الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب الوقف
وفيه بابان:
الباب الأول: في أركانه
قوله: وعن مالك أن المنقول مطلقًا لا يجوز وقفه.
لنا ما روى أنه صلى الله عليه وسلم قال: "أما خالد فقد حبس أذرعه وأعتده في سبيل الله"(1)، انتهى.
الأذرع: بالذال المهملة، جمع ذرع وهي الذردية.
وأما الأعتد: فهو بعين مهملة وتاء مضمومة بنقطتين من فوق جمع للعتاد بفتح العين، وهو ما أعده الرجل من السلاح والدواب وألة الحرب وروى بالباء الموحدة جمع عبد.
قوله: الرابعة: لا يصح وقف أم الولد على الأصح، فإن صححنا ومات السيد عتقت.
قال المتولي: ولا يبطل الوقف، بل تبقى منافعها للموقوف عليه، كما لو أجرها ومات.
وقال الإمام: يبطل؛ لأن الحرية تنافي الوقف بخلاف الإجارة، وهذا مقتضى كلام ابن كج، انتهى كلامه.
وحاصل ما ذكره في أم الولد الجزم ببقاء الإجارة، لكنه قد ذكر في كتاب الإجارة ما يخالفه، وسبق ذكر لفظه هناك فراجعه.
قوله: ويجوز وقف المعلق عتقه بصفة ثم إذا وجدت الصفة.
(1) أخرجه البخاري (1399)، ومسلم (983) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
فإن قلنا: الملك في الوقف للواقف أو لله تعالى، عتق وبطل الوقف.
وإن قلنا: إنه للموقوف عليه، فلا يعتق، ويكون الوقف بحاله، انتهى كلامه.
وما قاله ههنا قد ذكر ما يخالفه في الفصل الثاني من الباب الثاني فقال: في ما إذا وطيء الواقف الجارية الموقوفة بغير شبهة، إنا إن جعلنا الملك لله تعالى أو للموقوف عليه فلا تكون أم ولد، وإن جعلناه للواقف ففي نفوذ الاستيلاد الخلاف في استيلاد الراهن وأولى بالمنع لتعلق حق الموقوف عليه بها.
وتابعه النووي في "الروضة" على الموضعين، والكلام الثاني مخالف للأول من وجهين:
أحدهما: أنه جزم في المعلق عتقه بصفة أنه يعتق على القول بأنه لله تعالى، وجزم في المستولدة تفريعًا على القول بعدم العتق وهو اختلاف واضح، لأن انتقاله إلى الله تعالى إن كان كانتقاله إلى الأدمي فلا يعتق بالتعليق ولا بالاستيلاد كما لو باعه، ثم وجدت الصفة فإنه لا أثر لها، وإن لم يكن فيعتق.
الوجه الثاني: أنه جزم أيضًا بعتقه -يعني: المعلق تفريعًا على أنه للواقف، وخرج المستولدة على أقوال الراهن وجعلها أولى بالمنع وهو أيضًا ظاهر الاختلاف لما تقدم.
واعلم أن الذي أوجب هذا الاختلاف أنه قد رأى مسألة التعليق في "التهذيب" محكوما عليها بما قاله هنا، ورأى مسألة الاستيلاد في "الوسيط" على الكيفية التي أجاب بها أيضًا هنا فتابعهما الرافعي وهما طريقتان، لا يتأتى الجمع بينهما ولو ذكر كل منهما المسألة الأخرى لم يُجب فيها بما قاله الآخر.
لا جرم أن الإمام في "النهاية" والغزالي في "البسيط" لما ذكرا مسألة التعليق ذكراها موافقة لمسألة الاستيلاد فقالا: إن قلنا: الملك لله تعالى أو للموقوف عليه لم يعتق لوجود الصفة، وإن قلنا: الملك للواقف عتق في ظاهر المذهب وقيل: هو كإعتاق الواقف العبد الوقوف وفيه أقوال، عتق الرهن.
ولا ذكر لهذه المسألة في "الشرح الصغير".
قوله: السابعة لا يصح وقف ما لا يدوم الإنتفاع به كالمطعوم والرياحين المشمومة لسرعة فسادها، انتهى كلامه.
والتعليل بسرعة الفساد قد تابعه عليه في "الروضة" وهو يقتضي أن محل ذلك في الرياحين المحصودة، أما المزروعة فيصح وقفها للشم لأنها تبقى مدة لاسيما وفيه منفعة أخرى وهي النزهة، وقد نبه عليه في "شرح الوسيط" وقال: الظاهر الصحة في المزروع وعلله بما ذكرناه.
قوله: فإن قلت -أي: في حد الموقوف-: هو كل عين مملوكة ملكًا يقبل النقل يحصل منها فائدة أو منفعة تستأجر لها زال الإشكال. انتهى كلامه.
وهذا الضابط يرد عليه الرياحين، فإن القيود كلها موجودة فيها أما ما عدا الاستئجار فواضح، وأما الاستئجار فكذلك، فإنه قد جزم بجوازه في كتاب الإجارة ومع ذلك فلا يجوز وقفها كما تقدم ذكره، وكأنه -والله أعلم- أن الحكم بخلافه.
وقد تابعه النووي أيضًا في "الروضة" على هذا الضابط غير أنه زاد فيه كون العين معينة ليحترز عن أحد العبدين ونحوه، وهل يصح وقف العين الموصى بمنفعتها إذا صححنا وقف المستأجر أم لا يصح جزمًا؟
فيه نظر فإن منعنا فينبغي أن نزيد في الضابط ما يدفعه، فنقول: يحصل منها للمالك فائدة إلى آخره.
قوله: فرعان: أحدهما: لو أجر داره. ثم وقفها، قال الشيخ أبو علي: يصح كالمغصوب، وقال القفال في "فتاويه": إنه مخرج على الوقف المنقطع الأول.
وفَصَّلَ بعضهم فقال: إن وقف على المسجد صح؛ لمشابهته الإعتاق، وإن وقف على إنسان.
فإن قلنا: الموقوف ينتقل إلى الموقوف عليه، فهو كبيع المستأجر.
وإن قلنا: ينتقل إلى الله تعالى، فوجهان، لافتقاره إلى القبول، انتهى ملخصًا.
والصحيح من هذه الأوجه هو الصحة مطلقًا، كذا صححه النووي في "الروضة" ولم ينبه على أنه من "زياداته" بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
قوله: الثاني: إذا استأجر أرضًا ليبني فيها أو يغرس ففعل ثم وقف البناء أو الغراس صح الوقف في أصح الوجهين.
والثاني: المنع، لأن مالك الأرض يجوز له قلعه، وهما كالوجهين في أن الباقي لو انفرد ببيع البناء هل يجوز؟ انتهى.
فهذه المسألة وهي انفراد الباني بالبيع قد حذفها من "الروضة" ولم يصرح بها في غير هذا الموضع، إلا أنه ذكر في باب العارية أن في جواز البيع بعد الرجوع وجهين: أصحهما الجواز ولم يتعرض للبيع قبل الرجوع، ثم ذكر في باب الإجارة أن المدة إذا انقضت كان الحكم في البناء والغراس كالحكم فيما سبق في العارية.
قوله: في المسألة: فإن صححنا فمضت المدة وقلع مالك الأرض البناء فإن بقى منتفعا به بعد النقل فهو وقف كما كان وإن لم يبق فيصير ملكًا للموقوف عليه أو يرجع إلى الواقف؟ فيه وجهان.
وأرش النقض الذي يؤخذ من القالع يسلك به مسلك الوقف. انتهى
كلامه.
تابعه النووي على حكاية الوجهين كذلك من غير تصحيح، والصحيح ليس واحدًا منهما، بل الواجب شراء عقار أو جزء من عقار هذا هو قياس النظائر المذكورة في آخر الباب في الفصل المعقود لتعطيل الموقوف فراجع ذلك الفصل يتضح ما ذكرته لك وسيأتيك بعضه في هذا الكتاب.
قوله من "زياداته": قلت: الأصح صحة وقف ما لم يره ولا خيار له عند الرؤية، والله أعلم.
وهذا الذي ذكره من تصحيح الجواز قد ذكر في "شرح المهذب" في كتاب البيع ما مقتضاه رجحان خلافه، فإنه حكى القولين في بيع الغائب وشرائه، ثم قال ما نصه: قال أصحابنا: ويجري القولان في بيع الغائب وشرائه في إجارته، وكونه رأس مال سلم إذا سلمه في المجلس وفي المصالحة عليه، وفي وقفه، هذا لفظه من غير اعتراض عليه ولا استدراك.
قوله: في الوقف على الحربي والمرتد وجهان أحدهما: الجواز كالذمى، وأصحهما: المنع؛ لأنهما مقتولان لا بقاء لهما، والوقف صدقة جارية قلما لا يوقف ما لا دوام له لا يوقف على من لا دوام له، انتهى كلامه.
وما استند إليه الرافعي رحمه الله في المنع ضعيف، فإن وقف ما لا دوام له لا يبقى له أثر بعد فواته، وأما إذا كان الموقوف عليه أولا، فإنه ينتقل إلى من بعده فمقصود الوقف وهو الدوام حاصل هنا بخلاف ما لا يبقى فافترقا.
قوله: ولك أن تقول: الخلاف في أنه هل يملك مخصوص بما إذا ملكه السيد، فأما إذا ملكه غيره فلا خلاف في أنه لا يملك وحينئذ فإذا كان الواقف غير السيد كان الوقف على من يملكه، انتهى كلامه.
والذي ادعاه من نفي الخلاف ذكره أيضًا في الكفارات في الكلام على
تكفير العبد، وتابعه النووي في "الروضة" على ذلك في الموضعين، وليس كما قال من نفي الخلاف فقد ذكر جماعة منهم الماوردي في كتاب الهبة أن الخلاف يجري أيضًا في غير السيد.
قوله: لو وقف علي مكاتب قال الشيخ أبو حامد: لا يصح كالوقف على القن.
قال المتولي: يصح في الحال وتصرف الفوائد إليه ويديم حكمه إذا عتق إن أطلق الوقف وإن قال: تصرف الفوائد إليه مادام مكاتبًا، بطل استحقاقه، وإن عجز بان لنا أن الوقف منقطع الابتداء انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وفيه أمور:
أحدها: أن صورة المسألة فيما إذا كان مكاتبًا لغيره، فإن كان مكاتبًا له لم يصح صرح به الماوردي وغيره، وعبارة الرافعي و"الروضة" على مكاتب بالتنكير، وإنما نبهت على ما ذكرته بيانًا للتقييد وخوفًا من التحريف.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد ذكر قبل هذا بقليل أنا إذا صححنا الوقف على العبد نفسه فقال: وقفت علي عبد فلان، فإنما يستحق مادام في ملكه، فإذا عتق لم يستحق شيئًا، وحينئذ فينبغي تصوير المسألة هنا بما إذا لم يصرح بالكتابة، بل عبر بزيد مثلا، أو بهذا فاتفق أنه مكاتب.
الثالث: أن الماوردي قد جزم أيضًا بالصحة.
قوله: ولو وقف على بهيمة وأطلق لم يصح، وقيل: يكون وقفا علي مالكها، ثم قال: وحكى المتولي أنه لو قال: وقفت على علف بهيمة، فلان أو بهائم القرية وجهين كصورة الإطلاق.
قال: والخلاف فيما إذا كانت البهيمة مملوكة، فلو وقف على الوحوش أو علف الطيور المباحة فلا يصح بلا خلاف انتهى.
وهذا الذي قاله المتولي من نفي الخلاف قد اعترض عليه الرافعي في
الوصية في الكلام على الوصية للدابة، فقال: الوصية على رأي وصية للبهيمة نفسها وحينئذ فلا يتجه فرق بين المملوكة وغيرها، وهذا يعترض به على ما قدمناه عن صاحب "التتمة" في الموقف، إلى آخره.
وقد حذفه النووي من "الروضة".
قوله: ولو استبقى الواقف لنفسه التولية، وشرط أجرة، وقلنا: لا يجوز أن يقف على نفسه ففي صحة هذا الشرط وجهان كالوجهين في الهاشمي هل يجوز أن يأخذ سهم العاملين إذا عمل على الزكاة؟ انتهى.
قال في "الروضة": الأرجح هنا جوازه، قال: ويتقيد ذلك بأجرة المثل كما قاله ابن الصلاح فلا يجوز الزيادة إلا من أجاز الوقف على نفسه.
قوله: ولو قال لرجلين: وقفت علي أحدكما، لم يصح، وفيه احتمال عن الشيخ أبي محمد إذا فرعنا على أن الوقف لا يفتقر إلى القبول، انتهى.
تابعه في "الروضة" على حكايته احتمالا عنه وهو وجه ثابت جزم به بعض المتقدمين.
قال: وإذا مات ولم يبين فعلى المذهب ينبغي وقف الغلة إلى أن يصطلحا، قاله في "شرح الوسيط".
قوله: ويجوز الوقف على سبيل الله وهم المعنيون في آية الزكاة، ولو قال: على سبيل البِّر والخير، والثواب صرف إلى أقارب الواقف، فإن لم يوجدوا فإلى أهل الزكاة.
ثم قال: وفَرَّقَ بعض أصحاب الإمام فقال: إذا وقف على جهة الخير صرف إلى مصارف الزكاة ولا يبني به مسجد ولا رياط، وإذا وقف على جهة الثواب صرف إلى أقاربه، انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على نقله عن بعض أصحاب الإمام، وهو غريب، فقد حكاه الإمام نفسه وجهًا عن بعض الأصحاب لكنه زاد في الأول
الصرف إلى قراء الصبيان أيضًا.
قوله: يصح الوقف على المتفقهة وهم المشتغلون بتحصيل الفقه مبتدئهم ومنتهيهم، وعلى الفقهاء ويدخل فيه من حصل منه شيئًا وإنْ قَلَّ، انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره في دخول من حصل قليلًا في مسمى الفقهاء، تابعه عليه في "الروضة" حتى يستحق بالمسألة الواحدة.
لا أعلم من ذكره فإن أغلب الكتب المطولة "كالحاوي" و"البحر" و"تعليقة أبي الطيب" وغيرها ليس فيها تعرض للمسألة، والذين تعرضوا لها جزموا بأن هذا القدر لا يكفي، فذكر القاضي الحسين هنا في إحدى تعليقتيه أنه يصرف لمن حصل من كل علم شيئا، وقال في التعليقة الأخرى: إلى من حصل من الفقه شيئًا يهتدى به إلى الباقي.
قال: ويعرف بالعادة، وقال في "التهذيب" في باب الوصية: لمن حَصَّل من كل نوع وكأن هذا هو مراد القاضي بقوله: من كل علم، وفي "التتمة" في الوصية أيضًا أنه يرجع فيه إلى العادة، وعبر في الوقف بقوله: إلى من حصل طرفًا، وإن لم يكن متبحرًا، فقد روى: أن من حفظ أربعين حديثا عد فقيها (1)، انتهى.
ولاشك أن هذا اللفظ أعني عدم التبحر هو الموقع للرافعي في الغلط، وقال الغزالي في "الإحياء": يدخل الفاضل في الفقيه ولا يدخل المبتديء من شهر ونحوه، والمتوسط بينهما درجات يجتهد المفتي فيها والورع لهذا المتوسط ترك الأخذ، هذا كلامه ونقله عنه النووي في كتاب البيع من "شرح المهذب" وأقره.
(1) أخرجه البيهقي في الشعب (2/ 270)، حديث (1726)، وابن عساكر في الأربعين (ص 21، 22)، والحافظ ابن حجر في الأربعين المتباينة السماع (ص 66) وابن حبان في المجروحين (2/ 133) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه.
قال الحافظ: موضوع، وقال الألباني ضعيف.
ثم إن ما ذكراه في هذا الباب قد خالفاه في الوصية وسأوضحه إن شاء الله تعالى في موضعه، ثم إنه لا يستقيم من جهة القاعدة النحوية أيضًا لأن فقيها اسم فاعل من فقه بضم القاف إذا صار الفقه له سجية وأما المكسور فمعناه فهم، والمفتوح معناه أنه سبق غيره إلى الفهم على قاعدة المغالبة، وقياس اسم فاعلهما فاقة، كما تقرر في علم العربية، وأوضحته في كتاب "التمهيد".
واعلم أن الأصحاب ذكروا في الصوفي أنه المشتغل بالعبادة في أغلب أوقاته ولما نقل الرافعي ذلك نقل عن الغزالي أنه لا يدخل في الوقف إلا إذا كان في زيهم أو مساكنًا لهم وأقره هو والنووي عليه فينبغي أن يأتي مثله في الفقهاء والمتفقهة.
قوله: ولو وقف على المقبرة لتصرف الغلة إلى عمارة القبور قال في "التتمة": لا يجوز لأن الموتى صائرون إلى البلا فالعمارة لا تلائم حالهم. انتهى.
تابعه في "الروضة" على نقل ذلك عن المتولي وإقراره عليه، وليس الأمر على ما أطلقه المتولي من المنع، فقد جزم الرافعي في أول كتاب الوصية بجواز الوصية لعمارة قبور الأنبياء والعلماء والصالحين، وعلله بأن فيه إحياء للزيارة والتبرك بها فينبغي استثناء هذه الأمور هنا أيضًا، بل تعليل الجواز هناك بإحياء الزيارة يقتضي الجواز مطلقًا هنا أو هناك، لأن زيارة الكل مستحبة.
[نعم: ذكر القاضي أبو الطيب في كتاب الجنائز من "تعليقه": أنه لا يستحب](1) زيارة القبر إلا إذا كان صاحبه تستحب زيارته في حال الحياة، وعلى هذا يستقيم التفصيل الذي ذكره الرافعي هناك.
(1) سقط من أ.
قوله: لا يصح الوقف إلا باللفظ، إلى آخره.
تابعه في "الروضة" على إطلاق هذا الكلام، وفيه أمران:
أحدهما: أنه إذا ابتدأ بناء مسجد في موات ونوى به المسجد مثلا صار مسجدًا أو لم يحتج إلى صريح القول بأنه مسجد.
قال الماوردي: لأن الفعل مع النية يغنيان هنا عن القول، قال: ويزول ملكه عن الألة بعد استقرارها في مواضعها من البناء، وهي قبل الاستقرار باقية على ملكه إلا أن يصرح قولًا بأنها للمسجد فتخرج عن ملكه؛ هذا كلامه وقياس ذلك إجراؤه في غير المسجد أيضًا من المدارس والربط وغيرها، وكلام الرافعي في باب إحياء الموات في مسألة حفر البئر في الموات يدل عليه.
الأمر الثاني: أن الوقف يصح من الأخرس بالكتب مع النية وبالإشارة سواء كانت مفهمة أم لا.
نعم: لا يترتب عليه شيء في الظاهر إلا على تقدير الإفهام.
قوله: وقول "الوجيز": ما لم يقل جعلته مسجدًا، ظاهر في أنه إذا أتى بهذا اللفظ يصير مسجدًا، وإن لم يوجد شيء من ألفاظ الوقف التي سنذكرها، بل حكى الإمام أن الأصحاب ترددوا في استعمال لفظ "الوقف" في ما يضاهي التحرير كما إذا قال مالك البقعة: وقفتها على صلاة المصلين، وهو يريد جعلها مسجدًا.
وفي "التهذيب" و"التتمة": أن المكان لا يصير مسجدًا بقوله: جعلته مسجدًا، وبه أجاب الأستاذ أبو طاهر، وهذا ذهاب إلى أنه لابد من لفظ الوقف والأشبه أنه لا بأس باستعمال لفظ الوقف وأن قوله: جعلته مسجدًا، يقوم مقامه لإشعاره، بالمقصود واشتهاره فيه. انتهى ملخصًا.
فيه أمور:
أحدها: أن هذا النقل عن "التتمة" صحيح مذكور فيها في الفصل الثالث المعقود لشرائط الوقف، لكنه قد جزم في أول كتاب الوقف من "التتمة" بصحة وقف المسجد بقوله: جعلته مسجدًا، على خلاف الموضع الثاني الذي اقتصر عليه الرافعي فإنه قال ما نصه:
الخامسة: إذا بنى مسجدًا أو رباطًا في بعض الطرق لينزل فيه السابلة، أو جعل أرضه مقبرة ليدفن فيها الموتى فالتصرف لازم، ويسمى هذا النوع الوقف العام، إلا أن عندنا يلزم بمجرد قوله: جعلت هذا الموضع مسجدًا ووقفت هذا المسكن على المارين هذا لفظه بحروفه.
الأمر الثاني: أن محل الخلاف في مصيره مسجدًا بذلك إنما هو عند خلوه من نية الوقف، أما إذا قصد بقوله: جعلته مسجدًا الوقف صار مسجدًا، كذا صرح به القاضي الحسين.
الأمر الثالث: أن في التصحيح بقوله جعلت إشكالا يأتيك بعد هذا، وفي آخر الباب أيضًا.
الأمر الرابع: أن المنع قد قال به أيضًا القفال والقاضي الحسين والخوارزمي وغيرهم، وصار المعروف خلاف ما رجحه الرافعي بحثا واغتر به في "الروضة" فجعله الأصح.
قوله: وأظهر الأوجه أنه إذا قرن بلفظ "الصدقة" بعض الألفاظ السابقة بأن قال: صدقة محرمة، أو مؤبدة، أو موقوفة، أو قَرَنَ به ذكر حكم الوقف بأن قال: صدقة لا تباع ولا توهب، التحق بالصرائح لانصرافه، بما ذكره عن التملك المحض .. إلى آخره.
تابعه في "الروضة" على الجمع بين البيع والهبة وينبغي الاكتفاء بأحدهما كما في الألفاظ السابقة، وفي المسألة إشكال آخر وهو أن الكناية في غير هذا لم يلحقوها بالصرائح لأجل وجود لفظ آخر.
قوله: في المسألة: وإن لم يقرن به لفظ بل نوى الوقف، نظر إن أضاف اللفظ لجهة عامة التحق بالصريح على الصحيح وإن أضاف إلي معين لم يكن وقفًا على الأصح، هكذا قاله الإمام، بل ينفذ في ما هو صريح فيه، وهو محض التملك وفي ما ذكره دلالة على أن ههنا وجهًا أنه يكون وقفًا، انتهى.
واعلم أن الغزالي قد جزم في "الوسيط" و"الوجيز" بأنه لا يكون وقفًا، ونقل في "الوسيط" الإجماع عليه فقال: واختلف المعتبرون للقرينة -أي اللفظية- في أن النية هل تقوم مقام القرينة، وهؤلاء أجمعوا على أنه لو جرى هذا مع شخص معين، فقبل لم تنفع النية بل تنفذ صدقة فإنه وجد نفاذًا في موضعه صريحًا، هذا كلامه.
وكيف يكون في "النهاية" خلاف في شيء ويدعى الغزالي الإجماع عليه؟
وبالجملة فالذي نقله الرافعي وتابعه عليه في "الروضة" خلاف ما في "النهاية"، فإنه عبر فيها بقوله: فإن عبر بلفظها -أي: بلفظ الصدقة- قائلًا متعينًا، فالأصح أنه صدقة ثبات مقتضاها تمليك الرقبة فإنها صريح في الباب، هذا لفظه من غير زيادة عليه، فلم يوجه اللفظ المشعر بالخلاف، وهو الأصح إلى كونه وقفًا أم لا، بل وجهه إلى الصدقة المقيدة للملك جزما، وحينئذ فالمقابل له هو الوقف أو البطلان بالكلية، وهو الظاهر لكونه قد صرفه من مدلوله، وفي المسألة إشكال يأتي في الوصية قبيل الكلام على المسائل الحسابية فراجعه.
قوله: فأما إذا قال جعلت هذا للمسجد فهو تمليك لا وقف فيشترط قبول القيم وقبضه كما لو وهب شيئًا من صبى، انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذا الكلام يوهم الواقف عليه أنه صريح لا يحتاج إلى نية
لأنه جعله تمليكًا لا كناية في التمليك، ولم يشترط معه شيئا آخر، وليس كذلك فتفطن له، فقد صرح في أول الهبة بأنه كناية، فقال نقلًا عن العبادي: ولو قال: جعلته لابني، وهو صغير صار له لأن هينه منه لا تقتضي قبولًا، وهذا يلتفت إلى ما ذكرنا من الانعقاد بالكنايات، وإلى الاكتفاء بأحد الشقين، انتهى.
وأيضًا فإنه لو كان "جعلته لك" صريحًا في التمليك، كما لو قال: ملكتك، لكان قول البائع: جعلته لك بكذا، صريحًا في البيع بلا شك فإنه حينئذ يصير كقوله: ملكتك، وليس كذلك فقد نص في البيع على أنه كناية وأيضًا فقد قال الرافعي في آخر الباب الثاني من كتاب الوقف نقلًا عن "فتاوى القفال" ما نصه: وإنه لو قال: جعلت هذه الدار للمسجد، أو دفع دارًا إلى قيم المسجد، وقال: خذها للمسجد، أو قال: إذا مت فاعطوا من مالي ألف درهم للمسجد، أو قال: فداري للمسجد، لا يكون شيئًا، لأنه لم توجد صيغة وقف ولا تمليك ولك أن تقول: إن لم يكن صريحًا في التمليك فلا شك في كونه كناية فيه، انتهى.
وقد استفدنا منه أن الرافعي لم يحكم على هذه المسألة بالصراحة، بل صرح بالتوقف فيها وقد ثبت بما قلناه أنه كناية فوجب القطع به.
الأمر الثاني: أن النووي قد وقع له في هذه المسألة من "الروضة" اختلاف فاحش سببه سوء الاختصار، فإنه لما ذكر الحكم المنقول عن "فتاوى القفال" لم يعزه إليه، بل جزم بنقله ثم ذكر بعد ذلك ما ذكره الرافعي من الإشكال، فاقتضى كلامه الاتفاق نقلًا على أنه لا يكون شيئا على عكس الموضع الأول وأنه ليس فيه سوى البحث المذكور.
والعجب من مصنف يجزم بشيء من غير نقله عن أحد، ثم يعترض عليه، بل الصواب، في مثل ذلك نقله عن قائله ثم يذكر ما فيه كما هو
المعتاد.
ومسألة القفال نقلها النووي إلى آخر الباب الأول.
قوله: وإن كان الوقف على شخص معين أو جماعة معينين فوجهان:
أصحهما: على ما ذكره الإمام وأخرون: اشتراط القبول، لأنه يبعد دخول عين أو منفعة في ملكه بغير رضاه.
والثاني: أنه لا يشترط واستحقاق الموقوف عليه المنفعة كاستحقاق منفعة نفسه، وبهذا أجاب صاحب "التهذيب" وكذا القاضي الروياني وخصص في "التتمة" الوجهين بما إذا قلنا: الملك في الوقف ينتقل إلى الموقوف عليه.
فأما إذا قلنا: بانتقاله إلى الله تعالى أو ببقائه للواقف، فلا يشترط، انتهى كلامه.
وليس فيما ذكره تصريح برجحان عنده ولا عند الأكثرين إلا أنه قد صرح في "المحرر" بتصحيح الاشتراط فقال ما نصه: والأصح في الوقف على المعين اشتراط القبول.
وكلامه في "الشرح الصغير" فيه إشعار به، ونقل في "الروضة" من "زياداته" عن "المحرر" تصحيحه ولم يذكر غير ذلك من موافقة ولا مخالفة ووافقه عليه في "المنهاج" لكنه رجح خلافه في "الروضة" أيضًا في الباب الثاني من كتاب السرقة، فقال في أثناء زيادة له: إن المختار أنه لا يشترط هذه عبارته.
والمختار في "الروضة" ليس هو في مقابلة الأكثرين، بل بمعنى الصحيح والراجح ونحو ذلك، ونقل في "شرح الوسيط" عن نص الشافعي أنه لا يشترط، وصححه خلائق منهم الماوردي، وهو مقتضى كلام صاحب "التنبيه" فإنه ذكر الإيجاب ولم يشترط القبول بل قال بعده: وإن وقف على رجل بعينه ثم علي الفقراء فرد الرجل، هذه عبارته فدل على أنه لا يشترط
القبول، بل يشترط أن لا يرد، وذكر في "المهذب" نحوه.
قوله: في أصل "الروضة": هذا في البطن الأول، أما البطن الثاني والثالث، فنقل الإمام والغزالي أنه لا يشرط قبولهم قطعًا لأن استحقاقهم لا يتصل بالإيجاب، انتهى كلامه.
والذي قاله من كون الإمام والغزالي نقلًا أنه لا يشترط قطعًا ليس كذلك، بل صرح الإمام في "النهاية" بالخلاف فيه وكذلك الغزالي في "البسيط"، وعبارة الرافعي: أما البطن الثاني والثالث فلا يشترط قبولهم في ما نقله الإمام وصاحب "الكتاب"، وأجرى المتولي فيه الخلاف، وهدا اللفظ قابل للتأويل، وإن كان يوهم جزمهما بعدم الاشتراط.
قوله: الثانية: إذا كان الوقف منقطع الأجر كقوله وقفت هذا على أولادي ولم يذكر من يصرف إليه بعده، ففيه قولان أصحهما: عند الأكثرين صحته، ثم قال: وعن صاحب "التقريب" قول ثالث: أنه إن كان الموقوف عقارًا فلا يصح، وإن كان حيوانًا صح لأن مصيره إلى الهلاك، فكما يجوز فوات الموقوف [مع بقاء الموقوف عليه](1) يجوز فوات الموقوف عليه مع بقاء الموقوف، انتهى كلامه.
وسكت رحمه الله عن غير الحيوان من المنقولات كالثياب، والأثاث والكتب، ويظهر إلحاقها بالحيوان، وتعليله يرشد إليه.
قوله: وقف على معين يصح الوقف عليه ثم على الفقراء فرده المعين، وقلنا بالصحيح أنه يرتد بالرد فمنقطع الأول، انتهى كلامه.
وقد علم منه أن الصحيح بطلانه في حق الفقراء وقد تابعه النووي في "الروضة" على ذلك وخالف في تصحيح "التنبيه" فصحح الصحة في حقهم، والمعروف هو الأول.
(1) سقط من أ.
قوله: ولو شرط في الوقف اختصاص المسجد بأصحاب الحديث أو الرأي، أو بطائفة معلومة فوجهان:
أحدهما: أن شرطه غير متبع لأن جعل البقعة مسجدًا كالتحرير فلا معنى لاختصاصه.
والثاني: يصح ويختص بهم مراعاة لشرط الواقف وقطعًا للنزاع في إقامة الشعائر ويشبه أن تكون الفتوى به، ثم الوجهان في ما إذا قال: على أصحاب الحديث، فإذا انقرضوا فعلى عامة المسلمين.
أما إذا لم يتعرض للانقراض فقد ترددوا فيه، انتهى ملخصًا.
ومدرك التردد احتمال انقراض هذه الطائفة ولاسيما إذا كانت الطائفة معينين كزيد وعمرو وحينئذ فيكون منقطع الأخير، والأصح فيه: الصحة، ولهذا صححه هنا في "الروضة" وقد جزم القفال في فتاويه بصحة هذا الوقف وأنه لو بقي واحد كان له منع الغير.
واعلم أن المراد بأصحاب الحديث الفقهاء الشافعية وبأصحاب الرأي الفقهاء الحنفية وهذا عرف أهل خراسان.
قوله: ولو شرط في المدرسة والرباط الاختصاص [اتبع شرطه، ولو شرط ذلك في المقبرة فالوجه أن يرتب على تخصيص](1) المسجد، إن قلنا: يختص فالمقبرة أولى، وإلا فوجهان لترددها بين المسجد والمدرسة، والثاني: أظهر فإن المقابر للموتى كالمساكن للأحياء، انتهى كلامه.
واعلم أن الرافعي رحمه الله قد جزم في الفصل الثاني من الباب الذي يلي هذا بأن المقبرة كالمسجد في كونه للتحرير، فقال: في الكلام على الأقوال في مالك الموقوف: فأما إذا جعل البقعة مسجدًا أو مقبرة فهو فك عن الملك كتحرير الرقبة فينقطع عنه اختصاصات الأدميين، هذا لفظه.
(1) سقط من أ.
والتصحيح المذكور هنا والتعليل لا يجتمعان معه، فإنه علل المنع في المسجد بالتحرير والفرض أنه موجود في المقبرة، وعلل اختصاص [المقبرة بأنها كمساكن الأحياء وهو إنما يتم إن لو قلنا ببقاء إختصاص](1) الآدميين فيها، وعدم التحرير.
أما إذا قلنا بالتحرير وعدم الاختصاص فليست كالمساكن قطعًا، فظهر أن الوضعين لا يجتمعان، وقد تبعه في "الروضة" عليهما وما تقدم في وقف المسجد على طائفة معينة يشكل عليه أيضًا فراجعه.
قوله: إحداها: لو قال: وقفت كذا، واقتصر عليه فقولان: أصحهما عند الأكثرين البطلان.
ثم قال: واحتجوا للصحة بأنه لو قال: أوصيت بثلث مالي، واقتصر عليه تصح الوصية، وتصرف إلى الفقراء والمساكين، وهذا إن كان متفقًا عليه فالفرق مشكل، انتهى.
وليس كما زعمه من الإشكال، والفرق من وجهين ظاهرين ذكرهما أيضًا النووي:
أحدهما: أن غالب الوصايا للمساكين فحمل المطلق عليه بخلاف الوقف.
الثاني: أن باب الوصية أوسع لصحتها بالمعدوم والمجهول والنجس بخلاف الوقف.
قوله: الثانية: وقف على شخصين ثم على المساكين فمات أحدهما ففي نصيبه وجهان أظهرهما ويحكى عن نصه في "حرملة" أنه يصرف إلى صاحبه.
والثاني: أنه للمساكين، والقياس وجه ثالث وهو أن لا يصرف إلى
(1) سقط من أ.
صاحبه ولا إلى المساكين، ويقال صار الوقف في نصيب الميت منقطع الوسط، انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذا الترجيح الذي ذكره للوجه الثالث ذكره أيضًا في "الشرح الصغير" ولم يذكر ترجيح غيره أصلا، ومقتضاه أن يكون هو الراجح عنده على أن في بعض نسخ "الكبير" أحدهما عوضًا عن قوله: أظهرهما، ويؤيد هذه النسخة استبعاد الجمع بينه وبين التصريح بأن القياس غيره لأن اللفظين في المعنى واحد.
نعم: لو ذكر أنه الأظهر من جهة النقل لاستقام، وقد أسقط في "الروضة" كون الثالث وجهًا وحكاه في صورة البحث فقط، وقد صرح الرافعي بعد هذا بقليل بحكايته وجهًا، ذكر ذلك في أول الباب الثاني.
الأمر الثاني: أن المراد بكونه منقطع الوسط أنه يصرف مصرفه لا أنه يجيء خلاف في صحته وقد نبه عليه في "الروضة".