الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
زعموا أنني سأبعث حيا
…
بعد طول المقام في الأرماس
وأجوز الجنان أرتع فيها
…
بين حور وولدة أكياس
أي شيء أصاب عقلك يا مس
…
كين حتى رميت بالوسواس
ومن ذلك:
أتى عيسى فبطل شرع موسى
…
وجاء محمد بصلاة خمس
وقالوا لا نبي بعد هذا
…
فضل القوم بين غد وأمس
ومهما عشت في دنياك هذي
…
فما تخليك من قمر وشمس
إذا قلت المحال رفعت صوتي
…
وإن قلت الصحيح أطلت همسي
ومن ذلك قوله:
تاه النصارى والحنيفة ما اهتدت
…
ويهود هطرى والمجوس مضلله
قسم الورى قسمين هذا عاقل
…
لا دين فيه ودين لا عقل له
وفي هذه السنة توفي أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني مقدم أصحاب الحديث بخراسان، وكان فقيهاً خطيباً إماماً في عدة علوم. وفيها توفي أياز غلام محمود سبكتكين، وله مع محمود أخبار مشهورة. وفيها مات أبو أحمد عدنان بن الشريف الرضي نقيب العلويين.
ثم دخلت سنة خمسين وأربعمائة الخطبة بالعراق للمستنصر العلوي
خليفة مصر وما كان إلى قتل البساسيري
في هذه السنة سار إبراهيم ينال بعد انفصاله عن الموصل إلى همذان، وسار طغرلبك من بغداد في إثر أخيه أيضاً إلى همذان، وتبعه من كان ببغداد من الأتراك فقصد البساسيري بغداد ومعه قريش بن بدران العقيلي في مائتي فرس، ووصل إليها يوم الأحد ثامن ذي القعدة، ومعه أربعمائة غلام ونزل بمشرعة الزوايا وخطب البساسيري بجامع المنصور للمستنصر بالله العلوي خليفة مصر، وأمر فأذن بحي على خير العمل، ثم عبر عسكره إلى الزاهر، وخطب بالجمعة الأخرى من وصوله للمصري بجامع الرصافة أيضاً، وجرى بينه وبين مخالفيه حروب في أثناء الأسبوع، وجمع البساسيري جماعته ونهب الحريم، ودخل الباب النوبي، فركب الخليفة القائم لابساً للسواد. وعلى كتفه البردة وبيده سيف، وعلى رأسه اللواء وحوله زمرة من العباسيين والخدم بالسيوف المسلولة، وسرى النهب إلى باب الفردوس من ثأره، فلما رأى القائم ذلك رجع إلى ورائه، ثم صعد إلى المنظرة ومع القائم رئيس الرؤساء، وقال رئيس الرؤساء، لقريش بن بدران: يا علم الدين، أمير المؤمنين القائم يستذم بذمامك وذمام رسول الله وذمام العربية، على نفسه وماله وأهله وأصحابه فأعطى قريش محضرته ذماماً، فنزل القائم ورئيس
الرؤساء إلى قريش من الباب المقابل لباب الحلبة، وسارا معه، فأرسل البساسيري، إلى قريش وقال له: أتخالف ما استقر بيننا وتنقض ما تعاهدنا عليه؟ وكانا قد تعاهدا على المشاركة، وأن لا يستبد أحدهما دون الآخر، ثم اتفقا على أن يسلم رئيس الرؤساء إلى البساسيري لأنه عدوه، ويبقى الخليفة القائم عند قريش، وحمل قريش الخليفة إلى معسكره ببردته والقضيب ولوائه، ونهبت دار الخليفة وحريمها أياماً. ثم سلم قريش الخليفة إلى ابن عمه مهارس، وسار به مهارس والخليفة في هودج إلى حديثة عانة، فنزل بها، وسار أصحاب الخليفة إلى طغرلبك، وأما البساسيري فإنه ركب يوم عيد النحر إلى المصلى بالجانب الشرقي، وعلى رأسه ألوية خليفة مصر، وأحسن إلى الناس، ولم يتعصب لمذهب، وكانت والدة القائم باقية، وقد قاربت تسعين سنة فأفرد لها البساسيري داراً وأعطاها جاريتين من جواريها وأجرى لها الجراية؛ وكان قد حبس البساسيري رئيس الرؤساء فأحضره من الحبس، فقال رئيس الرؤساء: العفو. فقال له البساسيري. أنت قدرت فما عفوت وأنت صاحب طيلسان، وفعلت الأفعال الشنيعة مع حرمي وأطفالي، وكانوا قد ألبسوا رئيس الرؤساء استهزاء به طرطوراً من لبد أحمر، وفي رقبته مخنقة جلود وطافوا به إلى النجمي وهو يقرأ:" قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير "" آل عمران: 26 " فلما مر رئيس الرؤساء بتلك الحالة على أهل الكرخ بصقوا في وجهه، لأنه كان يتعصب عليهم. ثم ألبس جلد ثور وجعلت قرونه على رأسه وجعل في كفه كلابان من حديد، وصلب وبقي إلى آخر النهار ومات، وأرسل البساسيري إلى المستنصر العلوي بمصر، يعرفه بإقامة الخطبة له بالعراق، وكان الوزير هناك ابن أخي أبي القاسم المغربي وهو ممن هرب من البساسيري فبرد فعل البساسيري وخوف من عاقبته، فتركت أجوبته مدة، ثم عادت بخلاف ما أمله، ثم سار البساسيري من بغداد إلى واسط والبصر فملكهما، وأما طغريل بك فكان قد خرج عليه أخوه إبراهيم ينال، وجرى بينه وبينه قتال، وآخره أن طغريل بك انتصر على أخيه إبراهيم ينال وأسره وخنقه بوتر، وكان قد خرج عليه مراراً وطغريل بك يعفو عنه، فلم يعف عنه في هذه المرة.
عود الخليفة القائم إلى بغداد وقتل البساسيري
وكان ذلك في السنة القابلة سنة إحدى وخمسين، فقدم ذكر هذه الواقعة في هذه السنة لتكون أخبارها متتابعة إلى منتهاها فنقول: إنه لما فرغ طغريل بك من أمم أخيه إبراهيم ينال وقتله، سار إلى العراق لرد الخليفة إلى مقر ملكه، وأرسل إلى البساسيري يقول: رد الخليفة إلى مكانه، وأنا أرضى منك بالخطبة، ولا أدخل العراق، فلم يجب البساسيري إلى ذلك. فسار طغريل بك، فلما قارب إلى بغداد انحدر منها خدم البساسيري وأولاده في
دجلة، وكان دخول البساسيري وأولاده سنة خمسين سادس ذي القعدة، وخروجهم من بغداد في سنة إحدى وخمسين سادس ذي القعدة أيضاً، ووصل طغريل بك إلى بغداد وأرسل في طلب الخليفة القائم إلى مهارس، فسار مهارس والخليفة إلى بغداد في السنة المذكورة، أعني سنة إحدى وخمسين في حادي عشر ذي القعدة وأرسل طغريل بك الخيام العظيمة والآلات لملتقى الخليفة القائم، ووصل الخليفة إلى النهروان رابع وعشرين ذي القعدة وخر طغريل بك لتلقيه واجتمع به واعتذر عن تأخره بعصيان أخيه إبراهيم، وأنه قتله عقوبة لما جرى منه، وبوفاة أخيه داود بخراسان، وسار مع الخليفة ووقف طغريل بك في الباب النوبي مكان الحاجب. وأخذ بلجام بغلة الخليفة حتى صار على باب حجرته، ودخل الخليفة إلى داره يوم الاثنين لخمس بقين من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين، ثم أرسل طغريل بك جيشاً خلف البساسيري، ثم سار طغريل بك في إثرهم، واقتتل الجيش والبساسيري. ثامن ذي الحجة، فقتل البساسيري، وانهزم أصحابه وحمل رأسه إلى طغريل بك وأخذت أموال البساسيري مع نسائه وأولاده ثم أرسل طغريل بك رأس البساسيري إلى دار الخلافة فصلب قبالة الباب النوبي، وكان البساسيري مملوكاً تركياً من مماليك بهاء الدولة بن عضد الدولة. واسمه أرسلان، وهو منسوب إلى مدينة بسا بفارس، وكان سيد هذا لمملوك من بسا، فقيل له البساسيري لذلك، والعرب تجعل عوض الباء فاء فتقول فسا ومنها أبو علي الفارسي النحوي.
غير ذلك من الحوادث وفي هذه السنة أعني سنة خمسين وأربعمائة توفي شهاب الدولة أبو الفوارس منصور بن الحسين الأسدي صاحب الجزيرة، واجتمعت عشيرته على ولده صدقة، وفيها توفي الملك الرحيم أبو نصر خسره فيروز آخر ملوك بني بويه بعد أن نقل من قلعة السيروان إلى قلعة الري، فمات بها مسجوناً وهو الملك الرحيم بن أبي كاليجار المرزبان بن سلطان الدول بن بهاء الدولة بن عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه. وفيها توفي القاضي أبو الطيب الطبري الفقيه الشافعي وله مائة سنة وسنتان، وكان صحيح السمع والبصر، سليم الأعضاء يناظر ويفتي ويستدرك على الفقهاء، ودفن عند قبر أحمد بن حنبل. وفيها توفي قاضي القضاة أبو الحسين علي بن محمد بن حبيب الماوردي، وله تصانيف كثيرة منها، الحاوي المشهور، وعمره ست وثمانون سنة، أخذ الفقه عن أبي حامد الإسفراييني وغيره ومن مصنفاته تفسير القرآن والنكت والعيون والأحكام السلطانية وقانون الوزارة، والماوردي نسبة إلى بيع ماء الورد. وفيها كانت زلزلة عظيمة لبثت ساعة بالعراق والموصل، فخربت كثيراً وهلك فيها الجم الغفير.
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وأربعمائة
وفاة فرخزاد صاحب غزنة في هذه السنة وقيل في سنة تسع وأربعين، توفي الملك فرخزاد بن مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة بالقولنج، وملك بعده أخوه إبراهيم بن مسعود، فأحسن السيرة، وغزا الهند وفتح حصوناً. وكان ديناً، ولما استقر في ملك غزنة صالح داود بن ميكائيل بن سلجوق صاحب خراسان.
وفاة داود وملك ابنه ألب أرسلان في هذه السنة في رجب توفي داود بن ميكائيل بن سلجوق، أخو طغريل بك، وعمره سبعون سنة، صاحب خراسان وهو مقاتل آل سبكتكين، ولما توفي داود ملك خراسان بعده ابنه ألب أرسلان وكان لداود من البنين ألب أرسلان، وياقوتي وقاروت بك وسليمان، فتزوج طغريل بك بأم سليمان امرأة أخيه.
غير ذلك من الحوادث فيها قدم طغريل بك إلى بغداد، وأعاد الخليفة، وقتل البساسيري حسبما ذكرنا. وفيها توفي علي بن محمود بن إبراهيم الزوزني، وهو الذي ينسب إليه رباط الزوزني المقابل لجامع المنصور ببغداد.
ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة فيها ملك محمود بن شبل الدولة نصر بن صالح بن مرداس حلب، على ما تقدم ذكره في سنة اثنتين وأربعمائة. وفيها سار طغريل بك من بغداد إلى بلاد الجبل في ربيع الأول، وجعل الأمير برسق شحنة ببغداد. وفيها توفيت والدة القائم وهي جارية أرمنية، قيل اسمها قطر الندى.
ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة وفاة المعز صاحب إفريقية وفي هذه السنة توفي المعز بن باديس، بضعف الكبد، وكانت مدة ملكه سبعاً وأربعين سنة، وكان عمره لما ملك قيل إحدى عشرة سنة، وقيل ثمان سنين، وملك بعده ابنه تميم بن المعز، ولما مات المعز طمعت أصحاب البلاد بسبب العرب وتغلبهم على بلاد إفريقية كما قدمنا ذكره.
وفاة قريش صاحب الموصل وفيها توفي قريش بن بدران بن المقلد بن المسيب صاحب الموصل ونصيبين، وكانت وفاته بنصيبين، بخروج دم من حلقه وأنفه وأذنيه، وقام بالأمر بعده ابنه شرف الدولة أبو المكارم مسلم بن قريش.
وفاة نصر الدولة بن مروان وفي هذه السنة توفي نصر الدولة أبو نصر أحمد بن مروان الكردي، صاحب ديار بكر -
وكان عمره نيفاً وثمانين سنة، وإمارته اثنتين وخمسين سنة، لأن تملكه كان في سنة اثنتين وأربعمائة كما قدمنا ذكره في سنة ثمانين وثلاثمائة، واستولى أبو نصر على أموره وبلاده استيلاء تاماً، وتنعم تنعماً لم يسمع بمثله، وملك من الجواري المغنيات ما اشترى بعضهن بخمسة آلاف دينار، وأكثر، وملك خمسمائة سرية، سوى توابعهن وخمسمائة خادم، وكان في مجلسه من الآلات ما تزيد قيمته على مائتي ألف دينار، وأرسل طباخين إلى مصر حتى تعلموا الطبخ هناك وقدموا عليه، وغرم على ذلك جملة، ووزر له أبو القاسم المغربي وفخر الدولة بن جهير، ووفد إليه الشعراء وأقام عنده العلماء، ولما مات نصر الدولة المذكور، خلف ابنين نصراً وسعيداً ابني المذكور، فاستقر في الأمر بعده ابنه نصر بن أحمد بميافارقين، وملك أخوه سعيد بن أحمد آمد.
وفاة أمير مكة في هذه السنة توفي شكر العلوي الحسيني أمير مكة، وله شعر حسن فمنه:
قوض خيامك عن أرض تضام بها
…
وجانب الذل إن الذل مجتنب
وارحل إذا كان في الأوطان منقصة
…
فالمندل الرطب في أوطانه حطب
ثم دخلت سنة أربع وخمسين وأربعمائة فيها تزوج طغريل بك ببنت الخليفة القائم، وكان العقد في شعبان بظاهر تبريز، وكان الوكيل في تزويجها من جهة القائم عميد الملك، وفيها استوزر القائم فخر الدولة أبا نصر بن جهير بعد مسيره عن ابن مروان. وفيها توفي القاضي أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر القضاعي، الفقيه الشافعي، صاحب كتاب لشهاب، وكتاب الأنباء عن الأنبياء، وتواريخ الخلفاء وكتاب خطط مصر. تولى قضاء مصر من جهة الخلفاء العلويين مصريين، وتوجه منهم رسولا إلى جهة الروم، والقضاعي منسوب إلى قضاعة، وهو من حمير، وينسب إلى قضاعة قبائل كثير منها: كلب وبلى وجهينة وعدوة وغيرهم، وقيل: قضاعة بن معد بن عدنان.
ثم دخلت سنة خمس وخمسين وأربعمائة أخبار اليمن
من تاريخ اليمن عمارة قال: وفي هذه السنة أعني سنة خمس وخمسين وأربعمائة تكامل جميع اليمن لعلي بن القاضي محمد بن علي الصليحي، وكان القاضي محمد والد علي الصليحي المذكور، سني المذهب، وله الطاعة في رجال حراز، وهم أربعون ألفاً ببلاد اليمن، فتعلم ابنه علي المذكور مذهب الشيعة، وأخذ أسرار الدعوة عن عامر بن عبد الله الرواحي، وكان عامر المذكور من أهل اليمن، وهو أكبر دعاة المستنصر الفاطمي خليفة مصر، فصحبه علي بن محمد الصليحي وتعلم منه أسرار الدعوة، فلما دنت من عامر الوفاة، أسند
أمر الدعوة إلى علي المذكور، فقام بأمر الدعوة أتم قيام وصار علي بن محمد الصليحي المذكور دليلا لحجاج اليمن، يحج بهم على طريق الطائف وبلاد السرو، وبقي على ذلك عدة سنين، وفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة، ترك دلالة الحجاج وثار بستين رجلا، وصعد إلى رأس مشاف، وهو أعلى ذروة من جبال حراز، ولم يزل يستفحل أمره شيئًا فشيئاً، حتى ملك جميع اليمن في هذه السنة، أعني سنة خمس وخمسين وأربعمائة. ولما تكامل لعلي الصليحي ملك اليمن، ولى على زبيد أسعد بن شهاب بن علي الصليحي، وأسعد المذكور هو أخو زوجته أسماء بنت شهاب، وابن عم علي المذكور. وبقي علي الصليحي مالكاً لجميع اليمن حتى حج، فقصده بنو نجاح وقتلوه بغتة، بالهجم علب بضيعة يقال لها أم الدهيم وبيرام معبد، في ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة، فلما قتل الصليحي المذكور، استقرت التهائم لبني نجاح واستقر بصنعاء ابن الصليحي المذكور، وهو أحمد بن علي بن القاضي محمد الصليحي، وكان يلقب أحمد المذكور بالملك المكرم، ثم جمع المكرم المذكور العرب وقصد سعيد بن نجاح بزبيد، وجرى بينهما قتال شديد، فانهزم سعيد بن نجاح إلى جهة دهلك، وملك أحمد المذكور زبيد في سنة خمس وسبعين وأربعمائة، ثم عاد ابن نجاح وملك زبيد في سنة تسع وسبعين وأربعمائة، ثم عاد أحمد المكرم وقتل سعيد في سنة إحدى وثمانين وأربعمائة.
ثم ملك جياش أخو سعيد وبقي أحمد المكرم على ملك صنعاء حتى مات المكرم في سنة أربع وثمانين وأربعمائة، ولما مات أحمد المكرم بن علي بن القاضي محمد بن علي الصليحي تولى بعده ابن عمه أبو حمير سبأ بن أحمد بن المظفر ابن علي الصليحي في السنة المذكورة، أعني سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وبقي سباً متولياً حتى توفي في سنة خمس وتسعين وأربعمائة، وهو آخر الملوك الصليحيين.
ثم بعد موت سبأ أرسل من مصر علي بن إبراهيم بن نجيب الدولة، فوصل إلى جبال اليمن في سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، وقام بأمر الدعوة والمملكة التي كانت بيد سبأ، وبقي ابن نجيب الدولة حتى أرسل الآمر الفاطمي خليفة مصر وقبض على ابن نجيب الدولة المذكور، بعد سنة عشرين وخمسمائة، وانتقل الملك والدعوة إلى آل الزريع بن العباس بن المكرم. وآل الزريع هم أهل عدن، وهم من همذان بن جشم، وهؤلاء بنو للمكرم يعرفون بآل الذيب، وكانت عدن لزريع بن العباس بن المكرم، ولعمه مسعود بن المكرم، فقتلا على زبيد مع الملك المفضل، فولى بعدهما ولداهما، وهما أبو السعود بن زريع وأبو الغارات ابن مسعود، وبقيا حتى ماتا، وولى بعدهما محمد بن أبي الغارات، ثم ولى بعده ابنه على بن محمد بن أبي الغارات.
ثم استولى على الملك والدعوة سبأ بن أبي السعود بن زريع، وبقي حتى توفي في سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، ثم تولى ولده الأعز علي بن سبأ، وكان
مقام علي بالدملوة، فمات بالسل، وملك بعده أخره المعظم محمد بن سبأ، ثم ملك بعده ابنه عمران بن محمد بن سبأ، وكانت وفاة محمد بن سبأ في سنه ثمان وأربعين وخمسمائة، ووفاة عمران بن محمد بن سبأ في شعبان سنة ستين وخمسمائة وخلف عمران ولدين طفلين هما، محمد وأبو السعود ابنا عمران. وممن ولي الأمر من الصليحيين، زوجة أحمد المكرم، وهي الملكة ولقبها الحرة، واسمها سيدة بنت أحمد بن جعفر بن موسى الصليحي، ولدت سنة أربعين وأربعمائة وربتها أسماء بنت شهاب، وتزوجها ابن أسماء أحمد المكرم بن علي الصليحي سنة إحدى وستين وأربعمائة، وطالت مدة الحرة المذكورة، وولاها زوجها أحمد المكرم الأمر في حياته، فقامت بتدبير المملكة والحروب، واشتغل زوجها بالأكل والشرب، ولما مات زوجها وتولى ابن عمه سبأ استمرت هي في الملك، ومات سبأ وتولى ابن نجيب الدولة في أيامها، واستمرت بعده حتى توفيت الحرة المذكورة. في سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة وممن كان له شركة في الملك: الملك المفضل أبو البركات بن الوليد الحميري صاحب تعز، وكان المفضل المذكور يحكم بين يدي الملكة الحرة وكان يحتجب حتى لا يرجى لقاؤه، ثم يظهر ويدبر الملك حتى يصل إليه القوي والضعيف، وبقي المفضل كذلك حتى توفي في شهر رمضان سنة أربع وخمسمائة، وملك معامل المفضل وبلاده بعده ولده منصور، ويقال له الملك المنصور بن المفضل، واستمر المنصور بن المفضل في ملك أبيه من تاريخ وفاته إلى سنة سبع وأربعين وخمسمائة، فابتاع محمد بن سبأ بن أبي السعود منه المعامل التي كانت للصليحيين بمائة ألف دينار، وعدتها ثمانية وعشرون حصناً، وبلداً، وأبقى المنصور بن المفضل لنفسه تعز، وبقي المنصور في ملكها حتى توفي بعد أن ملك نحو ثمانين سنة. وسنذكر بقية أخبار اليمن في سنة أربع وخمسين وخمسمائة إن شاء الله تعالى.
دخول طغريل بك بابنة الخليفة وفي هذه السنة أعني سنة خمس وخمسين وأربعمائة، قدم طغريل بك إلى بغداد ودخل بابنة الخليفة، وحصل من عسكره الأذية لأهل بغداد لإخراجهم من دورهم وفسقهم بنسائهم أخذاً باليد.
وفاة طغريل بك في هذه السنة بعد دخول طغريل بك بابنة الخليفة، سار من بغداد في ربيع الأول إلى بلد الجبل، فوصل إلى الري فمرض وتوفي يوم الجمعة ثامن شهر رمضان من هذه السنة، وعمره سبعون سنة تقريباً، وكان طغريل بك عقيماً لم يرزق ولداً، واستقرت السلطنة بعده لابن أخيه ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق.
غير ذلك فيها دخل الصليحي صاحب اليمن إلى مكة مالكاً لها، فأحسن السيرة، وجلب إليها الأقوات، وفيها كان بالشام زلزلة عظيمة خرب بها كثير من البلاد، وانهدم بها سور طرابلس. وفيها ولي أمير الجيوش بدر مدينة دمشق للمستنصر العلوي خليفة مصر، ثم ثار به الجند ففارقها. وفيها توفي سعيد بن نصر الدولة أحمد بن مروان صاحب آمد من ديار بكر.
ثم دخلت سنة ست وخسمين وأربعمائة القبض على الوزير عميد الملك وقتله
في هذه السنة قبض السلطان ألب أرسلان على الوزير عميد الملك أبي نصر منصور بن محمد الكندري، وزير عمه طغريل بك، بسبب سعي نظام الملك وزير ألب أرسلان به، فقبض ألب أرسلان على عميد الملك وحبسه في مروروز، فلما مضى على عميد الملك في الحبس سنة، أرسل ألب أرسلان إليه غلامين ليقتلا فدخل عميد الملك ورع أهله وصلى ركعتين وخرق خرقه من طرف كمه وعصب عينيه بها، فقتلاه بالسيف وقطع رأسه وحملت جثته إلى كندر فدفن عند أبيه، وكان عمره نيفاً وأربعين سنة، وكان عميد الملك خصياً. لأن طغريل بك أرسله ليخطب له امرأة فتزوجها عميد الملك، فخصاه طغريل بك لذلك، وكان عميد الملك كثير الوقيعة في الشافعي، حتى خاطب طغريل بك في لعن الرافضة على منابر خراسان، فأمر له بذلك فأمر بلعنهم، وأضاف إليهم الأشعرية، فأنف من ذلك أئمة خراسان، منهم أبو القاسم القشيري وأبو المعالي الجويني، وأقام بمكة أربع سنين ولهذا لقب إمام الحرمين، ومن العجب أن ذكر عبد الملك ومخاصيه، دفن بخوارم لما خصي، ودمه سفح بمرو، وجسده دفن بكندر، ورأسه ما عدا قحفه دفن بنيسابور، ونقل قحفه إلى كرمان لأن نظام الملك كان هناك.
غير ذلك في هذه السنة ملك ألب أرسلان قلعة ختلان، ثم سار إلى هراة فحاصر عمه بيغو بن ميكائيل بن سلجوق بها، وملكها وأخرج عمه، ثم أحسن إليه وأكرمه، ثم سار إلى صغائيان فملكها أيضاً بالسيف، وكان اسم صاحبها موسى، فأخذ أسيراً وفي هذه السنة أمر ألب أرسلان بعود بنت الخليفة القائم إلى بغداد وكانت قد سارت إلى طغريل بك إلى الري بغير رضى الخليفة. وفيه هذه السنة عصى قطلومش بن أرسلان بن سلجوق على ألب أرسلان، فأرسل إليه ونهاه عن ذلك وعرفه أنه يرعى له القرابة والرحم، فلم يلتفت قطلومش إلى ذلك، فسار إليه ألب أرسلان إلى قرب الري، والتقى العسكران واقتتلوا فانهزم عسكر قطلومش وهرب إلى جهة قلعة كردكوه، فلما انقضى القتال وجد قطلومش ميتاً، قيل إنه
مات من الخوف، فعظم موته على ألب أرسلان وبكى عليه، وقعد للعزاء وعظم عليه فقده فسلاه نظام الملك، ودخل ألب أرسلان مدينة الري في آخر المحرم من هذه السنة، وهذا قطلومش السلجوقي هو جد الملوك أصحاب قونية، وأقصرا وملطية، إلى أن استولى التتر على مملكتهم على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وكان قطلومش مع أنه رجل تركي عارفاً بعلم النجوم، وقد أتقنه.
وفي هذه السنة شاع ببغداد والعراق وخوزستان وكثير من البلاد، أن جماعة من الأكراد خرجوا يتصيدون، فرأوا في البرية خيماً سوداء وسمعوا منها لطماً شديداً وعويلا كثيراً، وقائلا يقول: قد مات سيدوك ملك الجن، وأي بلد لم يلطم أهله قلع أصله، فصدق ذلك ضعفاء العقول من الرجال والنساء، حتى خرجوا إلى المقابر يلطمن وخرج رجال من سفلة الناس يفعلون ذلك، قال ابن الأثير: ولقد جرى ونحن في الموصل وغيرها من تلك البلاد في سنة ستمائة مثل هذا، وهو أن الناس أصابهم وجع كثير في حلوقهم فشاع أن امرأة من الجن يقال لها أم عنقود مات ابنها عنقود، وكل من لا يعمل مأتماً أصابه هذا المرض، فكان النساء وأوباش الناس يلطمون على عنقود ويقولون يا أم عنقود اعذرينا، قد مات عنقود ما درينا.
وإنما أوردنا هذا لأن رعاع الناس إلى يومنا هذا وهو سنة سبعمائة وخمس عشرة يقولون بأم عنقود وحديثها، ليعلم تاريخ هذا الهذيان من متى كان. وفيها توفي أبو القاسم علي بن برهان الأسد النحوي، المتكلم، وكان له اختيار في الفقه وكان يمشي في الأسواق مكشوف الرأس. ولم يقبل من أحد شيئاً، وكان يميل إلى مذهب مرجئة المعتزلة، ويعتقد أن الكفار لا يخلدون في النار، وكان قد جاوز ثمانين سنة.
ثم دخلت سنة سبع وخمسين وأربعمائة وفيها عبر ألب أرسلان جيحون وسار إلى جند وصبران، وهما عند بخارى، وقبر جده سلجوق بجند، فخرج صاحب جند إلى طاعته، فأقره على مكانه، ووصل إلى كركنج خوارزم، وسار منها إلى مرو. وفيها ابتدأ نظام الملك بعمارة المدرسة النظامية ببغداد.
ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وأربعمائة وفيها أقطع ألب أرسلان شرف الدولة مسلم بن قريش بن بدار بن المقلد بن المسيب صاحب الموصل، الأنبار وتكريت زيادة على الموصل. وفيها توفي أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي الخسروجردي، وكان إماماً في الحديث والفقه على مذهب الشافعي، وكان زاهداً ومات بنيسابور ونقل إلى بيهق، وبيهق قرى مجتمعة بنواحي نيسابور على عشرين فرسخاً منها، وكان البيهقي من خسرو جرد وهي - قرية من بيهق - وكان البيهقي أوحد زمانه، رحل في طلب الحديث إلى العراق والجبال والحجاز، وصنف شيئاً كثيراً، وهو أول من جمع نصوص الشافعي في عشر مجلدات، ومن مشهور مصنفاته السنن الكبير والسنن الصغير ودلائل النبوة، وكان قانعاً من الدنيا بالقليل، ومولده في شعبان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة. وقال إمام
الحرمين في حقه: ما من شافعي المذهب إلا وللشافعي عليه منة، إلا أحمد البيهقي، فإن له على الشافعي منة، لأنه كان أكثر الناس نصر المذهب الشافعي. وفيها توفي أبو علي محمد ابن الحسين بن الحسن بن الفراء الحنبلي، وعنه انتشر مذهب أحمد بن حنبل، وهو مصنف كتاب الصفات، أتى فيه بكل عجيبة، وترتيب أبوابه يدل على التجسيم المحض، وكان ابن التميمي الحنبلي يقول: لقد خرى أبو يعلي بن الفراء على الحنابلة خرية لا يغسلها الماء.
وفيها توفي الحافظ أبو الحسن علي بن إسماعيل المعروف بابن سيده المرسي، وكان إماماً في اللغة، صنف فيها المحكم، وهو كتاب مشهور، وله غيره عدة مصنفات وكان ضريراً، وتوفي بدانية من شرق الأندلس، وعمره نحو ستين سنة.
ثم دخلت سنة تسع وخمسين وأربعمائة فيها في ذي القعدة فرغت عمارة المدرسة النظامية، وتقرر التدريس بها للشيخ أبي إسحاق الشيرازي واجتمع الناس فتأخر أبو إسحق عن الحضور لأنه سمع شواذاً أن أرض المدرسة مغصوبة، ولما تأخر ألقي الدرس بها إلى يوسف بن الصباغ صاحب كتاب الشامل مدة عشرين يوماً، ثم اجتهدوا بأبي إسحاق فلم يزالوا به حتى درس فيها.
ثم دخلت سنة ستين وأربعمائة فيها كانت بفلسطين ومصر زلزلة شديدة حتى طلع الماء من رؤوس الآبار، وهلك من الردم عالم عظيم، وزال البحر عن الساحل مسيرة يوم، فنزل الناس أرضه يلتقطون فرجع الماء عليهم وأهلك خلقاً كثيراً. وفيها توفي الشيخ أبو منصور عبد الملك بن يوسف، وكان من أعيان الزمان.
ثم دخلت سنة إحدى وستين وأربعمائة فيها احترق جامع دمشق بسبب فتنة وقعت بين المغاربة والمشارقة، فضربت دار مجاورة للجامع بالنار، فاتصلت النار بالجامع، وعجز الناس عن إطفائها، فأتى الحريق على الجامع، فدثرت محاسنه، وزال ما كان فيه من الأعمال النفيسة.
ثم دخلت سنة اثنتين وستين وأربعمائة في هذه السنة توفي طفغاج خان ملك ما وراء النهر، واسمه أبو إسحاق إبراهيم بن نصر أيلك خان، وملك بعده ابنه شمس الملك نصر بن طفغاج، وبقي شمس الملك حتى توفي، ولم يقع لي تاريخ وفاته، وملك بعده أخوه حصر خان بن طفغاج، ثم ملك بعده ابنه أحمد، وبقي أحمد المذكور حتى قتل سنة ثمان وثمانين وأربعمائة على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وفيها كان بمصر غلاء شديد حتى أكل الناس بعضهم بعضاً، وانتزح منها من قدر على الانتزاح، واحتاج خليفة مصر المستنصر العلوي إلى إخراج الآلات وبيعها، فأخرج من خزانته ثمانين ألف قطعة بلور كبار، وخمساً وسبعين ألف قطعة من الديباج وأحد عشر ألف كزغندو، وعشرين ألف سيف محلى، ووصل من ذلك مع التجار إلى بغداد.
ثم دخلت سنة ثلاث وستين وأربعمائة فيها قطع محمود بن نصر بن صالح ابن مرداس صاحب حلب خطب المستنصر العلوي، وخطب للقائم العباسي خليفة بغداد. وفيها سار السلطان ألب أرسلان إلى ديار بكر، فأتى صاحبها نصر