الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الثاني: في حكم القراض الصحيح
قوله: من أحكام القراض تصرف العامل بالغبطة كتصرف الوكيل. انتهى.
وما ذكره من اشتراط الغبطة في هذ التصرف ذكره أيضًا في "الشرح الصغير" و"المحرر" وهو كلام مدخول، فإن تصرف الوكيل ومن في معناه على أربعة أقسام:
أحدها: أن يكون بالغبطة، والغبطة كما قاله في "المطلب" هنا هي الزيادة على القيمة زيادة لها بال.
الثاني: أن يكون بالمصلحة كشراء ما يتوقع فيه الربع أو بيع ما يتوقع فيه الخسران.
والثالث: أن يكون بلا ضرر كبيع قفيز من حنطة بمثله، ونحو ذلك، مما لا ربح فيه ولا خسران.
والرابع: أن يكون فيه ضرر كالبيع والشراء بالغبن الفاحش.
فالقسم الأول ليس شرطا في الوكيل يدل عليه تجويزهم له البيع والشراء بثمن المثل.
والثالث لا يكفي فإنه يدخل فيه البيع بثمن المثل مع وجود راغب بزيادة، مع أنه ممتنع وكذلك يدخل فيه أيضًا ما ذكرناه من بيع القفيز بمثله ونحوه مع أنه ممتنع في ولي اليتيم.
كما نقله إمام الحرمين في كتاب الشفعة عن والده فقال: وكان شيخي يقطع بأن التصرف الذي لا خير فيه ولا شر ممنوع.
قال: وهذا حسن متجه، ويوافقه قول الماوردي: أنه يشترط في الشراء للمحجور عليه بقصد التجارة أن يكون الربح حاصلًا منه في الغالب حالًا أو
مآلا.
وقال أيضًا هنا: لا يجوز للعامل أن يشتري شيئًا بثمن مثله، وهو لا يرجوا حصول ربح فيه وهذه الأبواب كلها حكمها واحد.
والرابع: امتناعه واضح؛ فتعين الثاني، وهو اعتبار المصلحة.
لا جرم أن النووي قد عدل عن تعبير الرافعي وعبر في "الروضة" بالمصلحة، وفي "المنهاج" بقوله محتاطًا، ولم ينبه على التعبير.
وعبر الغزالي أيضًا في باب الشركة من "الوجيز" بالغبطة في تصرف الشريك فتبعه عليه في "المحرر" وأبدله في "المنهاج" بقوله بلا ضرر وكلا التعبيرين مدخول، والصواب اعتبار المصلحة.
قوله: وله شراء المعيب إذا رأى فيه ربحًا فإن اشتراه بقدر قيمته فوجهان. انتهى.
والأصح هو: الجواز، كذا صححه القاضي الحسين في "تعليقه" والنووي في "زوائد الروضة" وقيده بما إذا رأى فيه المصلحة.
قوله: ويجوز للمالك وللعامل الرد بالعيب إن كانت الغبطة في الرد، وإن كانت في إمساكه لم ينفرد أحدهما به في أظهر الوجهين.
ثم الذي حكاه الإمام، أن العامل يرد على البيع وينقض البيع، وأما الملاك فينظر إن كان الشراء بعين مال القراض فكمثل، وإن اشترى العامل في الذمة فيصرفه المالك عن مال القراض، وفي انصرافه إلى العامل ما سبق في انصراف العقد إلى الوكيل إذا لم يقع للموكل أي من التفرقة بين أن يسميه في العقد أم لا، وبين أن يصدقه البائع على الشراء لغيره أم لا.
وقد تقدم ما فيه من الخلاف في الوكالة. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن التعبير بالغبطة قد ذكره في "المحرر" وغيره.
والصحيح: أن التعبير بالمصلحة لأجل ما سبق قريبًا وقد تفطن في "المنهاج" لذلك فأصلحه وغفل عنه في "الروضة".
الأمر الثاني: أن ما ذكره في آخر كلامه من أن الخلاف في انقلاب العقد إلى الوكيل جار في العامل كلام موهم، بل ظاهر في أنه من تتمة كلام الإمام، مع أن الإمام جازم بأنه ينقلب للمقارض.
وإن حكى الخلاف في باب الوكالة وفي هذا الباب في انصراف العقد عن الموكل إلي الوكيل وأشار إلى فرق بينهما علي أحد الوجهين، وهو أنه لا حق للوكيل فيما وقع العقد عليه بخلاف العامل يعني بأن له حقًا في المعقود عليه فجاز لأجله أن نحكم بالإتلاف إليه.
قوله: والعبد المأذون في التجارة، إن اشترى من يعتق على سيده. . . . إلى آخره.
هذه المسألة كلها سبق في باب معاملات العبيد الكلام عليها، وتصحيح القولين المحكيين فيها بلا تصحيح فراجعها.
قوله: والحالة الثانية: أن يقارض العامل شخصًا بغير إذن المالك فهو فاسد، لأن المالك لم يأذن فيه، فلو تصرف العامل الثاني وربح، فإن اشترى بالعين فهو تصرف فضولي، وأما إذا باع سلمًا أو اشترى في الذمة وسلم المغصوب فيما التزمه وربح فعلى الجديد الربح للغاصب لأن تصرفه صحيح والتسليم هو الفاسد.
والقديم: أنه للمالك لئلا يتخذه الناس ذريعة إلى الغصب.
ثم اختلفوا فقال الأكثرون: لا فرق في حصول الربح [للمالك](1) بين أن يختار الإجازة أم لا، وقيل إن اختار الإجازة كان له، وإن اختار الفسخ فلا.
(1) سقط من جـ.
وإنما لم يتعرض الشافعي رحمه الله للفسخ والإجازة لأن الغالب أنه يجيز إذا رأى الربح، فعلى هذا إذا رده يرتد. انتهى كلامه.
وما ذكره من كون الشافعي لم يتعرض للفسخ والإجازة بالنسبة للربح ليس كذلك، بل قد نص عليه على هذا القول كما نقله عنه جماعة منهم سليم في "المجرد" ونقله عنه أيضًا في "المطلب".
قوله: فإن قلنا بالقديم وهو أن ربح الأموال المغصوبة للمغصوب منه، ففيما يستحقه العامل من الربح وجهان.
أحدهما: ولم أره إلا في كتاب أبي الفرج السرخسي أن كله للمالك كما في الغصب طردًا للقياس.
وأصحهما: النصف خاصة لرضاه به. انتهى.
وهذا الوجه الذي لم يره إلا في "الأمالي" قد صرح بحكايته صاحب "الحاوي" وعزاه إلى ابن سريج.
قوله: أما إذا سافر بالإذن فلا عدوان، انتهى.
وهذا في سفر البر، أما في البحر فقال في "الروضة": ليس له سلوكه بإطلاق الإذن في السفر، بل لابد من التنصيص عليه.
قوله: وإدراج الثياب في السفط إلى آخره.
السفط بفتح الفاء كما ضبطه الجوهري جمعه أسفاط، وهو وعاء يجعل فيه التجار أمتعتهم.
قوله: فروع على القول بوجوب النفعة للعامل في السفر: منها لو استصحب مال نفسه مع مال القراض، وزعت النفقة على قدر المالين [(1) قال الإمام: ويجوز أن ينظر إلى مقدار العمل، وفي "أمالي السرخسي" أنها إنما توزع إذا كان ماله قدرًا يقصد السفر له. انتهى.
(1) بداية سقط من أ.
وليس في كلامه هنا ولا في كلام "الروضة" ما يدل على أن ما حكاه عن "الأمالي" حكاية لوجه آخر مرجوح أو تقييد لما أطلقه غيره حتى يكون ذلك الإطلاق محمولًا عليه، وقد بين ذلك في "الشرح الصغير" فجعله قيدًا في المسألة.
وجزم به ولم يعزه إلى أحد ونقل في "الروضة" عن صاحب "الإفصاح" وصاحب "البيان" أنهما قالا كقول السرخسي.
قال في "المطلب": وهو حسن.
ثم اعلم أن صاحب "البيان" إنما نقل ذلك عن صاحب "الإفصاح" خاصة فاحذر ما في "الروضة" من الإيهام.
قوله: ومنها: أقام في طريقه فوق مدة المسافرين في بلد لم يأخذ لتلك المدة. انتهى.
تابعه على هذا الإطلاق، ومحله إذا كان ذلك لشيء يختص به لعارض مرض ونحوه، أما إذا كان لأجل مال القراض انتظارًا لبيعه وقبض ثمنه أو التماسًا لحمله، أو لسبب يتعلق به فنفقته فيه كنفقته في سفره لاختصاصه بالقراض، كذا قاله الماوردي، وهو متعين.
قوله: ومنها: لو شرط نففة السفر في ابتداء القراض فهو زيادة تاكيد إذا قلنا بالوجوب أما إذا لم نقل به، فأظهر الوجهين: أنه يفسد العقد كما لو شرط نفقة الحضر، والثاني: لا، لأنه من مصالح العقد، فعلى هذا هل يشترط تقييده؟ فيه وجهان، انتهى.
لم يصحح شيئًا في "الروضة" أيضًا، وقال في "المطلب": إن أظهر الوجهين عدم الاشتراط.
قوله: وما يقع في مال القراض من الزوائد كثمرة الشجرة ونتاج البهيمة يفوز به المالك.
وقيل: مال قراض، وعلى هذا فقد قال الغزالي: إنه من الربح، وهو قضية ما في "التهذيب" وأورد بعض أصحاب الإمام أنها لا تعد من الربح خاصة ولا من رأس المال بل هي شائعة. انتهى كلامه.
وهذا الذي نقله عن بعض أصحاب الإمام قد نقله الإمام نفسه في "النهاية" في أثناء الكلام على المسألة فقال عقب كلام نقله عن الشيخ أبي حامد: لا يحكم فيها بأنها أرباح أو زوائد، ولكن [هي من مال القراض، وحمله مال القراض لا يتميز فيها عن طريق التعيين، ولكن](1) رأس المال والربح شائع، هذا كلامه.
وحكى في "الروضة" وجهين، وصرح بتصحيح أنها من الربح، ومال إلى ترجيحه في "المطلب".
قوله: ولو أتلفه أجنبي أخذ بدله، وكفى القراض فيه، ولو أتلف العامل، قال الإمام: يرتفع القراض لأنه وإن وجب بدله عليه لا يدخل في ملك المالك إلا يقبض منه، وحينئذ يحتاج إلى استئناف القراض.
ولك أن تقول: ذكروا وجهين في أن مال القراض إذا غصب أو أتلف من الخصم، فيه وجهان:
أظهرهما: أن الخصم المالك إن لم يكن في المال ربح وهما جميعًا إن كان فيه ربح، والثاني: أن للعامل المخاصمة بكل حال حفظًا للمال فيشبه أن يكون الجواب المذكور في إتلاف الأجنبي مفرعًا على أن العامل خصم، وبتقدير أن يقال: إنه وإن لم يكن خصمًا لكن إذا خاصم المالك وأخذ، عاد العامل إلي التصرف فيه بحكم القراض لزم مثله فيما إذا كان العامل هو المتلف. انتهى كلامه.
وما ذكره أولًا بحثًا من كونه مفرعًا على أن للمالك المخاصمة، نقله في
(1) سقط من جـ.
"المطلب" عن القاضي حسين وعن الإمام أيضًا، وما ذكره ثانيًا من لزوم إلحاق العامل بالأجنبي ليس بلازم، فقد فرق بينهما القاضي حسين في "تعليقه" فقال: والفرق بين إتلاف الأجنبي وإتلاف المالك والعامل أن لهما الفسخ ولذلك جعلنا إتلافهما فسخًا، هذا كلامه.
نعم: حرم ابن يونس في "شرح التنبيه" بما ذكره بحثًا.
قوله: ولو اشترى العامل ثوبًا بألف في الذمة وكان رأس المال ألفًا فتلفت قبل التسليم، قال في "البويطي": يرتفع القراض ويكون الشراء للعامل، فقال بعض الأصحاب: هذا إذا كان التلف قبل الشراء، فإن كان بعده وقع للمالك ولزمه ألف أخرى، وقال ابن سريج: يقع عن العامل مطلقًا. انتهى ملخصًا.
قد جزم الرافعي في أول هذا الباب -أعني: الباب الثاني- بالوجه الأول، فإنه علل منع الشراء بالنسبة بقوله: لأنه ربما يهلك رأس المال فتبقى العهدة متعلقة به، أي: -برب المال- وحذف هذا التعليل من "الروضة" وصحح في "تصحيح التنبيه" الثاني، وهو إيجابها على العامل ولم يصحح شيئا في "الروضة"، ولم يتعرض الرافعي للمسألة في "الشرح الصغير" ولا في "المحرر".
نعم: ذكر الرافعي في نظيره من العبد المأذون أن السيد مخير بين الإعطاء والفسخ على الصحيح ولم يصحح في نظيره من الوكالة شيئا.
وتابعه في "الروضة" على ذلك، وقد رأيت كلام الشافعي رحمه الله في "البويطي" وهو كما قالوه محتمل لكل من الوجهين السابقين.
قوله: في المسألة: فإن قلنا بالأول فرأس المال ألف أو ألفين؟ فيه وجهان، فإن قلنا بالأول فهل هو الألف الأول أو الثاني؟ فيه وجهان تظهر فائدتهما عند اختلاف الألفين في صحة صفة الصحة وغيرها. انتهى.
لم يصحح شيئًا في "الروضة" أيضًا.
والراجح من الوجهين الأولين أن رأس المال ألفان.
فقد قال البندنيجي في "تعليقه": إنه المذهب وأن مقابله ليس بشيء.
وجزم به أيضًا الماوردي ورجحه في "البيان" وأما الوجهان الأخيران فقد جزم بالثاني منهما سليم في "المجرد"، والقاضي حسين في "التعليق"، وابن الصباغ في "الشامل".