المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

قال رحمه الله:   أما‌ ‌ أحكامها فأربعة قوله: فإذا وجب ضمان العارية فأي - المهمات في شرح الروضة والرافعي - جـ ٦

[الإسنوي]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب العارية

- ‌أركانها

- ‌ أحكامها

- ‌كتاب الغصب

- ‌الباب الأول: في الضمان

- ‌الركن الأول: الموجب

- ‌الركن الثاني: "في الموجب فيه

- ‌الركن الثالث: "في الواجب

- ‌الباب الثاني: "في الطوارئ على المغصوب

- ‌كتاب الشفعة

- ‌الباب الأول: في الأركان

- ‌الباب الثاني: في "كيفية الأخذ

- ‌الباب الثالث: فيما يسقط به حق الشفيع

- ‌كتاب القراض

- ‌الباب الأول: في أركانه

- ‌الباب الثاني: في حكم القراض الصحيح

- ‌الباب الثالث: في الفسخ والتنازع

- ‌كتاب المساقاة

- ‌الباب الأول: في أركانها

- ‌الباب الثاني: في أحكام المساقاة

- ‌كتاب الإجارة

- ‌الباب الأول: في أركانها

- ‌الباب الثاني: في "أحكام الإجارة الصحيحة

- ‌الباب الثالث: في "الطوارئ الموجبة للفسخ

- ‌كتاب الجعالة

- ‌كتاب: إحياء الموات

- ‌الباب الأول: في "رفات الأرض

- ‌الباب الثاني: في "المنافع المشتركة

- ‌الباب الثالث في "الأعيان الخارجة من الأرض

- ‌كتاب الوقف

- ‌الباب الأول: في أركانه

- ‌الباب الثاني: في "حكم الوقف الصحيح

- ‌الفصل الأول: في أمور لفظية

- ‌الفصل الثاني: في الأحكام المعنوية

- ‌كتاب الهبة

- ‌الفصل الأول: في أركانها

- ‌الفصل الثاني: في حكمها

- ‌كتاب اللقطة

- ‌الباب الأول: في "أركانها

- ‌الباب الثاني: في "أحكام اللقطة

- ‌كتاب اللقيط

- ‌الباب الأول: في الالتقاط

- ‌الباب الثاني: في "أحكام اللقيط

- ‌كتاب الفرائض

- ‌الفصل الأول "في بيان الورثة

- ‌ الفصل الثاني في التقديم والحجب

- ‌ الفصل الثالث في "أصول الحساب

- ‌كتاب الوصايا

- ‌الباب الأول: في الأركان

- ‌الباب الثاني: في "أحكام الوصية

- ‌القسم الأول: اللفظية

- ‌ القسم الثاني: في "المسائل المعنوية

- ‌ القسم الثالث: في "المسائل الحسابية

- ‌الباب الثالث: في "الرجوع عن الوصية

- ‌الباب الرابع: في "الوصاية

- ‌كتاب الوديعة

- ‌كتاب قسم الفيء والغنيمة

- ‌الباب الأول: في الفيء

- ‌الباب الثاني: في قسمة الغنائم

- ‌كتاب قسم الصدقات

- ‌الباب الأول: في بيان أصناف الصدقات

- ‌الباب الثاني: في كيفية الصرف إلى الأصناف

الفصل: قال رحمه الله:   أما‌ ‌ أحكامها فأربعة قوله: فإذا وجب ضمان العارية فأي

قال رحمه الله:

أما‌

‌ أحكامها

فأربعة

قوله: فإذا وجب ضمان العارية فأي قيمة تعتبر؟ فيه ثلاثة أوجه، وسماها الزجاجي أقوالًا وكذلك في "الوسيط".

أحدها: أقصا القيم.

وثانيها: قيمة يوم القبض.

والثالث: وهو الأصح قيمة يوم التلف فإن ضمناه ضمان المغصوب كان ولدها الحادث في يده مضمونًا عليه وإلا فلا. انتهى ملخصا فيه أمور:

أحدها: أن كلامه يقتضي أن الراجح كون الخلاف وجوهًا، وقد خالفه في "المحرر" فقال: أصح القولين أن إعارته تضمن بقيمة يوم التلف، لا بأقصا القيم، هذا لفظه، وقد عدل في "المنهاج" عن ذلك، وجعله الخلاف وجوها وهو الصواب.

واعلم أن إطلاق الرافعي يقتضي أنه لا فرق في التضمين بالقيمة بين المثلى كالخشب والحجر، وبين المتقوم؛ وهو كذلك، فإن المنقول في "الحاوي" و"التهذيب" و"المحرر" وغيرها بناء المثلى على الخلاف في ضمان المتقوم فإن اعتبرنا أقصا القيم أوجبنا القيمة.

الأمر الثاني: أنا إذا قلنا أن ولد العارية لا يكون مضمونًا فيكون حكمه، كما لو طيرت الريح ثوبًا إلى داره، وغير ذلك من الأمانات الشرعية، هكذا جزم به القاضي حسين وإمام الحرمين وغيرهما.

ولم يذكر ابن الرفعة في "المطلب" و"الكفاية" غيره.

وحكم الثوب المذكور ونحوه أنه إذا تمكن من رده إلى المالك فلم يرده كان ضامنًا له في أصح الوجهين.

ص: 10

كذا ذكره الرافعي في كتاب الوديعة، وحينئذ فإذا تمكن من رد هذا الولد فلم يرده، كان ضامنا له في الأصح فتفطن له فإن كلام الرافعي و"الروضة" يوهم إيهامًا ظاهرًا بخلافه.

الأمر الثالث: إنما قيد الرافعي ما ذكره بالولد الحادث للاحتراز عما إذا أعاره دابة فتبعها ولدها، فإن الولد لا يكون مضمونًا عليه، كما قاله القاضي الحسين والبغوي في "فتاويهما" ولم يذكر في "زوائد الروضة" غيره.

وقال في "الكفاية": إذا قلنا بضمان الولد الحادث قلنا أيضًا بالضمان في الولد التابع؛ ولم ينقل عدم الضمان إلا عن الجيلي، والذي قاله مردود، وقد نبهت عليه في "الهداية في أوهام الكفاية" فراجعه.

قوله: فيما إذا استعار من المستأجر: ومؤنة الرد في هذه الإستعارة على المستعير إن رد على المستأجر، وعلى المالك إن رد عليه، كما لو رد عليه المستأجر. انتهى كلامه.

وما ذكره من إيجاب المؤنة على المالك، قد خالفه في غير هذا الموضع، وسأذكر ذلك في موضعه من باب الإجارة، إن شاء الله تعالى فراجعه.

قوله: ألا ترى أن الأصل يرجع في الهبة ولا يرجع في الصدقة. انتهى كلامه.

وما ذكره عن عدم الرجوع في الصدقة للأصل قد ناقضه في غير هذا الموضع، وسوف أذكره إن شاء الله تعالى في باب الهبة مبسوطًا فراجعه.

قوله: ولو كان لأحد الرفيقين في السفر دابة وللآخر متاع، فقال صاحب المتاع للآخر: احمل متاعي على دابتك فأجاب، فصاحب المتاع مستعير.

ولو قال صاحب الدابة: أعطني متاعك لأضعه على الدابة فهو مستودع متاعه ولا تدخل الدابة في ضمان صاحب المتاع، ذكره البغوي. انتهى كلامه.

ص: 11

وفيه كلام سبق ذكره قريبا في أول الركن الرابع.

قوله: وإن كان ينتفع به بجهتين فصاعدًا كالأرض تصلح للزراعة والبناء، وكالدابة للركوب والحمل، فهل تصح إعارته مطلقًا أم لابد من بيان جهة الانتفاع؟ فيه وجهان: فإن قلنا بالثاني فقال: أعرتك لتنتفع به فيما بدا لك، أو كيف شئت فوجهان. انتهى.

أما الوجهان الأولان فالصحيح فيهما أنه لابد من البيان.

فقد قال -أعني الرافعي- في باب الإجارة من هذا الكتاب، وفي "المحر" هنا: إنه الأظهر.

وكلامه في "الشرح الصغير" يشعر برجحانه.

واقتصر في "الروضة" على نقل ما في "المحرر" ولم يتفطن إلى الترجيح الواقع في كتاب الإجارة.

وأما الوجهان الأخيران فتابعه في "الروضة" على حكايتهما أيضًا من غير ترجيح.

والصحيح منهما: الصحة، فإنهما صححا ذلك في نظيره من الإجارة، وحينئذ فتصحيح الإعارة بطريق الأولى.

قوله: وللمعير والمستعير الرد متى شاء.

واستثنى الأصحاب عن الأصل المذكور صورتين: الأولى: إذا أعار أرضا للدفن للميت فدفن.

الثانية: إذا أعار حائطًا لوضع الجذوع فلا يرجع على وجه. انتهى.

وما ذكره من الحصر تابعه عليه في "الروضة" أيضًا، وليس كذلك بل تستثنى ثالثة وهي: ما إذا كفن الميت أجنبي فهل الكفن باق على ملك الأجنبي؟ فيه خلاف حكاه الرافعي في كتاب السرقة من غير تصحيح، وصحح النووي من "زوائده" البقاء.

ص: 12

قال في "الوسيط" في باب الوصية: إنه يكون عارية.

وقال في السرقة من العواري اللازمة.

وصرح الرافعي في السرقة أيضًا بأنه كالعارية وهو معنى لفظ الغزالي، والتشبيه لا معنى له لأنه حقيقة العارية.

ولو أراد [أداء](1) الصلاة المفروضة، فأعاره ثوبًا ليستر به عورته، أو ليفرشه في مكان نجس ففعل وأحرم وكان الرجوع مؤديا إلى بطلان الصلاة فيتجه منعه منه، ويحتمل الجواز وتكون فائدته طلب الأجرة.

ويستثني من رد المستعير صورة أخرى وهي: استعارة الدار لسكنى المعتدة كما ذكره الأصحاب في كتاب العدد.

قوله: وإذا أعار أرضًا لدفن ميت فله الرجوع قبل الحفر وبعده، ما لم يوضع الميت، قال في التتمة: وكذا بعد الوضع ما لم يواره التراب.

وذكر أن مؤنة الحفر إذا رجع بعد الحفر وقبل الدفن على ولي الميت، ولا يلزمه الطم. انتهى كلامه بحروفه.

فيه أمران:

أحدهما: أنه ليس فيه ولا في "الروضة" ما يدل على أن المحكي عن "التتمة" حكايه لوجه آخر مرجوح، أو استدراك لما قاله أولئك حتى يكون إطلاقهم محمولا عليه؟ بل كلامه يوهم الاحتمال الثاني؛ وقد بيّن ذلك في "الشرح الصغير" وذكر ما حاصله: أنه وجه فقال: وله الرجوع قبل الحفر وبعده ما لم يوضع فيه الميت، وقيل ما لم يوار بالتراب. هذا لفظه بحروفه، ولم يتعرض للمسألة في "المحرر".

نعم: كلام الإمام يقتضي موافقة صاحب "التتمة" فإنه قال: وللمعير

(1) سقط من ب.

ص: 13

الرجوع قبل اتفاق [الدفن](1).

الأمر الثاني: أن المتولي قد جزم بأن مؤنة الحفر في هذه الحالة على المعير فقال: إذا رجع في العارية بعد الحفر وقبل الدفن غرم لولي الميت مؤنة الحفر، لأنه بإذنه في الحفر أوقعه في التزام ما التزمه، وفوت عليه مقصوده لمصلحة نفسه، هذا لفظ المتولي.

وكلام الرافعي يشعر بأن المتولي أجاب بعكسه، فإنه بعد أن نقل عن المتولي ما نقل عبر بقوله: وذكر أن مؤنة الحفر إلى آخر ما قدمناه.

لكن يحتمل أن تكون الذال مضمومة على البناء للمفعول، ويكون غير المتولي هو الذاكر له.

وقد عبر النووي بعبارة لا تحتمل فأتى بلفظ قال: ثم استدرك عليه، ونسب الرافعي فيه إلى الغلط.

قوله: في أصل "الروضة": إعارة الأرض للبناء أو الغراس ضربان. انتهى.

استدرك المصنف في "لغات التنبيه" على الشيخ في تعبيره بالغراس فقال: لو عبر بالغرس -أي: بإسقاط الألف- لكان أحسن وأخصر؛ والذي أرشد الشيخ إليه قد وقع فيه ههنا.

قوله ولو استعار أرضًا فبنى فيها أو غرس، ثم رجع المالك، فإن كان قد شرط عليه القلع مجانًا عند رجوعه لزمه، ثم قال بعد ذلك: إنه لا فرق فيه بين العارية المطلقة والمؤقتة. انتهى.

وتقييد القلع بقوله مجانًا ذكره هو والنووي في كتبهما، والصواب حذفه؛ فإنه يقتضي أنه لا يؤمر بالقلع مجانًا إلا عند التنصيص عليه، وهو

(1) سقط من أ.

ص: 14

خلاف ما قاله الشافعي، فإن الشافعي أوجب عليه ذلك بدون هذا الشرط، فقال في "المختصر" و"الأم" ما نصه: ولكن لو قال -أي: المعير- فإذا انقضى الوقت كان عليك أن تنقض بناءك، كان ذلك عليه، لأنه لم يغره إنما غر نفسه هذا لفظه.

ولذلك لم يأت به جماعة منهم الشيخ في المهذب.

قوله: ولو أراد المستعير القلع مكن منه، ثم إن لم يكن قد شرط عليه القلع فهل يلزمه تسوية الأرض؟ فيه وجهان: أظهرهما نعم. انتهى مخلصًا.

فيه أمران:

أحدهما: أن ما رجحه هنا قد رجح عكسه في "المحرر"، فقال: أظهر الوجهين: أنه لا يلزمه تسوية الأرض، هذا لفظه؛ وهو غريب لتعبيره بالأظهر في الموضعين.

والظاهر أنه في "المحرر" انعكس عليه المراد ولأجل ذلك قال في "الروضة" من زياداته: إن الجمهور على اللزوم، قال: ولا تغتر بما في "المحرر" فإنه ضعيف، ويؤيد ما قاله: أن الإمام ادعى في الإجارة إتفاق الأصحاب عليه.

الأمر الثاني: أن إيجاب التسوية يتجه أن يكون محله في الحفر الحاصلة من القلع، أما الحاصلة بسبب البناء أو الغراس في مدة العارية فيتجه عدم وجوبها، لأنها ما حدث فيها لأجل الاستعمال.

وإذا لم يوجبوا ضمانًا عند انمحاق الثوب أو استخفافه لهذه العلة، فالحفر أولى.

قوله في المسألة: فإن لم يختر المستعير القلع ففيه ثلاثة أوجه:

أحدها: أن المعير يخير بين أن يتملكه بالقيمة، وبين أن يقلع ويضمن أرش ما نقص وهذا رأى أكثر العراقيين وغيرهم، ويشبه أن يكون أظهر في

ص: 15

المذهب.

والثاني: أنه يخير بينهما وبين الإبقاء بأجرة.

والثالث: له القلع مع الأرش، وليس له التملك، ولا الإبقاء بأجرة، إلا بإذن المستعير لأنها بيع أو إجارة، قاله في "التهذيب". انتهى ملخصًا.

فيه أمران:

أحدهما: أن حاصل ما في "التهذيب" هو التخيير بين الثلاث فإنه قال: ولكن يخير المعير بين أحد الأشياء الثلاثة، إن شاء أخذها بالقيمة وإن شاء كلف المستعير قلعها وضمن أرش النقصان، وإن شاء أقرها بالأجرة، فإن أراد القلع لا يحتاج إلى إذن المستعير وإن أراد التملك بالقيمة أو التقرير بالأجرة يحتاج إلى إذنه، لأنه بيع أو إجارة. وربما يريد المستعير نقله، هذا لفظه بحروفه.

وحاصله: أنه لا يستقل بالتملك، ولا بالإبقاء بالأجرة بخلاف القلع لأن في التملك إخراج ملكه عنه وفي الإبقاء بالأجرة إلزام ذمته مالًا وهو قد لا يريد ذلك، بل يريد القلع.

وهذا الذي قاله صحيح ظاهر، وحينئذ فإذا اختار المعير واحدة من هذين عرضنا الأمر على المستعير، فإن أجاب إليها، وإلا جوزنا للمعير القلع، وإن لم يقلع المستعير.

الأمر الثاني: أن هذه المسألة قد ذكرها الرافعي في مواضع شتى، واختلف فيها كلامه، وتابعه في "الروضة" على ذلك، فلنذكر تلك المواضع.

فنقول: قد عرفت المذكور هنا وذكرها أيضًا في كتاب الصلح وأجاب بالتخيير بين الخصال الثلاث، ذكر ذلك في أوائل الفصل الثاني من الباب الثاني عند الكلام على ما إذا أعاره حائطًا لوضع الجذوع وقلنا: بالصحيح

ص: 16

وهو جواز الرجوع فقال: وما فائدة رجوعه؟ فيه وجهان أظهرهما: أنه يتخير بين أن يبقى بأجرة وبين أن يقلع ويضمن أرش النقض، كما لو أعار أرضًا للبناء.

قال في "التهذيب": إلا أن في إعارة الأرض له خصلة أخرى، وهي تملك البناء بالقيمة وليس لمالك الجدار ذلك؛ لأن الأرض أصل فجاز أن يستتبع البناء، والجدار تابع فلا يستتبع. انتهى كلامه.

وجزم في الباب الثاني من أبواب الغصب في الطرف الثاني منه بما يقتضيه أيضًا.

وصرح به في كتاب الهبة، فيما إذا وهب لابنه أرضًا فبنى فيها الابن أو غرس، ثم رجع الأب فقال: وليس للأب قلع البناء والغراس مجانًا لكنه يتخير بين الإبقاء بأجرة، والتملك بالقيمة، أو القلع، وغرامة النقض كالعارية. انتهى فالمذكور هنا التخيير بين التملك والقلع.

وفي الصلح والغصب والهبة التخيير بين الثلاث.

وذكرها في "الشرح الصغير" في هذا الباب وفي الصلح "كالكبير" ولم يتعرض لها في كتاب "الهبة".

واعلم أن هذا الحكم على شدة اضطرابه يأتي في مسائل صرح بها الرافعي وغيره.

منها: الإجارة. فإذا انقضت المدة والبناء والغراس باقيان ولم يكونا شرطًا إبقاءً ولا قلعًا، فهو كالعارية.

ومنها: الشفعة. فإذا بني المشتري أو غرس، ثم أخذ الشفيع بعد ذلك، فحكمه حكم المعير فيما تقدم.

ومنها: المفلس، فإذا اشترى أرضا وبنى فيها أو غرس، ثم حجر عليه بالإفلاس قبل وفاء ثمنها، فأراد البائع الرجوع فيها وامتنع الغرماء والمفلس

ص: 17

من القلع، فيكون البائع مخيرًا بين التملك والقلع مع غرامة الأرش.

ومنها: الهبة وقد تقدم الكلام فيها.

فإن قيل: كيف يتصور ذلك في الشفعة، مع أن المشتري إذا تصرف بالبناء أو الغراس قبل القسمة، فإن الشفيع يقلع ذلك مجانًا، لأنه تصرف بغير إذن شريكه، وإن كان بعد القسمة فلا شفعة؟ .

قلنا: قال الأصحاب: يتصور في مسائل:

إحداها: أن يوكل في القسمة من شركائه فيقاسم للوكيل من المشتري، ثم يطلع بعد ذلك على الحال.

الثانية: أن يدعي المشتري أنه ملكه بهبة أو بثمن كبير، فيقاسمه الشفيع ثم يبني المشتري في ملكه، ثم يطلع الشفيع بعد ذلك فيأخذ.

وهذه المسألة الشديدة الاضطراب الواقعة في أبواب قد نص عليها الشافعي في "الأم" فقال: في كتاب اختلاف العراقيين في باب العارية ما نصه:

قال الشافعي: فإذا أعار الرجل الرجل بقعة من الأرض يبني فيها بناء فبناه، لم يكن لصاحب البقعة أن يخرجه من بنائه حتى يعطيه قيمته.

وذكر أيضًا مسألة الشفعة في الكتاب المذكور.

فقال في باب الشفعة ما نصه:

قال الشافعي: وإذا اشترى رجل نصيبًا من دار، ثم قاسم فيه وبناه، ثم طلبه الشفيع بالشفعة قيل له: إن شئت أد الثمن الذي اشتراه به، وقيمة البناء اليوم، وإن شئت فدع الشفعة؛ لا يكون له إلا هذا.

ونص أيضًا في الكتاب المذكور على مسألة الهبة في باب الصدقة والهبة فقال: فيما إذا وهب نصف دار هبة تقتضي الرجوع، فبنى الموهوب له ثم

ص: 18

رجع ما نصه: ويقال له: إن أعطيته قيمة البناء أخذت نصف الدار والبناء، كما يكون لك وعليك في الشفعة.

فاعلم أن هذه المسائل قد وقع في الكلام عليها في "التنبيه" و"المحرر" و"المنهاج" شيء غريب، وذلك أن هذه الكتب قد وقع فيها في هذا الباب، أن المستعير مخير بين الإبقاء بأجرة والقلع مع ضمان الأرش لا غير.

أما في "المحرر" و"المنهاج" فبالتصريح.

وأما في "التنبيه" فعلى ما فهمه الشارحون وهذا المذكور في المختصرات، لم يذكره مصنفوها في أصولهم من هذا الباب، فضلًا عن تصحيحه فلم يذكره الشيخ في "المهذب"، وإن ذكره في "التنبيه"، ولا الرافعي في هذا الكتاب وإن ذكره في "المحرر" ولا النووي في "الروضة" وإن ذكره في "المنهاج"، لأنهم حكوا في المسألة ثلاثة أوجه كما تقدم وليس المجزوم به ههنا واحدًا منها.

وقد ذكر في "التنبيه" مسألة الشفيع على الصواب، وليست في "المنهاج"، وذكر في "المنهاج" مسألة المفلس على الصواب وليست في "التنبيه"، وتلك اتفاقات غريبة.

قوله: والثاني أن أبا حنيفة والمزني جوزا له القلع مجانًا إذا رجع بعد المدة ذهابًا إلي أن فائدة بيان المدة القلع بعد مضيها، وهو اختيار القاضي الروياني. انتهى كلامه.

تابعه في "الروضة" على نقل اختيار ذلك عن الروياني، وهو غلط مخالف لما في "البحر" و"الحلية".

أما "البحر" فقد صرح فيه بتخطئة ما قاله المزني.

وأما في "الحلية" فإنه صحح فيها أيضًا خلافه.

فقال: فلو كانت العارية مؤقته، فالحكم كما لو كانت مطلقة في أظهر

ص: 19

القولين.

واختيار المزني فيها أن له مطالبته بالقلع عند انقضاء المدة بلا ضمان لفائدة التأقيت وهو الاختيار للمزني، هذا لفظه وكأن إعادة الإختيار المنسوب إلى المزني، مع عدم مراجعة "البحر"، هو الذي أوقع الرافعي في الغلط.

وإنما أعاده الروياني، لأنه تقدم منه نقل نظيره عن المزني، فكأنه قال وهو الإختيار المعهود منه الذي سبق ذكره.

قوله: ولو امتنع المعير من إختيار شيء مما خيرناه فيه لم يكن له القلع مجانًا ثم قال وما الذي يفعل؟

قال بعضهم: يبيع الحاكم عليها ليفصل الأمر.

وقال الأكثرون: يعرض الحاكم عنهما حتى يختارا شيئًا. انتهى كلامه.

وتعبيره بقوله حتى يختارا أي بالألف وقع كذلك في أكثر نسخ الرافعي وفي "المحرر" و"المنهاج" والصواب حذفها لأن اختيار المعير وحده كاف.

وقد حذفها النووي في "الروضة".

قوله: قال المتولي: إذا بني أحد الشريكين أو غرس في الأرض المشتركة بإذن صاحبه، ثم رجع صاحبه لم يكن له القلع بأرش النقص لأنه يتضمن قلع بناء المالك في ملكه وليس له أن يتملك بالقيمة لأن للباني في الأرض مثل حقه لكن ليس له الإبقاء بأجرة. فإن لم يبذلها الثاني، فهل تباع أو يعرض عنها فيها ما سبق. انتهى.

اعترض في "الروضة" على كلام المتولي فقال: هكذا قاله المتولي، فإن لم يبذلها الثاني وكان ينبغي أن يقول: فإن لم يرض بها المعير، فإنا إذا جوزنا للمالك اختيار خصلة فاختارها أجبرنا المستعير عليها.

وفي هذه الصورة قد جوزنا للمالك اختيار الإجارة، لانحصار الأمر فيها، بخلاف ما إذا كانت الأرض كلها للمعير.

ص: 20

والذي قاله اعتراض صحيح، غير أنه قال: إن بذل الثاني ليس بشرط على المختار كما تقدم.

وحكايته للخلاف مع ترجيح إجابة المعير غلط؛ لأنَّ الخلاف محله فيما إذا أعار جميع الأرض، ولكن الصحيح عدم الإجبار على الأجرة، بل التخيير بين الخصلتين فقط.

ومسألتنا هذه وإن كان يجبر على الأجرة إن لم يقلع، لكن لا خلاف فيها.

واعلم أن طريقة المتولي التخيير بين شيئين فقط، وهما: التملك بالقيمة، والقلع بغرامة الأرش.

وذكر ابن الصلاح في "فتاويه" أن للشريك أن يتملك بالقيمة من البناء بقدر حصته من الأرض ويصير البناء مشتركًا بينهما، كاشتراكهما في الأرض.

وقد ذكر في "التتمة" في كتاب الشفعة فرعًا يخالف ما ذكره هنا فقال: إذا كانت أرض بين ثلاثة استأجر أحدهم نصيب أحد شريكيه مدة معلومة ليبني ويغرس، واشترى نصيب الأخر ثم بني في الأرض وغرس، فله ذلك.

وشفعة الشريك الذي أجر ولم يبع فائتة فإذا طلب الشفعة لم يكن له أن يقلع البناء والغراس مجانًا لكنه بالخيار إن شاء أقره بأجرة، وإن شاء قلع وغرم النقص وإن شاء تملك عليه بالبدل.

كما ذكرنا في من استعار أرضًا ليبني فيها أو يغرس، ثم رجع المالك هذا كلامه.

قوله: ولو أعاره للفسيل إلى آخره.

هو بفاء مفتوحة، وسين مهملة مكسورة وياء بنقطتين من تحت، هو

ص: 21

صغار النخل ويقال له الفسيلة، أيضًا قاله الجوهري.

قوله: ولو حمل السيل ما لا قيمة له كنواة واحدة أو حبَّة فنبتت فهي لمالك الأرض في وجه، لأنَّ التقويم حاصل في أرضه، ولمالك الأصل في وجه، لأنها محرمة الأخذ. انتهى.

والأصح: الثاني كما قاله في "الروضة" قال: وهذا في حبة ونواة لم يعرض عنها مالكها، أما إذا أعرض عنها وألقاها فينبغي القطع بكونها لصاحب الأرض.

قوله: إحداها: إذا قال راكب الدابة لمالكها: أعرتني هذه الدابة، وقال المالك: بل أجرتكها فله حالتان:

إحداهما: أن تكون الدابة باقية، فإن كان الإختلاف بعد مضي مدة لمثلها أجرة فقولان:

أصحهما: تصديق المالك، ثم استدل عليه فقال: كما لو اختلفا في عين مال فقال المالك بعتكها، وقال من هي في يده: وهبتها، فإن المصدق هو المالك، هذا لفظه.

واعلم أن ما ذكره في الاستدلال قد أوضحه في التحالف.

فقال ما حاصله: إن الصحيح أنه لا يقدم قول واحد بخصوصه، بل يحلف كل منهما على نفي ما يدعي عليه.

وقيل: يصدق مدعي الهبة، وقيل: يتحالفان.

إذا علمت ذلك علمت أن ما قاله هنا لا يستقيم، فإن مقتضي الحكم بأن القول قول البائع إجبار المشتري على أخذ السلعة بما ادعاه من اليمين.

وأقرب تأويل فيه، أن يقال المراد تصديق المالك في نفي كونه هبة لا في إثبات ما يدعيه لكنه تأويل بعيد، ومع بعده يصح أن يقال أيضًا: إن القول قول الآخر، وهو مدعي الهبة، إذا نظرنا إلى هذا المعنى.

قوله: الحالة الثانية أن تكون الدابة هالكة، فإن تلفت عقب الأخذ قبل أن

ص: 22

يثبت لمثلها أجرة، فالراكب نفر بالقيمة، والمالك ينكرها ويدعي الأجرة، فيخرج على الخلاف الذي تقدم في أن اختلاف الجهة هل يمنع الأخذ؟ إن قلنا: نعم، إلى آخر التفريع الذي ذكره.

وما ذكره هنا رحمه الله غلط ظاهر، تبعه عليه في "الروضة"؛ لأن المسألة قد صورها بما إذا كان التلف قبل مدة لمثلها أجرة وحينئذ فكيف يستقيم الجواب، بأن يقال: المالك يدعي الأجرة وينكر للقيمة.

والراكب بالعكس، ويتخرج على الخلاف في إختلاف الجهة؟ .

وكلام الرافعي قد سقط منه شيء يعلم من "التهذيب" للبغوي.

فإنه قال: ولو كان هذا الاختلاف بعد تلف العين نظر: إن تلفت حال أخذها قبل مضي مدة لمثلها أجرة فالراكب يقر له بالقيمة [وهو ينكر فتزيد برده، ولو تلفت بعد مضي مدة لها أجرة فالمالك يدعي الكراء وهو يقر بالقيمة](1) فهذا ينبني على أن اختلاف الجهة إلى آخره.

هذا لفظ "التهذيب" فسقط ذلك له إما لانتقال نظره أو لوقوع نسخة سقيمة حصل فيها ذلك.

قوله: من "زياداته": قال أصحابنا: الرد الواجب والمبري هو أن يسلم العين إلى المالك أو وكيله في ذلك، فلو رد الدابة إلى الإسطبل أو الثوب ونحوه إلى البيت الذي أخذه منه لم يبرأ من الضمان. انتهى.

وهذا الذي ذكره هنا مخالف لما ذكره الرافعي في الغصب وتابعه هو عليه.

فإنَه قال نقلا عن المتولي من غير اعتراض عليه: وإذا رد الدابة إلى إسطبل المالك قال المتولي: بريء أيضًا إذا علم المالك به أو أخبره من يعتمد خبره، ولا يبرأ قبل العلم والإخبار.

(1) سقط من أ.

ص: 23