الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال رحمه الله:
القول في الدفن
قوله: فلو بادر بعض الورثة ودفنه في ما خلفه من غير رضى الباقين كان لهم نقله إلى المقبرة، والأولى أن لا يفعلوا لما فيه من الهتك. انتهى.
تابعه في "الروضة" على أنه خلاف الأولى، وجزم به في "شرح المهذب" بأنه مكروه، ونقله عن الأصحاب.
قوله: ولو أراد بعضهم دفنه في ملك نفسه لم يلزم الباقين قبوله، فلو بادر إليه قال ابن الصباغ: لم يذكره الأصحاب.
وعندي أنه لا ينقل، فإنه هتك، وليس في إبقائه إبطال حق الغير. انتهى.
قد ذكر صاحب "التتمة" المسألة وجزم بما قاله صاحب "الشامل" ونقله عنه النووي في "زيادات الروضة" ونقله أيضًا في "البحر" عن بعض المتأخرين، ولم يخالفه.
قوله: وأقل واجب الدفن حفرة تكتم رائحة الميت وتحرسه عن السباع. انتهى كلامه.
وتعبيره بالحفرة للاحتراز عما إذا وضع الميت على وجه الأرض، وجعل عليه أحجارًا كثيرة ونحوها كاتمة للرائحة حارسة عن السباع.
فإن الراجح على ما دل عليه كلام "الروضة" في آخر باب السرقة أنه لا يكفي إذا لم يتعذر الحفر، فإنه قال: وفي "فتاوى البغوي": لو وضع ميتًا على وجه الأرض ونُضّدت الحجارة عليه كان ذلك كالدفن حتى يجب القطع بسرقة الكفن لاسيما إذا كان لا يمكنهم الحفر.
قلت: ينبغي أن لا يقطع إلا أن يتعذر الحفر لأنه ليس بدفن، والله أعلم. هذا كلام "الروضة".
قوله: والشق أن يحفر وسط القبر كالنهر أو يبني جانباه باللبن أو غيره، ويجعل بينهما شق يوضع فيه الميت ويسقف. انتهى.
وحاصله أن للشق صورتين، وتوهم النووي في "الروضة" أنهما صورة واحدة، فأسقط الهمزة وأتى بالواو خاصة فلزمه مع ذلك عي في الكلام، وقد ذكر في "الكفاية" هاتين الصورتين، ونقلهما عن الرافعي.
وقد اغتر في "شرح المهذب" بما في "الروضة" فأثبتهما صورة واحدة بعبارة لا تحتمل الغلط.
قوله: وأولاهم بالدفن أولاهم بالصلاة إلا في المرأة، فإن الزوج أولى، ثم قال: وقدم صاحب "العدة" نساء القرابة على الرجال الأجانب. انتهى.
تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمران:
أحدهما: أنه يقتضي أن الأقرب والأسن يقدمان على الأفقه في الدفن لأنهما مقدمان في الصلاة وليس كذلك.
فأما المسألة الأولى وهي الأقرب مع الأفقه فقد نص الشافعي رضي الله عنه على عكسه فقال ما نصه: وأحب إلىّ أن يدخله قبره أفقههم ثم أقربهم به رحمًا.
كذا رأيته في "الأم" بعد أبواب القرعة بين العبيد إذا أعتقوا في باب من يدخل قبر الرجل، وهذا النص نقله أيضًا صاحب "البيان" في كتاب السؤال عما في المذهب من الإشكال ثم نقل عن الأصحاب كافة الجزم بتقديم الأفقه على الأقرب كما هو مقتضى النص، ولم يصرح في "شرح المهذب" بهذه المسألة، وإنما نقل اتفاق الأصحاب على تقديم البعيد الفقيه على الأقرب الذي ليس بفقيه، ولم يتعرض للأفقه.
وأما المسألة الثانية وهي الأفقه مع الأسن فقد صرح بها في "شرح المهذب"، ونقل عن نص الشافعي واتفاق الأصحاب تقديم الأفقه على
الأسن، والفرق بينه وبين الصلاة أن المقصود من الصلاة هو الدعاء.
قال صاحب "الحاوي" وغيره: المراد بالأفقه هنا أعلمهم بإدخال الميت في القبر لا أعلمهم بأحكام الشرع.
الأمر الثاني: أن النووي مع حكاية الخلاف في "الروضة" قد ادعى في "تصحيح التنبيه" أن الرجال أولى بدفن المرأة من النساء بلا خلاف.
واعلم أنه ليس المراد "بالعدة" هنا عدة الطبري، وإن كانت هي المشهورة، فقد رأيت فيها الجزم بالمعروف والمراد "بالعدة" عدة أبي المكارم الروياني ابن أخت صاحب "البحر"، وقد بسطت حال هذا الاصطلاح في الكلام على الأسماء.
واعلم أن ما ذكره الرافعي خاص بالرجل، أم المرأة فليس الأولى بإدخالها القبر من يصلي عليها، بل فيه ترتيب آخر.
قوله: فإن لم [يكن](1) أحد من المحارم فعبيدها وهم أولى من بنى العم لأنهم كالمحارم في جواز النظر ونحوه على الصحيح. انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة" وهو مشكل حكمًا وتعليلًا فقد قدم أن الصحيح أن الأمة لا تغسل سيدها، وعلله بانقطاع الملك بالموت وانتقاله إلى "الورثة"، وذلك؛ بعينه موجود هاهنا، فالذي قالوه إنما يأتي على وجه ضعيف، وهو تجويز النظر والغسل والخلوة استصحابًا لما كان، وهذا الانتقاد قد استفدناه من كلام الإمام.
قوله: ولو ماتت ذمية في بطنها جنين مسلم ميت جعل ظهرها إلى القبلة ليتوجه الجنين إلى القبلة لأن وجه الجنين على ما ذكر إلى ظهر الأم.
ثم قيل: تدفن هذه المرأة بين مقابر المسلمين والكفار، وقيل: في مقابر المسلمين، فتنزل منزلة صندوق الولد.
(1) في أ: يدخل.
وقيل: في مقابر الكفار. انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن التعبير بالذمية تعبير ناقص موهم، فإن الحربية والمرتدة كذلك بلا شك.
فالصواب حينئذ التعبير بالكافرة.
الأمر الثاني: أنه لم يبين صورة المسألة فهل محل ذلك إذا نفخ فيه الروح، فإن لم ينفخ دفنت في مقابرهم جزمًا، أو محله إذا لم ينفخ، فإن نفخت فلا يدفن في مقابرهم جزمًا أم لا فرق بين الصورتين؟ وتعبير الرافعي و"الروضة" بالميت يشعر بالأول.
وقد تلخص من كلام الإمام وغيره أن وقت التخلق هو وقت نفخ الروح، ونقل -أعنى الإمام- عن الأصحاب أن من لم يتخطط لا يجب تكفينه، ولا دفنه.
ولكن الأولى أن يوارى بخرقة، ثم ذكر النصوص المعروفة في أمية الولد، وانقضاء العدة ووجوب العدة.
قال: ويبعد عندي أن تثبت أمية الولد ولا يوجب كفنه ودفنه، وإذا تأملت ما نقله علمت أن صورة المسألة ما أشعر به كلام الرافعي، وهو ما إذا نفخ فيه الروح، ويعبر عنه بالتخلق.
الأمر الثالث: أن الصحيح هو الأول فقد قال في "شرح المهذب": إنه الصحيح المشهور، وفي "زيادات الروضة": إنه الصحيح الذي قطع به الأكثرون.
قال: ونقله صاحب "الحاوي" عن أصحابنا، ثم قال: أعني -صاحب "الحاوي": وكذلك إذا اختلط موتى المسلمين بموتى المشركين.
قوله: وأما الإضجاع على اليمين فليس بواجب، بل لو وضع على
الجنب الأيسر مستقبلًا كره، ولم ينبش لذلك، ذكره في "التتمة". انتهى كلامه.
جزم في "الشرح الصغير" و"الروضة" بما قال في "التتمة" وفي الحكم بعدم وجوب ذلك وقفة ظاهرة لأنه الوارد من فعل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده وسائر المسلمين خلفًا عن سلف.
وفي "النهاية" ما يخالف "التتمة" فإنه قال: ثم يكون الميت في قبره على جنبه الأيمن في قبالة القبلة وذلك حتم. هذا لفظه.
والصواب موافقته، وجزم في "شرح المهذب" أيضًا بمقالة المتولي من غير إعزائها إليه، وزاد على ذلك فنقل الاتفاق على استحبابه، وكأنه نقل ذلك من "الروضة" على عادته، ولم يتفطن إلى أن الجزم الذي فيها إنما هو من تصرفه.
قوله: ويجعل تحت رأسه لبنة أو حجرًا، ويقضي بحده إليه، فذلك أبلغ في الاستكانة، ولا يوضع تحت رأسه مخدة، ولا يفرش تحته فراش؛ لأن فيه تضييعًا للمال.
وحكى العراقيون كراهة ذلك عن نص الشافعي، وقال في "التهذيب": لا بأس به؛ إذ روى عن ابن عباس أنه جعل على قبر النبي صلى الله عليه وسلم قطيفة حمراء (1). انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن الاستكانة هي الخضوع قاله الجوهري.
الثاني: أن ما اقتضاه كلامه من مخالفة البغوي فيهما قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وليس كذلك، بل إنما خالف في الفراش خاصة، فإنه قال: ويجعل تحت رأسه لبنة، ولا بأس أن يبسط تحت جنبه شئ. هذه
(1) أخرجه مسلم (967) والترمذى (1048) والنسائى (2012) وأحمد (2021).
عبارته.
الثالث: أن تعبيره بجعل هو بضم الجيم على البناء للمفعول فإن ابن عباس راو لا جاعل، والجاعل إنما هو شقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا يستعملها أحد بعده، كذا رواه مسلم في "صحيحه".
وشقران: بشين معجمة مضمومة، وقاف ساكنة.
الرابع: أن التعليل بالتصنيع يقتضي التحريم، ففي الصحيح "نهى عن إضاعة المال" وسيأتي التعرض لمثل هذا في مواضع منها في آخر النفقات.
فإن قيل: سكوت الصحابة على ذلك إجماع منهم على جوازه.
فالجواب: إن في الجزء الأول من الصحيح تخريج الدارقطني عن وكيع أن ذلك خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأيضًا فقد نقل في "شرح المهذب" أن الصحابة لم يعلموا بما فعله شقران.
قوله: ويكره تجصيص القبر والكتابة والبناء عليه، ولو بنى عليه هدم إن كانت المقبرة مسبلة، فإن كان القبر في ملكه فلا. انتهى كلامه.
وحاصله أن البناء على القبر مكروه مطلقًا سواء كان في مقبرة مسبلة أم لا.
وأما الهدم فيفصل فيه بين المسبلة وغيرها، إذا علمت ذلك ففيه أمران:
أحدهما: أن النووي قد تابعه في "الروضة" على كراهة البناء في المقابر المسبلة، وذكر في "المنهاج" من زياداته مثله أيضًا، وخالف ذلك في "شرح المهذب" فجزم بالتحريم فقال: ولا فرق في البناء بين أن يبني قبة أو بيتًا أو غيرهما، ثم ينظر فإن كانت مقبرة مسبلة حرم عليه ذلك.
قال أصحابنا: ويهدم البناء بلا خلاف.
قال الشافعي في "الأم": ورأيت من الولاة من يهدم ما يبنى فيها،
ولم أر الفقهاء يعيبون عليه في ذلك، ولأن في ذلك تضييقًا على الناس. انتهى كلامه.
وذكر في "شرح مسلم" قبل كتاب الزكاة بنحو ثلاثة أوراق نحوه أيضًا، وجزم به أيضًا في "الفتاوى"، وهو اختلاف عجيب جدًا ولا يمكن حمل الكراهة على التحريم لأنه مع كونه خلاف اصطلاحهم يؤدي إلى تحريم التجصيص والكتابة والبناء في غير المسبلة، ولا قائل به فتعين كونه مكروهًا كراهة تنزيه، ومع ذلك يهدم، ونظير ما قاله في "الروضة" في آخر شروط الصلاة: إن غرس الشجرة في المسجد مكروه، قال: فإن غرست قطعت.
وما اقتضاه كلام النووي من نقل الاتفاق على تحريمه فمردود، فقد صرح جماعة بالكراهة، ونقل ابن الرفعة أن البندنيجي نقله عن الأصحاب.
ثم قال: وكلام غيره يقتضي أنه لا يجوز لأنهم عللوا المنع بأن فيه تضييقًا على الناس، وقالوا: لو بنى عليه هدم.
الأمر الثاني: أن المراد بالمقبرة المسبلة هو المقبرة التي جرت عادة أهل تلك البلد بالدفن فيها، وليس المراد المقبرة الموقوفة، فإن الموقوفة يحرم البناء فيها قطعًا، وقد جزم الرافعي فيه بالكراهة كما تقدم، وتبعه عليه في "الروضة" فدل على ما قلناه، وهذا هو مقتضى كلام ابن الرفعة المتقدم.
وإنما يهدم البناء فيها على القول بكراهته أيضًا لأن الموت معلوم عمومه، فيؤدي البناء إلى التضييق أو إلى البعد في الدفن، فيحصل بسببه تغير في الميت، ومشقة على الناس.
قوله: عثمان بن مظعون.
بالظاء المعجمة المشالة.
قوله: وتسطيح القبر أفضل من تسنيمه لما رواه القاسم بن محمد: قلت لعمتي عائشة: اكشفي [لي](1) عن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء (2).
وقال ابن أبي هريرة: الأفضل الآن العدول من التسطيح إلى التسنيم، لأن التسطيح صار شعار الروافض.
قال: ومثله ما حكي أن الجهر بالتسمية إذا صار في موضع شعارًا لهم، فالمستحب الإسرار بها مخالفة لهم. انتهى.
وما نقله الرافعي عنه في التسمية لم يذكره في "الروضة".
والمشرف: هو العالي علوًا كبيرًا.
واللاطئ: بالهمز هو اللاصق بالأرض يقول: لطئ بفتح الطاء وكسرها.
قوله: قال الأصحاب: والانصراف عن الجنازة أربع درجات:
إحداها: أن ينصرف عقب الصلاة فله من الأجر قيراط.
الثاني: أن يتبعها حتى توارى ويرجع قبل إهالة التراب.
الثالث: أن يقف إلى الفراغ من القبر، وينصرف من غير دعاء.
الرابع: يقف بعده عند القبر، ويستغفر الله تعالى للميت، وهذا أقصى الدرجات في الفضيلة، وحيازة القيراط الثاني تحصل لصاحب القسم الثالث.
(1) سقط من أ.
(2)
أخرجه أبو داود (3220) والحاكم (1368) وأبو يعلي (4571) والبيهقي في "الكبرى"(6549).
قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وقال الشيخ الألباني: صحيح.
وهل تحصل للثاني؟ حكى الإمام فيه ترددًا، واختار الحصول. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن هذا التردد وجهان للأصحاب حكاهما الماوردي.
وقال السرخسي في "الأمالي": فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: بالوضع في اللحد.
والثاني: بنصب اللبن عليه.
والثالث: بالفراغ من الدفن.
الأمر الثاني: أن الأصح أنه لا تحصل إلا بالفراغ فقد قال الماوردي: إنه الأصح.
والنووي في "زيادات الروضة": إنه المختار.
وفي "شرح المهذب": إنه الصحيح.
قال: [ويحتج](1) له برواية الصحيحين: "ومن تبعها حتى يفرغ من دفنها"(2).
ويحتج الآخر برواية في "مسلم"(3) أيضًا: "حتى توضع في اللحد".
الأمر الثالث: أن تقييد القسم الثاني بما إذا كان الرجوع قبل إهالة التراب ليس مطابقًا لكلام الإمام، فإنه يشعر بأنه إذا كان بعده، وقبل تمام الدفن لا يكون الحكم كذلك حتى يحصل جزمًا، وليس كذلك، بل هما سواء، وقد صرح الإمام بذلك فقال: وإن نضد اللبن، ولم يهل التراب بعد أو لم يستكمل بعد، تردد فيه بعض أئمتنا. هذا لفظه.
(1) سقط من ب.
(2)
أخرجه البخاري (47) ومسلم (945).
(3)
حديث (945) من حديث أبي هريرة.
قوله: المستحب في حال الاختيار أن يدفن كل ميت في قبر. انتهى.
تابعه عليه في "الروضة"، وما ذكر من كونه مستحبًا لا واجبًا، محله إذا كان دفنهم في وقت واحد.
فأما إذا دفن واحد ثم أريد نبشه لدفن غيره فهذا حرام، وقد صرح بالتحريم في "شرح المهذب" فقال: لا يجوز أن يدفن ميت في موضع ميت حتى يبلى الأول، صرح به أصحابنا.
وأما قول الرافعي: المستحب في حال الاختيار أن يدفن كل إنسان في قبر فمتأول على موافقة الأصحاب. هذا كلامه.
والتأويل الذي أشار إليه هو ما ذكرناه من دفنهم في وقت واحد، وقد ذكرها في الشرح المذكور بعد ذلك، وحكى فيها وجهين، واقتضى كلامه تصحيح الجواز.
قوله: ولا يجمع بين الرجال والنساء في القبر إلا عند شدة الحاجة. انتهى.
تابعه عليه في "الروضة"، ولم يبينا أن ذلك على سبيل التحريم أو الكراهة.
وقد بينه في "شرح المهذب" فقال: إنه حرام، قال: حتى في الأم مع ولدها.
وذكر صاحب "التعجيز" في شرحه له أنه إذا كان بينهما زوجته أو محرمته فلا منع كحال الحياة، ونقله عن ابن الصباغ وغيره، والذي ذكره متجه.
بل في "حلية الروياني" ما حاصله الجواز مطلقًا.
قوله: وهل يجعل حاجز التراب بين الرجلين المدفونين في القبر، وكذا بين المرأتين؟
قال العراقيون: لا يختص، بل يعم الجميع.
وأشار جماعة إلى الاختصاص. انتهى.
والصحيح كما قاله في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة" هو قول العراقيين.
قال: ونص عليه الشافعي في "الأم".
قوله في أصل "الروضة": القبر يحترم توقيرًا للميت فيكره الجلوس عليه والإتكاء ووطؤه إلا لحاجة كوصوله إلى قبر ميته.
قلت: وكذا يكره الاستناد إليه، قاله أصحابنا، والله أعلم. انتهى كلامه "الروضة".
وما ذكره من كراهة هذه الأمور قد جزم به أيضًا في "شرح المهذب" في آخر باب الدفن، ثم أعادها في باب التعزية من الشرح المذكور، وجزم بكراهة الاستناد والاتكاء.
ثم قال: وكره الشافعي والجمهور الجلوس عليه ودوسه، وقال الشيخ في "المهذب"، والمحاملي في "المقنع": لا يجوز.
إذا علمت ذلك فقد قال في "شرح مسلم" في أواخر كتاب الجنائز قبيل كتاب الزكاة بثلاث أوراق ما نصه: قال أصحابنا: تجصيص القبر مكروه، والقعود عليه حرام، وكذلك الاستناد إليه والاتكاء عليه. هذا لفظه، وهو اختلاف عجيب، ولا يخفى أن الفتوى على المذكور في "الروضة"، وذكر الصيمري في "شرح الكفاية" [مثل] (1) ما في "المقنع" و"المهذب" فقال: ولا يحل لأحد أن يمشي على قبر، ولا ينبغي أن يستند إليه. هذه عبارته.
قوله: الثانية: تستحب زيارة القبور للرجال، وأما النساء فهل تكره
(1) سقط من أ.
لهن؟ فيه وجهان:
أحدهما: ولم يذكر الأكثرون سواه: نعم.
والثاني: وهو الأصح عن الرويانى: لا تكره إذا أمنت الفتنة. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن إطلاق الكراهة للنساء قد تابعه عليه في "الروضة"، وليس كذلك، بل يستثنى منه قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن زيارته مستحبة لهن بلا نزاع كما اقتضاه كلامهم في كتاب الحج حيث قالوا: يستحب لكل من حج أن يزور قبره عليه الصلاة والسلام.
وصرح باستثنائه هاهنا بعض المتأخرين ممن تكلم على التنبيه وهو الدمنهوري الكثير الاعتراض على التنبيه، وأضاف إليه قبور الأولياء والصالحين والشهداء.
الأمر الثاني: أن الوجه الذي صححه الروياني وهو القائل بعدم الكراهة قد فهم النووي منه أن المراد به الإباحة، فصرح به في "المنهاج" من زوائده، وليس كذلك، فإني قد راجعت كلام الروياني في "البحر" فوجدت حاصله أن حكمهن على هذا الوجه حكم الرجال في الاستحباب، فإنه قال: تستحب زيارة القبور للرجال، ثم تكلم على كراهة ذلك للنساء فقال: وقيل: كانت الكراهة قبل أن يرخص النبي صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور، فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء، وهذا أصح عندي إذا أمنت الافتتان. هذه عبارته.
وحاصلها ما ذكرناه لا ما فهمه عنه النووي، ثم فحصت عن ذلك أيضًا فلم أرَ أحدًا قال بالإباحة.
ونقل أيضًا في "زوائد المنهاج" وجهًا لم يذكره في "الروضة" أنه حرام عليهن، وقد ذكره في "شرح المهذب" أيضًا، ونقل عن الشاشي
تفصيلًا استحسنه فقال: إن كانت زيارتهن للبكاء وتجديد الحزن ونحوهما مما جرت به عادتهم حرم؛ فإن كانت للاعتبار كره للشابة دون العجوز، لكن الأحب لهما أيضًا حسم المادة.
الثالث: سكت المصنف على الخنثى، والظاهر أنه في ذلك كالمرأة.
قوله: ولا يجوز نبش القبر إلا في مواضع منها كذا. . . . إلى آخره.
أهمل التصريح هنا بمسائل:
إحداها -ذكرها في الطلاق: وهي ما إذا قال: إن ولدت ذكرًا فأنت طالق طلقة، وإن ولدت أنثى فطلقتين، فولدت ميتًا لم يعلم حاله ودفن ففي نبشه احتمالان حكاهما الرافعي عن الروياني، وصحح النووي من زياداته نبشه.
والثانية: إذا لحق الأرض المدفون فيها سيل ونداوه فالأصح في "شرح المهذب" أنه يجوز النقل وذكر مثله في "زيادات الروضة" فقال: قال الماوردي في "الأحكام السلطانية": إذا لحق الأرض سيل أو نداوة فقد جوز الزبيري نقله منها، وأباه غيره.
وقول الزبيري أصح. هذا كلام "الروضة".
فقوله: (إن قول الزبيري أصح) ليس من كلام الماوردي، بل هو من كلام النووي، فإن المسألة مذكورة في آخر "الأحكام السلطانية" بدون هذا التصحيح.
وقد أحسن في "شرح المهذب" حيث صرح بأن التصحيح له.
الثالثة: ذكرها الغزالي في كتاب الشهادات: وهي إذا شهد عليه بشهادة في حياته وكان يعرفه بصورته لا بالنسب، جاز نبشه إذا عظمت الواقعة واشتدت الحاجة، ولم يتغير الميت.
قوله: منها لو وقع في القبر خاتم أو غيره نبش ورد. انتهى.
ومقتضاه أنه لا فرق بين أن يطلبه صاحبه أم لا، وهو مقتضى إطلاق الأصحاب كما قاله في "شرح المهذب"، قال: وقيده في "المهذب" بحالة الطلب ولم يوافقه الأصحاب على التقييد.
قلت: ووافقه عليه ابن عصرون.
قوله: ولو ابتلع في حياته مالًا ثم مات، وطلب صاحبه الرد شق جوفه ورد.
قال في "العدة": إلا أن يضمن الورثة مثله أو قيمته فلا يخرج، ولا يرد في أصح الوجهين. انتهى كلامه.
وهذا الذي نقله عن صاحب "العدة" وسكت عليه قد ذكر مثله في "الروضة" ولم يبينا أنه استدراك معمول به، أو مقالة مرجوحة.
والمراد هو الثاني وقد أوضحه في "شرح المهذب" فقال: وهذا النقل غريب، والمشهور للأصحاب إطلاق الشق من غير تفصيل. هذا كلامه.
قوله: ولو ابتلع مال نفسه ومات، فهل يخرج؟ فيه وجهان:
قال الجرجاني في "الشافي": الأصح أنه يخرج. انتهى.
وهذا الذي صححه الجرجاني صححه أيضًا العبدري في "الكفاية"، لكن المشهور خلافه، فقد جزم به المحاملي في "المقنع"، وصححه الشيخ أبو حامد والماوردي والقاضي أبو الطيب في "المحرر"، والنووي في "زيادات الروضة"، وهو مفهوم كلام صاحب "التتمة".
قوله: فرع:
لو مات إنسان في السفينة، فإن كان بقرب الساحل أو بقرب جزيرة انتظروا ليدفنوه في البر، وإلا شدوه بين لوحين كيلا ينتضح وألقوه في البحر ليلقيه البحر إلى الساحل لعله يقع إلى قوم يدفنونه.
فإن كان أهل الساحل كفارًا ثقل بشئ ليرسب. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما قاله الرافعي في ما إذا كان أهل الساحل كفارًا خلاف مذهب الشافعي، وقد أوضحه النووي في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة" فقال: العجب من الإمام الرافعي مع جلالته كيف حكى هذه المسألة على هذا الوجه، وكأنه قلد فيه صاحبى "المهذب" و"المستظهري"، وهو خلاف نص الشافعي، وإنما هو مذهب المزني لأن الشافعي قال: يلقى بين لوحين ليقذفه البحر.
قال المزني: هذا الذي قاله الشافعي محله إذا كان أهل الساحل مسلمين، فإن كانوا كفارًا ثقل بشئ ليرسب إلى القرار.
قال أصحابنا: الذي قاله الشافعي أولى لأنه يحتمل أن يجده مسلم فيدفنه إلى القبلة.
وعلى قول المزني يتيقن ترك الدفن، وذكر الشيخ أبو حامد وصاحب "الشامل" وغيرهما أن المزني ذكر ذلك في "جامعه الكبير" وأنكر القاضي أبو الطيب عليهم وقال: إنما ذكرها المزني في "جامعه" كما قالها الشافعي.
الأمر الثاني: أن الإلقاء بين اللوحين لا يجب، بل يجوز لهم تثقيله وإلقاؤه في البحر. كذا نقله الأصحاب عن الشافعي.
قال النووي: وعبارة الشافعي رجوت أن يسعهم قال: وهو بمعناه.
قوله من زياداته: قال أصحابنا: ولا يكره الدفن بالليل.
قالوا: وهو مذهب العلماء كافة إلا الحسن البصري.
قالوا: لكن المستحب أن يدفن نهارًا. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن تمكين الذمي من الدفن نهارًا فيه كلام يأتيك في بابه.
الثاني: أن الذي قاله من اتفاق العلماء وأنه لم يخالف إلا الحسن ليس
كذلك، وقد رأيت في "الذخيرة" للبندنيجي أن الداركي من أصحابنا قال بالكراهة.
الثالث: أن من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس من النهار لا من الليل، ولا شك في لحاقة بالليل لوجود المعنى، وهو مشقة الإجماع، بل هو في المشقة أشد مما بعد الغروب لاسيما إذا جهز وحمل قبل الغروب، ولم يبق بعد الغروب إلا الدفن أو كان البيت مثلًا في المقبرة لأن البيت لا يؤخر لكثرة المصلين.
ولقائل أن يمنع استحباب التأخير إلى النهاية في الصورتين المذكورتين طلبًا للإسراع بالجنازة.
قوله: ولا يكره الدفن في الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها بالإجماع، وأجابوا عن حديث عقبة بن عامر في "صحيح مسلم": ثلاث ساعات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا (1). وذكر وقت الاستواء والطلوع والغروب.
وأجاب القاضي أبو الطيب وصاحب "التتمة" بأن الحديث محمول على تحري ذلك، وقصده بخصوصه دون ما قبله وبعده. انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذا الجواب قد نقله في "شرح المهذب" عن غيرهما أيضًا، واستحسنه فدل ذلك على موافقته على الكراهة عند القصد المذكور.
الثاني: أن المراد بالأوقات التي يكره تحريها، إنما هي الثلاثة المذكورة في الحديث لا الوقتان الآخران المتعلقان بالفعل، وهما ما بعد صلاة الصبح وصلاة العصر، وإن كانت الصلاة فيهما مكروه أيضًا، فاعلمه، وكلام الكتاب والحديث والمعنى يدل على ذلك والمذكور في "المنهاج" في هذا
(1) أخرجه مسلم (831) وأبو داود (3192) والترمذي (1030) والنسائي (560) وابن ماجة (1519) وأحمد (17415).
الموضع غير مستقيم كما ذكرته في شرحه فتفطن له.
وقوله في الحديث (نقبر) يجوز فيه ضم الباء وكسرها، قاله الجوهري.
قوله فيها: وأما نقل الميت من بلد إلى بلد فقال الشافعى: لا أحبه إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس فيجاز.
وقيل: يكره.
وقيل: يحرم وهو الأصح. انتهى ملخصًا.
وفيه أمران:
أحدهما: أن إطلاقه يقتضي أنه لا فرق بين أن يتغير أم لا، وينبغي القطع بالتحريم عند التغيير.
الثاني: أن التعبير بالبلد لا يمكن الأخذ بظاهرها لا تصريحًا ولا مفهومًا، فإن الصحراء كذلك بلا شك وحينئذ فينتظم منها مع البلد أربع مسائل وهي النقل من بلد إلى بلد، أو إلى صحراء، ومن صحراء إلى بلد أو صحراء.
ثم إن البلدين المتصلين أو المتقاربين يجوز فيهما ذلك بلا شك، ولهذا نقل سعد وسعيد من العقيق إلي المدينة لاسيما أن العادة جارية بالدفن خارج البلد، ولعل الاعتبار في كل بلد بمسافة مقبرتها إلا إذا نقل إلى ما هو أقل منها.
قوله أيضًا من زياداته: قال الشافعي: ولو أن مجتازين مروا بميت عليه أثر الغسل والكفن والحنوط دفنوه، فإن أرادوا الصلاة عليه صلوا بعد دفنه على قبره، لأن الظاهر أنه صلى عليه. انتهى.
لقائل أن يقول: الأصل عدم ذلك كله، فلم لا يخرج على الأصل، والغالب.
وحينئذ فيكون المرجح وجوب الغسل والصلاة، وهذا البحث في الصلاة أقوى منه في الغسل.