الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثِيَابِ الْحَرِيرِ وَلَا مَا غَالِبُهُ الْحَرِيرُ، وَلَا افْتِرَاشُهُ إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ، فَإِنِ اسْتَوَى هُوَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
ابْنُ تَمِيمٍ لِقَوْلِهِ عليه السلام فِي آخِرِ الْخَبَرِ: «إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ» وَكَافْتِرَاشِهِ، وَجَعْلِهِ مِخَدًّا «لِأَنَّهُ عليه السلام اتَّكَأَ عَلَى مِخَدَّةٍ فِيهَا صُورَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَعُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّهُ يَحْرُمُ تَصْوِيرُ الْحَيَوَانِ، وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ وِفَاقًا، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. فَلَوْ أُزِيلَ مِنْهَا مَا لَا تَبْقَى الْحَيَاةُ مَعَهُ لَمْ يُكْرَهْ فِي الْمَنْصُوصِ، وَمِثْلُهُ شَجَرٌ، وَنَحْوُهُ، وَكَرِهَ الْآجُرِّيُّ الصَّلَاةَ عَلَى مَا فِيهِ صُورَةٌ، وَكَذَا فِي " الْفُصُولِ "، وَلَوْ عَلَى مَا يُدَاسُ لِقَوْلِهِ عليه السلام:«لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ، وَلَا كَلْبٌ، وَلَا جُنُبٌ» إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
[لُبْسُ ثِيَابِ الْحَرِيرِ وَافْتِرَاشُهُ لِلرِّجَالِ]
(وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ) وَلَا الْخُنْثَى وَلَوْ كَافِرًا (لُبْسُ ثِيَابِ الْحَرِيرِ) فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا فِي غَيْرِ حَالِ الْعُذْرِ. حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَلْبِسُوا الْحَرِيرَ، فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ رضي الله عنه حَتَّى تِكَّةٍ، وَشَرَابَةٍ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَالْمُرَادُ شَرَابَةٌ مُفْرَدَةٌ كَشَرَابَةِ الْبَرِيدِ لَا تَبَعًا فَإِنَّهَا كَزِرِّ، وَعَلَّلَ الْقَاضِي وَالْآمِدِيُّ إِبَاحَةَ كِيسِ الْمُصْحَفِ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ، فَعَلَى هَذَا يُسْتَثْنَى (وَلَا مَا غَالِبُهُ الْحَرِيرُ) لِأَنَّ الْغَالِبَ لَهُ حُكْمُ الْكُلِّ، فَحُرِّمَ لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَالْقَلِيلُ مُسْتَهْلَكٌ فِيهِ، أَشْبَهَ الضَّبَّةَ مِنَ الْفِضَّةِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمْعٍ أَنَّ الْمُحَرَّمَ الْحَرِيرُ الصَّافِي الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ غَيْرُهُ، وَسَيَأْتِي، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالظُّهُورِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَقِيلَ: بِالْوَزْنِ قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "(وَلَا افْتِرَاشُهُ) لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى أَنْ يُلْبَسَ الْحَرِيرُ وَالدِّيبَاجُ، وَأَنْ يُجْلَسَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. قَالَ أَحْمَدُ فِي
وَمَا نُسِجَ مَعَهُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَيَحْرُمُ لُبْسُ الْمَنْسُوجِ بِالذَّهَبِ وَالْمُمَوَّهِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
رِوَايَةِ صَالِحٍ وَجَعْفَرٍ: افْتِرَاشُ الْحَرِيرِ كَلُبْسِهِ، وَكَذَا الِاسْتِنَادُ إِلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ) لِأَنَّهَا تُبِيحُ الْمُحَرَّمَ بِدَلِيلِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ، وَظَاهِرُهُ إِبَاحَتُهُ لِلنِّسَاءِ مُطْلَقًا، لِمَا رَوَى أَبُو مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِلْإِنَاثِ مِنْ أُمَّتِي، وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا» رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَأَغْرَبَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي " فُنُونِهِ " فَجَوَّزَ لَهُنَّ لُبْسَهُ دُونَ الِاسْتِنَادِ وَالِافْتِرَاشِ.
1 -
فَرْعٌ: يَحْرُمُ تَعْلِيقُهُ، وَسَتْرُ الْجُدُرِ بِهِ غَيْرَ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ وِفَاقًا، وَحَرَّمَ الْأَكْثَرُ اسْتِعْمَالَهُ مُطْلَقًا فَدَلَّ أَنَّ فِي شُخَانَةٍ، وَخَيْمَةٍ، وَبُقْجَةٍ، وَكَمِرَانٍ، وَنَحْوِهِ الْخِلَافُ (فَإِنِ اسْتَوَى هُوَ، وَمَا نُسِجَ مَعَهُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِ، أَحَدُهُمَا: يُبَاحُ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ:«إِنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الثَّوْبِ الْمُصْمَتِ مِنْ قَزٍّ، أَمَّا السَّدي أَوِ الْعَلَمُ فَلَا يَرَى بِهِ بَأْسًا» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَلِأَنَّ الْحَرِيرَ لَيْسَ أَغْلَبَ، أَشْبَهَ الْأَقَلَّ، وَالثَّانِي: يَحْرُمُ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ الْأَشْبَهُ لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّ النِّصْفَ كَثِيرٌ، لِأَنَّهُ لَا يُطْلَقُ عَلَى مَا نُسِجَ مَعَهُ مِنَ الْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ، كَتَّانٌ وَلَا قُطْنٌ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ وَلَا يَحْرُمُ، كَمَا لَوْ شَكَّ فِي كَثْرَةِ الْحَرِيرِ أَوْ مُسَاوَاتِهِ غَيْرَهُ مَعَ إِبَاحَةِ النِّصْفِ.
1 -
تَنْبِيهٌ: أَبَاحَ أَحْمَدُ لُبْسَ الْخَزِّ، وَهُوَ مَا سُدِّيَ بِإِبْرَيْسِمَ، وَأُلْحِمَ بِوَبَرٍ أَوْ صُوفٍ لِلْخَبَرِ، وَلِفِعْلِ الصَّحَابَةِ، وَجَعَلَهُ ابْنُ عَقِيلٍ كَغَيْرِهِ فِي الثِّيَابِ الْمَنْسُوجَةِ مِنَ الْحَرِيرِ، وَغَيْرِهِ. وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا أَحْمَدُ بِأَنَّ هَذَا لَبِسَهُ الصَّحَابَةُ، وَبِأَنَّهُ لَا سَرَفَ وَلَا خُيَلَاءَ، وَعُلِمَ مِنْهُ إِبَاحَةُ الصَّرْفِ، وَكَذَا الْكَتَّانُ إِجْمَاعًا، وَالنَّهْيُ عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ لَا أَصْلَ لَهُ، وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ يُكْرَهُ لِلرِّجَالِ، وَلَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةٍ لَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ مَعَ أَنَّهُ لَبِسَهُ الصَّحَابَةُ وَغَيْرُهُمْ، وَكَالْقُطْنِ.
(وَيَحْرُمُ) عَلَى ذَكَرٍ بِلَا حَاجَةٍ (لُبْسُ الْمَنْسُوجِ بِالذَّهَبِ، وَالْمُمَوَّهِ بِهِ) أَيِ:
بِهِ، فَإِنِ اسْتَحَالَ لَوْنُهُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ. وَإِنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ لِمَرَضٍ أَوْ حَكَّةٍ، أَوْ فِي
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمَطْلِيِّ، وَكَذَا عَبَّرَ فِي " الْوَجِيزِ " وَلَا فَرْقَ فِي الذَّهَبِ بَيْنَ خَالِصِهِ وَمَشُوبِهِ، وَالْمُنْفَرِدِ وَالْخَلِيطِ، بِخِلَافِ الْحَرِيرِ لِمَا تَقَدَّمَ فِي خَبَرِ أَبِي مُوسَى، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَنْسُوجَ وَالْمُمَوَّهَ بِالْفِضَّةِ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ كَالذَّهَبِ، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَفِي " الْفُرُوعِ " وَقَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": وَقِيلَ: أَوْ فِضَّةٍ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، إِلَّا فِي مِغْفَرٍ، وَجَوْشَنٍ، وَخُوذَةٍ، أَوْ فِي سِلَاحِهِ لِضَرُورَةٍ (فَإِنِ اسْتَحَالَ لَوْنُهُ) وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَقِيلَ: مُطْلَقًا (فَعَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: يَحْرُمُ لِلْخَبَرِ، وَالثَّانِي: يُبَاحُ، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " وَصَحَّحَهُ فِي " الْفُرُوعِ " لِزَوَالِ عِلَّةِ التَّحْرِيمِ مِنَ السَّرَفِ، وَالْخُيَلَاءِ، وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ، وقيل: يكره، وَقَيَّدَ ابْنُ تَمِيمٍ: إِنْ كَانَ بَعْدَ اسْتِحَالَتِهِ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُوَ مُبَاحٌ وَجْهًا وَاحِدًا، وَقِيلَ: الْمَنْسُوجُ بِذَهَبٍ كَحَرِيرٍ.
1 -
فَرْعٌ: مَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ حَرُمَ تَمَلُّكُهُ، وَتَمْلِيكُهُ كَذَلِكَ، وَعَمَلُ خِيَاطَتِهِ لِمَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ نصا.
(وَإِنْ لُبِسَ الْحَرِيرُ لِمَرَضٍ أَوْ حِكَّةٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَهُوَ الْجَرَبُ أَوْ مِنْ أَجْلِ الْقُمَّلِ جَازَ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَصَحَّحَهُ فِي " الْفُرُوعِ " لِأَنَّ أَنَسًا رَوَى:«أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ شَكَيَا إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْقُمَّلَ، فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قَمِيصِ الْحَرِيرِ، فَرَأَيْتُهُ عَلَيْهِمَا فِي غَزَاةٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِيهِ وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ:«أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَخَّصَ لَهُمَا فِي قَمِيصِ الْحَرِيرِ فِي سَفَرٍ مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا» وَمَا ثَبَتَ فِي حَقِّ صَحَابِيٍّ ثَبَتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ، وَقِسْنَا عَلَى
الْحَرْبِ، أَوْ أَلْبَسَهُ الصَّبِيَّ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَيُبَاحُ حَشْوُ الْجِبَابِ وَالْفُرُشِ بِهِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمَنْصُوصِ مِمَّا يَنْفَعُ فِيهِ لُبْسُ الْحَرِيرِ، وَوَهَمَ فِي " الشَّرْحِ " فَأَوْرَدَ الرُّخْصَةَ فِي الْقُمَّلِ فَقَطْ، وَعَنْهُ: لَا يُبَاحُ لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَالرُّخْصَةُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ خَاصَّةً بِهِمَا، وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا بُدَّ وَأَنْ يُؤَثِّرَ فِي زَوَالِهَا (أَوْ فِي الْحَرْبِ) الْمُبَاحِ لِغَيْرِ حَاجَّةٍ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: الْإِبَاحَةُ، وَهِيَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَعُرْوَةَ، وَكَانَ لَهُ يَلْمَقٌ مِنْ دِيبَاجٍ بِطَانَتُهُ مِنْ سُنْدُسٍ مَحْشُوٌّ قَزًّا يَلْبَسُهُ فِي الْحَرْبِ، وَلِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ لُبْسِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْخُيَلَاءِ وذلك غَيْرُ مَذْمُومٍ فِي الْحَرْبِ، وَمَحَلُّهُ عِنْدَ مُفَاجَأَةِ الْعَدُوِّ، وَقِيلَ: عِنْدَ الْقِتَالِ، وَقِيلَ: فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَعَنْهُ: مَعَ نِكَايَةِ الْعَدُوِّ.
وَالثَّانِيَةُ: التَّحْرِيمُ لِلْعُمُومِ، وَنَصَرَهُ فِي " التَّحْقِيقِ " لَكِنْ إِذَا احْتَاجَ إِلَيْهِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ بِطَانَةً لِبَيْضَةٍ أَوْ دِرْعٍ أَوْ نَحْوِهِ أُبِيحَ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَجُوزُ مِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الذَّهَبِ كدِرْعٍ مُمَوَّهٍ بِهِ لَا يسْتَغْني عَنْ لُبْسِهِ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ.
1 -
فَرْعٌ: الْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُبَاحُ الْحَرِيرُ لِحَاجَةِ بَرْدٍ أَوْ حَرٍّ، وَنَحْوِهِ لِعُدْمٍ، وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ أَنَّهُ مَنِ احْتَاجَ إِلَى لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ تَحْصِينٍ مِنْ عَدُوٍّ وَنَحْوِهِ أُبِيحَ (أَوْ أُلْبِسَهُ الصَّبِيُّ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: يَحْرُمُ عَلَى وَلِيِّهِ إِلْبَاسُهُ حَرِيرًا أَوْ ذَهَبًا، نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " لِقَوْلِهِ عليه السلام:«وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا» وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا نَنْزِعُهُ عَنِ الْغِلْمَانِ، وَنَتْرُكُهُ عَلَى الْجَوَارِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَشَقَّقَ عُمَرُ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَحُذَيْفَةُ قُمْصَ الْحَرِيرِ على الصبيان، رَوَاهُ الْخَلَّالُ.
وَيَتَعَلَّقُ التَّحْرِيمُ بِالْمُكَلَّفِينَ بِتَمْكِينِهِمْ مِنَ الْحَرَامِ كَتَمْكِينِهِمْ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ، وَكَوْنِهِمْ مَحَلًّا لِلزِّينَةِ مَعَ تَحْرِيمِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهِمْ أَبْلَغُ فِي التَّحْرِيمِ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ صَلَّى فِيهِ لَمْ تَصِحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَالثَّانِيَةُ: يُبَاحُ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ، قَالَ
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَحْرُمَ، وَيُبَاحُ الْعَلَمُ الْحَرِيرُ فِي الثَّوْبِ إِذَا كَانَ أَرْبَعَ أَصَابِعَ فَمَا دُونَ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُبَاحُ، وَإِنْ كَانَ مُذَهَّبًا، وَكَذَلِكَ الرِّقَاعُ، وَلَبِنَةُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنِ الْعَوَّامِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ قَالَ: كَانُوا يُرَخِّصُونَ لِلصَّبِيِّ فِي خَاتَمِ الذَّهَبِ، فَإِذَا بَلَغَ أَلْقَاهُ.
(وَيُبَاحُ حَشْوُ الْجِبَابِ وَالْفُرُشِ) بِضَمِّ الرَّاءِ جَمْعُ فِرَاشٍ، وَقَدْ تُسَكَّنُ (بِهِ) لِأَنَّهُ لَا خُيَلَاءَ فِيهِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحَرَّمَ) وَذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً كَبِطَانَةٍ، وَلِلْعُمُومِ، وَفِي تَحْرِيمِ كتابة الْمَهْرِ فِيهِ وَجْهَانِ (وَيُبَاحُ الْعَلَمُ) بِفَتْحِ اللَّامِ (الْحَرِيرُ) وَهُوَ طِرَازُ الثَّوْبِ (إِذَا كَانَ أَرْبَعَ أَصَابِعَ) مَضْمُومَةً (فَمَا دُونَ) أَيْ: فَأَقَلَّ، نُصَّ عَلَيْهِ. وَقَدَّمَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ لِمَا رَوَى عُمَرُ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إِلَّا مَوْضِعَ أُصْبُعَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي " الْوَجِيزِ " دُونَهَا، وَفِي " الرِّعَايَةِ " وَغَيْرِهَا: قَدْرَ كَفٍّ عَرْضًا، فَلَوْ لَبِسَ أَثْوَابًا فِي كُلِّ وَاحِدٍ قَدْرَ مَا يُعْفَى عَنْهُ، وَلَوْ جُمِّعَ صَارَ ثَوْبًا فَقِيلَ: لَا بَأْسَ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُبَاحُ وَإِنْ كَانَ مُذَهَّبًا) وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَحَفِيدُهُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ لِمَا رَوَى مُعَاوِيَةُ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ إِلَّا مُقَطَّعًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَلِأَنَّهُ يَسِيرٌ أَشْبَهَ الْحَرِيرَ وَيَسِيرَ الْفِضَّةِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَحْرُمُ يَسِيرُ ذَهَبٍ تَبَعًا، نُصَّ عَلَيْهِ كَالْمُفْرَدِ.
مَسْأَلَةٌ: يَجُوزُ بَيْعُ حَرِيرٍ لِكَافِرٍ، وَلُبْسُهُ لَهُ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ التَّحْرِيمُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْأَخْبَارِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَقَالَ عَنْ خِلَافِهِ: قَدْ يَتَوَهَّمُهُ مُتَوَهِّمٌ، وَهُوَ وَهَمٌ بَاطِلٌ، وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ أُذِنَ لَهُ فِي لُبْسِهَا. قَدْ بَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى عَلِيٍّ وَأُسَامَةَ كَمَا بَعَثَ إِلَى عُمَرَ، وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ إِبَاحَةُ لُبْسِهِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مُخَاطَبَتِهِمْ بِفُرُوعِ الْإِسْلَامِ، وَفَائِدَتِهَا: زِيَادَةُ الْعِقَابِ فِي الْآخِرَةِ (وَكَذَلِكَ) تُبَاحُ (الرِّقَاعُ) وَهُوَ جَمْعُ رُقْعَةٍ، وَهِيَ الْخِرْقَةُ الْمَعْرُوفَةُ (وَلَبِنَةٌ) بِفَتْحِ اللَّامِ، وَكَسْرِ الْبَاءِ (الْجَيْبُ) قَالَ صَاحِبُ " الْمَطَالِعِ " جَيْبُ الْقَمِيصِ طَوْقُهُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ الرَّأْسُ، فَعَلَى هَذِهِ لَبِنَتُهُ الزِّيقُ
الْجَيْبِ، وَسِجْفُ الْفِرَاءِ. وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ لُبْسُ الْمُزَعْفَرِ وَالْمُعَصْفَرِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَسُجُفٌ) جَمْعُ سُجَافٍ بِضَمِّ السِّينِ مَعَ ضَمِّ الْجِيمِ، وَسُكُونِهَا (الْفِرَاءُ) بِكَسْرِ الْفَاءِ مَمْدُودًا وَاحِدُهُ فَرْوٌ بِغَيْرِ هَاءٍ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَأَثْبَتَهَا ابْنُ فَارِسٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مُسَاوٍ لِلْعَلَمِ، وَكَذَا حُكْمُ الْخِيَاطَةِ بِهِ، وَالْأَزْرَارِ.
1 -
(وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ لُبْسُ الْمُزَعْفَرِ) نَقَلَهُ الْأَكْثَرُ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ «لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى الرِّجَالَ عَنِ الْمُزَعْفَرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ الْأَزَجِّيُّ، وَالْقَاضِي تَحْرِيمَهُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يُعِيدُ مَنْ صَلَّى بِهِ أَوْ بِمُعَصْفَرٍ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَقَدَّمَ جَمَاعَةٌ: لَا يُكْرَهُ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ (وَالْمُعَصْفَرُ) لِمَا رَوَى عَلِيٌّ: «قَالَ نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ كَذَا، وَعَنْ لُبْسِ الْمُعَصْفَرِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلَهُ أَيْضًا:«إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ فَلَا تَلْبَسْهَا» وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ إِلَّا فِي الْإِحْرَامِ فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُبَاحُ لِلنِّسَاءِ لِتَخْصِيصِ الرَّجُلِ بِالنَّهْيِ، قُلْتُ: وَيَلْتَحِقُ بِمَا ذَكَرَهُ الْأَحْمَرُ الْمُصْمَتُ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَه فِي " الْمُغْنِي " و " الشَّرْحِ " أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَالْمَذْهَبُ: يُكْرَهُ، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ يُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ كَرَاهَةً شَدِيدَةً لِغَيْرِ زِينَةٍ، وَكَذَا طَيْلَسَانٌ فِي وَجْهٍ، وَجِلْدٌ مُخْتَلَفٌ فِي نَجَاسَتِهِ وَافْتِرَاشِهِ فِي الْأَشْهَرِ، وَمَشْيُهُ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ بِلَا حَاجَةٍ.
وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يُبَاحُ الْأَبْيَضُ، وَالْأَصْفَرُ، وَالْأَخْضَرُ، وَكَذَا الْأَسْوَدُ، «لِأَنَّهُ عليه السلام دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ» ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ الْأَسْوَدُ لِلْجُنْدِ، وَقِيلَ: فِي
بَابُ اجْتِنَابِ النَّجَاسَاتِ وَهُوَ الشَّرْطُ الرَّابِعُ، فَمَتَى لَاقَى بِبَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ نَجَاسَةً غَيْرَ مَعْفُوٍّ عَنْهَا، أَوْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
غَيْرِ حَرْبٍ، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: فِيمَنْ تَرَكَ ثِيَابًا سُودًا يَحْرِقُهَا الْوَصِيُّ، لِأَنَّهَا لِبَاسُ الْجُنْدِ أَصْحَابِ السُّلْطَانِ وَالظَلَمَةِ.
تَذْنِيبٌ: يُسْتَحَبُّ التَّوَاضُعُ فِي اللِّبَاسِ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا: «الْبَذَاذَةُ مِنَ الْإِيمَانِ» رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ: وَهُوَ التَّوَاضُعُ فِي اللِّبَاسِ، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: يُكْرَهُ الرَّقِيقُ لِلْحَيِّ، وَلَا بَأْسَ بِغَسْلِهِ مِنَ الْعَرَقِ وَالْوَسَخِ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُعْجِبُهُ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ وَالثِّيَابُ النَّقِيَّةُ، وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: يُبَاحُ الْمُوَرَّدُ وَالْمُمَسَّكُ، وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَلْبَسَ ثِيَابَ الْمَرْأَةِ، وَالْعَكْسُ، نُصَّ عَلَيْهِ، كَالزِّيقِ الْعَرِيضِ لِلرَّجُلِ، وَاخْتُلِفَتْ عَنْهُ فِي كَرَاهَتِهِ لِلنِّسَاءِ. قَالَ الْقَاضِي: إِنَّمَا كَرِهَهُ أَحْمَدُ لِإِفْضَائِهِ إِلَى الشُّهْرَةِ.
1 -
فَصْلٌ يُسَنُّ الرِّدَاءُ، وَقِيلَ: يُبَاحُ، كَفَتْلِ طَرَفِهِ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَيُسَنُّ إِرْخَاءُ ذُؤَابَةٍ خَلْفَهُ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَإِطَالَتُهَا كَثِيرًا مِنَ الْإِسْبَالِ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَإِنْ أَرْخَى طَرَفَهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَحَسَنٌ، قَالَهُ الْآجُرِّيُّ، وَتُسَنُّ السَّرَاوِيلُ، وَفِي " التَّلْخِيصِ " لَا بَأْسَ قَالَ صَاحِبُ " النَّظْمِ " وَفِي مَعْنَاهُ التُّبَّانُ، وَجَزَمَ بَعْضُهُمْ بِإِبَاحَتِهِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، قَالَ أَحْمَدُ: السَّرَاوِيلُ أَسْتَرُ مِنَ الْإِزَارِ، وَلِبَاسُ الْقَوْمِ كَانَ الْإِزَارُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَيُسْتَحَبُّ الْقَمِيصُ، قَالَهُ الْقَاضِي، وَيُبَاحُ الْقَبَاءُ، قَالَ صَاحِبُ " النَّظْمِ ": وَلَوْ لِلنِّسَاءِ، وَالْمُرَادُ، وَلَا تُشْبِهُ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْجَدِيدِ وَالْعَتِيقِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ