخرى تسمي "اللاما"، وبيئة ثالثة تسمي "الفيل"، وكذلك قد تسمي بيئة من البيئات طعامًا لا يكون معروفًا للبيئة الأخرى، ومثل الطعام والعادة والآلة والتقليد وأنواع التجارب المختلفة؛ ومعنى هذا أن أية لغة من لغات العالم لا يتصور لها أن تسمي التجارب الإنسانية جميعًا؛ لأن اللغة محلية، ولأن أصحابها لا يعرفون جميع التجارب الإنسانية، فحتى لو تصورنا أن اللغة في عمومها تنتظم التجارب الإنسانية كلها في نظام معين "وهو أمر غير ممكن لتوالي حدوث تجارب إنسانية جديدة باستمرار"، فإن أية لغة محلية لا يمكن أن تنتظم هذه التجارب جميعًا.
وإذا لم يكن المعجم كما رأينا نظامًا من أنظمة اللغة؛ لأنه لا تتوافر له مقومات النظام فلا بُدَّ أن يكون منهج المعجم متجهًا إلى دراسة "قائمة" من الكلمات تشتمل على جميع ما يستعمله المجتمع اللغوي من مفردات.
ومن طبيعة هذه القائمة الضخمة التي هي في حوزة المجتمع في عمومه ألا يحيط بها فرد واحد من أفراد هذا المجتمع مهما بلغ حرصه على استقصائها؛ لأن ظاهرتي الارتجال والتوليد وهما مستمرتان لا بُدَّ أن تقفا به دون الإحاطة بالكلمات المرتجلة والمولَّدة التي هي في طريقها إلى الشيوع العرفي. ولكن أفراد المجتمع يتوزعون مفردات هذه القائمة فيما بينهم؛ كل بحسب بيئته وثقافته وحياته الاجتماعية، فيستقل كل فرد بطائفة منها يعرف معانيها معرفة عامة، ويعرف ما لبعض هذه المعاني من ظلال دقيقة مختلفة. أما ما في أيدي الآخرين من هذه القائمة فلا يتفق ما لدى كل فرد منم إلّا مع بعض ما لدى الفرد الذي كنا نتكلم عنه، ويبقى بعد ذلك أكثر ما في أيديهم مجهولًا بالنسبة لهذا الفرد جهلًا لا يزيله إلّا أن يعنى المتخصصون من هذا المجتمع بتدوين كل مفردات اللغة ومعانيها في صورة معجم ليرجع إليها هذا وذاك من الراغبين في الاطلاع على هذه المفردات والمعاني. لهذا كان تدوين المعجم ضرروة لغوية لكل مجتمع متقدم، وكان لا بُدَّ أن يتم تدوين المعاجم على صورة تمكن كل فرد يطلع عليها أن يعرف الكثير من المعلومات التي توضح ما يحيط بمادتها الأساسية وهي الكلمة.
ولكن ما الكلمة؟ أمن السهل تعريفها؟ أَوَيُمكن أن نحددها تحديدًا دقيقًا في السياق كلما أردنا ذلك، فنقول: هنا تبدأ وهنا تنتهي؟ أنعتبر المباني الصرفية التي تتحقق بها الظواهر الموقعية وكذلك اللواصق الصرفية أجزاء كلمات أم نعتبرها كلمات مستقلة؟ كل أولئك قضايا لا بُدَّ من الإجابة عليها قبل أن نتناول طريقة شرح المعنى المعجمي وطبيعة هذا المعنى.
سبق أن فرَّقنا بين اللغة وبين الكلام، وقلنا: إن اللغة مجموعة من الأنظمة والعلاقات، وإن الكلام هو النطق أو الكتابة بحسب قواعد هذه الأنظمة والعلاقات. ونحب أن نضيف هنا أن المعجم ليس نظامًا، ولكنه مع ذلك جزء من اللغة، ومثل الأنظمة بعلاقاتها ومثل الكلمات كمثل قواعد الشطرنج؛ لأن قواعد الشطرنج نظام ينتظمه جدول "إن صح هذا التعبير" قوامه المربعات ذات العلاقات فيما بينها، فالمربعان قد يختلفان من حيث العلاقة الرأسية بأن يكون كل منهما في صف رأسي مختلف عن الآخر، وقد يختلفان من حيث علاقة
الصف الأفقي، وقد يختلفان من حيث علاقة الصف المائل. ولكن الاختلاف بين أي مربع وبين المربعات الأخرى مهم جدًّا في الوظائف التي تؤديها هذه المربعات أثناء اللعب، ولكن فهمنا للشطرنج لا يتم بمجرد وجود الرقعة فقط، وإنما لا بُدَّ من القطع المختلفة الشكل أو المبنى والوظيفة أو المعنى في اللعبة. فقواعد لعبة الشطرنج ومربعاته كنظام اللغة صرفًا ونحوًا، وقطع الشطرنج المختلفة الشكل والوظيفة كالكلمات، وحركات اللعب نفسها كالكلام الذي يحتاج إلى اللغة بما فيها من أنظمة وكلمات، وكما أن اللعبة تطبيق لقواعد الشطرنج كذلك الكلام تطبيق لقواعد اللغة؛ فالمعجم على رغم كونه قائمة من الكلمات التي لا تنتظم في نظام معين، إنما يعتبر جزءًا من اللغة من حيث يمد اللغة بمادة عملها، وهي الكلمات المختزنة في ذاكرة المجتمع.
علينا الآن إذًا أن نشرح طبيعة الكلمة في المعجم في ظلّ هذا التفريق بين مفهومي اللغة والكلام. المعروف أن اللغة باعتبارها نظامًا أكبر لا بُدَّ أن تكون صامتة، وقد سبق أن أشرنا إلى ذلك لأن النظام لا ينطق، ولكن الذي ينطق هو الكلام في إطار هذا النظام. والمعجم جزء من اللغة لا من الكلام، ومحتوياته الكلمات التي هي مختزنة في ذهن المجتمع أو مقيدة بين جلدتي المعجم وهي صامتة في كلتا الحالتين، ومن ثَمَّ يكون المعجم صامتًا كصمت اللغة، ويكون ذلك منسجمًا مع كونه جزءًا من اللغة، وحين يتكلم الفرد يغترف من هذا المعين الصامت فيصير الكلمات ألفاظًا ويصوغها بحسب الأنظمة اللغوية، فالمتكلم إذًا يحول الكلمات والنظم من وادي القوة إلى وادي الفعل.
وبعد قليل نفصل القول في أن معنى الكلمة في المعجم متعدد ومحتمل، ولكن معنى اللفظ في السياق واحد لا يتعدد بسبب ما يأتي:
أ- ما في السياق من قرائن تعين على التحديد "وقد سبقت الإشارة إلى القرائن المقالية".
ب- ارتباط كل سياق بمقام معين يحدد في ضوء القرائن الحالية "وسنرى شرح ذلك فيما بعد".
ولو لم تكن الكلمة المعجمية صامتة في ذاكرة المجتمع أو بين جلدتي المعجم لكانت بالضرورة منطوقة على ألسنة المتكلمين، ويظهر جلاء الغموض
في هذه المسألة بالتأمل في السؤال الآتي: كيف يأمل المتكلّم في أن يكون واضحًا وهو يستعمل كلمة ذات معنى متعدد ومحتمل؟ والإجابة هي أن المتكلم لا يستخدم الكلمات، وإنما يحولها إلى ألفاظ محددة الدلالة في بيئة النص.
نعم! "ألفاظ"؛ لأن الكلمة الصامتة صورة صوتية مفردة في ذهن المجتمع أو صورة كتابية مفردة بين جلدتي المعجم، والصورة دائمًا غير الحقيقة، فحين يلتقطها المتكلم يحولها.
أ- من الصورة إلى الحقيقة الحسية "سمعيًّا أو بصريًّا".
ب- من الإفراد "وهو طابع المعجم" إلى السياق الاستعمالي "وهو طابع الكلام".
عندئذ يحرك بها لسانه ناطقًا أو يده كاتبًا، فيتحول اعتبارها من "كلمة" إلى "لفظ"، ففرق ما بين الكلمة واللفظ هو فرق ما بين اللغة والكلام، فاللغة "والكلمة وحدة من وحداتها" صامتة، والكلام "واللفظ جزء من نسقه" محسوس، واللغة سكون والكلام حركة.
وهذا هو أحد أوجه الاعتراض على من عرَّف الكلمة من النحاة بأنها: "اللفظ المفرد" أو "لفظ وضع لمعنى مفرد"؛ لأن هذا التعريف يغفل عن حقيقة الفرق بين الكلمة وبين اللفظ كما حددناها هنا. وحاول بعض النحاة أن يعرف الكلمة بأنها "قول مفرد" فلم يكن أسعد حظًّا من صاحبيه، والأسباب واضحة لأن القول ربما يكون من أكثر من لفظ واحد، وتقاليد التحليل في اللغة العربية تجعل مقول القول دائمًا في صورة جملة. وسيجد القارئ الكثير من محاولات تعريف الكلمة والرد عليها في كتابنا "مناهج البحث في اللغة" فمن شاء فليرجع إلى ذلك في الكتاب المذكور.
عند هذا الحد أجدني مدفوعًا إلى استكشاف الطبيعة العرفية للكلمة وما يتصل بذلك من مبحث التفريق بين اللغة والكلام. ولقد تناول الباحثون
1 في مقالات الإسلاميين للأشعري جـ2 ص246: "وقد زعم الجباني أن الإنسان لو كان أخرس عييًّا يكتب كلامًا كان الكلام موجودًا مع كتابته".
القدماء أصل اللغة بالتأمل، فانقسموا في رأيهم إلى قسمين يقول أحدهما "بالتوقيف"، ومعناه أن اللغة هبة من الله للإنسان في إجمالها وتفصيلها، أي: إن كل كلمة في اللغة جاءت من عند الله تعالى حتى "القصعة" و"القصيعة" كما روى بعضهم، واحتجوا في تبرير هذا القول بما ورد في الكتب المقدسة ومنه الآية القرآنية:{وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} ، وقسم آخر يقول بالمواضعة، ومعناها أن اللغة من وضع المجتمع تعارف الناس عليها رموزًا ومعاني وطرق تركيب ومخارج أصوات، وهلمَّ جرا من كل ما يصلح للتعارف. وأنا بدوري أقول: إن اللغة التي علمها الله تعالى لآدم هي الاستعداد الفطري لاتخاذ لغةٍ ما والتفاهم بواسطتها، فاللغة التي وهبها الله له ظاهرة اجتماعية، وكان De Saussure يسميها langage، وليست لغة بعينها مما يسميه هو langue، ولا كلامًا مما يسميه parole. وفي كتابي "اللغة بين المعيارية والوصفية" نقاش لطبيعة الرموز اللغوية، فمن شاء فليعد إليه، وقد كان ممن الممكن أن اكتفي بهذه الإشارة لولا أنني أحب هنا أن أضيف بعض التأكيد للعلاقة العرفية بين الكلمة وبين معناها.
من الملاحظ أن المسمَّى الواحد تختلف أسماؤه من لغة إلى لغة؛ فالرجل في العربية يقابله man بالإنجليزية وكذلك lhomme بالفرنسية وهلم جرا. وقد يقول قائل: إن "الرجل" و man و lhomme يختلفون من حيث اللون والعادات والأخلاق والنظرة إلى الحياة والتاريخ بقدر ما يختلف الرجل العربي عن الرجل الإنجليزي والرجل الفرنسي، فالمفهومات مختلفة بين الكلمات الثلاثة، وهذه مبررات مقبولة لاختلاف التسمية من لغة إلى لغة، ولكن هذا ليس صوابًا؛ لأن الثلاثة تصدق عليهم بالعربية كلمة "الرجل"، وبالإنجليزية كلمة man، وبالفرنسية كلم lhomme، والعمل الواحد أو الحدث الواحد أيضًا تعبر عنه اللغات الثلاث بطرق مختلفة مثل:"يأكل" و manger to eat، ومعنى هذا باختصار أن كل مجتمع من المجتمعات الثلاثة التي عبَّرت عن هذه المعاني اختار طريقة خاصة للتعبير عنها؛ فأصبح المعنى الواحد الذي في متناول المتكلمين باللغات المختلفة يحتمل أن تتعدد وسائل الرمز له بتعدد المجتمعات، فكيف يصل كل
مجتمع إلى اختيار كلمة معينة ليدل بها على هذا المعنى؟ الجواب: بالتعارف. إذًا فما هو أساس التعارف؟ الجواب: الاعتباط. المنطق ولا الطبيعة.
"وذلك أن نظم الحروف هو تواليها في النطق فقط، وليس نظمها بمقتضى عن معنى ولا الناظم لها بمقتف في ذلك رسمًا من العقل اقتضى أن يتحرَّى في نظمه لها ما تحراه، فلو أن واضع اللغة كان قد قال: "ربض" مكان ضرب لما كان في ذلك ما يؤدي إلى فساد"1.
لقد أشرنا في مقدمة هذا الكتاب إلى أن "علم البيان" وهو فرع من فرع "علم البلاغة" يصلح أساسًا نظريًّا لبناء علم خاصٍّ بدراسة المعجم نظريًّا وعمليًّا يسمى"علم المعجم"، أما نظريًّا فإن هذا العلم يمكن أن يشرح لنا كيفية وضع الكلمات وهي رموز للمعاني، فيتناول الاشتقاق والارتجال والتعريب والنحت والتوليد وهلم جرا من الطرق التي يبينها فقه اللغة، والتي يمكن للكلمة العربية التي تبنى على أساسها، ويشرح كذلك القيمة العرفية لدلالة الكلمة مبينًا الفرق بين العرف الخاص والعرف العام في معنى الكلمات، ويشرح لنا طبيعة المعنى المعجمي وتعدده واحتماله، والفرق بينه وبين المعنى الوظيفي والمعنى الدلالي، ويشرح لنا المقصود بالكلمة مع محاولة تحديد حدودها على أسس شكلية، فيقول لنا: متى تبدأ الكلمة العربية ومتى تنتهي وما الذي يعتبر كلمة مستقلة، وما الذي يعتبر جزء كلمة، ويشرح لنا الدلالات الاستعمالية للكلمة ما بين الحقيقة والمجاز، ويبين لماذا كان المعنى المجازي معتبرًا في المعجم، ويتناول مباحث نظرية بيانية أخرى لا غنى للمعجم عنها. وأما عمليًّا فيشرح لنا أفضل منهج لوضع المعاجم ذاكرًا الغاية الأساسية من كتابة المعاجم، وما الذي يتوقعه المرء حين يتناول المعجم في يده ليكشف عن كلمة، ومن هنا يتطرق إلى الصلة بين المعجم وبين علم الصوتيات، ثم إلى الصلة بينه وبين نظام الإملاء ومايشتمل عليه نظام الإملاء من إشارات صوتية وصرفية، ثم إلى الصلة بين المعجم وبين علم الصرف، وكذلك الصلة بين شواهده وبين علم النحو "لأن الكلمة المفردة لا تتصل بالنحو، ولكن الشواهد على طرق استعمالها ومعانيها تتصل به" ثم يذكر بعد ذلك أمثل طريقة لشرح الكلمة وقيمة
1 دلائل الإعجاز ص40.
الاستشهاد في تحديد المعنى، ويلمح إلى تطور البنية etymology وتطور الدلالة semantic shift بالنسبة لبعض الكلمات، والتضام الافتقاري والأسلوبي للكلمات، إلى غير ذلك مما يتناوله المعجم من الأمور العملية.
وأوضح ما في علم البيان من مباحث هو الدلالات الاستعمالية للكلمة، والمعروف أن الواضع يضع الكلمة أولًا للمعنى الحقيقي العرفي وليس للمعنى المجازي الفني، ولكن كلمات اللغة دائمًا وفي كل مجتمع أقل بكثير جدًّا من تجارب هذا المجتمع، فلو أن المجتمع اكتفى باستخدام الكلمات في معانيها الحقيقية لأصبحت تجاربه التي تعبّر اللغة عنها محدودة، ولضاع معظم تجارب المجتمع في متاهات النسيان؛ لأن الكلمة عقال المعنى، والمعنى الشارد بل عقال لا بُدَّ له أن يضل ويختفي ويضيع إلى الأبد، وكذلك كان لا بُدَّ من حل لهذه المشكلة في اتجاهين:
أ- محاولة إثراء اللغة بإيجاد كلمات للمعاني التي لم يعبر عنها، ولم توضع لها كلمات من قبل.
ب- محاولة الانحراف بالمعنى العرفي للكلمة إلى معانٍ أخرى فنية بيانية تسمَّى المعاني المجازية كالتشبية والاستعارة والمجاز المرسل.
غير أن هذه المعاني الفنية المجازية يكثر ترديدها على الألسنة مع إطلاقها المجازي الفني، فحين يطول عليها الأمد في هذا الاستعمال يميل الناس إلى اعتبار دلالتها على المعنى المجازي الجديد دلالة عليه على سبيل الحقيقة، ومن ثَمَّ يصبح معنى الكلمة متعددًا، وترصد لها هذه المعاني المتعددة في المعجم، فتكون الكلمة بين جلدتي المعجم محتملة لكل معانيها المعجمية المختلفة المنشأ حتى توضع في سياق يحدد لها واحدًا من هذه المعاني.
والعرف ملك المجتمع، ولا يمكن أن يكون ملكًا للفرد مهما كانت قوته، والحقيقة أن الفرد يحس دائمًا أنه عاجز عن تغيير النظم العرفية في مجتمعه، ويحس كما يقول علماء الاجتماع من أتباع المدرسة الفرنسية بجبرية الظواهر الاجتماعية، حتى إنه في النهاية يشعر بأنه مضطر إلى مطابقة الاستعمال الاجتماعي في جميع مظاهر سلوكه، وكل ذلك صادق على النشاط اللغوي للفرد ينشأ ليجد أمامه مجموعة ضخمة من الكلمات المحددة الأشكال صرفيًّا والمحددة
المعاني "وإن تعددت" معجميًّا. ويتعلم في البيت وفي المدرسة عن طريق المعيارية المتزمتة فيهما كيف يطابق الاستعمال الاجتماعي سواء من ناحية المبنى أو من ناحية المعنى. فأما من ناحية المبنى: فإن الفرد يطلب إليه في سبيل المطابقة الاجتماعية أن ينسى كل شيء حتى ميله الذي كان له في البداية إلى أن يقيس في صياغة الكلمات قياسًا صرفيًّا مطردًا يتعارض أحيانًا مع السماع، فيعلمونه كيف يقول حمراء لا أحمرة، وخضراء لا أخضرة، وسوداء لا أسودة، وهلم جرا. وأمَّا من جهة المعنى: فإنه يطلب إليه أن يحافظ على الرابطة العرفية بين الكلمة وبين معناها، فلا يستعمل الكلمة بمعنى شخصي فردي غير عرفي؛ لأنه لو فعل ذلك لما فهمه أحد ممن يسمعونه لانفكاك الرابطة في أذهانهم بين اللفظ المسموع وبين المعنى المقصود، وقديمًا لقي الشاعر عقوبته الاجتماعية فسخر الناس منه عندما استعمل معاني فردية، وقالوا في السخرية منه إن "المعنى في بطن الشاعر".
حقًّا إن الباب ليس موصدًا أمام تصدي الأفراد لارتجال الكلمات للمعاني، ولتحويل الدلالة من معنى إلى آخر، والأفراد يفعلون ذلك في كل زمان ومكان، لا يحد حرتهم في هذا المجال شيء ما داموا قادرين على ممارسة هذه اللعبة، ولكن النشاط الفردي شيء والقبول الاجتماعي لما أوجده الفرد شيء آخر. فالشرط الأساسي لِأَنْ يصبح هذا الصوغ الجديد أو الاستعمال الجديد الذي جاء به الفرد جزءًا من مفردات اللغة هو أن يتقبَّله المجتمع ويشيع استعماله، فيكتسب العرفية الضرورية لكلمات اللغة. لقد جاءنا مع التنمية وتشعب أنواع النشاط في المجتمع وغزارة المادة المكتوبة والمسموعة فيما بعد ثورة 1952 حشد هائل من الكلمات الجديدة التي بدأت كل واحدة منها على لسان فرد من الكتاب أو المتحدثين، فتقبلها المجتمع وأعطاها بالرواج عرفية للاستعمال فأصبحت جزءًا من اللغة، ومن شأء أن يرى شاهدًا على ذلك فلير مقالي "دور اللغة في مجتمعنا المعاصر"، وقد نشر بمجلة المجلة في عدد شهر يونية سنة 1966، بل إنني إذا لم تخني الذاكرة قد لعبت هذه اللعبة وأنا بعد طالب في مدرسة دار العلوم العليا في العام 1944-1945. فلقد كانت كلمة "إشاعة" قبل ذلك التاريخ على قدر علمي هي الكلمة
العرفية التي يقصد بها "الخبر غير المحقق الصدق"، وكان الناس يستعملونها في الكلام والكتابة وفي نوبة من نوبات المطالب التي تعود الطلبة أن ينادوا بها، كنا نناقش أمر مطالبنا مع أستاذ لنا في حجرة الدراسة، وخطر لي وأنا أريد التكلم عن "إشاعة ما أن كلمة "شائعة" ربما كانت أصدق في التعبير عن المعنى المقصود، فاستعملته ورضي الأستاد عن هذا الاستعمال الجديد وقرَّظه واستعمله في أحديث الدينية في إذاعة القاهرة، فقلده الناس فيه واكتسبت الكلمة الرواج بينا كنت أنا من جانبي أرقب نمو هذا الوافد الجديد في الاستعمال، وأسرّ في نفسي شيئًا من الاعتزاز به.
وكلنا يعلم كيف يتحول المعنى تحولًا مقصودًا أحيانًا ويتطور تطورًا عاديًّا أحيانًا أخرى، فمعظم المصطلحات الفقهية الإسلامية في العبادات وغيرها كالصلاة والزكاة والصيام والحج والهدي والسعي ونحوها محوّل عن معانٍ لغوية عامة إلى معانٍ اصطلاحية خاصة عن طريق القصد والتعمد. كما أن من الملاحظ في تطور من عصر إلى عصر أنّ هذا التطور يعتبر صدًى لتحول اجتماعي خارج العقل، فيغلب الآخر على الكلمة التي كانت تدل على الأول؛ كلفظ الحرية مثلًا حين ألغي الرقيق وألغي معه التقسم الاجتماعي إلى عبد وحر، أصبح لفظ الحرية يستعمل استعمالًا مجازيًّا أولًا بمعنى القدرة على الاختيار سياسيًّا، ثم استمرَّ إطلاق الكلمة على هذا المعنى حتى اقتربت في دلالتها عليه من الحقيقة وضعف فيها عنصر المجاز، فلا يلمحه إلّا صاحب التفكير اللغوي. وقد تسوء سمعة الكلمة لطول ارتباطها بمدلول غير كريم فتطرح هذه الكلمة وتستعمل كلمة أخرى في مكانها غير مثقلة بارتباطات ممجوجة من جهة المعنى، فتستخدم فيه أولًا على طريق المجاز، ويعتبر عنصر الدلالة المجازية فيها مناط التبرير في قبولها حيث يعتبر استعمالها المجازي نوعًا من التنزه عن ذكر الكلمة الأولى التي ساءت سمعتها، ثم يطول الأمد على
1 انظر كيف كان التطور الاجتماعي سببًا في تحول دلالة طائفة من الكلمات العربية مثل: الصعلوك والسياسة والبلد والقرية والمركز والنقطة والمعهد والثورة والفتنة والريع والدولة "بنت الشاطئ -لغتنا
…
".
استعمال الكلمة الثانية فتسوء سمعتها أيضًا، ولا يزال هذا المدلول الممجوج يستهلك الكلمات واحدة بعد الأخرى إلى ما لا نهاية. انظر مثلًا تعاقب الكلمات الآتية على معنى مكان قضاء الحاجة: غائط -خلاء -كنيف - بيت أدب - مرحاض - دورة مياه - حمام، وقد كانت كل واحدة من هذه الكلمات قبل إسقاطها مما لا يأنف الناس من الجهر باستعماله في الكلام، ولا يعلم إلّا الله ما الكلمات التي ستتعاقب بعد ذلك على هذا المدلول الذي يمجه الذوق في جهر الكلام. وهذه العرفية في الاستعمال وكل ما يتصل بها من مشاكل تعتبر قيدًا على مداخل المعجم، بمعنى أن المعجم لا ينبغي مطلقًا أن يشتمل على كلمات يخترعها الأفراد قبل أن تروج هذه الكلمات وتصل إلى مستوى الاستعمال العرفي، حتى ولو كان صاحب المعجم يتنبأ لهذه الكلمة بعينها بالرواج والوصول إلى المستوى العرفي؛ لأن المطلوب هو العرفية الواقعية لا المتوقعة.
والآن ننتقل إلى تناول المعنى المعجمي بالتحليل من النواحي الآتية:
أ- التعدد والاحتمال في المعنى المعجمي:
ب- شرح المعنى كيف يكون.
جـ- صلة المعنى المعجمي بأنظمة اللغة الثلاثة الصوتي والصرفي والنحوي.
أ- قلنا: إن من طبيعة المعنى المعجمي أن يكون متعددًا ومحتملًا، وهاتان الصفتان من صفاته تقود كل منهما إلى الآخر، فإذا تعدَّد معنى الكلمة المفردة حال انعزالها تعددت احتمالات القصد وتعدد احتمالات القصد يعتبر تعددًا في المعنى، والذي يجب ألّا يغيب عن أذهاننا دائمًا أن الكلمة في المعجم لا تفهم إلّا منعزلة عن السياق، وهذا هو المقصود بوصف الكلمات في المعجم بأنها "مفردات"، على حين لا توصف بهذا الوصف وهي في النص حاشا بعد استخراجها منه لتحديد معناها المناسب. وإن تعدد معنى الكلمة في المعجم يرجع إلى صلاحيتها للدخول في أكثر من سياق، وثبوت ذلك لما بسبق استعمالها في نصوص عربية قديمة وحديثة. ومن صلاحيتها للدخول في أكثر من سياق ما يأتي
تعدد معناها واحتماله في حالة الإفراد، وإذا أردنا أن نضرب مثلًا لتعدد معاني الكلمة المفردة واحتمالها، فلدينا مثالان نوردهما هنا ونرصد تعدد المعنى فيهما، وهما كلمتا "صاحب" و"ضرب".
فأما كلمة صاحب فيتعدد معناها على النحو التالي:
1-
لقب "أي: ذو" نحو: صاحب الجلالة.
2-
مالك نحو: صاحب البيت.
3-
صديق نحو: صاحبي.
4-
رفيق نحو: صاحب رسول الله.
5-
منتفع نحو: صاحب المصلحة.
6-
مستحق نحو: صاحب الحق.
7-
مقتسم نحو: صاحب نصيب الأسد.
فكلمة صاحب بمفردها تحتمل هذه المعاني السبعة ولا تختص بواحد منها إلّا عند التضام مع المضاف إليه، وهذا التضام أضعف صورة من صور الدخول في سياق، ولذلك يعتبر كل مثال من الأمثلة السبعة الواردة مما يحدد معنى واحدًا معينًا للكلمة، وأما كلمة "ضرب" فمن معانيها ما يأتي:
1-
عاقب نحو: ضرب زيد عمرًا.
2-
ذكر نحو: ضرب الله مثلًا.
3-
أقام نحو: ضرب له قبة.
4-
صاغ نحو: ضرب العملة.
5-
حدد نحو: ضرب له موعدًا.
6-
سعى نحو: ضرب في الأرض.
حسب نحو: ضرب خمسة في ستة.
وقد تأتي في تعبير فتفيد بالتضام غير ذلك؛ كإفادة معنى "الارتباك" في عبارة "ضرب أخماسًا في أسداس" والمعنى معجمي في الكلمة المفردة فقط، أما حين تدخل في السياق فإن معناه لا يسمَّى معجميًّا نظرًا إلى أن السياق يحفل بالكثير من القرائن الحالية والمقالية التي قد تعطي الكلمة من المعاني
ما لا يرد على بال صاحب المعجم، وقد سبق أن شرحنا بعض ذلك عند دراسة النبر والتنغيم حين وازنا بين "اذكر الله" و"اذكري الله"، وحين قلنا عن بعض العبارات مثل:"نعم" و"لا" و"يا سلام" إنها قد تفيد بالنغمة من المعاني ما يتعارض مع معناها المعطى لا في المعجم. ولعل تعدد المعنى واحتماله من جهة وتحدده وتعينه من جهة أخرى هو الفارق الأساسي بين الكلمة التي في المعجم واللفظ الذي في السياق.
ب- ما الذي يتوقعه المرء عندما يمسك بالمعجم ليكشف عن معنى الكلمة ما؟ أو بعبارة أخرى: أي نوع من أنواع المعلومات يتوقّع الطالب أن يجده في المعجم، وأيها لا يتوقع أن يجده؟ دعنا أولًا نقول: إن المعجم ليس كتاب قواعد؛ لأنه ليس نظامًا من أنظمة اللغة، فلا ينبغي للطالب أن يكشف في المعجم عن قاعدة صوتية أو صرفية أو نحوية؛ لأن القواعد بفروعها المذكورة تتكفَّل بشرح المعنى الوظيفي بواسطة وصف سلوك الرمز التي دون الكلمة، أي سلوك الأجزاء التحليلية، ويجمع هذه الفروع كلمة "قواعد" التي تقابلها الكلمة الإنجليزية grammar، فالقواعد تشمل النظام الصوتي والنظام الصرفي والنظام النحوي. وأما المعجم فهو الخطوة التالية بعد القواعد في تتابع المستويات التحليلية للمعنى، ولا يأتي بعد المعجم من هذه المستويات إلّا علم الدلالة semantics، تلك كانت إجابة سلبية على السؤال المتقدم. أما الإجابة الإيجابية فهي: إن الطالب ينبغي أن يتوقّع من المعجم أن يقدم له المعلومات الآتية:
1-
طريقة النطق: من المعروف أن أنظمة الكتابة في اللغات المختلفة تقصر دون تمثيل النطق تمثيلًا صوتيًّا دقيقًا؛ لأن الأغراض العملية للكتابة الإملائية لا تتطلّب الرمز للفروق الصوتية الدقيقة التي لا تهمّ القارئ العادي كالإخفاء والإقلاب والإدغام بغنّة وهلم جرا، وإنما ينبغي لكل نظام إملائي أن تكون غايته المنشودة أن يمثل الحروف phonemes في الكتابة بأن يجعل لكل حرف من حروف اللغة "وقد يشتمل الواحد منها على عدد من الأصوات
كما بينا بالنسبة للنون" رمزًا كتابيًّا واحدًا مستقلًّا، وهذه الغاية المنشودة لم تصل إليها لغة من لغات العالم حتى الآن، ولم يصل إليها نظام الإملاء العربي كذلك، ومن شاء أن يعرف تفصيل ذلك فليرجع إلى كتابي "اللغة بين المعيارية والوصفية". ولكننا نستطيع أن نضرب المثل هنا بالحروف التي لا تنطق كالواو التي في "عمرو"، والحروف التي لا تكتب كواو المد في "داود"، والحروف التي تنطق ويكتب رمز غيرها من الحروف كالألف في "رمى" وهلم جرّا. ولهذا السبب أصبح من المحتمل للكلمة العربية كما يمثلها نظام الإملاء أن تكون عرضة للخطأ في النطق، ومن ثَمَّ يتوقع طالب المعجم حين يكشف عن معنى الكلمة أن يبدأ المعجم بأن يحدد له طريقة نطقها ما دام النظام الإملائي لا يصل إلى هذه الغاية. وفي لغات العالم الحية معاجم خاصة لنطق الكلمات؛ كالمعجم الذي وضعه دانيال جونز لنطق كلمات اللغة الإنجليزية، وأطلق عليه اسم: English Pronouncing Dictionary ولعل الصلة الشديدة الانفكاك بين الهجاء الإنجليزي ونطق الكلمات في تلك اللغة يبرر وضع معجم خاص لنطق كلماتها. أما الطريقة التي درجت عليها المعاجم العربية للوصول إلى هذه الغاية "إيضاح طريقة النطق" فهي أن تصف حركات الكلمة ومدها وإعجام الحروف أو إهمالها، فتقول مثلًا في كلمة "تبعة" بفتح فكسر ففتح، أو تقول عند خوف اللبس المطبعي: بالتاء الفوقية المثناة فالباء التحتية فالعين المهملة، ومن ذلك أيضًا ألّا تفصل القول في حركاتها وحروفها، وإنما تلجأ إلى قياس هذه الكلمة على كلمة أخرى أشهر منها في الاستعمال، فتجعل الكلمة الشهيرة كالميزان الصرفي للكلمة المشروحة فتقول مثلًا: "ردح البيت كمنع" فيعرف أن هذا الفعل من باب فعل يفعل -بفتح العين- في الصغتين، فيفيد القارئ من ذلك من جهة النطق -وربما الصرف كذلك- في الوقت نفسه.
2-
الهجاء: وما دامت الأنظمة الإملائية لا تتطابق مع النطق بالضرورة ولا سيما حين تراعى اعتبارات أخرى بعضها تاريخي وبعضها لغوي "صوتي أو صرفي أو نحوي" وهلمَّ جرا، فلا بُدَّ أن يكون هجاء الكلمات غير متَّسم أحيانًا بالاطراد التام، ولا بُدَّ أن يختلف أساس هجاء كلمتين قد يبدو لأول
وهلة أنهما متشابهتان مثل: "غزا" و"جزى"، فعلى المعجم في هذه الحالة أن يكون مظنَّة من مظانِّ الإجابة على كيفية كتابة كلمة ما، فيقدم هذا العون لمن لا يعرف ما يختفي خلف هاتين الألفين من اعتبارات صرفية، ومثل ذلك يقال في الكلمات التي تشتمل على الهمزات التي يختلف موضعها من الصورة الكتابية للكلمة بين الإفراد والكتابة على ألف أو واو أوياء، فعلى المعجم أيضًا أن يكون مظنة الوصول إلى هجاء هذه الكلمات.
أما الرجل العادي الذي لا بصر له بقواعد اللغة فليرجع في شأن الهجاء إلى المعجم.
3-
التحديد الصرفي: ومما ينبغي للمعجم أن يقدمه للقارئ تحديد المبنى الصرفي للكلمة، كما إذا كانت الكلمة اسمًا أو صفة أو فعلًا أو غير ذلك، فتقديم هذا التحديد الصرفي للكمة يعتبر الخطوة الضرورية في طريق الشرح؛ لأنه لا يمكن لإنسان أن يربط ما بين كلمة وما بين معناها المعجمي إلّا إذا عرف مبناها الصرفي فحدَّد معناها الوظيفي أولًا، ويحدث أحيانًا أن تأتي كلمة على صيغة صرفية محايدة مثل:
فاعل: لصفة الفاعل والأمر من فاعل نحو: "قاتل".
فعل: للصفة المشبهة والمصدر نحو: "عدل".
فعيل: لصيغة المبالغة ولمعنى مفعول نحو: "رفيع".
أفعل: للفعل الماضي وصفة التفضيل والصفة المشبهة نحو: "أسمى".
فانعزال الكلمة في المعجم قد يكون بيئة صالحة للبس في معناها، فعلى المعجم أن يعطيها من طرق الشرح ما يوضح معناه الصرفي كالتضامِّ بأن يقول مثلًا:"الأشرف الفاضل في الشرف" فنعلم من هذا أن المقصود صفة التفضيل بقرينة التضامِّ مع أداة التعريف، أو يقول:"أشرف على الشيء" أطل عليه" فيعرف من التضام أن المقصود الفعل. وفي كلمة مثل "المختار" لا بُدَّ للمعجم قبل شرحها أن يقول مثلًا: "والمختار بمعنى الفاعل الذي يختار
لنفسه وبمعنى المفعول من يقع عليه الاختيار" أو شيئًا شبيهًا بذلك، فقوله: بمعنى الفاعل وبمعنى المفعول تحديد صرفي لكلمة محايدة، أو يقول: "العدل بمعنى الصفة العادل، وبمعنى المصدر الإقساط في الحكم". فلا يمكن في حالة "المختار" و"العدل" ولا في غيرهما أن يكون الشرح مفيدًا إفادة تامة دون التحديد الصرفي للكمة.
4-
الشرح: ويكون شرح الكلمة بذكر معانيها المتعددة التي يصلح كل واحد منها لسياق معين، ولكن هذا الشرح أيضًا يتطلب أمورًا لا بُدَّ للمعجم من الوفاء بها حتى تتحقق فائدته بالنسبة لطلاب معاني الكلمات.
أولًا: لا بُدَّ أن يعنى المعجم بعرض الأشكال المختلفة إن وجدت للكلمة التي يشرحها، وهذه الأشكال المتعددة قد توجد جنبًا إلى جنب في الاستعمال في عصر واحد؛ كأن يسجل المعجم وجود صورتين مثلًا لكلمة "ميزة" تبدأ إحداهما للهيئة بالكسر والمد، وتبدأ الثانية للمرة بالفتح فالسكون، فيذكرهما باعتبارهما جاريتين على الألسنة بدرجة واحدة أو متقاربة. وقد تكون الأشكال المختلفة للكلمة مختلفة العصور كأنّ للكلمة صورة قديمة إما مهجورة أو مستعملة، وصورة أخرى أحدث منها مستعملة في الوقت الحاضر، وذلك مثل:"بكة" و"مكة". والمؤسف حقًّا أن المعاجم العربية قليلة العناية بتسجيل التطور الشكلي للكلمات على عكس ما تفعل المعاجم الأوربية كمعجم أوكسفورد الكبير الذي أعطى الكثير من العناية لما أطلق عليه اسم "وجهة النظر التاريخية" بالنسبة لتطور الكلمات.
ثانيًا: تخصيص مدخل لكل اشتقاق من اشتقاقات المادة، أو على الأصح: لكل مشتق من مشتقات المادة؛ لأن الاشتراك في حروف المادة يعتبر صلة رحم بين الكلمات من حيث الشكل، ولا يعتبر بالضرورة صلة رحم من حيث المعنى، وقد ضربنا مثلًا لهذا بالحل والحل والحلول، تشترك ثلاثتها في الأصول وتختلف في المعاني، ولقد درجت المعاجم العربية على جعل حروف المادة
هي المدخل، ثم تعدد الكلمات الداخلة تحتها على غير ترتيب وبلا قاعدة محددة لهذا التعدد.
وقد كنا نسمع أن معاجم اللغات الأخرى تشتمل على أعداد من الكلمات أكثر مما تشتمل عليه المعاجم العربية. فإذا قد عرفنا أن المعاجم العربية لا تعدد الكلمات بمداخل مستقلة، وإنما تعدد المواد كلًّا منها بمدخل خاصٍّ أدركنا أن المعاجم الأجنبية ربما كانت أكثر عدد مداخل لا عدد كلمات من المعاجم العربية. فاللغة العربية دون شك واسعة الثروة بما منحها التاريخ العربي المجيد من مفردات وهي قابلة لزيادة هذه الثروة بما وهبتها طبيعتها العبقرية في الصياغة من إمكان الاشتقاق والارتجال والتعريب وتغليب الصيغ على نحو ما اقترحناه تحت عنوان:"النظام الصرفي" وهلم جرا.
ثالثًا: شرح المعاني المختلفة المتعددة للكلمة الواحدة، وينبغي للشرح أن يكون واضحًا وأن يتجنب قدر الطاقة الشرح بالمرادف فقط؛ لأن الترادف التامّ مشكوك في أمره لما أصبح معروفًا في دراسة أصول التعارف على وضع الرموز للمعاني من ضرورة استقلال المعنى الواحد بالرمز الواحد، فالكلمتان اللتان تعتبرهما مترادفتين لا يوجد بينهما في الواقع إلّا منطقة مشتركة من المعنى، ثم يستقل كلٌّ منهما بأقليمه الخاص خارج منطقة التداخل، فاختلاف ظلال المعنى بهذه الصورة مطعَن خطير في فكرة الترادف.
ومَنْ ذَا الذي يقول: إن السيف والمشرفي والحسام والهندواني والفرند كلها بمعنى واحد؟ لا شَكَّ أن كل اسم من أسماء السيف هنا يستقل بملحظ خاص، ومن ثَمَّ يحسن في الشرح أن يستوفي ذلك الشرح قدر الطاقة بأكثر من مجرد المرادف. كما ينبغي أن تستوفى استعمالات الكلمة لغويًّا وفنيًّا إذا كانت الكلمة قد دخلت الاستعمال الاصطلاحي، فإذا تعددت معانيها الفنية كما في كلمة "الفاعل" مثلًا، فهو في النحو اسم مرفوع، وفي علم الجريمة هو المجرم، وفي الفلسفة هو المؤثر، وهو ضد القابل، فيحسن في هذه الحالة أن يشير المعجم إلى فروع العلم التي تستخدم فيها الكلمة استخدامًا اصطلاحيًّا قبل البدء في شرح معناها الاصطلاحي؛ كأن يقال مثلًا:
الفاعل الذي يفعل، وفي النحو الاسم المرفوع الذي يسند إليه فعل متقدم مبنى للمعلوم، وفي الجريمة الذي الجناية، وفي الفلسفة المؤثر وهو ضد القابل إلخ.
ومما يرد على الخاطر في هذا الصدد أن الكتاب العرب المعاصرين يبدون الكثير من الإهمال عند اختيار مصطلحاتهم الفنية، فيختارون للتعبير الاصطلاحي كلمات لا تتصل بما أريد بها من معنى، وذلك كأن يريد الكاتب التعبير عن معنى الإحساس" فيسوق لذلك المعنى كلمة "الشعور"، وهي كلمة لها معنًى فني آخر، أو حين يريد الكاتب أن يعبر عن فكرة فنية ما فيأتي للتعبير عنها بكلمة ذات استعمال عرفي عام، فليس لها استعمال سابق في الاصطلاح، وذلك كالتعبير عن فكرة "الطلاق" بكلمة "اليمين"، أو حين يريد الكاتب أن يعبّر عن معنى يوصل إليه لغة بصيغة صرفية معينة، فيستعمل للتعبير عن هذا المعنى صيغة أخرى ذات معنى يختلف تمامًا عن المعنى المقصود؛ كأن يريد التعبير عن معنى "محددة" أي: لها حد وتعريف تتعين به، فيستعمل لهذا المعنى كلمة "محدودة" غير عابئ، أو لعله غير فطن إلى هذه الكلمة الأخيرة معناها "قاصرة"، أي: لا توصف بالعموم ولا بالشمول.
رابعًا: الاستشهاد على كل معنى من المعاني التي يوردها المعجم للكلمة؛ لأن شرح المعنى بدون استشهاد على الشرح لا يعطي فكرة واضحة عن طريقة استعمال الكلمة، أي: إن القيمة الحقيقية لهذا الاستشهاد تكمن في الكشف عن الطرق المختلفة التي يمكن بها أن تستعمل الكلمة في نطاق التركيب بعد أن عرف معناها المفرد؛ لأن مجرد الكشف عن هذا المعنى مهما تعددت المعاني المشروحة لا يمكن أن يرشد إلى طريقة الاستعمال في التراكيب المختلفة باختلاف الرتبة والتضام وغيرهما من القرائن. وينبغي للاستشهاد أن يختار اختيارًا حسنًا بحيث يمثل المعنى المقصود تمثيلًا أمينًا؛ سواء أكان هذا المعنى فنيًّا أم أدبيًّا جماليًّا أم عرفيًّا عامًّا. فإذا ذكر المعجم للكلمة معنى سوقيًّا كان الأفضل أن يكون الاستشهاد عليه من كلام السوقة، أما إذا كان المعنى المختار أدبيًّا جماليًّا فإن الشاهد ينبغي أن يؤخذ من النصوص الأدبية الجميلة.
خامسًا: أن يتوخَّى المعجم تحديد ضمائم الكلمة طبقًا للوجه الأول من وجهي فهمنا للتضام1 وهو الذي أطلقنا عليه "التوارد"، والوجه الآخر وهو "التلازم"، وقد أشرنا إليهما في دراسة النظام النحوي.
وينبغي هنا أن يشير المعجم إلى تغيّر المعنى مع كل ضميمة تتوارد مع الكلمة أو تتلازم معها، فيقول في الحالة الأولى مثلًا: صاحب الدار مالكها، وصاحب رسول الله رفيقة، وصاحب الفضيلة المثقّف في الشريعة الإسلامية، وصاحب الجلالة الملك، وصاحب المعالي الوزير، وصاحبي صديقي، وهلم جرا. ذلك هو المراد بالتوارد الذي هو أحد وجهي التضام، ويقول في الحالة الثانية وهي حالة التلازم: رغب فيه طلبه، وعنه كرهه، وإليه استعانه، وهكذا. ومن قبيل التضام ما يساق من أمثلة التعبيرات المشكوكة مثل: يضرب أخماسًا في أسداس، ويلقي الحبل على الغارب، ويضع الأمور في نصابها، وغير ذلك من العبارات التي تنوسي فيها ما كان لها من المعنى البياني حتى أصبحت كالأمثال لا تحتمل التغيير، ومن هنا جاء وصفها "بالمسكوكة". وإنما ينبغي ذكر الضمائم هنا؛ لأن الاكتفاء بذكر الكلمة دون ضمائمها لا يصل بالمعجم إلى غايته المنشودة، ويضيف إلى ما في المعجم من عموم المعنى وتعدده واحتماله عنصرًا آخر سلبيًّا جديدًا خطيرًا هو "اللبس".
جـ- والذي لا أملّ من تكراره في هذا المقام أن المعنى المعجمي متعدد ومحتمل، وهذا هو وجه الشبه من جهة بينه وبين المعنى الوظيفي للعناصر التحليلية، ووجه الاختلاف من جهة أخرى بين هذين المعنيين والمعنى الدلالي للسياق. ومما أود أن أشير إليه ههنا أن المعجم ينتفع بنتائج المستويات التحليلية التي سبقت، وهي النظام الصوتي والنظام الصرفي والنظام النحوي، وهي النظم المسئولة عن تحديد المعنى الوظيفي، أي: إن المعنى المعجمي يستعين بالمعنى الوظيفي. وقد رأينا كيف توقعنا للمعجم أن يحدد طريقة النطق وطريقة الهجاء والمبنى الصرفي، كما يرتبط شرح المعنى المعجمي في تحديد ضمائم الكلمة وسوق شواهدها بضرورة إيراد بعض الإشارات النحوية.
1 راجع معنى التضام في دراسة القرائن اللفظية في النظام النحوي.
وفيما يلي نصٌّ من القاموس المحيط للفيروزبادي يمكن أن ننظر فيه لنرى مقدار وفائه بمطالب علم المعجم أو مقدار قصوره في هذا المضمار:
"ردح" البيت كمنع، وأردحه أدخل شقة في مؤخرة، أو تكاثف عليه الطين، والردحة -بالضم- سترة في مؤخرة البيت، أو قطعة تزاد في البيت. وكسحاب الثقيلة الأوراك، والجفنة العظيمة، والكتيبة الثقيلة الجرارة، والدوحة الواسعة، والجمل المثقل حملًا، والمخصب، ومن الكباش الضخم الإلية، ومن الفتن الثقيلة العظيمة، جمعه: ردح، ومنه قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إن من ورائكم أمورًا متحاملة ردحًا، ويروى: والردح الوجع الخفيف، والردحي بالضم -بقال القرى، ولك عنه ردحة -بالضم- ومرتدح أي سعة".
وبعد فقد رأينا من هذا النص ما يأتي:
1-
تعدد المعنى المعجمي لكلمة "ردح" إذ كان لها معنيان، وكان للردحة معنيان أيضًا، وللرداح ثمانية معانٍ مختلفة، وكل واحد من المعاني المتعددة للكلمة المفردة يظل محتملًا للقصد حتى ترد الكلمة في سياق فيكون لها معنًى واحد فقط.
2-
رأينا كذلك كيف حدَّد القاموس طريقة نطق الكلمة بقوله: ردح كمنع، فما دمنا نعلم الحركات التي في كلمة "منع"، وأنها ثلاث فتحات متوالية، فإن قوله:"كمنع" يصبح في قوة قوله: مفتوحة الأول والوسط والآخر.
3-
أما من ناحية هجاء الكلمة: فقد لمحنا في كل مشتق من مشتقات هذه المادة كيف يكتب، ولكن غالبية المشتقات جاءت على القواعد الإملائية المحضة، فلم يكن فيها ما يدعو إلى النظر في طريقة هجائها، ولكن واحدة منها مثلًا هي "الردحي" قد اختلطت فيها قواعد الإملاء بالاعتبارات الصرفية
فأصبح هجاؤها وكتابة آخرها بالياء مما يطلبه بعض الناظرين في معناها، فجاءت صورتها الإملائية هنا عونًا لهذا البعض.
4-
وحين قال القاموس: "ردح كمنع" أعطانا معلومات صرفية محدَّدة، فبيّن لنا باب الفعل الثلاثي الذي ينتمي إليه "ردح"؛ إذ لم تقتصر هذه المعلومات التي عرفناها من قوله:"كمنع" على صورة الماضي، وإنما دلت الكلمة أيضًا على حركة عين مضارعه، وأنها فتحة، فكأنه قال: ومضارعه "يردح" مفتوح العين.
5-
أعطانا القاموس هنا صورة توضح لنا قيمة التضامّ في إيضاح المعنى وطريقة الاستعمال؛ إذ قال: "ولك عنه ردحة بالضم ومرتدح أي: سعة"، ولو أنه قال:"والردحة السعة" لما أمكن لنا أن نعرف متى تكون كذلك، ولكان في قوله تعميم غير حميد لا يذهب بأثره إلّا إيراد الضمائم التي يكون هذا المعنى بها.
6-
وربما أرجعنا قوله: "ويروى ردحًا" إلى محاولة إيفاء حق "وجهة النظر التاريخية" بإيراد الروايات المختلفة للكلمة، ولكن ذلك بأية صورة من صوره لا يمكن اعتباره من قبيل التطور الصرفي لشكل الكلمة etemology، وهو أمر تفتقر إليه معاجمنا العربية أشدّ الافتقار، كما تفتقر هذه المعاجم أيضًا إلى دراسة التطور الدلالي للكلمة الواحدة من عصر إلى عصر. وهذا الجانبان من "وجهة النظر التاريخية" المذكورة يستحقان عناية المجامع اللغوية والهيئات والأفراد لما يكمن وراءهما من الفائدة الكبيرة التي تعود على تاريخ حياة اللغة الفصحى.
7-
ولقد رأينا في قول القاموس: "ومنه قول علي رضي الله عنه: "إن من ورائكم أمورًا متماحلة ردحًا" مثلًا للاستشهاد على المعنى، وقد علمنا أن الاستشهاد يعين على معرفة طريقة الاستعمال في التراكيب.
ذلك هو المعجم، وتلك طبيعة منهجه وحدود ما يطلب منه. ولعل التعدد والاحتمال اللذين ذكرناهما للمعنى الوظيفي أولًا ثم للمعنى المعجمي ثانيًا يشيران إلى ضرورة عدم الاكتفاء بمعنى المقال مهما توافرت القرائن المقالية؛ لأن هذه القرائن "معنوية أو لفظية" لا تغني بأي حال عن القرائن الحالية التي نستمدها من المقام. والمقام وما يمكن أن يستمد منه من القرائن التي تعين على تحديد المعنى هو موضوع الفصل التالي تحت عنوان "الدلالة".