الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب المساقاة
وفيه بابان:
الباب الأول: في أركانها
قوله: وأما غير الكرم والنخل من الأشجار ففيها قولان: القديم: أنه يجوز المساقاة عليها للحاجة.
والجديد: المنع. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن ما اقتضاه كلامه من رجحان المنع تبعه عليه في "الروضة" وأكثر كتبه فصحح المنع ولم يرجح خلافه.
واختار في "تصحيح التنبيه" صحة المساقاة عليها.
الثاني: أن محل المنع إذا أفردت هذه الأشياء بالمساقاة، فإن ساقى عليها تبعًا لنخل أو عنب ففيه وجهان في آخر باب المزارعة من الرافعي من غير ترجيح أصحهما في "الروضة" هناك أنه يجوز قياسًا على المزارعة فتفطن لذلك.
الثالث: أنه قد ثبت في "صحيح مسلم" النهي عن تسمية العنب كرمًا (1).
قال: ولا تقولوا: الكرم وقولوا: الحبلة يعني العنب فكان الأولى للمصنف ألا يعبر به.
والحبلة بالحاء المهملة والباء الموحدة المفتوحتين، وربما جاء بتسكين الباء قاله الجوهري.
(1) أخرجه البخاري (5828)، ومسلم (2247) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
قوله: وإذا قلنا بالجديد ففي شجر المقل. وجهان. انتهى.
والفتوى على الجواز، فقد نص عليه الشافعي رحمه الله كما نقل القاضي أبو الطيب وإطلاق "المحرر" و"المنهاج" و"الشرح الصغير" يقتضي المنع.
وصرح به النووي في "زيادات الروضة" وهو مردود لما ذكرناه.
قوله: والضرب الثاني: ما لا ثمر له كالدلب والصنوبر وما أشبههما فلا تجوز المساقاة عليها، وعن الشيخ أبي علي وغيره أنا إذا جوزنا المساقاة على غير النخيل والكرم من الأشجار المثمرة، ففي المساقاة على شجر الفرصاد وجهان تنزيلًا لأوراقها منزلة ثمار الأشجار، وكذلك في شجر الحلاق لأغصانها انتهى كلامه.
أسقط من "الروضة" حكاية الخلاف في شجر الفرصاد فأشعر كلامه بالجزم بالمنع.
والدُّلْب: بضم الدال المهملة، وإسكان اللام وبالباء الموحدة.
والصنوبر: بفتح الصاد، قال الجوهري، والفرصاد: هو التوت الأحمر، كما قاله الجوهري، ولكن المراد هنا شجرة سواء أكان أحمرًا أم لا.
قوله "في الروضة": وما يجز مرة بعد مرة فالمذهب المنع، وقيل وجهان. انتهى.
لم يصرح الرافعي بحكاية طريقين، وإنما قال: نقل صاحب "التتمة" فيه وجهين الأصح الشهر والمنع هذا لفظه من غير زيادة عليه.
قوله: ولو ساقى على وَدِي (1) مغروس، فإن قدر العقدة بمدة لا يثمر فيها في العادة لم تصح المساقاة لخلوها عن العوض، وفي استحقاقه أجر المثل الخلاف السابق أي في اشتراط جميع الثمرة للمالك، والأصح عدم
(1) هو صغار النخل.
الاستحقاق.
قال الإمام: هذا كان عالمًا بأنها لا تثمر فيها فإن جهل ذلك استحق الأجرة وجهًا واحدًا. انتهى.
وما نقله عن الإمام من دعوى عدم الخلاف قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة"، وعبر بقوله قطعًا.
ودعوى ذلك غلط منهما علي الإمام، فإنه قد حكى الخلاف في هذه الحالة أيضًا، ونقله عنه ابن الرفعة.
قوله: المخابرة من الخبير وهو الأكار ويقال: هي مشتقة من الخبار، وهي الأرض الرخوة. انتهى.
فأما الخبير فهو على وزن العليم.
وأما الأكاز: فبهمزة مفتوحة وكاف مشددة وراء مهملة هو المزارع.
وأما الخبار: فهو بفتح الخاء وتخفيف الباء، ولابد في تفسيره من قيد آخر. ذكره الجوهري فقال: الخبار الأرض الرخوة ذات الحجارة، وأيضًا فليس الأمر على ما يقتضيه كلامه من اشتقاق المخابرة من الخبير، بل صوابه العكس.
قوله: ولو شرط للعامل نصف الثمرة وربع الزرع جاز على الأصح، وقيل: يشترط لأن التفصيل يزيل التبعية، انتهى.
تابعه النووي في "الروضة" على تصحيح الجواز وخالف في "نكت التنبيه".
فقال: الأصح: المنع، والصواب: ما سبق.
قوله: وإن كثر البياض المتخلل جازت المزارعة في أصح الوجهين.
ثم قال: وهل النظر في الكثرة إلى زيادة النماء أو إلى مساحة البياض، ومساحة المغارس؟ فيه تردد للأئمة. انتهى.
لم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" والصحيح: هو النظر إلى المساحة، كذا قاله في "الروضة".
قوله: في "الروضة": الرابع: لو شرطا كون البذر من العامل فهي مخابرة والأصح منعها.
ثم قال: ولو شرطا أن يكون البذر من المالك والبقر من العامل أو عكسه.
قال أبو عاصم العبادي: فيه وجهان أصحهما: الجواز؛ إذا شرطا البذر على المالك لأنه الأصل فكأنه إكترى العامل وبقره قال: فإن جوزنا فيما إذا شرط البقر على المالك والبذر علي العامل، نظر إن شرط التبن والحب بينهما جاز، وكذا لو شرط الحب بينهما والتبن لأحدهما لاشتراطهما في المقصود.
وإن شرط التبن لصاحب البذر، وهو مالك الأرض وشرط الحب للآخر لم يجز، لأن المالك هو الأصل فلا يمنع المقصود.
وإن شرطا التبن لصاحب البذر وهو العامل فوجهان.
ولا يجوز شرط الحب لأحدهما والتبن للآخر أصلًا. انتهى لفظه بحروفه.
وما ذكره في آخر كلامه من أنه لا يجوز شرط أحدهما لأحدهما، والآخر للآخر أصلًا عجيب، فإنه داخل فيما قبله ومناقض له مناقضة عجيبة فتأمله.
وكلام الرافعي صحيح، فإنه عبر بقوله: وقيل: لا يجوز شرط الحب لأحدهما والتبن للآخر أصلا.
هذه عبارته وحاصلها طريقة قاطعة، فلما حكى الوجهين نقل عن بعضهم أنه لا يجوز أصلًا.
قوله: وإذا لم نجوز المساقاة على ما سوى النخيل، والعنب من الشجر
المثمر منفردا ففي جوازها تبعًا للمساقاة كالمزارعة وجهان، انتهى.
والصحيح كما قاله في "الروضة" هو الجواز كما سبق التنبيه عليه في أول الباب.
قوله: وهل يشترط في المساقاة رؤية الحديقة والأشجار؟ فيه طريقان:
أحدهما: أنه على قول بيع الغائب.
وثانيهما: القطع بالاشتراط لأنها عقد غرر، وإيراد "الكتاب" يقتضي ترجيح هذه الطريقة. انتهى كلامه.
ذكر نحوه في "الشرح الصغير" والصحيح: طريقة القطع، كذا صححها الماوردي والروياني والنووي في أصل "الروضة".
قوله: ولو قال: ساقيتك على أن الثمرة بيننا أو على أن نصفها لي، وسكت عن الباقي، أو على نصفها لك وسكت عن الباقي، أو على أن ثمرة هذه النخلة أو النخلات لك أو لي، والباقي بيننا أو على أن صاعًا من التمر لك أولى والباقي بيننا فكل ذلك فاسد على ما مر في القراض، انتهى كلامه.
هكذا وقع في أكثر نسخ "الشرح الكبير" أعني التعبير بقوله: فكل ذلك فاسد إلى آخره.
وهو غلط فإنه قد سبق في القراض أن بعض هذه الصور فاسد، وبعضها صحيح، فيصح فيما إذا قال: بيننا، فيما إذا قال: على أن لك النصف ويفسر في الباقي.
وعبر في "الشرح الصغير" و"الروضة" بقوله: وكل ذلك كما مر في القراض وهو صحيح.
قوله: كالصيحاني (1) والدقل .. إلى آخره.
(1) الصيحاني: قال الأزهري: الصيحاني ضرب من التمر أسود صلب المضغة، وسمي صيحانيًا؛ لأن صيحان اسم كبش كان ربط إلى نخلة بالمدينة فأثمرت تمرًا صيحانيًا.
الدقل: بدال مهملة مفتوحة وقاف مفتوحة أيضًا هو أردأ التمر، قاله الجوهري.
قوله: ولو شرط في المساقاة مساقاة أخرى فهو فاسد.
ثم قال: وهل تصح المساقاة الثانية؟
قال في "التهذيب": إن عقدها على شرط العقد الأول فلا تصح وإلا فتصبح، وقد مر نظيره في الرهن. انتهى كلامه.
وهذه المسألة ونظائرها فيها اضطراب شديد أوضحته في كتاب البيع من الباب الثالث المعقود للفساد من جهة النهي.
قوله: ولو شرط له -أي: للعامل- جميع الثمار فسد، وفي الأجرة وجهان، لأنه لم يعمل له، إلا أنه انصرف إليه، انتهى.
وأصح الوجهين هو: الاستحقاق، كذا قاله في "الروضة".
قوله: ولو شرط استئجار العامل من يعمل معه من الثمرة بطل العقد؛ لأن قضية المساقاة أن تكون الأعمال ومؤناتها على العامل، ولأنه لا يدري أن الحاصل للعامل كم هو، حتى لو شرط له ثلثي الثمرة ليصرف الثلث إلى الأجراء ويخلص الثلث له فعن القفال أنه يصح، انتهى كلامه.
وقد تلخص مما نقله الرافعي عن القفال أن صورة المنع أن لا يدري العامل نصيبه، كما لو أطلق الاستئجار من الثمرة، لأن الأجرة قد تستغرق نصيبه.
فأما إذا بين مقدار ما يصرفه إلى الأجراء من نصيب فإنه يصح، وذلك كالمثال الذي ذكره الرافعي، فيقول الرافعي: حتى ولو شرط .. إلى آخره تفسير كما دلت عليه العلة الثانية فاعلم ذلك.
وقد أطلق في "الروضة" منع الاستئجار من الثمرة وحذف هذه المسألة المنقولة عن القفال، وكأنه اشتبه عليه المراد.
قوله: في أصل "الروضة": ولو فارق بين الجزء المشروط في السنين لم يصح على المذهب، وقيل: فيه قولان كالسلم إلى آجال، انتهى.
وما نقله عنه ههنا من التعبير بقوله لم يصح هو الموجود في نسخ "الروضة" ورأيته أيضًا كذلك في النسخة التي هي بخط مؤلفها رضي الله عنه، وهي عكس ما في الرافعي، فإن المذكور فيه هو الصحة.
وعبر بقوله: لم يصر فتحرف ذلك على الشيخ محي الدين ثم أن البطلان لا توجيه له من جهة المنع، ولم يذكر المسألة في "الشرح الصغير"، ولا في "المحرر" وقد نقله ابن الرفعة أيضًا على الصواب.
قوله: ويخالف ما لو ساقاه على ودي عشر سنين والثمر لا يتوقع إلا في العاشرة ليكون بينهما، فإنه يصح، لأنه شرط له سهمًا من جميع الثمرة ولو أنه أثمر قبل سنة التوقع لم يستحق العامل فيها شيء، انتهى كلامه.
أسقط النووي رحمه الله هذه المسألة كلها من "الروضة".
قوله: ولو تعاقد بلفظ الإجارة فقال المالك: استأجرتك لتتمر نخيلي بكذا من ثمرها ونوى بالإجارة المساقاة ففيه وجهان جاريان في الإجارة بلفظ المساقاة.
أحدهما: الصحة لما بين العقدين من المشابهة واحتمال كل واد من اللفظين معنى الآخر.
وأظهرهما: المنع لأن لفظ الإجارة صريح في غير المساقاة، فإن أمكنه تنفيذه في موضوعه نفذ فيه، وإلا فهو إجارة فاسدة.
والخلاف نازع إلى أن الاعتبار باللفظ أو المعنى، انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن تصحيحه عدم الإنعقاد مشكل مخالف للقواعد، فإن الصريح في بابه إنما يمتنع أن يكون كناية في غيره، إذا وجد نفاذًا في موضعه