الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
استيلاء معز الدولة بن بويه على بغداد كان معز الدولة في الأهواز، فلما بلغه موت تورون، سار إِلى بغداد، فلما قرب منها اختفى المستكفي بالله وابن شيرزاد، فكانت إِمارته ثلاثة أشهر وأياماً وقدم الحسن بن محمد المهلبي، صاحب معز الدولة، إِلى بغداد، وسارت الأتراك عنها إلى جهة الموصل، فظهر المستكفي واجتمع بالمهلبي، وأظهر المستكفي السرور بقدوم معز الدولة، وأعلمه أنه استتر خوفاً من الأتراك، فلما ساروا عن بغداد ظهر، ثم وصل معز الدولة إلى بغداد ثاني عشر جمادى الأولى من هذه السنة. واجتمع بالمستكفي وبايعه، وحلف له المستكفي وخلع عليه، ولقبه في ذلك اليوم بمعز الدولة، وأمر أن تضرب ألقاب بني بويه على الدنانير والدراهم، ونزل معز الدولة بدار مؤنس، وأنزل أصحابه في دور الناس، فلحق الناس من ذلك شدة عظيمة، ورتب معز الدولة للمستكفي، كل يوم خمسة آلاف درهم يتسلمها كاتبه لنفقات المستكفي.
خلع المستكفي وخلافة المطيع
وفي هذه السنة خلع المستكفي بالله أبو القاسم عبد الله بن المكتفي علي بن المعتضد بن الموفق لثمان بقين من جمادى الآخرة، وصورة خلعه، أن معز الدولة وعسكره والناس، حضروا إِلى دار الخليفة، بسبب وصول رسول صاحب خراسان، فأجلس الخليفة معز الدولة على كرسي، ثم حضر رجلان من نقباء الديلم، وتناولا يد المستكفي بالله، فظن أنهما يريدان تقبيلها، فجذباه عن سريره، وجعلا عمامته في عنقه، ونهض معز الدولة، فاضطرب الناس، وساقا المستكفي ماشياً إِلى دار معز الدولة فاعتُقل بها، ونُهبت دار الخلافة حتى لم يبق بها شيء، وكانت مدة خلافة المستكفي سنة وأربعة أشهر، ولما بويع المطيع، سلم إليه المستكفي، فسمله وأعماه، وبقي محبوساً إِلى أن مات، وأمه أم ولد اسمها غصن.
ولما قُبض المستكفي بويع المطيع لله وهو ثالث عشرينهم، واسمه المفضل بن المقتدر، في يوم الخميس ثاني عشرين من جمادى الآخر، من هذه السنة، أعني سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وازداد أمر الخلافة إِدباراً، ولم يبق لهم من الأمر شيء، وتسلم نواب معز الدولة العراق، بأسره، ولم يبق في يد الخليفة غير ما أقطعه معز الدولة للخليفة، مما يقوم ببعض حاجته.
الحرب بين ناصر الدولة بن حمدان ومعز الدولة بن بويه في هذه السنة سار ناصر الدولة إِلى بغداد، وأرسل معز الدولة عسكراً لقتاله، فلم يقدروا على دفعه، وسار ناصر الدولة من سامراء، عاشر رمضان، إِلى بغداد، وأخذ معز الدولة المطيع معه، وسارا إِلى تكريت فنهبها، لأنها كانت لناصر الدولة، وعاد معز الدولة بالخليفة إِلى بغداد ونزل بالجانب الغربي، ونزل ناصر الدولة بالجانب الشرقي، ولم يخطب تلك الأيام للمطيع
ببغداد، وجرى بينهم ببغداد قتال كثير، آخره أن ناصر الدولة وعسكره انهزموا، واستولى معز الدولة على الجانب الشرقي، وأعيد الخليفة إلى مكانه في المحرم سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، واستقر معز الدولة ببغداد، وناصر الدولة بعكبرا، ثم سار ناصر الدولة إِلى الموصل، واستقر الصلح بين معز الدولة وناصر الدولة، في المحرم من سنة خمس وثلاثين.
وفاة القائم العلوي وولاية المنصور في هذه السنة توفي القائم بأمر الله أبو القاسم محمد بن المهدي عبيد الله صاحب المغرب لثلاث عشرة مضت من شوال، وقام بالأمر بعده ابنه إِسماعيل بن محمد، وتلقب بالمنصور بالله، وكتم موت القائم خوفاً من أبي يزيد الخارجي، واستمر كتمان ذلك حتى فرغ المنصور من أمر أبي يزيد الخارجي على ما ذكرناه، ثم اتسم بالخلافة، وضبط الملك والبلاد.
موت الإخشيد وملك سيف الدولة دمَشْق في هذه السنة مات الإخشيد بدمشق، وكان قد سار إِليها من مصر، وهو محمد بن طغج صاحب مصر ودمشق، وكان مولده سنة ثمان وستين ومائتين ببغداد، وكان الإخشيد قبل مسيره عن مصر، قد وجد بداره رقعة مكتوب عليها قدّرتم فأسأتم، وملكتم فبخلتم، ووسع عليكم فضيقتم، وأدرت لكم الأرزاق فقنطتم أرزاق العباد، واغتررتم بصفو أيامكم، ولم تتفكروا في عواقبكم، واشتغلتم بالشهوات، واغتنام اللذات وتهاونتم بسهام الأسحار وهن صائبات، ولا سيما إن خرجت من قلوب قرحتموها، وأكباد أجعتموها، وأجساد أعريتموها، ولو تأملتم في هذا حق التأمل لانتبهتم، أو ما علمتم أن الدنيا لو بقيت للعاقل، ما وصل إليها الجاهل، ولو دامت لمن مضى، ما نالها من بقي، فكفى بصحبة ملك يكون ملكه في زوال ملكه فرح للعالم، ومن المحال أن يموت المنتظرون كلهم، حتى لا يبقى منهم أحد، ويبقى المنتظر به، افعلوا ما شئتم فإنا صابرون، وجوروا فإنا بالله مستجيرون، وثقوا بقدرتكم وسلطانكم، فإنا بالله واثقون، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
فبقي الإخشيد بعد سماع هذه الرقعة في فكر، وسافر إلى دمشق ومات وولي الأمر بعده ابنه أبو القسم أنوجور، وتفسيره محمود، واستولى على الأمر كافور الخادم الأسود، وهو من خدم الإخشيد، وكان أنوجور صغيراً، وسار كافور بعد موت الإخشيد إِلى مصر فسار سيف الدولة إِلى دمشق، وملكها، وأقام بها، واتفق أن سيف الدولة ركب يوماً والشريف العقيقي معه، فقال سيف الدولة: ما تصلح هذه الغوطة إِلا لرجل واحد.
فقال له العقيقي: هي لأقوام كثيرة: فقال سيف الدولة: لو أخذتها القوانين السلطانية لتبرؤا منها، فأعلم العقيقي أهل دمشق بذلك، فكاتبوا كافوراً يستدعونه، فجاءهم، فأخرجوا سيف الدولة عنهم. ثم استقر سيف الدولة بحلب، ورجع كافور إِلى مصر وولى على دمشق بدراً الإِخشيدي فأقام سنة ثم وليها أبو المظفر بن طغج.
غير ذلك من الحوادث فيها اشتد الغلاء وعُدمَ القوت، ببغداد، حتى وجد مع إِنسان صبي قد شواه ليأكله، وكثر في الناس الموت، وفيها توفي علي بن عيسى بن الجراح الوزير، وله تسعون سنة. وفيها توفي عمر بن الحسين الخرقي الحنبلي، وأبو بكر الشبلي الصوفي، وكان أبو الشبلي حاجباً للموفق أخي المعتمد، وحجب الشبلي أيضاً للموفق، ثم تاب وصحب الفقراء، حتى صار واحد زمانه في الدين والورع، وكان الشبلي المذكور مالكي المذهب، حفظ الموطأ، وقرأ كتب الحديث، وقال الجنيد عنه: لكل قوم تاج، وتاج القوم الشبلي. وفيها توفي محمد بن عيسى، ويعرف بأبي موسى الفقية الحنفي.
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة فيها توفي أبو بكر الصولي وكان عالماً بفنون الأدب والأخبار، روى عن أبي العباس ثعلب وغيره، وروى عنه الدارقطني وغيره وللصولي التصانيف المشهورة.
ثم دخلت سنة ست وثلاثين وثلاثمائة فيها عقد المنصور العلوي ولاية جزيرة صقلية للحسن بن علي بن أبي الحسين الكلبي، من تاريخ جزيرة صقلية تأليف صاحب تاريخ القيروان، واستمر الحسن بن علي يغزو ويفتح في جزيرة صقلية حتى مات المنصور، وتولى المعز، فاستخلف الحسن على صقلية ولده أبا الحسين أحمد ابن الحسن، فكانت ولاية الحسن بن علي على صقلية خمس سنين ونحو شهرين، وسار الحسن عن صقلية إِلى إِفريقية في سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة، ولما وصل الحسن إِلى إِفريقية، كتب المعز بولاية ابنه أحمد بن الحسن على صقلية فاستقر أحمد والياً عليها. وفي سنة سبع وأربعين وثلاثمائة قدم أحمد بن الحسن من صقلية، ومعه ثلاثون رجلاً من وجوه الجزيرة، على المعز بإِفريقية فبايعوا المعز وخلع عليهم المعز، ثم أعاده إِلى مقره بصقلية، وفي سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة ورد كتاب المعز على الأمير أحمد بصقلية، يأمره فيه يإِحصاء أطفال الجزيرة، وأن يختنهم ويكسوهم في اليوم الذي يطهر فيه المعز ولده، فكتب الأمير أحمد خمسة عشر ألف طفل وابتدأ أحمد فختن أخوته في مستهل ربيع الأول من هذه السنة، ثم ختن الخاص والعام، وخلع عليهم، ووصل من المعز مائة ألف درهم وخمسون حملا من الصلات، ففرقت في المختونين، وفي سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة أرسل الأمير أحمد بسبي طبرمين بعد فتحها إِلى المعز، وجملته ألف وسبع مائة ونيف، وسبعون رأساً، وفي سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة جهز المعز أسطولاً عظيماً، وقدم عليهم الحسن بن علي بن الحسين والد الأمير أحمد، فوصل إِلى صقلية، واجتمعت الروم بها، وجرى بينهم قتال شديد، نصر الله فيه المسلمين، وقتل من الكفار فوق عشرة آلاف نفس، وغنم المسلمون أموالهم وسلاحهم، فكان في جملة ذلك عليه منقوش: " هذا سيف هندي وزنه مائة وسبعون مثقالاً، طالما ضرب به بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث به الحسن بن علي
إِلى المعز، وكذلك بعدة من الأسرى والسلاح، وسار الحسن بعد هذا النصر وأقام بقصره بصقلية، ولحقه المرض حتى توفي في ذي القعدة سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، وكان عمره ثلاثاً وخمسين سنة، وفي أواخر سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة استقدم المعز الأمير أحمد من صقلية وسار منها بأهله وماله وولده، فكانت إمارته بها ست عشرة سنة وتسعة أشهر، ولما سار أحمد عنها استخلف على الجزيرة يعيش مولى أبيه الحسن بن علي، فلما وصل أحمد إِلى إِفريقية أرسل المعز أبا القاسم علي بن الحسن بن علي أخا الأمير أحمد المذكور، وولاه الجزيرة نيابة عن أخيه أحمد، فوصل أبو القاسم إِلى صقلية في منتصف شعبان سنة تسع وخمسين وثلاثمائة. وفي سنة تسع وخمسين وثلاثمائة قدم المعز الأمير أحمد على الأسطول وأرسله إِلى مصر، فلما وصل إِلى طرابلس، اعتل أحمد بن الحسن المذكور ومات بها، وفي سنة ستين وثلاثمائة أرسل المعز إِلى أبي القاسم سجلاً باستقلاله بولاية صقلية، وتعزيته في أخيه أحمد وفي سنة ست وستين وثلاثمائة غزا الأمير أبو القاسم علي وعاد إِلى الأرض الكبيرةْ، ونزل بموضع يعرف بالأبرجة، فرأى عسكره قد أكثروا من جمع البقر والغنم، فأنكر ذلك وقال: لقد أثقلتم وهذا يعيقنا عن الغزو، فأمر بذبحها وتفريقها، فسميت تلك المرحلة مناخ البقر إِلى الآن، وشنت غاراته في الأرض الكبيرة، وأخرب فيها مدناً، ثم عاد إلى صقلية مؤيداً منصوراً، واستمر أبو القاسم يغزو إِلى سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة، فجرى بينه وبين الفرنج قتال استشهد فيه أبو القاسم ولذلك يعرف بالشهيد، وكان مقتله في المحرم من السنة المذكور ومدة ولايته على صقلية اثنتي عشرة سنة وخمسة أشهر وأياماً.
ولما استشهد أبو القاسم، تولى الأمر بعده ابنه جابر بن أبي القاسم بغير ولاية من الخليفة، وكان جابر المذكور سيء التدبير، وفي سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة وصل إلى صقلية جعفر بن محمد بن الحسين بن علي بن أبي الحسين أميراً عليها من قبل العزيز خليفة مصر، فاغتم جابر لذلك غماً عظيماً، وكان جعفر المذكور مواظباً للعزيز خليفة مصر، قريباً إِليه جداً، وكان للعزيز وزير يقال له ابن كلس، فغار من جعفر، فلما استشهد أبو القاسم أشار ابن كلس بتولية جعفر فأرسله العزيز إِليها، فسار جعفر إِلى صقلية، وهو كاره لذلك، وبقي جعفر والياً على صقلية حتى مات في سنة خمس وسبعين وثلاثمائة، فولى أخوه عبد الله بن محمد بن الحسن بن علي بن أبي الحسين، وبقي عبد الله حتى توفي في سنة تسع وسبعين وثلاثمائة، وتولى بعده ولده أبو الفتوح
يوسف بن عبد الله، وأحسن يوسف المذكور السيرة، وبقي على ولايته، ومات العزيز خليفة مصر، وتولى الحاكم واستوزر ابن عم يوسف المذكور، وهو حسن بن عمار بن علي بن أبي الحسين، وبقي حسن وزيراً بمصر، وابن عمه يوسف أميراً بصقلية، وفي سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة أصاب أبا الفتوح يوسف بن عبد الله فالج، فعطب جانبه الأيسر، فتولى في حياته ابنه جعفر ابن يوسف وأتاه سجل من الحاكم بالولاية ولقبه تاج الدولة، فبقي مدة، ثم أحدث على أهل صقلية مظالم، فخرجوا عن طاعته، وحصروا جعفر المذكور في القصر، فخرج إِليهم والده يوسف وهو مفلوج في محفة، ورد الناس، وشرط لهم عزل جعفر، فعزله وولى موضعه أخاه تأييد الدولة أحمد الأكحل بن يوسف، وانعزل جعفر وتولى الأكحل في المحرم سنة عشر وأربع مائة، وبقي الأكحل حتى خرج عليه أهل صقلية وقتلوه في سنة سبع وعشرين وأربع مائة، ولما قتلوا الأكحل، ولوا أخاه الحسن صمصام الدولة، فجرى في أيامه اختلاف بين أهل الجزيرة وتغلبت الخوارج عليه، حتى صارت للفرنج على ما سنذكره إِن شاء الله تعالى.
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة وفي هذه السنة ملك معز الدولة الموصل، وسار عنها ناصر الدولة إِلى نصيين، ثم جاءت الأخبار بحركة عسكر خراسان على بلاد معز الدولة، فرحل عن الموصل وعاد إِليها ناصر الدولة.
ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة.
موت عماد الدولة بن بويه وفي هذه السنة، مات عماد الدولة أبو الحسن علي بن بويه بشيراز، في جمادى الآخرة وكانت علته قرحة في كلاه، طالت به وتوالت به الأسقام، ولم يكن لعماد الدولة ولد ذكر، فلما أحس بالموت، أرسل إِلى أخيه ركن الدولة، يطلب منه ابنه عضد الدولة فناخسرو، ليجعله عماد الدولة ولي عهده، وارث مملكته بفارس، وكان ذلك قبل موته بسنة، ووصل عضد الدولة إِلى عمه عماد الدولة، فولاه عماد الدولة مملكته في حياته، وأمر الناس بالانقياد إِلى عضد الدولة، ولما مات عماد الدولة، بقي ابن أخيه عضد الدولة بفارس. واختلف عليه عسكره، فسار أبوه ركن الدولة من الري إِليه، وقرر قواعد عضد الدولة، ولما وصل ركن الدولة شيراز، ابتدأ بزيارة قبر أخيه عماد الدولة باصطخر، فمشى إِليه حافياً حاسراً، ومعه العساكر على تلك الحال، ولزم القبر ثلاثة أيام إِلى أن سأله القواد والأكابر الرجوع إِلى المدينة، فرجع إِليها وكان عماد الدولة في حياته هو أمير الأمراء، فلما مات صار أخوه ركن الدولة أمير الأمراء، وكان معز الدولة هو المستولي على العراق وهو كالنائب عنهما.
وفي هذه السنة مات المستكفي المخلوع، وهو في الحبس أعمى.
ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة في هذه السنة مات وزير معز الدولة محمد الصيمري، واستوزر معز الدولة أبا محمد الحسن المهلبي. وفي هذه السنة غزا سيف الدولة بلاد الروم، فأوغل فيها، وغنم وقتل، فلما عاد أخذت الروم عليه المضائق فهلك غالب عسكره وما معه، ونجا سيف الدولة بنفسه في عدد يسير. وفي هذه السنة أعادت القرامطة الحجر الأسود إلى مكة، وكان قد أخذوه سنة سبع عشرة وثلاثمائة، فكان لبثه عندهم اثنين وعشرين سنة.
غير ذلك من الحوادث
في هذه السنة توفي أبو نصر محمد بن طرخان الفارابي الفيلسوف، وكان رجلاً تركياً، ولد بفاراب، التي تسمى هذا الزمان أُطرار، بضم الهمزة وسكون الطاء المهملة وبين الرائين المهملتين ألف، وهي من المدن العظام، سافر الفارابي من بلده حتى وصل إِلى بغداد، وهو يعرف اللسان التركي وعدة لغات فشرع في اللسان العربي فتعلمه، وأتقنه، ثم اشتغل بعلوم الحكمة واشتغل على أبي بشر متى بن يونس الحكيم المشهور في المنطق، وأقام الفارابي على ذلك برهة، ثم ارتحل إِلى مدينة حران، واشتغل بها على أبي حيا الحكيم النصراني، ثم قفل إلى بغداد، وأتقن علوم الفلسفة، وحل كتب أرسطو وأتقن علم الموسيقى، وألف ببغداد معظم تصانيفه. ثم سافر إِلى دمشق، ولم يقم بها، وسافر إِلى مصر ثم عاد إِلى دمشق، وأقام بها في أيام ملك سيف الدولة بن حمدان، فأحسن اليد، وكان على زي الأتراك لم يغير ذلك، وحضر يوماً عند سيف الدولة بدمشق، بحضرة فضلائها فما زال كلام الفارابي يعلو، وكلامهم يسفل، حتى صمت الكل ثم أخذوا يكتبون ما يقوله، وكان الفارابي منفرداً بنفسه لا يجالس الناس، وكان في مدة مقامه بدمشق لا يكون إلا عند مجتمع ماء أو مشتبك رياض، وكان أزهد الناس في الدنيا، وأجرى عليه سيف الدولة كل يوم أربعة دراهم، فاقتصر علمها، ولم يزل مقيماً بدمشق إلى أن توفي بها، وقد ناهز ثمانين سنة ودفن خارج الباب الصغير.
وفي هذه السنة مات الزجاجي النحوي، وهو أبو القاسم عبد الرحمن بن إِسحاق، صحب إِبراهيم بن السري الزجّاج، فنسب إِليه وعرف به، وكان إِمام وقته وصنف الجمل في النحو.
ثم دخلت سنة أربعين وثلاثمائة في هذه السنة توفي عبد الله بن الحسين الكرخي، الفقيه المشهور، الحنفي المعتزلي، وكان عابداً، ومولده سنة ستين ومائتين، وأبو جعفر الفقيه، توفي ببخارى.
وفيها توفي أبو إِسحاق إِبراهيم بن أحمد بن إسحاق المروزي الفقيه الشافعي بمصر، وانتهت إِليه الرئاسة بالعراق بعد ابن سريج، وصنف كتباً كثيرة، وشرح مختصر المزني.
ثم دخلت سنة إِحدى وأربعين وثلاثمائة في هذه السنة سار يوسف بن وجيه، صاحب عمان في البحر والبر إِلى البصرة، وحصرها، وساعده القرامطة على ذلك، وأمدوه بجمع منهم وأقاموا هناك أياماً، فأدركهم المهلبي وزير معز الدولة بالعساكر فرحلوا عنها.
وفاة المنصور العلوي وفي هذه السنة، توفي المنصور بالله العلوي أبو طاهر إِسماعيل بن القائم بأمر الله أبي القاسم محمد بن عبيد الله المهدي سلخ شوال، وكانت خلافته سبع سنين وستة عشر يوماً. وكان عمره تسعاً وثلاثين سنة، وكان خطيباً بليغاً، يخترع الخطبة لوقته، وظهر من شجاعته في قتال أبي يزيد الخارجي ما تقدم ذكره، وعهد إِلى ابنه أبي تميم معد بن المنصور إسماعيل