المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[الشرط الثاني: طهارة النجس] - المهمات في شرح الروضة والرافعي - جـ ٣

[الإسنوي]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب الصلاة

- ‌الركن الأول التكبير

- ‌[الركن الثاني: القيام]

- ‌الركن الرابع: الركوع

- ‌ شرائط الصلاة

- ‌الشرط الأول: الطهارة عن الحدث

- ‌[الشرط الثاني: طهارة النجس]

- ‌الشرط الثالث ستر العورة

- ‌الشرط الرابع: ترك الكلام…إلى آخره

- ‌الشرط الخامس: ترك الأفعال

- ‌ السجدات

- ‌سجدة السهو:

- ‌ سجدة التلاوة

- ‌ سجدة الشكر

- ‌ صلاة التطوع

- ‌كتاب الصلاة بالجماعة

- ‌الفصل الأول: في فضلها

- ‌الفصل الثالث: في شرائط القدوة

- ‌كتاب صلاة المسافرين

- ‌الباب الأول في القصر

- ‌الباب الثاني في [الجمع]

- ‌كتاب الجمعة

- ‌الباب الأول في شرائطها

- ‌الباب الثاني فيمن تلزمه الجمعة

- ‌الباب الثالث في كيفية إقامة الجمعة

- ‌باب صلاة الخوف

- ‌باب صلاة العيدين

- ‌باب صلاة الكسوف

- ‌باب صلاة الاستسقاء

- ‌كتاب الجنائز

- ‌ القول في التكفين

- ‌ القول في الدفن

- ‌ القول في التعزية

- ‌باب تارك الصلاة

- ‌كتاب الزكاة

- ‌زكاة الغنم

- ‌باب صدقة الخلطاء

- ‌الفصل الأول: في حكم الخلطة

- ‌الفصل الثاني: في التراجع

- ‌الفصل الثالث: في اجتماع الخلطة والانفراد [في الحول الواحد]

- ‌زكاة المعشرات

- ‌الطرف الأول: في الموجب:

- ‌الطرف الثاني: في الواجب

- ‌الطرف الثالث: فى وقت الوجوب

- ‌ زكاة النقدين

- ‌ زكاة التجارة

- ‌ زكاة المعدن والركاز

الفصل: ‌[الشرط الثاني: طهارة النجس]

فإن أحدث حدثًا آخر فإن قلنا بالأول لم يضر، وإلا فلا. انتهى لفظه بحروفه.

وذكر مثله في "شرح الوسيط" المسمى بالتنقيح.

[الشرط الثاني: طهارة النجس]

(1).

قوله: وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأسماء: "حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء"(2) انتهى.

وما ذكره الرافعي من أن أسماء هي المقول لها قد اعترضوا عليه فيه، وعلى من ذكر كما ذكر فقالوا: إنها راوية الحديث لا صاحبة الواقعة، ففي الصحيحين عن أسماء أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال:"تحته ثم تقرصه بالماء"، وفي رواية:"فلتقرصه ثم لتنضحه بماء".

قال في "شرح المهذب": وليس في الصحيح أن أسماء هي السائلة، ولا في كتب الحديث المعتمدة لكن رواه الشافعي في "الأم" كذلك في رواية ضعيفة بعد أن رواه عن أسماء أن امرأة سألت.

والحت: بالتاء المثناة كما قاله الجوهري هو الحك.

والقرص: بالصاد المهملة هو التقطيع والقلع بالظفر.

قوله: ويلزمه قطع موضع النجاسة إذا تعذر الغسل وأمكن ستر العورة بالطاهر منه ولم ينقص من قيمته أكثر من أجرة مثل الثوب لو استأجره. انتهى.

وما ذكره من اعتبار النقصان بمقدار الأجرة، ذكره المتولي في "التتمة"

(1) سقط من أ.

(2)

أخرجه البخاري (225) ومسلم (291) وأبو داود (360) والترمذي (138) والنسائي (293) والدارمي (1016) وابن خزيمة (275) وابن حبان (1396) والشافعي (6) والطبراني في "الكبير"(24/ 109) حديث (287) والبيهقي في "الكبرى"(37) وإسحاق بن راهويه في "مسنده"(2219) والحميدي في "مسنده"(320) وابن الجارود في "المنتقى"(120).

ص: 134

فتابعه عليه الرافعي ثم النووي، والصواب اعتبار أكبر الأمرين من ذلك من ثمن الماء لو اشتراه مع أجرة غسله عند الحاجة، فإن كلًا منهما لو انفرد لكان يجب عليه تحصيله.

وأنكر الشاشي كلام المتولي وقال: الوجه أن يعتبر ثمن الثوب لا أجرته، لأنه يلزمه شراؤه بثمن المثل، والذي قاله ضعيف.

لأنا إنما أوجبنا الشراء لبقاء العين، وفي الأجرة خروج المالية كما في القطع.

قوله: ولو غسل أحد نصفيه ثم غسل النصف الآخر ففيه وجهان:

أحدهما: أنه لا يطهر حتى يغسل الكل دفعة.

وأظهرهما: أنه إن غسل مع النصف الباقي القدر الذي تجاوز من الأول طهر الكل، وإن لم يغسل إلا النصف في الدفعة الثانية طهر الطرفان فقط. انتهى كلامه.

وما ذكره الرافعي في هذه المسألة قد ذكر مثله في "المحرر"، وتابعه عليه النووي في "الروضة " و"المنهاج" و"شرح المهذب" هنا ثم صحح خلافه في "شرح المهذب" أيضًا من أواخر باب إزالة النجاسة فقال: الصحيح الخلاف كان ذلك في جفنة بأن وضع نصفه ثم صب عليه ما يغمره فلا يطهر لأن هذا الماء يلاقي جزءًا ما لم يغسله، وذلك الجزء نجس، وهو وارد على ما دون القلتين فينجسه، وإذا نجس الماء نجس الثوب، وإن غسل نصفه في غير جفنة ولكن يصب الماء عليه طهر.

قوله: ولو نجس واحد من موضعين منحصرين أو مواضع، وأشكل عليه كما لو نجس أحد الكمين فأدى اجتهاده إلى نجاسة أحدهما فغسله، وصلى فيه، فوجهان:

أصحهما عن المعظم: أنها لا تصح، لأن الثوب واحد فقد تيقن نجاسته،

ص: 135

ولم يتقين الطهارة فلو فصل أحدهما جاز الاجتهاد، ويجري الوجهان في اليدين والأصابع، وكذلك فيما لو اجتهد في ثوبين وغسل النجس عنده، وصلى فيهما معًا لأنه استيقن النجاسة في المجموع ولم يستقين الطهارة، لكن الأظهر هاهنا الجواز لأنهما سيان ولو غسل أحد الكمين بالاجتهاد وفصله عن الباقي فجواز الصلاة فيما لم يغسله واردة على الخلاف. انتهى.

وتعبيره في آخر كلامه بقوله: "على الخلاف" يجوز أن يريد به الخلاف المحكي في أصل المسألة حتى يكون الصحيح فيه أيضًا المنع، وهو الذي فهمه النووي في "شرح المهذب" فتأمله، ويجوز أن يريد به الخلاف الأخير المذكور قبل هذه المسألة، وهو أظهر في المعنى خصوصًا إذا كان مستحضرًا لطرق الاجتهاد فإنه لا سبيل معه إلى المنع، وقد ذكر في "شرح المهذب" صورة أخرى، وهي ما إذا كان الغسل بغير اجتهاد وحكى فيها وجهين عن "التتمة"، وصحح المنع.

وهو في هذه الصورة متجه، ويجوز أن تكون هى [التي](1) أرادها الرافعي، ويكون صنعه "بلا" اجتهاد أعني بلا النافية، ولكن تحرفت.

قوله: وإذا غسل أحد الثوبين بالاجتهاد فتجوز الصلاة في كل واحد منهما وحده بلا خلاف. انتهى.

وما ادعاه من عدم الخلاف تابعه عليه أيضًا في "الروضة"، وليس كذلك، ففي المسألة وجه أنه لا يجوز في الذي لم يغسله، كذا حكاه القاضي الحسين في "تعليقه"، وقال: فيه الوجهان في صلاته بالاجتهاد مع إمكان صلاته في ثوب طاهر بيقين، وحكاه أيضًا في "التتمة" ونقله في "شرح المهذب" عنه، بل حكى المرعشي في "التقاسيم" قولًا أنه لا يجتهد في الثياب بالكلية إلا في السفر بخلاف الأواني.

(1) سقط من أ.

ص: 136

قوله: ما لبسه المصلي يجب أن يكون طاهرًا سواء كان يتحرك بحركته في قيامه وقعوده أو لا كذنابة العمامة. انتهى.

الذنابة بذال معجمة مضمومة، بعدها نون وبعد الألف باء موحدة هو ذنب الوادي وغيره، كذا قاله في "ديوان الأدب" في باب فعال بضم الفاء، ولم يذكره في باب فعال بكسرها.

ثم قال: إنها أعني بالكسر ما بين القلعتين أي المكانيين المرتفعين من مسايل الماء.

وقال الجوهري في "الصحاح": الذنب واحد الأذناب، ثم قال: والذناب بكسر الذال عقب كل شئ، وذنابة الوادي أيضًا: الموضع الذي ينتهي إليه. هذا كلامه.

وسياقه يقتضي أن الذنابة أيضًا بالكسر.

وقد ضبطه هو أيضًا بذلك.

وقد عبر النووي في "الروضة" عن هذه اللفظة بقوله: كذؤابة العمامة، أعني بالهمزة بعد الذال ولا شك أن الذأبة قد تطلق على الطرف المرخي من العمامة، ولكنه مجاز، فإن الذأبة اسم للشعر، والجمع: ذوائب، كذا قاله الجوهري وغيره.

والظاهر أن النووي إنما عدل عن "الذنابة" إلي "الذؤابة" لتوهمه أنه تحريف.

وعبر في "الروضة" قبيل صلاة العيد بالعذبة وهو أيضًا مجاز، فإن العذبة تقال على غصن الشجرة، وتقال أيضًا على أحد السيرين الرفيعين اللذين في طرفي السوط.

قوله: ولو قبض طرف حبل أو ثوب بيده أو شده في وسطه طرفه الآخر نجس أو ملقى على نجاسة فوجهان:

ص: 137

أحدهما: تبطل صلاته كما في العمامة، وكلام الأكثرين يدل على أنه أرجح.

والثاني: لا، لأنه ليس محمولًا، وخصص الإمام والغزالي هذين الوجهين بما إذا لم يتحرك الطرف الملقى على النجاسة، وجزما بالمنع عند تحركه.

ولم أر ذلك إلا لهما، ولمن تابعهما، وعامة الأصحاب أرسلوا الكلام إرسالًا، وجعل صاحب "التهذيب" صورة الشد أولى بالمنع من القبض. انتهى موضع الحاجة ملخصًا.

وفيه أمران:

أحدهما: أن الرافعي أيضًا في "المحرر" قد صحح البطلان فقال: إنه أظهر الوجهين، لكن خالفه في "الشرح الصغير" فقال: أوجه الوجهين أنها لا تبطل، ولم يذكر ترجيحًا غيره.

الأمر الثاني: أن هذا الإرسال الذي حكاه الرافعي عن الأكثرين لا يلزم منه أن يكون ذهابًا منهم إلى تعميم الخلاف، بل حاصله إطلاق يحتمل أن يكون المراد به التعميم، وأن يكون المراد به التقييد، كما ذهب إليه الإمام والغزالي ولم يبين الرافعي هنا ذلك، وقد بينه في "الشرح الصغير" و"المحرر" فإنه جزم فيهما بالتقييد، ولم يحك الخلاف إلا مع عدم الحركة.

وقد اختصر النووي في "الروضة" هذا الكلام على غير وجهه، فإنه عبر عن قول الرافعي:"والوجهان أرسلهما الأكثرون" بقوله: الأكثرون قالوا: إنه لا فرق بين أن يتحرك بحركته أم لا، وهو غلط لما تقدم، ثم إنه يوهم الواقف عليه أن الرافعي ناقض كلامه مع أنه ليس كذلك فاعلمه.

قوله: وإن كان طرف الحبل ملقى على ساجور كلب أو مشدودًا فيه فوجهان مرتبان على الصورة السابقة، وأولى بالصحة، لأن بين الكلب وطرف الحبل واسطة، وهي الساجور فيكون أبعد عن النجاسة، ولو كان

ص: 138

طرف الحبل على موضع طاهر من حمار، وعليه نجاسة في موضع آخر فعلى الخلاف في الساجور، وأولى بالصحة منه، لأن الساجور قد يعد من توابع الحبل، وأجزائه بخلاف الحمار، وإذا تركت الترتيب، وقلت: أخذ بطرف حبل طرفه الآخر نجس، أو متصل بنجاسة، حصل في الجواب ثلاثة أوجه:

أحدها: يصح.

والثاني: لا.

والثالث: إن كان الطرف الآخر نجسًا أو متصلًا بعين النجاسة كما لو كان في عنق كلب فلا يصح، وإن كان متصلًا بشئ طاهر، وذلك الطاهر متصل بنجاسة كما لو كان مشدودًا إلى ساجور أو خرقة، وهما في عنق [حمار](1)، وعليه حبل نجس فلا بأس. انتهى.

فيه أمران:

أحدهما: أن ما ذكره من حصول ثلاثة أوجه فقط تبعه عليه في "الروضة"، وليس كذلك، بل الحاصل أربعة لأنه ذكر ثلاث مسائل:

إحداها: أن يكون طرف المأخوذ نجسًا أو متصلًا بنجاسة.

الثانية: أن يكون طرفه على ساجور كلب أو مشدودًا بساجور.

الثالثة: أن يكون طرفه على موضع طاهر من حمار وعلى ذلك الحمار نجاسة في موضع آخر، وجعل الثانية أولى بالصحة من الأولى، والثالثة أولى بذلك من الثانية، فتحصل أربعة أوجه:

أحدها: يصح في الثلاث.

والثاني: يبطل فيها.

والثالث: يبطل في الأولى والثانية ويصح في الثالثة.

والرابع: يبطل في الأولى فقط، ويصح في الثانية والثالثة.

(1) في ب: الكلب.

ص: 139

واعلم أنك إذا لمحت ما نقله الرافعي عن "التهذيب" في الشد كثرت الأوجه، لأن تلك الأربعة المتقدمة تجري في الأخذ والشد، ويأتي خامس وهو أنه لا يصح مع الشد، ويصح مع الأخذ في الثلاث.

ووجه سادس: وهو أنه لا يصح مع الشد ويصح مع الأخذ في المسألة الثانية فقط.

وسابع: أنه لا يصح مع الشد، ويصح مع الأخذ في الثانية والثالثة فقط، ويأتي على ما فهمه النووي من أن الخلاف عند الأكثرين يجري فيما تحرك، وما لم يتحرك وجوه أخرى فيقال:

الثامن: إن تحرك بحركته لم يصح، وإلا فيصح في الثلاث.

والتاسع: إن تحرك بحركته لم يصح، وإلا فيصح في الثالثة فقط.

والعاشر: إن تحرك بحركته لم يصح، وإلا فيصح في الثالثة والثانية فقط.

الأمر الثاني: أن النووي قد صحح في "أصل الروضة" البطلان في مسألتي الساجور والحمار، وهو صحيح مأخوذ من كلام الرافعي، فإنه قال عقب ذلك: وأطلق -يعني الغزالي- الكلام في الكلب، وهكذا نقل الشيخ أبو محمد والصيدلاني وابن الصباغ.

وفصل الأكثرون فقالوا: إن كان الكلب صغيرًا أو ميتًا، وطرف الحبل مشدود عليه بطلت صلاته بلا خلاف، لأنه حامل للنجاسة، ويعنون به أنه لو مشى يجره.

وإن كان الكلب كبيرًا حيًا، فأصح الوجهين أنها تبطل أيضًا لأنه حامل لشئ متصل بالنجاسة.

والثاني: لا، لأنه يمشي باختياره فله قوة الامتناع، هذا كلامه.

وهذا الكلام الذي نقله الرافعي، عن الأكثرين يقتضي الصحة في

ص: 140

مسألتي الساجور والحمار كما تقدم ذكره، وذلك لأن الرافعي قد تكلم فيما صوره الغزالي، والغزالي إنما فرضها في الحبل المشدود بالساجور لا بالكلب نفسه فلزم القول به في نظائرها كلها، سواء كان حيوانًا أم لا.

فإن العلة هي اتصاله بنجس.

قوله: وإن كان الحبل مشدودًا بالسفينة، وموضع الشد طاهر وفي السفينة نجاسة، فإن كانت صغيرة تبحر بالجر فهي كالكلب، وإن كانت كبيرة فلا بأس، وفيها وجه بعيد. انتهى.

وصورة المسألة كما قاله في "الكفاية": أن تكون السفينة فى البحر، فإن كانت في البر لم تبطل قولًا واحدًا صغيرة كانت أو كبيرة.

قوله: وإن جبر عظمه بعظم نجس فينظر إن احتاج إلى الجبر، ولم يجد عظمًا طاهرًا يقوم مقامه فهو معذور وليس عليه نزعه سواء خاف من النزع أم لا، وإن لم يحتج إليه أو وجد طاهرًا يقوم مقامه نظر إن لم يخف محذورًا يبيح التيمم وجب النزع، ولا عبرة بالألم لأنه حامل نجاسة يمكنه إزالتها، وقد تعدى بحملها وقيل: إن اكتسى باللحم لم يجب النزع، وإن خاف الهلاك فوجهان: المذهب منهما أنه لا يجب.

وقال الغزالي: في المسألة قولان: المنصوص منهما أنه لا يجب.

والمخرج وجوبه، وهو من تفرداته، وسائر الأصحاب لم يطلقوا في المسألة إلا وجهين. انتهى.

فيه أمران:

أحدهما: أن ما جزم به الرافعي، واقتضى كلامه عدم الخلاف فيه من أن غير المتعدى لا يلزمه النزع، وإن انتفى الخوف، قد ذكر في "النهاية" خلافه، وكذلك المتولي في "التتمة" وابن الرفعة في "الكفاية" وغيرهم، ورأيت في كتاب "القولين والوجهين" للمحاملي نحوه أيضًا.

ص: 141

وحاصل كلام "التتمة" أن غير المتعدى إن لم يخف يجبر على القلع قطعًا، وإن خاف فعلى قولين، وفي كلامه فائدتان أيضًا:

إحداهما: أنه إذا جبر عظمه بعظم نجس فلم ينجبر به، ووجد عظمًا طاهرًا يجبر به، فإنه يؤمر بقلع النجس بلا خلاف من غير فرق بين المتعدي وغيره.

والثانية: أن من احتاج إلى الجبر، ولم يجد عظمًا طاهرًا يجبر به، أو كان لا ينجبر بما يجده من العظام الطاهرة ففي جواز الإقدام على الجبر بالنجس وجهان مبنيان على أنه لو جبر هل يؤمر بقلعه أم لا؟

وأما الإمام فصرح بالخلاف في غير المتعدي وكلامه في المتعدي محتمل.

الأمر الثاني: أن ما ادعاه من أن سائر الأصحاب لم يحكوهما إلا وجهين، غريب، فقد حكاهما المتولي في "التتمة" قولين فقال: فأما إذا كان قد انجبر العظم، وخاف من قعله الهلاك [فهل] (1) يؤمر بالقلع أم لا؟ فيه قولان:

أحدهما: يؤمر به، وإذا امتنع أجبر عليه، حكاه المزني في "مختصره" ثم قال: والقول الآخر: أنه لا يجب القلع وهو الصحيح. انتهى كلامه.

ولا شك أن الرافعي لم يمعن النظر في هذه المسألة، ولذلك فإنه كلام "النهاية" و"التتمة".

قوله: وحيث أوجبنا النزع فمات قبله ففيه وجهان: أظهرهما -وهو المنصوص-: أنه لا ينزع لأن فيه مُثلة، وهتكًا لحرمة الميت ولأن النزع في حال الحياة إنما أمر به محافظة على الصلاة، فإذا مات سقط التعبد.

والثاني: أنه ينزع لئلا يلقى الله تعالى حاملًا للنجاسة. ومنهم من خصص هذا الوجه بما إذا لم يستتر باللحم ثم قال: فإن قلنا بالمنصوص

(1) في أ: فلم.

ص: 142

فقضية التعليل بهتك الحرمة أنه لا يجوز، وقضية التعليل الثاني أنه يجوز.

وإذا قلنا بالوجه الثاني، وهو أنه ينزع فمنهم من قال: يجب، ومنهم من قال: الأولى. انتهى ملخصًا.

فيه أمران:

أحدهما: أن النووي في "الروضة" قد حذف الخلاف المأخوذ من الاختلاف في التعليل، واقتصر في "المهذب" على التعليل الثاني، وهو المحافظة على العبادة، وتبعه عليه النووي في "شرحه"، وبذلك يترجح عدم التحريم.

الأمر الثاني: أن الأصح من الخلاف الأخير هو: الوجوب، كذا صححه النووي في "الروضة"، و"شرح المهذب" وغيرهما، ولم ينبه في "الروضة" على أنه من زوائده بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.

وجزم في "المحرر" بأن الخلاف في الوجوب فقال: فإن مات فالأصح أنه لا يجب النزع هذا لفظه، ولم يصرح به في "المنهاج".

قوله: واعلم أن مداواة الجرح بالدواء النجس وخياطته بالخيط النجس كالوصل بالعظم النجس، وكذلك لو شق موضعًا من بدنه، وجعل فيه دمًا، وكذا لو وشم يده بالنوور أو العظم فإنه ينجس عند الغرز انتهى كلامه.

النوور بنون مفتوحة ثم واو مضمومة بعدها واو ساكنة ثم راء مهملة.

قال الجوهري: هو دخان الشحم يعالج به الوشم حتى يخضر، ولك أن تقلب الواو المضمومة همزة، وقد نور ذراعه إذا غرزها بإبرة ثم در عليها النوور، هذا كلامه.

وأما العظم فهو بعين مهملة مكسورة، وظاء معجمة مشالة ساكنة، ولام مكسورة، كذا ضبطه الفارابي في "ديوان الأدب"، وقال: إنه نبت. وقال الجوهري: إنه نبت يصبغ به.

ص: 143

واعلم أن هذه اللفظة قد تحرفت على النووي في "الروضة" بالعظام فقال: وكذا لو وشم يده بالعظام أو غيرها، هذه عبارته.

قوله: والأصل فيه ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال: "لعن الله الواصلة والمستوصلة، [والواشمة](1) والمستوشمة، والواشرة والمستوشرة أي فاعلة ذلك، وسائلته. والواشرة هي التي تشر الإنسان حتى تكون لها أشر، وهو التحدد. انتهى.

والأشر مضموم الهمزة وسكون الشين [ويجوز فتح شينه ويقال فيه الأشور أيضًا، والمفرد أشره بضم الهمزة وسكون الشين](2)، وتقول: نشرت الخشبة بالمنشار بالنون فيهما بمعنى قطعها وأشرتها بالمنشار بالهمز فيهما أيضًا ووشرتها بالواو، واسم الآلة على هذا بالتاء، قاله الجوهري مفرقًا.

وإنما قيل في الأخير بالتاء لوقوع الواو فيه ساكنة بعد كسرة كما في الميقات والميزان المأخوذين من الوقت والوزن.

والحديث المذكور ثابت في الصحيحين، لكن على تغيير لبعض الألفاظ.

قوله في أصل "الروضة": فرع: وصل المرأة شعرها بشعر نجس أو شعر آدمي حرام قطعًا. انتهى.

وما ذكره من دعوى القطع على تحريم الوصل بالشعر النجس غريب جدًا مخالف للمعنى ولكلام الأصحاب حتى الرافعي.

أما المعنى: فإن الاستعمال بالتضمخ أبلغ.

ومع ذلك فإن فيه خلافًا شهيرًا، وأقوالًا للشافعي.

(1) سقط من ب.

(2)

سقط من أ.

ص: 144

وأما الرافعي فعبارته صريحة في إثبات الخلاف فإنه قال: اعلم أن وصل الشعر حرام وفاقًا في بعض الأحوال، وخلافًا في بعضها، ثم قد يحرم لمعنى واحد، وقد يجتمع له معانٍ.

وتفصيله أن الشعر إما نجس، وإما طاهر، وهذا التقسيم يتفرع على ظاهر المذهب، وهو أن الشعر ينجس بالموت، فأما الشعر النجس فيحرم وصله لأنه لا يجوز استصحابه في الصلاة، وفي غير الصلاة يكون مستعملًا للشئ النجس العين في بدنه استعمال إيصال وذلك حرام في أصح القولين، ومكروه في الثاني، ونظيره الادهان بالدهن النجس ولبس جلد الكلب والخنزير والميتة، والامتشاط بمشط العاج، كل ذلك حرام على الأصح.

هذا لفظ الرافعي وهو صريح في إثبات الخلاف، إلا أن يكون في حالة الصلاة فيحرم قطعًا لكونه يؤدي إلى حمل النجاسة في الصلاة لا لكونه يؤدي إلى حمل النجاسة في الصلاة لا لكونه وصلًا من حيث هو.

وقد اغتر النووي بما وقع فيه من "الروضة" فنقله إلى "شرح المهذب" على عادته.

قوله: فأما شعر الآدمي فحرام لأن من كرامته أن لا ينتفع بشئ منه بعد انفصاله عنه بل يدفن، وأيضًا فلأنه إن كان شعر رجل فيحرم على المرأة أن تنظر إليه. انتهى.

فيه أمران:

أحدهما: أن ما ذكره من تحريم نظر المرأة إلى الرجل قد خالفه في أوائل كتاب النكاح فصح جواز نظرها لما عدا العورة على خلاف ما صححه النووي، وستعرف لفظه هناك إن شاء الله تعالى.

ص: 145

الأمر الثاني: أنه لم يبين حكم الانتفاع والدفن.

فأما [حكم](1) الانتفاع: فحرام، وقد صرح به هنا في "أصل الروضة"، وبهذا يتبين عدم صحة بيعه، ولأنه غير مملوك له أيضًا.

نعم: في الصحيحين أنه عليه الصلاة والسلام لما حلق رأسه بمنى ناول شعره أبا طلحة فقسمه بين الناس، والمحقق في هذه القسمة ثبوت الاختصاص فقط.

وأما الدفن: فأطلق الرافعي في أوائل الصلاة على الميت باستحباب دفن جميع ما ينفصل من الحي حتى دم الفصد والحجامة، وكذلك المضغة والعلقة.

وإطلاقه يقتضي عدم الوجوب أيضًا في اليد ونحوها، وفيه شئ يأتيك في الجنائز ورأيت في كتاب الحج من "الإملاء" للشافعي أن استحباب الدفن في الشعر الحسن آكد لئلا يؤخذ للوصل.

قوله في "الروضة": وأما الشعر الطاهر لغير الآدمي، فإن لم تكن ذات زوج، ولا سيد حرم الوصل به على الصحيح، وعلى الثاني: يكره. وإن كانت ذات زوج أو سيد فثلاثة أوجه: أصحها: إن وصلت بإذنه جاز، وإلا فلا انتهى.

فيه أمران:

أحدهما: أنه قد جزم في باب السواك من كتاب "التحقيق" بالتحريم مطلقًا فإنه قال: وأما تحميرها وَجْنَة وخضب بسواد وتطريف أصابع به وتجعيد شعر فحرام إلا بإذن زوج وسيد على المذهب؛ ثم قال بعد ذلك ما نصه: ويحرم عليها وصل الشعر والوشم والوشر، هذا لفظه.

والمذكور في "الروضة" قد تبعه عليه في "شرح المهذب"، وبين فيه

(1) سقط من أ.

ص: 146

أن التحريم مطلقًا قوى في الدليل لكنه مخالف للأكثرين، فالفتوى حينئذ على المذكور هنا.

الأمر الثاني: أن تقييده بالشعر يوهم جواز الوصل بغيره كالصوف والخرق وغيرهما، وهو مذهب الليث بن سعد. والذي جزم به العمراني أنه كالشعر، ونقله في "شرح المهذب" عن جمهور أهل العلم قال: وهو الصحيح لما رواه مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر أن تصل المرأة برأسها شيئًا" (1).

قال: فأما ربط الشعر بخيوط الحرير الملونة ونحوها مما لا يشبه الشعر، فليس بمنهي عنه.

قوله أيضًا في "الروضة": أما تحمير الوجنة فإن كانت خلية من الزوج والسيد، أو كان أحدهما وفعلته بغير إذنه فهو حرام، وإن كان بإذنه فجائز على المذهب.

وقيل: وجهان كالوصل. انتهى.

واعلم أن ما ذكره من تصحيح طريقة القطع لم يذكره الرافعي، بل مقتضى نقله تصحيح طريقة الوجهين.

وأما القطع فبحث للإمام فإنه قال: واعلم أن الصيدلاني والقاضي حسين ذكرا في طريقهما أن تحمير الوجه كوصل الشعر الطاهر، واستبعد إمام الحرمين الخلاف فيه مع الإذن بخلاف الوصل، فإن النهي ورد فيه.

انتهى ملخص نقل الرافعي، وليس فيه نقل غيره، ولا بحث، فكان صوابه أن يقول: فجائز على الأصح، وقيل: قطعًا.

هذا إن جعلنا الاستبعاد المذكور وجهًا على ما فيه من البعد.

ثم إن كلامه يقتضي القطع في القسمين الأولين وليس كذلك، وهذا

(1) أخرجه مسلم (2126).

ص: 147

الغلط الذي وقع من تصرفه عزاه في "شرح المهذب" إلى الرافعي فاجتنبه؛ فإن كلام الرافعي يدل على جريان الخلاف في الأحوال كلها، إذ هو مثل الوصل، أو بالجواز أولى كما قاله الإمام.

وقد سبق في الوصل جريان الخلاف في الجميع ثم إنه يؤخذ منه الخلاف في الخلية والمزوجة عند عدم الإذن، ولا يؤخذ من "الروضة" فاعلمه.

قوله: وأما الوشم فحرام مطلقًا والوشر وهو تحديدًا أطراف الأسنان وترقيقها كالوصل بشعر طاهر. انتهى.

وقد تقدم أن الوصل فيه ثلاثة أوجه:

أصحها: إن أذن فيه الزوج أو السيد جاز، وإلا فلا. فيكون وشر الأسنان أيضًا فيه هذا التفصيل.

إذا علمت ذلك فقد تبعه النووي في "الروضة" على ما ذكره في الوشر، وجزم في هذا الباب من "شرح المهذب" بما يخالفه، فإنه تكلم على الوصل، وتحمير الوجنة والخضاب بالسواد وفصل فيها بين أن يأذن الزوج والسيد أم لا، ثم قال ما نصه: وأما الوشم والوشر فحرام على الرجل والمرأة لقوله صلى الله عليه وسلم: "لعن الله الواشرة والمستوشرة"(1). انتهى لفظه، ولم يذكر غير ذلك.

وذكر مثله أيضًا في "شرح مسلم"، وكذلك في باب السواك من "التحقيق".

قوله في "الروضة": وأما المكان فيجب أن يكون ما يلاقي بدن المصلى، وثيابه في موضع الصلاة طاهرًا، وكما يعتبر ذلك في جهة السفل يعتبر في جهة العلو، والجوانب المحيطة حتى لو وقف بحيث يحتك في صلاته بجدار نجس أو سقف نجس بطلت صلاته، ثم قال: ولو كان ما يحاذي صدره أو

(1) تقدم.

ص: 148

بطنه أو شيئًا من بدنه في سجوده أو غيره نجسًا صحت صلاته على الأصح. انتهى كلامه.

وتعبيره في آخره بقوله: أو غيره [يقتضي](1) جريان الخلاف فيما يحاذيه من الأعلى والجوانب كسقف البيت وحيطانه، ولا يتأتي القول به، بل كلامهم صريح في عدم اشتراطه.

وتصوير الرافعي، وتعليله يخرجه فإنه قال: ولو كان ما يحاذي صدره أو بطنه أو شيئًا من بدنه في السجود نجسًا فهل تصح صلاته؟ فيه وجهان:

أحدهما: لا لأن القدر الذي يوازيه منسوب إليه بكونه موضع صلاته.

وأصحهما: أن صلاته صحيحة لأنه ليس حاملًا للنجاسة ولا ملاقيًا لها، هذه عبارته.

فتقييده السجود وتعليله بكونه موضع صلاته مخرج لما ذكرناه، فحذف النووي التعليل، وعبر بقوله في سجوده أو غيره، وهو ذهول عجيب.

نعم ذكر الطبري في "شرح التنبيه" أنه يكره استقبال الجدار النجس أو المتنجس.

وذكر القاضي حسين أن الوجهين جاريان فيما لو كان ينتفل ماشيًا، وكان بين خطوتيه نجاسة لم يصبها شيء من بدنه، وفيما إذا كان على النجاسة ثوب شفاف ترى من تحته النجاسة ولا تلقى شيئًا من بدن المصلى أو ثيابه.

كذا نقله في "الكفاية" عنه، ولا يؤخذ ذلك من تعبير الرافعي.

قوله: ولو اشتبه مكان من بيت أو بساط لم يجز التحري في أصح الوجهين كما لو خفي موضع النجاسة من الثوب الواحد.

والثاني: يجوز كما لو اشتبه ذلك في الصحراء. انتهى.

(1) سقط من أ.

ص: 149

فيه أمران:

أحدهما: أن كلامه يقتضي الجزم بالاجتهاد في الصحراء، وقد تابعه النووي في "الروضة" عليه، ثم خالفه في "شرح المهذب" فقال: ذهب الجمهور إلى أنه لا يجتهد في الصحراء.

وقال البغوي: يجتهد. وهو شاذ. هذا كلامه. وهو اختلاف عجيب، وأشار الرافعي بالبيت والبساط ونحوهما إلى المحل الصغير وبالصحراء إلى الواسع، وبه صرح في "المهذب"، وغيره، حتى لو كان البيت والبساط كبيرين كانا كالصحراء، وإذا جوزنا الصلاة في المكان المتسع فله أن يصلي في جميعه إلى أن يبقى موضع قدر النجاسة، كذا حكاه في "شرح المهذب" عن المتولى، وحكى في "الروضة" في نظيره من الأواني وجهين:

أصحهما: كذلك.

والثاني: إلى أن يبقى عدد لو كان عليه ابتداء لم يكن له أن يجتهد وهو العدد المحصور.

ومن نظائر المسألة: ما إذا اشتبهت محرم بنسوة غير محصورين، والأصح فيه أنه يتزوج ما شاء منهن إلى أن يبقى عدد محصور، والفرق بين هذه، وبين ذينك أن الأصل في أفراد كل منهما الجواز، والمنع طارئ بخلاف نظيره من النكاح.

الأمر الثاني: أن الرافعي قد ذكر قبل هذا بأوراق في الكلام على غسل الثوب أنه إذا اشتبه موضع النجاسة، ولم ينحصر في موضعين أو مواضع محصورة فلا يجوز الاجتهاد، وأن انحصر كالكمين فعلى وجهين: أصحهما عند المعظم المنع أيضًا، وحينئذ فما ذكره الرافعي هنا في البساط ونحوه إن كان عند حصر النجاسة في موضع أو موضعين فالوجهان جاريان في نظيره من الثوب أيضًا، فكيف يستدل لأحد الوجهين بالقياس عليه،

ص: 150

وإن كان عند عدم الانحصار فقد سبق أنه لا يأتى الوجهان بالكلية، وبهذا يضعف أيضًا ما وقع فيه من الاجتهاد في الصحراء.

قوله: روى ابن عمر "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في سبع مواطن: المزبلة والمجزرة، وقارعة الطريق، وبطن الوادي والحمام، وأعطان الإبل، وفوق ظهر بيت الله العتيق"(1). ويروى المقبرة بدل بطن الوادى.

فأما المزبلة والمجزرة فالمعنى فيهما النجاسة فلو فرش عليه شيئًا صحت الصلاة، وبقيت الكراهة لكونه مصليًا على نجاسة وإن كان بينهما حائل.

وأما قارعة الطريق فللنهي فيها معنيان:

أحدهما: غلبة النجاسة.

والثاني: اشتغال القلب بسبب مرور الناس واختلفوا كما قاله في "التتمة" في أن العلة منهما ماذا؟

قال: فإن قلنا بالمعنى الأولى جرى النهي في جواد الطرق في البراري.

وإن قلنا بالثاني فلا، ولو فرش شيئًا طاهرًا وصلى صحت الصلاة قطعًا، وتبقى الكراهة لشغل القلب. انتهى ملخصًا.

تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمور:

أحدها: أن الأصح من هذين المعنيين هو الثاني كذا صححه النووي في "التحقيق" فقال: وقارعة الطريق في البنيان، وقيل: وفي البرية، وصححه أيضًا في "الكفاية".

الأمر الثاني: أن ما ذكره في طرق البراري الخلية من الناس من عدم الكراهة فيها تفريعًا على المعنى الثاني، وهو اشتغال القلب يقتضى أيضًا

(1) أخرجه الترمذي (346) وابن ماجه (746) والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(2098) وعبد بن حميد في "مسنده"(765) وابن الجوزي في "التحقيق"(397) وابن عدي في "الكامل"(3/ 203) والعقيلي في "الضعفاء"(2/ 71) من حديث ابن عمر. ضعفه الحافظ والألباني.

ص: 151

عكسه، وهو أنه إذا لم يقف في طرق البلد، ولكن استقبلها فإنها تكره على الثاني دون الأول، وهذا كله عجيب، فقد سبق من كلام الرافعي فيما نقلناه الآن عنه أن الشغل كاف في الكراهة، وذكر في الكلام على المقبرة أن الغلبة كافية أيضًا فيها.

وحينئذ فتكره الصلاة في القسمين جميعًا إلا أنها لمعنى واحد لا لمعنيين، وبه صرح في "الكفاية" أيضًا.

الأمر الثالث: أنه قد تلخص من مجموع كلام الرافعي أن فرش الطاهر يزيل الكراهة فيما غلبت فيه النجاسة دون ما تيقنت فيه فتأمله، وتفطن له، وهو ظاهر، لأن عدم التحقق قد ضعف بالحائل والكلام على الحديث يأتي عقب هذه المسألة.

قوله: وأما بطن الوادي فسبب النهي فيه خوف السيل السالب للخشوع، فإن لم يتوقع السيل فيجوز أن يقال: لا كراهة وتحتمل الكراهة لمطلق النهي. انتهى.

اعترض النووي في "الروضة" و"شرح المهذب" وغيرهما من كتبه على الرافعي باعتراض صحيح فقال: تبع الإمام الرافعي، الغزالى، وإمام الحرمين في إثبات النهي عن الصلاة في بطون الأودية مطلقًا، ولم يجئ في هذا نهي أصلًا، والحديث الذي جاء فيه ذكر المواطن السبعة ليس فيه الوادي، بل فيه المقبرة بدلًا منه، ولم يصب من ذكر الوادي، وحذف المقبرة.

والحديث من أصله ضعيف ضعفه الترمذي وغيره وإنما الصواب ما ذكره الشافعي رضي الله عنه فإنه كره الصلاة في وادٍ خاص، وهو الذي نام فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن معه عن الصبح حتى فاتت، وقال: اخرجوا بنا من هذا الوادي، وصلى خارجه. هذا كلام النووي.

واعلم أن الترمذي لما روي هذا الحديث قال: إسناده ليس بذاك القوى.

ص: 152

قال: وهو أشبه وأصح من حديث عمر، هذا كلامه.

وهو إلى تصحيحه أقرب من ضعفه.

قوله: وأما أعطان الإبل، فقد فسرها الشافعي رضي الله عنه بالمواضع التي تنحى إليها الإبل الشاربة ليشرب غيرها، فإذا اجتمعت استقت، ولا كراهة في مراح الغنم، وهو مأواها ليلًا.

روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أدركتكم وأنتم في مراح الغنم فصلوا فيها، فإنها سكينة وبركة، وإذا أدركتكم وأنتم في أعطان الإبل فاخرجوا منها، وصلوا فإنها جن خلقت من جن ألا ترى إذا نفرت كيف تشمخ بأنافيها"(1).

والفرق من وجهين:

أحدهما: أن الصلاة في مأوى الجن والشياطين مكروهة.

والثاني: أنه يخاف من نفارها وذلك يبطل الخشوع، والمعنيان لا يوجدان في المراح، وقد يتصور في الغنم مثل ما يتصور في أعطان الإبل وحكمهما واحد، ومأوى الإبل ليلًا كالموضع المعبر عنه بالعطن، نظرًا إلي المعنى، وهذا كله إذا كان الموضع طاهرًا، فإن كان نجسًا لم يصح فيها. انتهى.

فيه أمور:

أحدها: أن تعبيره بقوله: وحكمهما واحد ظاهره: أن حكم العطن، وما يتصور مثله في الغنم واحد وليس كذلك، بل مراده أن حكم المتصور مثله في الغنم، وحكم المراح واحد، فاعلم ذلك.

وقد صرح به هكذا في "الشرح الصغير" وفي "أصل الروضة".

الأمر الثاني: أنه قد وقع في "شرح المهذب" أن كراهة الصلاة في

(1) أخرجه الشافعي (74) والبيهقي في "الكبرى"(4154) من حديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه وفي إسناده إبراهيم بن أبي يحيى.

ص: 153

العطن والحمام: كراهة تحريم، ذكر ذلك في باب الساعات التي نهي عن الصلاة فيها، فإنه لما صحح أن الصلاة في تلك الأوقات للتحريم علله بقوله لثبوت الأحاديث في النهي.

وأصل النهي للتحريم كالصلاة في أعطان الإبل والحمام. هذه عبارته. والذي ذكره فيها سهو.

الأمر الثالث: إذا كانت هذه الأمكنة نجسة ففرش عليها ثوبًا طاهرًا صحت صلاته، ولكنها تكره، أما في المراح فالمعنى واحد، وهو محاذاة النجاسة كما صرح به الرافعي، والنووي في مواضع من هذا الباب.

وأما في أعطان الإبل فلمعنيين:

أحدهما: هذا.

والثاني: خوف النفار، ووقع في "شرح المهذب" أنها لا تكره مع الفرش في مراح الغنم، وهو ذهول أيضًا فاعلمه واجتنبه.

وكلام الشرح و"الروضة" في المسألة ملبس، وهو الذي أوقع النووي فيما وقع؛ على أن القاضي حسين قد قال: إنه لا كراهة مع الفرش مطلقًا.

الأمر الرابع: أنه قد سكت عن حكم النفر، وكذلك سكت عنها أيضًا لمعظم، وقد رأيته في "الإشراف" لابن المنذر من أصحابنا، وحاصل ما ذكره إلحاقها بالغنم، ثم نقله أيضًا عن عطاء ومالك، وصرح به أيضًا المحب الطبري في "الإحكام" واعلم أن الحديث المذكور رواه الشافعي، وفي إسناده إبراهيم بن يحيى، وهو ضعيف عند المحدثين، لكنه ثقة عند الشافعي.

نعم: معناه ثابت، ففي "صحيح مسلم"(1) من حديث جابر بن سمرة

(1) حديث (360).

ص: 154

أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: أصلى في مرابض الغنم؟ قال: "نعم"، قال أصلي في مبارك الإبل؟ قال:"لا".

وروي ابن ماجة من حديث عبد الله بن مغفل: "صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل فإنها خلقت من الشياطين"(1) وأخرجه أيضًا ابن حبان في صحيحه.

وأما الإخبار عن الغنم بأنها بركة فرواه أبو داود من حديث البراء بن عازب. وروي البيهقي من حديث أبي هريرة مرفوعًا أنها من دواب الجنة.

قوله: وأما المقبرة فالصلاة فيها مكروهة بكل حال: إلى آخره.

اعلم أن المعنى فيه ما تحت مصلاه من النجاسة كما تقدم غير مرة.

والذي دَلَّ عليه كلام القاضي كما قاله في "الكفاية" أن الكراهة لحرمة الموتى، ومن المعنيين يظهر أن صورة المسألة ما إذا حاذى الميت حتى إذا وقف بين الموتى فلا كراهة إلا أن ابن الرفعة بعد ذكره للمعنيين السابقين قال: ولا فرق في الكراهة بين أن يصلي على القبر أو بجانبه أو إليه، ومنه يؤخذ أنه تكره الصلاة بجانب النجاسة وخلفها، هذه عبارته وما ذكره في النجاسة من الكراهة خلفها وفي جانبها يعضده ما سبق نقله عن الطبري بنحو ورقتين من كراهة استقبال الجدار النجس.

وأما ما ذكره من الكراهة في جانب القبر وإليه ففيه نظر، ويحتاج إلى نقل إلا إن يعلل بكونه موضع الشياطين.

قوله: إحداها: الأثر الباقي على محل الاستنجاء بعد الحجر يعض عنه

(1) أخرجه ابن ماجة (769) وأحمد (16845) وابن حبان (1702) وابن أبي شيبة (1/ 337) والبيهقي في "الكبرى"(4153) والطحاوي في "شرح المعاني"(2104) وابن الجعد في "مسنده"(3180) من حديث عبد الله بن مغفل المزني.

قال الألباني: صحيح.

وفي الباب عن أبي هريرة وأسيد بن حضير.

ص: 155

مع نجاسته، فلو لاقى ماءًا قليلًا نجسه. انتهى.

وما ذكره من تنجيسه للماء القليل، قد ذكر في "الروضة" مثله أيضًا، وصرح في موضعين من "شرح المهذب" بأنه لا خلاف في تنجيسه.

الأول في "كتاب الطهارة" قبل باب ما يفسد الماء من الاستعمال فقال: ولو انغمس فيه مستجمر بالأحجار نجسه بلا خلاف، هذا لفظه.

والثاني في آخر باب الاستنجاء فقال: ولو انغمس هذا المستجمر في مائع أو في ماء دون قلتين نجسه بلا خلاف. هذه عبارته أيضًا.

ولم يذكرها في غير هذا الموضع من الشرح المذكور إذا علمت ذلك فاعلم أنه قد ذكر المسألة في "التحقيق" قبل باب ستر العورة، وحكى فيها وجهين، وزاد على ذلك فجعل الخلاف قويًا، فإنه قال: ولو وقع في ماء قليل أو مائع فالأصح تنجيسه لمستنج دون طائر وفأرة، ونحوهما. هذا لفظه والصواب: ما في "شرح المهذب" فإن المذكور في "التحقيق" مأخوذ من كلام موهم ذكره هنا في "شرح المهذب".

قوله: ولو حمل المصلى من استنجى بالحجر أو من على ثوبه نجاسة معفو عنها لم تصح صلاته في أصح الوجهين، ويقرب منهما الوجهان فيما لو عرق ولوث محل النجو غيره، لكن الأصح هاهنا العفو لتعذر الاحتراز بخلاف حمل الغير. انتهى.

تابعه النووي على ذلك في "الروضة"، وكذلك في هذا الباب من "شرح المهذب" وحاصله أن الخلاف إنما هو في المجاور لمحل النجو، فإن الصحيح فيه العفو، ثم ذكر -أعني النووي- ما يخالفه في آخر باب الاستنجاء من الشرح المذكور فقال ما نصه: الرابعة: إذا استنجى بالأحجار فعرق محله، وسال العرق منه، وجاوزه وجب غسل ما سال إليه، وإن لم يجاوزه فوجهان:

ص: 156

الصحيح: أنه لا يلزمه شئ لعموم البلوى، وذكر مثله في التصنيف الذي شرع فيه، وهو المسمى "بمهمات الأحكام" في الاستنجاء أيضًا فقال: ولو عرق المحل وجب غسله إن سال، وإلا فلا. وذكر المسألة في "التحقيق" في آخر باب الاستنجاء فقط موافقًا لما في "شرح المهذب" هناك.

قوله: ولو حمل بيضة صار حشوها دمًا لم تصح صلاته في أظهر الوجهين. انتهى.

تابعه النووي على تصحيح البطلان في "الروضة" و"شرح المهذب" و"التحقيق"، وصححه أيضًا في هذا الباب من "شرح الوسيط" المسمى "بالتنقيح".

وخالف ذلك في أوائل "شرح الوسيط" المذكور في الكلام على النجاسات فقال ما نصه: [والأظهر](1) طهارة بيض ما لا يؤكل لحمه إن قلنا الأصح طهارة المنى.

فأما البيضة المذرة بالذال المعجمة، وهي التي صار حشوها دمًا فالصحيح طهارتها أيضًا. هذا كلامه.

واعلم أن النووي قد صحح في كتبه طهارة العلقة والمضغة، ولا فرق في ذلك عنده بين الآدمي وغيره، لأن منى غيره طاهر عنده، وهذا يشكل على تصحيحه في "الروضة" وغيرها نجاسة البيضة المذرة لأنهما اشتركا في كونها دما يؤول إلى الحيوانية، بل البيضة أولى لاستتار دمها استتارًا خلقيًا.

قوله: ولو حمل قارورة مضممة الرأس برصاص أو نحوه، وفيها نجاسة لم تصح صلاته على ظاهر المذهب، ولو ضممها بخرقة بطلت صلاته، ولو

(1) في ب: والأصح.

ص: 157

ضممها بشمع فقال بعضهم: أنه كالخرقة وقال ابن كج: إنه كالرصاص. انتهى.

لم يصح شيئًا في مسألة الشمع لا في "الروضة" ولا في "شرح المهذب" وقال في "الشرح الصغير": أقرب الوجهين أنه كالخرقة.

وخالف -أعني النووي- فصحح في "التحقيق" أنه كالرصاص، ونقل في "تهذيب الأسماء واللغات" أن صلاته لا تصح وجهًا واحدًا ذكر ذلك في الكلام على سد.

قوله: واللحم المنتن طاهر. انتهى.

هذه المسألة قد أسقطها من "الروضة" وعبر الأصحاب عنها بقولهم: اللحم إذا خنز أى تغير وهو بخاء معجمة مفتوحة بعدها نون مكسورة ثم زاى معجمة.

قوله: وإن أصاب أسفل خفه أو ثوبه نجاسة فدلكه فى الأرض حتى ذهبت أجزاؤه لم تصح صلاته فيه على الجديد.

والقديم الصحة لقوله عليه الصلاة والسلام: "إذا أصاب خف أحدكم أذى فليدلكه في الأرض"(1).

قال أصحابنا: والقولان متفقان على أنه لا يطهر، والكلام إنما هو في العفو، ثم قال: وذكروا للقولين شروطًا.

أحدها: أن تكون النجاسة لها جرم تلتصق به، أما البول ونحوه فلا يكفي فيه الدلك بحال.

والثاني: أن يقع الدلك في حال الجفاف، فأما ما دام رطبًا فلا يغني الدلك بلا خلاف. انتهى كلامه.

(1) أخرجه أبو داود (385) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وصححه الألباني.

ص: 158

تابعه عليه النووي وفيه أمران:

أحدهما: أن ما أفهمه كلامه من اتفاق الأصحاب على أنه لا يطهر ليس كذلك، بل فيه خلاف لهم حكاه الجرجاني في "الشامل"، ورجح أن القولين في الطهارة، فقال ما نصه: فإذا زال عنها طهر [فى](1) أحد القولين للحاجة.

وقيل: لا يطهر بذلك قولًا واحدًا، ولكنه يعفي عن أثرها، هذا لفظه بحروفه.

الأمر الثاني: أن ما ذكره في الشرط الثاني من عدم الخلاف قد ذكر الفارقي ما يخالفه فقال: المراد بالجافة هي الجامدة التي فيها أدنى رطوبة، وبالرطبة المائعة.

والذي قاله إما حمل لكلام الرافعي على غير ما فهمه -أعني الرافعي- وإما مخالف له بالكلية وذكر العمراني ما يوافق الثاني فقال: ظاهر كلام أبي حامد، والأكثرين أنه لا فرق فى جريان القولين بين أن تكون النجاسة رطبة أو يابسة، وقد رأيته مصرحًا به في "الاستذكار" للدارمي.

قوله: الثالث: دم البراغيث يعفي عن قليله في الثوب والبدن، وفي كثيره وجهان:

أصحهما عند العراقيين والقاضي والروياني وغيرهم أنه يعفي لأنه من جنس ما يتعذر الاحتراز عنه.

وأصحهما عند الإمام وهو المذكور في الكتاب أنه لا يعفي. انتهى ملخصًا.

فيه أمور:

(1) في ب: على.

ص: 159

أحدها: أن مقتضى ما ذكره في الدم الكثير رجحان مقالة الأولين لأنهم أكثر عددًا، ولهذا صرح النووي بتصحيحه في أصل "الروضة" لكن رجح الرافعي في "المحرر" مقابله فقال: أحسن الوجهين عدم العفو، واستدرك عليه النووي فصحح في "المنهاج" من زياداته ما صححه في "الروضة" وغيرها.

الأمر الثاني: أن محل ما تقدم من العفو مطلقًا إنما هو في الثوب الملبوس إذا أصابه ذلك من غير تعمد، فإن لم يلبسه بل حمله في كمه أو فرشه وصلى عليه أو لبسه، ولكن كانت الإصابة بفعله بأن قتل قملة أو برغوثًا في ثوبه أو بدنه أو بين أصبعيه فتلوث به، فإن كان كثيرًا لم تصح صلاته، وإن كان قليلًا فوجهان:

أصحهما: العفو، كذا قال النووي في "التحقيق" ونقله في "شرح المهذب" عن المتولي، وأقره وأشار إليه أيضًا الرافعي في كتاب الصيام فقال: لو فتح فاه عمدًا حتى وصل الغبار إلى جوفه فقد قال في "التهذيب": أصح الوجهين أنه يقع عفوًا، وهذا الخلاف كالخلاف فيما إذا قتل البراغيث عمدًا، وتلوث بدمائها هل يقع عفوًا؟ وذكر القاضي ما يوافقه فقال: لو كان الثوب الملبوس زائدًا على عام لباس بدنه لم تصح صلاته لأنه غير مضطر إليه، والذي قاله يقتضي منع زيادة الكم إلى الأصابع وليس ثوب آخر لا نعرض من تحمل ونحوه.

قوله: ولو كان قليلًا فعرق وانتشر اللطخ بسببه ففيه الوجهان المذكوران في الكثير واختيار القاضي حسين أنه لا يعفي عنه لمجاوزة محله، واختيار أبي عاصم العبادي: العفو لتعذر الاحتراز. انتهى.

وهذا الكلام ظاهر في مساواة هذه المسألة للمذكور في الدم الكثير، حتى يأتي [فيها](1) ما تقدم جميعه وقد صرح بالمساواة في "المحرر"

(1) في أ: فيه.

ص: 160

ورجح عدم العفو لذهابه إليه في الكثير.

لكن سبق لنا قريبًا من كلام الرافعي أنه إذا عرق محل النجو وتلوث به غيره فيعفي عنه، وهو يقوى العفو هنا، لكن الفرق بينهما أن مشقة الاحتراز في محل النجو أكبر لضرورة خروج هذه النجاسة.

قوله: والأظهر الرجوع في القلة والكثرة إلى العادة فما يقع التلطخ به غالبًا ويعسر الاحتراز عنه قليل، وإن زاد فكثير، وعلى هذا فيختلف الحال بين الأماكن والأوقات، ويجتهد المصلي في ذلك، فإن شك ففيه احتمالان للإمام، رجح منهما العفو، وهو المذكور في الكتاب. انتهى ملخصًا.

فيه أمران:

أحدهما: أنه أهمل أمرًا آخر لابد منه، نبه عليه الإمام فقال: والذي أقطع به أنه لابد أيضًا من اعتبار عادة الناس في غسل الثياب. وذكر مثله الغزالي في ["الوسيط"](1).

الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" قد عبر بقوله، وهو الذي قطع به الغزالي -يعني العفو- وما ادعاه ليس بصحيح، فقد حكى الغزالي في "البسيط" هذا التردد، ولم يرجح شيئًا.

قوله في "الروضة" الضرب الرابع: دم البثرات وقيحها وصديدها كدم البراغيث فيعفي عن قليله قطعًا، وعن كثيره على الأصح، ولو عصر بثرة فخرج ما فيها عفي عنه على الأصح. انتهى كلامه.

وهو يقتضي أنه لا فرق في الدم الخارج بعصر البثرة بين القليل والكثير، وكذلك كلام "المنهاج" يقتضيه أيضًا، وليس كذلك، بل حاصل المذكور في "الشرحين"، "وشرح المهذب" أنهما في القليل، فإن كثر لم يعف عنه بلا خلاف، وبه صرح في "الكفاية" واحتج الرافعي عليه بأن ابن

(1) في جـ: "البسيط".

ص: 161

عمر رضي الله عنهما عصر بثرة علي وجهه، ودلك ما خرج منها بين أصابعه، وصلى ولم يغسله، وهذا الأثر رواه البيهقي بإسناد صحيح.

وفي البخاري عنه نحوه تعليقًا.

نعم قال الإمام: لعل يده جرت عليه في حال غفلة منه.

قال في "الكفاية" ولعل أيضًا أن ما خرج منه مما لا رائحة له فيكون طاهرًا على المذهب والبثرات جمع بثرة بإسكان المثلثة، والفتح لغة، وهي خراج صغير. ويقال بثر وجهه بفتح الثاء وكسرها، وضمها.

قوله: ولو أصابه دم قليل من بدن غيره من آدمي أو بهيمة أو غيرهما فقد حكي الغزالي وجماعة فيه وجهين، والجمهور حكوهما قولين:

أحدهما: وهو نصه في "الإملاء": أنه لا يعفي عنه؛ لأنه لا يشق الاحتراز عنه، فأشبه القليل من الخمر وغيره.

والثاني: وهو نصه في القديم "والأم" أنه يعفي عنه؛ وهذا هو الأصح عند العراقيين، وصاحب "التهذيب" لكن صحح إمام الحرمين وجماعة عدم العفو، وهو الأحسن. انتهى.

فيه أمران:

أحدهما: أن ما نقله عن الجمهور من كون الخلاف قولين منصوصين قد خالفه في "المحرر" فجزم بأنه وجهان.

الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" قد تابعه على إطلاق الخلاف، وكذا أطلقه الجمهور وقيد صاحب "البيان" ذلك بغير دم الكلب، والخنزير وما تولد من أحدهما، وأشار إلى أنه لا يعفي عن شئ من ذلك بلا خلاف لغلظ حكمه.

قال في "التحقيق": ولم أجد تصريحًا بموافقته، ولا مخالفته، هذا كلامه.

ص: 162

والذي قاله العمراني قد رأيته في كتاب "المقصود" للشيخ نصر المقدسي في باب الصلاة بالنجاسة فإنه ذكر أن اليسير من دم البراغيث يعفي عنه ثم قال: وما عدا ذلك من دماء غير الكلب والخنزير فقد قال في "الإملاء": لا يعفي عن شئ منه كسائر النجاسات، وقال في القديم "والأم": يعفي عن قليله. هذه عبارته.

قوله: ولو أصابه شئ من دم الدماميل والقروح وموضع الفصد والحجامة ففيه وجهان:

أحدهما: أنها كدم البثرات لأنها وإن لم تكن غالبة فليست بنادرة، ولأن الفرق بين البثرات والدماميل الصغار قد يعسر.

والثاني: أنها لا تلحق بدم البثرات لأن البثرات لا يخلو عنها معظم الناس في معظم الأحوال، وعلى هذا فينظر إن كان مثلها مما [يدوم](1) غالبًا فهي كدم الاستحاضة، وحكمه ما سبق في الحيض.

وإن كان لا يدوم غالبًا فيلحق بدم الأجنبي.

والأول هو قضية كلام الأكثرين، ولكن الثاني أولى الوجهين. انتهى كلامه.

فيه أمران:

أحدهما: أن مقتضى [كلامه و](2) كلام "الروضة" جريان الخلاف فيما يدوم غالبًا، وهذا مخالف للمعنى والمنقول، فقد جزم الأصحاب بأن الجراحات النضاحة حكمها حكم الاستحاضة فيما عدا انتقاض الوضوء. فكان صوابه: أن يقول في صدر المسألة: فما يدوم منها غالبًا حكمه حكم دم الاستحاضة، وإلا فوجهان. . . . إلى آخره.

وهكذا فعل الغزالي في "الوجيز" ولكنه التبس على الرافعي حالة شرحه، وقد

(1) في أ: يدق.

(2)

سقط من أ.

ص: 163

تفطن في "التحقيق""وشرح المهذب" لذلك، فلم يدخله في المسألة فأما في "التحقيق" فلم يتعرض له بالكلية، وكأنه أهمله لتقدم حكمه في بابه.

وأما في "شرح المهذب" فذكره بعد ذلك مضمومًا إلى الاستحاضة جازمًا بالحكم فقال عقب المسألة: وأما دم الاستحاضة، وما يدوم غالبًا فسبق حكمه في باب الحيض. هذه عبارته.

الأمر الثاني: أن النووي قد صحح في "الروضة""والمنهاج" من زوائده أن هذه الأشياء كدم البثرات، ثم خالف ذلك في "التحقيق""وشرح المهذب" فصحح أنه كدم الأجنبي.

قوله: وأما ماء القروح والنفاطات فإن كان له رائحة كريهة فهو نجس، وإلا فطريقان:

أحدهما: القطع بالطهارة.

والثاني: على قولين: أظهرهما: أنه نجس. انتهى.

فيه أمران:

أحدهما: أن هذا الكلام كما لا يؤخذ منه تصحيح إحدى الطريقتين، لا يؤخذ منه أيضًا تصحيح في المسألة.

وقد صحح في "شرح المهذب"[هنا](1) طريقة القطع بالطهارة وصحح في "المحرر" النجاسة، ولم يتعرض للطريقين بالكلية.

وصحح النووي في "الروضة" من زياداته أنه طاهر، وحذف الأصح من القولين تفريعًا على طريقة الخلاف.

الأمر الثاني: إذا قلنا: إنه نجس فهل يكون كدم الفروح حتى يأتى فيه الخلاف السابق والاختلاف في التصحيح أم كيف الحال؟

والجواب: أن النووي رحمه الله قد جزم [بإلحاقه](2) بدم البثرات،

(1) زيادة من جـ.

(2)

في جـ: بإلحاقها.

ص: 164

كذا ذكره في "التحقيق"، "وشرح المهذب" مع تصحيحه أن دم القروح كدم الأجنبي.

قوله: وإذا تبين له أنه صلى بنجاسة فقولان: الجديد: وجوب القضاء لما روى أنه صلى الله عليه وسلم خلع نعله في الصلاة فخلع الناس نعالهم فلما فرغ من صلاته قال: "ما حملكم على ما صنعتم؟ " قالوا: رأيناك ألقيت نعلك فألقينا نعالنا.

فقال: "إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيها قذرًا"(1) فلو علم بالنجاسة ثم نسي فصلى ثم تذكر فطريقان:

أحدهما: القطع بوجوب القضاء لتفريطه.

والثاني: أنه على القولين. انتهى.

فيه أمران:

أحدهما: أنه لم يصحح شيئًا من الطريقين في "الشرح الصغير" أيضًا.

والصحيح طريقة القطع، كذا صححها النووي في "شرح المهذب" وصححها أيضًا في "الروضة" ولم ينبه على أن ذلك من زياداته، بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.

الأمر الثاني: أن النووي في "شرح المهذب" قد اختار عدم الإعادة في المسألتين، ذكر ذلك في آخر المسألة فقال: إنه المختار.

والحديث رواه أبو داود من رواية أبي سعيد بإسناد صحيح.

وقال الحاكم في المستدرك: إنه صحيح على شرط مسلم [وفي رواية

(1) أخرجه أبو داود (650) وأحمد (11895) وابن خزيمة (1017) والحاكم (955) وعبد الرزاق (1516) وابن أبي شيبة (2/ 181) والبيهقي في الكبرى (3809) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

قال الحافظ: اختلف في وصله وإرساله، ورجح أبو حاتم في "العلل" الموصول.

وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

وقال الألباني: صحيح.

قلت: وفي الباب عن أنس وابن مسعود.

ص: 165

لأبي داود: [خبثًا](1) بدل قذرًا] (2).

وفي رواية غيره: قذرًا أو أذى.

وفي رواية: دم حلمة، والحلمة بفتح الحاء واللام وهو القراد الكثير.

قوله: وقول الغزالي في أول القسم الثاني أما مظان الأعذار فخمس يشعر بانحصارها في الخمس المذكورة، لكن للعذر مظان أُخر.

منها: النجاسة التي تستصحبها المستحاضة، وسلس البول في صلاته، ومنها ما إذا كان على جرحه دم كثير فخاف من إزالته.

ومنها ما إذا تلطخ سلاحه [بالدم](3) في صلاة شدة الخوف [هذا لفظه](4).

وذكر نحوه في "الشرح الصغير" أيضًا، والمراد بأن هذه مظان للأعذار هو العفو عنها حتى لا يجب القضاء.

فإن الخمس التي أورد هذه الصور عليها يعفي عن جميعها، وقد صرح الرافعي أيضًا بهذا لمراد في أول هذا القسم فقال: القسم الثاني من النجاسات: النجاسات الواقعة في مظنة العذر، والعفو.

وقد جعل مظان العذر خمسًا، هذا كلام الرافعي وهو صريح فيما قلناه.

إذا علمت ذلك: فأما السلاح المتلطخ بالدم فمخالف لما قاله في صلاة الخوف، وسأذكر المسألة هناك فراجعها.

وأما الدم على الجرح فقد سبق في آخر كتاب التيمم من الشرحين المذكورين ما يخالفه فقال فيهما: الجديد: وجوب القضاء.

لا جرم أن النووي قد استدرك في "الروضة" عليه، فصحح وجوب القضاء، وكذلك صحح في باقى كتبه إلا في "المنهاج" فإن حاصل ما فيه تصحيح عدم وجوب القضاء فتأمله.

(1) في أ: نجسًا.

(2)

سقط من ب.

(3)

سقط من أ.

(4)

سقط من أ.

ص: 166