المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الباب الأول: في الأركان - المهمات في شرح الروضة والرافعي - جـ ٦

[الإسنوي]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب العارية

- ‌أركانها

- ‌ أحكامها

- ‌كتاب الغصب

- ‌الباب الأول: في الضمان

- ‌الركن الأول: الموجب

- ‌الركن الثاني: "في الموجب فيه

- ‌الركن الثالث: "في الواجب

- ‌الباب الثاني: "في الطوارئ على المغصوب

- ‌كتاب الشفعة

- ‌الباب الأول: في الأركان

- ‌الباب الثاني: في "كيفية الأخذ

- ‌الباب الثالث: فيما يسقط به حق الشفيع

- ‌كتاب القراض

- ‌الباب الأول: في أركانه

- ‌الباب الثاني: في حكم القراض الصحيح

- ‌الباب الثالث: في الفسخ والتنازع

- ‌كتاب المساقاة

- ‌الباب الأول: في أركانها

- ‌الباب الثاني: في أحكام المساقاة

- ‌كتاب الإجارة

- ‌الباب الأول: في أركانها

- ‌الباب الثاني: في "أحكام الإجارة الصحيحة

- ‌الباب الثالث: في "الطوارئ الموجبة للفسخ

- ‌كتاب الجعالة

- ‌كتاب: إحياء الموات

- ‌الباب الأول: في "رفات الأرض

- ‌الباب الثاني: في "المنافع المشتركة

- ‌الباب الثالث في "الأعيان الخارجة من الأرض

- ‌كتاب الوقف

- ‌الباب الأول: في أركانه

- ‌الباب الثاني: في "حكم الوقف الصحيح

- ‌الفصل الأول: في أمور لفظية

- ‌الفصل الثاني: في الأحكام المعنوية

- ‌كتاب الهبة

- ‌الفصل الأول: في أركانها

- ‌الفصل الثاني: في حكمها

- ‌كتاب اللقطة

- ‌الباب الأول: في "أركانها

- ‌الباب الثاني: في "أحكام اللقطة

- ‌كتاب اللقيط

- ‌الباب الأول: في الالتقاط

- ‌الباب الثاني: في "أحكام اللقيط

- ‌كتاب الفرائض

- ‌الفصل الأول "في بيان الورثة

- ‌ الفصل الثاني في التقديم والحجب

- ‌ الفصل الثالث في "أصول الحساب

- ‌كتاب الوصايا

- ‌الباب الأول: في الأركان

- ‌الباب الثاني: في "أحكام الوصية

- ‌القسم الأول: اللفظية

- ‌ القسم الثاني: في "المسائل المعنوية

- ‌ القسم الثالث: في "المسائل الحسابية

- ‌الباب الثالث: في "الرجوع عن الوصية

- ‌الباب الرابع: في "الوصاية

- ‌كتاب الوديعة

- ‌كتاب قسم الفيء والغنيمة

- ‌الباب الأول: في الفيء

- ‌الباب الثاني: في قسمة الغنائم

- ‌كتاب قسم الصدقات

- ‌الباب الأول: في بيان أصناف الصدقات

- ‌الباب الثاني: في كيفية الصرف إلى الأصناف

الفصل: ‌الباب الأول: في الأركان

‌كتاب الوصايا

وفيه أربعة أبواب:

‌الباب الأول: في الأركان

قوله: ويستحب أن يوصي من له مال. انتهى.

ذكر الرافعي في كتاب الصداق في الكلام علي التشطير ما يعارض ذلك فقال: والتدبير يمنع الرجوع دون الوصية بالعتق في أظهر الأوجه.

قال لأن الإيصاء ليس عقد قربة بخلاف التدبير، هذه عبارته، ومراده أن التدبير لا يكون إلا قربة والإيصاء قد يكون قربة كما في مثالنا، وقد لا يكون كالإيصاء للأغنياء ونحوهم.

قوله: ومن عنده وديعة أو في ذمته حق لله تعالى كزكاة أو حج أو دين لآدمي يجب عليه أن يوصي به إذا لم يعلم به غيره، انتهى.

وهذا الذي قاله من أن علم الغير يغني عن الإيصاء ليس على إطلاقه بلا شك لأن الكافر والفاسق والصبي والعبد والمرأة لا يكفي علمهم بذلك مع دخولهم في هذه العبارة، وحاول في "الروضة" التنبيه على ضابط ذلك.

فقال من زياداته ما نصه: المراد إذا لم يعلم به من يثبت بقوله هذا لفظه، وهو غير كافٍ أيضًا، فإن قول الورثة كافٍ في الثبوت مع أن المتجه أن علمهم لا يكفي لأنهم الغرماء، فلابد من حجة تقوم عليهم عند إنكارهم، وأيضًا، فإن كلامه يقتضي أن الشاهد الواحد لا يكتفي، فإن الحق لا يثبت بشهادته وحده بلا نزاع، ولكن القياس تخريجه على ما إذا وكله في قضاء دينه، بحضرة شاهد واحد، والصحيح فيه الاكتفاء بذلك حتى لا يضمن الوكيل عند إنكار القارض ودعواه عند قاض لا يرى الحكم بالشاهد واليمين، وأيضًا فإن الوكيل المذكور لو أشهد على الأداء رجلين

ص: 333

ظاهرهما العدالة فإن الصحيح أنه كان أيضًا في عدم الضمان وقياسه أن يكون هنا مثله أيضًا مع أن الحق لا يثبت بشهادتهما فهو وارد عليه، وقد أعاد الرافعي المسألة في الباب الرابع المعقود للوصاية، وأجاب فيها بما يخالف المذكور هنا، وسوف أذكره في موضعه إن شاء الله تعالى فراجعه.

قوله: وعدّوا من هذا القبيل أي من المعصية الوصية كدهن سرج البيع، لكن قيد الشيخ أبو حامد المنع بما إذا قصد تعظيم البقعة، وأما إذا قصد إنتفاع المقيمين أو المختارين بضوئها جازت الوصية، كما إذا أوصى بصرف شيء إلى أهل الذمة. انتهى.

هذا الذي نقله عن الشيخ قد صرح به جماعة كبيرة منهم البندنيجي في تعليقه وصاحب "العدة" و"الفوراني" في كتاب "الجزية" وقد نقل عنهم ابن الرفعة فليكن التقييد هو المعمول به.

قوله: ويجوز الوصية بعمارة قبور الأنبياء إلى آخره.

فيه كلام سبق في الوقف فراجعه.

قوله: وإذا أوصى لحمل فلانة أو لحملها الموجود فلابد لنفوذها العلم بوجوده عند الوصية بأن ينفصل لأقل من ستة أشهر فلو انفصل لستة أشهر فصاعدًا نظر إن كانت المرأة فراشًا لزوج أو سيد لم تستحق شيئًا إلى آخره.

فيه أمران:

أحدهما: أن الصواب في الستة أشهر أنها ملتحقة بما دونها لا بما فوقها كما ذكره الرافعي وتبعه عليه في "الروضة" لأنها أقصر مدة للحمل فإذا فرضنا ابتداؤها عند الوصية فيمتد إلى استكمالها وهو واضح، ولهذا قال الرافعي في "العدد" أن أقصى ما بين اليومين ستة أشهر.

الأمر الثاني: أن ما ذكره من بطلان الوصية إذا كان للمرأة زوج أو سيد يغشاها شر إمكان اللحوق به فلو كان بين أول فراشه والوضع دون أقل مدة

ص: 334

الحمل كان وجود فراشه لعدمه، وتعليلهم يدل عليه.

قوله: فرعان: أحدهما: لو قال أوصيت لنصفه الحر أو لنصفه الرقيق خاصة عن القفال بطلان الوصية قال: ولا يجوز أن يوصي بعض شخص كما لا يرث.

وقال غيره: يصح وينزل تقييد الموصي بمنزلة المهيأة فيكون للوصي به للسيد إن أوصى لبعضه الرقيق وله أن يوصي لبعضه الحر. انتهى.

والصحيح هو الوجه الثاني كذا صححه في الروضة من زياداته.

قوله: الثاني: تردد الإمام في ما إذا صرح بإدراج الأكساب النادرة في المهيأة أنها هل تدخل قطعًا أم تكون على الخلاف، وفي ما لو عمت الهبات والوصايا في قطرانها هل تدخل قطعًا أم يكون على الخلاف. انتهى.

قال في "الروضة": الراجح طرد الخلاف مطلقًا لكثرة التفاوت.

قوله: ولو أوصى لمكاتب وارثه، فإن عتق قبل موت الموصي نفذت الوصية وكذا لو عتق بعده بأداء النجوم وإن عجز ورق صارت وصية الوارث. انتهى كلامه.

وما ذكره من تنفيذ الوصية في ما إذا أعتق بعد الموت، قد تابعه عليه في "الروضة" والصواب بناؤه على خلاف سبق في الوصية لعبد الأجنبي، وقياس ذاك أنه إن قبل الوصية، ثم أدى، فالوصية للسيد الوارث، وإن أدى ثم قبل، فإن قلنا: إن الوصية تملك بالموت، أو قلنا: تملك بالقبول الملك من يوم الموت بالاستحقاق للسيد أيضًا وإن قلنا: تملك بالقبول، فللعبد.

قوله: ثم عتق المدبر والوصية له معتبر أن من الثلث، فإن وفي بأحد الأمرين من التدبير والوصية بأن كان المدبر يساوي مائة والوصية بمائة وله غيرهما مائة فوجهان: أحدهما وبه قطع الشيخ أبو علي يقدم رقبته فيعتق كله، ولا شيء له بالوصية وأصحهما عند البغوي يعتق نصفه والوصية عن بعضه حر وبعضه

ص: 335

رقيق للوارث. انتهى.

والأصح كما قاله في "الروضة" هو الأول.

قوله: الثالثة: إذا أوصى لدابة الغير وقصد تمليكها أو أطلق.

قال الأصحاب: الوصية باطلة وقد سبق في الوقف المطلق عليها وجهان في كونه وقفًا على مالكها فيشبه أن تكون الوصية على ذلك الخلاف، وقد يفرق بينهما بأن الوصية تمليك فينبغي أن يضاف إلى من تملك، والوقف ليس بتمليك محض، بل ليس بتمليك إذا قلنا أنه يزول الملك فيه إلى الله تعالى. انتهى.

فيه أمران:

أحدهما: أن ترجيحه هنا لآخر الخلاف مناقض لما ذكره في كتاب الوقف في الكلام علي الوقف على البهيمة فإنه استدل على البطلان بالوصية لها ولا يصح القياس إلا إذا كان المخالف.

الأمر الثاني: أن الذي قاله من كون الخلاف الوقف ليس بتمليك إذا قلنا بأنه لله تعالى ليس كذلك، بل هو تمليك بلا خلاف غير أنه تمليك للمنافع لا للرقبة، وقد صرح الرافعي بذلك في الكلام على الوقف على غير المعين، وفي الكلام على الصيغة في الوقف وقال في "الروضة" من "زوائده": الفرق واضح وكأنه استند للفرق المذكور، وقد علمت ضعفه.

قوله: "ففي كل كبد حراء أجر"(1).

أعلم أن حرى على وزن عطيتني، ومشتق من الحرة بكسر الحاء وهو العطش، يقول: منه رجل حران وامرأة حرى، لعطشان وعطشى، والجمع:

(1) ورد هذا مرفوعا فقد أخرجه ابن ماجه (3686)، وأحمد (17623)، والحاكم (6599)، والطبراني في الكبير (6598)، والحميدي (902)، والقضاعي في مسند الشهاب (112)(114)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (1031)، من حديث سراقة بن مالك رضي الله عنه.

قال الألباني: صحيح، قلت: وأصله في الصحيحين بلفظ: "رطبة" بدل: حراء.

ص: 336

الحرار كالعطاش، قاله الجوهري.

قوله: والثاني: إذا انتقلت الدابة من مالكها إلى عبده فقياس كون الوصية للدابة الاستمرار لها وقياس كونها للمالك اختصاصها بالمنتقل عنه، انتهى.

قال في "الروضة": فالقياس اختصاصها بالمنتقل إليه كما سبق في الوصية للعبد.

قوله: وتجوز الوصية للذمي بلا خلاف كما يجوز التصدق عليه، انتهى كلامه.

تابعه في "الروضة" على دعوى عدم الخلاف وليس كما قال، بل فيه وجه أنه لا تصح الوصية له، كذا رأيته في "الشافي" للجرجاني قبل باب حكم الوصايا في الثلث فقال: بعد تقريره أن الوصية لجهة المعصية لا تصح ما نصه بخلاف ما لو أوصى لذمي أو لحربي حيث صحت على أحد الوجهين لأنه مباح فصح كما تصح صدقة التطوع عليهم هذا لفظه، وقد حكى هذا الخلاف أيضًا ابن يونس صاحب "التعجيز" في شرحه "للتعجيز".

قوله: ولو أوصى لوارث أو لأجنبي ولكن بزيادة على الثلث فالوصية موقوفة علي إجازة الورثة، فإن أجازوا صح وإلا فلا.

هذا إذا قلنا إجازتهم تقييد لما فعله الميت وهو أصح القولين، فإن قلنا: إنها ابتداء عطية من الوارث فالوصية باطلة، فإن جعلناها تنفيذًا كفى لفظ الإجازة، وإن جعلناها عطية مبتدأة لم يكف اللفظ المذكور بل لابد من لفظ "التمليك" ونحوه كلفظ الإعتاق إن كان الموصى به إعتاقا، انتهى.

ويتجه أن يكون الخلاف المذكور في أنه صريح أم لا، وأما كونه كناية فلا شك في صلاحيته له.

قوله: والهبة في مرض الموت للوارث والوقف عليه وإبراؤه من دين كالوصية ففيها الخلاف السابق، انتهى.

ص: 337

ذكر رحمه الله في كتاب الجنايات في أوائل العفو عن القصاص كلاما مخالفا للمذكور هنا أو مقتضيًا لتخصيصه فراجعه، فإنه أذكر إن شاء الله تعالى.

قوله: ولو كانت الوصية بعبد معين وأجاز الوارث ثم قال: كنت أظن أن التركة كثيرة وأن العبد خارج من ثلثها فثبت خلافه أو ظهر دين لم أعلمه أو تبين لي أنه تلف بعضها، فإن قلنا: الإجازة ابتداء عطية صحت ثم قال: وإن جعلناها تنفيذًا وإمضاءً فقولان نقلهما صاحب "الشامل" وغيره، أحدهما الصحة للعلم بالعبد.

والثاني: أنه يحلف ولا يلزم إلا الثلث كما في الوصية بالمشاع وهذا ما أورده المتولي. انتهى.

ذكر في "الروضة" أيضًا مثله، والصحيح هو القول الأول أعني الصحة، كذا صححه النووي في "تصحيح التنبيه"، ونقله في "الكفاية" عن تصحيح البندنيجي والروياني.

قوله: ولو أوصى لوارثه بماله فالوصية باطلة ويأخذ التركة بالإرث، وقيل: تصح ويأخذها بالوصية.

قال في "التتمة": وفائدة الخلاف فيما إذا ظهر دين فإن قلنا: يأخذها إرثا، فله إمساكها وقضاء الدين من غيرها.

وإن قلنا: بالوصية، فلصاحب الدين أن يمتنع من أخذ غيرها، انتهى.

زاد في "الروضة" على هذا فقال: ومن فوائده لو حدثت من عين التركة زوائد إن قلنا: وصية، لم يملكها، وإن قلنا: إرث، ملكها على الصحيح.

هذا لفظه وفيه أمران:

أحدهما: أن دعوى ملك الزوائد على القول بالوصية لا يستقيم لأن الزيادة الحادثة، وإن لم يملكها الموصى له لكن يملكها الوارث والموصى له

ص: 338

هاهنا هو الوارث فيملكها علي كل حال غير أنه لا لكونه موصى له، بل لكونه وارثًا.

الثاني: أن حكاية الخلاف في كونه يملكها أم لا على القول بأنها إرث لا تصح أيضًا إذ لا خلاف في أن الوارث يملك وإذا وضح هذا الإشكال على الفائدة الثانية، وصح أيضًا على الفائدة الأولى، لأنا وإن قلنا: أخذ على سبيل الوصية، لكن الدين يمنع من تمليك الموصى له، وحينئذ فتكون على ملك الورثة ويلزم منه أن يجوز له إمساكه وقضاء الدين من غيره كما قلناه.

قوله: ولو وقف دارًا في مرض موته على ابنه الحائز لميراثه، وكانت الدار تخرج من الثلث.

وقلنا: بالصحيح، أن الوصية للوارث تصح إذا حصلت الإجازة فليس للوارث إبطال الوقف في شيء منهما؛ لأن المريض إذا تمكن من قطع حق الوارث عن الثلث بالكلية فتمكنه من وقفه عليه أولى.

وقال القفال: له رد الوقف في الجميع، والمشهور الأول ثم ذكر الإمام أن صورة المسألة في ما إذا نجز الوقف في مرضه، وكان الابن طفلا فقبله له ثم مات فأراد الابن الرد أو الإجازة، ولكن لا حاجة إلى هذا التصوير؛ لأنه وإن كان بالغًا فقبل لنفسه لم يمتنع عليه الرد بعد الموت، فإن الإجارة المعتبرة هي الواقعة بعد الموت، انتهى كلامه.

وما ذكره في آخر كلامه من الرد على الإمام قد تابعه عليه النووي في "الروضة" وابن الرفعة في "الكفاية" وهو ذهول عجيب فإن الصحيح على ما قاله الإمام في كتاب الوقف وتبعه أيضًا عليه هناك الرافعي والنووي اشتراط القبول في الوقف على معين، فلا جزم احتاج الإمام في تصوير المسألة لما ذكره لأن القبول لابد منه لاسيما وهو على الفور عند من شرطه، وإن كان حكمه حكم الوصية في حسبانه من الثلث كما لو وهب في مرضه شيئًا

ص: 339

لأجنبي فلابد من القبول على الفور، وإن كان حكمه كالوصية وكيف يمكن أن يجبره في حياته على تمليك بأجر ولأنه إذا لم يقع قبول بالكلية لم يحصل الوقف والكلام في أنه هل يملك إبطاله أم لا؟ نعم إن قلنا لا يحتاج الوقف إلى القبول فله الرد في غير صورة المسألة وإما فيها ففيه نظر.

قوله: ولو كان له ابن وبنت فوقف دارًا عليهما نصفين والثالث يحتملهما، فإن رضي الابن فهي كما وقف وإلا فظاهر كلام ابن الحداد أن له رد الوقف في ربع الدار وقال الشيخ أبو علي: عندي أنه ليس للابن إبطال الوقف إلا في سدس الدار. انتهى ملخصًا.

قال في "الروضة": قول أبي علي هو الأصح أو الصحيح أو الصواب.

قوله: ويصح برقبة المكاتب إن جوزنا بيعه وإلا فقد قال في "التتمة" هو كما لو أوصى بمال الغير، وإذا أوصى بمال الغير فقال: أوصيت بهذا العبد وهو ملك لغيره أو لهذا العبد إن ملكته فوجهان: أحدها أنها صحيحة لأن الوصية بغير الموجود جائزة فبغير المملوك أولى.

والثاني: المنع لأن مالكه يتمكن من الوصية به والشيء الواحد لا يجوز أن يكون محلًا لتصرف شخصين، وبهذا أجاب صاحب "الكتاب" في "الوسيط"، انتهى كلامه.

واعلم أن المفتى به في هاتين المسألتين مختلف وإن كان كلام الرافعي هذا يوهم اتحادهما في الحكم فأما الأولى فهي ما إذا لم يأت بصيغة الشرط، بل اقتصر على قوله: أوصيت بهذا العبد، فإن الوصية باطلة كما جزم به الرافعي في كتاب الكتابة في الحكم الثالث من النظر الثاني، غير أن النووي قد أسقطه من "الروضة"، وإذا تقرر فيه البطلان كان الحكم كذلك أيضًا في المكاتب لأن الرافعي قد نقل هنا عن "التتمة" أنه مثله وأقره عليه، وقد صرح به الرافعي أيضًا أي البطلان في المكاتب بخصوصه في كتاب الكتابة في

ص: 340

الموضع المذكور ولم يحك فيه خلافًا وتبعه عليه في "الروضة" وقد نص الشافعي رحمه الله في "الأم" عليهما، وصرح بالبطلان فيهما فقال في باب الكتابة في أول باب الوصية بالمكاتب ما نصه: قال الشافعي: وإذا أوصى الرجل بمكاتبه لرجل لم تجز الوصية لأنه لا يملك أن يخرجه عن ملكه إلى ملك غيره بحال ما كان على الكتابة.

قال: ولو عجز المكاتب بعد موته أو قبله لم تكن الوصية جائزة لأنه أوصى له به وهو لا يملك إخراجه إلى ملك الموصى له به، كما لو قال متى ماتت لفلان -لعبد ليس له- لفلان فلم يمت حتى ملكه لم يكن له حتى يحدث له بعد ملكه، وعجز المكاتب وصية به، هذا لفظ الشافعي بحروفه ومن "الأم" نقلته.

وأما المسألة الثانية وهي ما إذا قال: أوصيت بهذا العبد إن ملكته، فإنها تصح كما ذكره الرافعي في الموضع المذكور من كتاب الكتابة أيضًا، وأجاب أيضًا بمثله في الوصية بالمكاتب، ولنذكر لك عبارة الرافعي لتقف عليها، فتقول: قال ما نصه: أما الوصية بالمكاتب فهي جائزة على القول القديم الذي يجوز فيه البيع، وعلى الجديد باطلة لأنه ممنوع من التصرف في منفعته ورقبته فأشبه ما إذا أوصى بعبد الغير، فإن قال: فإن عجز مكاتبي فقد أوصيت به فالأصح الصحة كما لو قال: إن ملكت عبد فلان فقد أوصيت به، والإمام طرد الخلاف في هذه الصورة وجعلها أولى بالبطلان هذا كلامه، وفيه مخالفة للمذكور في الوصية من وجوه:

أحدها: وهو الصواب فكيف يكون في الوصية بمال الغير خلاف مع أنه لا يجوز بيعه ويجزم ببطلان الوصية بالمكاتب، إذا قلنا: لا يجوز بيعه، مع أن المكاتب إذا قلنا: لا يجوز بيعه لا يزيد حالة على ملك الغير بل هو أولى بالصحة لأنه ملكه.

ص: 341

ثانيها: أن كلامه في الكتابة يقتضي الاتفاق على بطلان الوصية بمال الغير، فإنه جزم به وجعله تعليلًا لبطلان الوصية بالمكاتب وسوى بينهما في باب الوصية، وحينئذ فكيف يصح تعليل أحدهما بالآخر.

ثالثها: أنه في الكتابة فرق بين الوصية بعبد الغير وبين قوله إن ملكت عبد فلان فقد أوصيت به، فقطع في الأول بالبطلان ورجح في الثاني الصحة، لأنه قاس الأصح على الأول، وفي كتاب الوصية جعلها على حد واحد.

واعلم أن النووي رجح في المسألتين الصحة فقال هنا من "زياداته" قلت: الأول يعني الصحة أفقه وأجرى على قواعد الباب، والله أعلم وما ذكره من الترجيح حامل لمن لا اطلاع له على العمل به، وقد علمت أنه مخالف في الأول لنص الشافعي ومخالف لما جزم به الرافعي وكذلك لما جزم به هو في نظير المسألة وهو المكاتب وكأنه لما لم يجد هنا تصحيحًا ظن أن لا تصحيح فيها فقال ما قال.

قوله: وإن كان له كلاب ففي كيفية اعتبار الثلث وجوه: أحدها: أنه ينظر إلى قيمتها بتقدير المالية، إلى آخره.

هذه المسألة قد وقع فيها اضطراب شديد سبق ذكره واضحًا في كتاب البيع في الكلام على تفريق الصفقة فلتطالع منه.

قوله: في "الروضة": أما إذا كان له مال وكلاب فأوصى بكل الكلاب أو ببعضها فثلاثة أوجه:

أصحها نفوذ الوصية فيها وإن كثرت وقل المال، لأن المعتبر أن يبقى للورثة ضعف الموصى به، والمال وإن قَلّ خير من ضعف الكلاب إذ لا قيمة لها، وبهذا قال آباء أبو علي بن أبي هريرة والطبري، والشيخ. انتهى.

وتعبيره بقوله: "آباء" هو بالمد على أنه جمع أب جمع تكسير ووزنه

ص: 342

أفعال، ولكن سهلت الهمزة والثلاثة المذكور بعده مرفوعة على البدل وهم أبو علي بن أبي هريرة وأبو علي الطبري والشيخ أبو علي السنجي.

قوله: ولو أوصى بثلث ماله لرجل وبالكلاب لآخر وفرعنا على الصحيح في المسألة السابقة فقال القاضي أبو الطيب: تنفذ الوصية بجميع الكلاب لأن ثلثي المال الذي يبقى للورثة خير من ضعف الكلاب، واستبعده ابن الصباغ لأن ما يأخذه الورثة من الثلثين هو حصتهم نسبًا نفذت فيه الوصية وهو الثلث فلا يجوز أن يحسب عليهم مرة أخرى في وصية الكلاب فعلى هذا يعتبر ثلث الكلاب وحدها انتهى.

قال في "الروضة": من زيادته قول ابن الصباغ أصح.

قوله: في أصل "الروضة" والأحسن أن ينقص من الثلث شيئًا، وقيل إن كان ورثته أغنياء استوفى الثلث وإلا فيستحب النقص منه، انتهى كلامه.

وما صححه هاهنا من استحباب النقص عن الثلث مطلقًا قد خالفه في شرح مسلم فإنه جزم في مواضع منه باستحباب الثلث إذا كانت الورثة أغنياء، ونقله عن الأصحاب فقال: قال أصحابنا: كذا وكذا.

قوله: فما بالإنسان من مرض أو علة إما أن ينتهي به إلى حال يقطع فيها بموته منه عاجلًا وذلك بأن يشخص بصره عند النزع وتبلغ الروح الحنجرة أو يقطع حلقومه ومريئه أو ينشق بطنه ويخرج حشوته.

قال الشيخ أبو حامد: ويقر في المياه وبعمره وهو لا يحسن السباحة فلا اعتبار بكلامه ووصيته وغيرها لأنه صار في خبر الأموات وحركته حركة المذبوح، وإما أن لا ينتهي إليها فإما أن يخاف منه الموت عاجلًا وهو الخوف، أو لا فحكمه حكم الأصحاء. انتهى.

وما ذكره هاهنا من أن المريض بغير جناية قد يقطع بموته وأنه إذا صار إلى حركة المذبوحين كان كالميت، قد ذكر في أوائل الجنايات في الطرف

ص: 343

الرابع المعقود لاجتماع مباشر بين ما يناقضه أو يخصصه وكذلك ذكر في مواضع أخرى، وسوف أذكر ذلك في الجنايات إن شاء الله تعالى فراجعه.

قوله: ومنها مرض السل.

هو بفتح السين.

قوله: وفي حمى الغب وهي التي تأتي يومًا وتقلع يومًا وجهان قال قائلون: هذ مخوفة، وبهذا أجاب في "التهذيب" وقال آخرون: لا، وبه أجاب في "الشامل". انتهى كلامه.

فيه أمران:

أحدهما: أن الصحيح أنها مخوفة كذا جزم به الرافعي في "المحرر" وصححه في "الروضة" من "زياداته"، ولم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا.

الأمر الثاني: أن ما قاله من حصر حمى الغب في التي تأتي يومًا وتقلع يومًا وليس كذلك بل الغب عند الأطباء يطلق على الملازمة أيضًا، فإنهم قالوا: إن الحمى سببها بعض الأخلاط، فإن كانت العفونة داخل العروق فهي الغب اللازمة، وإن كانت خارج العروق فهي الصفراء الغب الدائرة، وهذه هي التي ذكرها في "الكتاب" فاعلم ذلك، وكلام يقتضي حصر العام في أحد نوعيه ويقتضي أيضًا أن الغب تسمية للازمة، وليس كذلك بل هي قسم من أقسامها والغب بكسر الغين المعجمة، وقد ذكر أيضًا هنا حمى الورد وهو بكسر الواو والربع بكسر الراء أيضًا وإسكان الباء.

قوله: الرابعة: قدم لينفذ قصاصًا ولم يخرج بعد فهو مخوف في أظهر القولين. انتهى.

ذكر مثله في "الروضة" وهو كلام موهم غير الصواب، وقد ذكر في كتاب الوديعة في السبب الثالث من الأسباب المقتضية كلامًا فيه شرح لهذا

ص: 344

وإرشاد إلى الصواب.

فقال: فإذا مرض المودع عنده مرضًا مخوفًا أو حبس ليقيد لزمه أن يوصي بالوديعة، هذا كلامه.

فجعل الحبس له كالمرض المخوف وحينئذ فلا يكون المراد هنا بقوله قدم هو الإخراج لذلك، بل تعيينه للقتل وحينئذ فقوله: ولم يخرج يحتمل أن يكون بالخاء المعجمة قبل الراء وهو الظاهر وأن يكون بالجيم.

قوله: وإذا وقع الطاعون في البلد فهل هو مخوف في حق من لم يصبه؟ فيه وجهان جاريان في ما لو فشى فيه الوباء.

قال في "التهذيب": أصحهما: أنه مخوف. انتهى.

مقتضاه أن الوباء ليس من الطاعون هو الموت من الوباء، هذا لفظه، من غير زيادة عليه، ولم يذكر في الكلام على وباء ما يخالفه فإن قال: الوباء يمد ويقصر مرض عام انتهى.

وقال ابن الأثير في "غريب الحديث": الطاعون المرض العام، والوباء الذي يفسد له الهواء فتفسد منه الأمزجة، انتهى.

فجعل الوباء قسمًا من الطاعون، وقد عبر في "الروضة" بقوله: إذا وقع الطاعون في البلد وفشا الوباء وهو يقتضي أن الوباء هو الموت، وأن الطاعون سبب له، واعلم أن الأصح هو ما نقله عن "التهذيب"، فقد صححه الرافعي في "الشرح الصغير" وعبر أيضًا بالأصح، وكذلك أيضًا النووي في أصل "الروضة".

قوله: وأما العلقة والمضغة فلا خوف فيها، قاله الشيخ أبو علي وابن الصباغ، وقال المتولي: هو كالولادة. انتهى.

قال في "الروضة": الأصح أو الصحيح أنه لا خوف فيهما.

قال: كذا نقله القاضي أبو الطيب في تعليقه عن الأصحاب، وقال:

ص: 345

لأنه أسهل خروجًا من الولد.

قوله: ويشترط في المرجوع إليه من الأطباء الإسلام والبلوغ والعدالة والحرية والعدد وقد ذكرنا وجهًا في جواز العدول من الوضوء إلى التيمم بقول المراهق والفاسق، ووجها أنه لا يشترط العدد.

وعن أبي سليمان الخطابي وجه لم يذكره هناك أنه يجوز العدول بقول طبيب كافر، كما يجوز شرب الدواء من يده ولا يدري أنه داء أو دواء ولا يبعد أن تطرد هذه الوجوه هنا، وقد قال الإمام هنا: الذي أراه أن لا تلحق بالشهادات من كل وجه بل تلحق بالتقويم وتعديل هي الأنصباء في القسمة حتى تختلف الرأي في اشتراط العدد، انتهى.

قال في "الروضة": المذهب الجزم باشتراط العدد وغيره مما ذكرناه أولًا لأنه يتعلق بهذا حقوق آدميين من الورثة والموصى لهم فاشترط شروط الشهادة كغيرها من الشهادات.

قال: بخلاف التيمم فإنه حق لله تعالى مبني على المسامحة مع أنه ينتقل إلى بدل وليس كالتقويم الذي هو تخمين حتى يمكن تدارك خطأ إن وقع فيه في بيان التبرع المحسوب من الثلث، وهو إزالة الملك عن مال مجانًا، اعترض عليه في "الروضة" فقال: ينبغي أن يضم إليه ما يتناول التبرع بالكلب وسائر النجاسات، وبالمنفعة التي تصح الوصية بها، فيقال: إزالة الاختصاص عن مال ونحوه والذي أورده أعني النووي صحيح لكنه يقتضي أن الغرض ليس بتبرع لثبوت العوض، وقد صرح به الرافعي في أوائل كتاب الضمان من الشرحين في الركن الثالث منه، وخالف فيه النووي هناك، وقال: إنه تبرع وعلى هذا فلا يصير الضابط أيضًا جامعًا، وقد أورد الرافعي أيضًا عليه البيع بثمن مؤجل فإنه تبرع، وإن كان بعوض وهو نظير إيراد القرض، وكذلك أورد عليه الإعارة فإنها تبرع ليس فيها إزالة ملك ولم

ص: 346

يتعرض في "الروضة" لإيرادها عليها، كما أورد غيرها وكأنه أخبر بعدم ذكر الملك وحذف مجانًا، وهذا إن نفعه من هذا الوجه لكنه يرد عليه ما إذا باع بثمن المثل حالًا أو أوصى ببيعه من معين بثمن المثل حالًا أو أوصى ببيعه من معين بثمن حال، فإنه ليس يتبرع مع أن الجد الذي اختاره صادق عليه.

قوله: فروع: باع بالمحاباة بشرط الخيار ثم مرض في زمان الخيار، وأجاز العقد إن قلنا: الملك في زمن الخيار فقدر المحاباة من الثلث، وإلا فلا لأنه ليس بتفويت وإنما هو امتناع من الاكتتاب والاستدراك فصار كما إذا أفلس المشتري والمبيع قائم عنده، ثم مرض البائع فلم يفسخ، أو قدر على فسخ النكاح لعيب فيها، فلم يفعل حتى ماتت واستقر المهر، فإنه لا يعتبر من الثلث. انتهى كلامه.

فيه أمران:

أحدهما: أن الشافعي رضي الله عنه نص على أن من اعتقد بشرط الخيار ثم مرض مرضًا مخوفًا، وأجاز أو فسخ على خلاف العطية أن ذلك يعتبر من الثلث فاختلف الأصحاب فيه على ثلاثة طرق:

أحدها: الأخذ بما نص عليه.

والثاني: تجويز كل منهما، سواء وقع على وفق الغبطة أو خلافها تخريجًا مما نص عليه الشافعي وصححه أصحابه أنهما جائزان للمفلس كما سبق ذكره في بابه من هذا الكتاب وهذان الطريقان ذكرهما الرافعي في كتاب الفلس، وحذفهما النووي من "الروضة" هناك ظنا أن الرافعي ذكرهما في بابهما.

واعلم أن الفرق بين المريض والمفلس مشكل والقياس أن ما كان تفويتًا هناك كان تبرعًا وبالعكس، وقد فرق الرافعي هناك بين المسألتين بأن حجر المريض أقوى، واستند في الفرق إلى حكم ليس بصحيح، وقد نبهت عليه هناك فطالعه.

ص: 347

الأمر الثاني: أن البائع المذكور له في مرضه ثلاثة أحوال:

أحدها: الإجازة.

والثاني: النسخ.

والثالث: أن لا يتعاطى واحدًا منهما بل يصير إلي انقضاء الخيار ولزوم العقد فأما الإجازة والفسخ فقد ذكرهما المصنف وأما ترك الأمرين فلم يتعرض له ولا يمكن أخذ حكمه مما قاله في الإجازة، لأن المخبر صدر منه قول مخرج الملك فراعينا فيه الغبطة بخلاف المعرض فإنه إنما صدر منه ترك التحصيل، وتركه عند إمكانه لا يحتسب عليه إجماعًا، فظهر أن المتجه عدم إلحاقه به لما قلناه، ولهذا عبروا بالإجازة والفسخ، ولم يعبروا بالفسخ وعدمه فإن عدم الفسخ شامل للإجازة والترك.

قوله: وكذا لو اشترى محاباة ثم مرض ووجد بالمبيع عينا ولم يرد مع الإمكان، لا يعتبر قدر المحاباة من الثلث، ولو وجد العيب وتعذر الرد بسبب وأعرض عن الأرش اعتبر قدر الأرش من الثلث. انتهى كلامه.

ومراده هنا من صدرت منه المحاباة إنما هو المشتري.

إذا علمت ذلك فاعلم أنه ليس في كلامه تصريح بأن أرش العيب في المسألة الأولى وهي ما إذا لم يرد مع الإمكان هل يعتبر من الثلث أو لا يعتبر أيضًا؟ لقدر المحاباة بل كلامه كالمتعارض، لأن تقييده بقدر المحابة يوهم اعتباره، وتنصيصه بعد ذلك على الحسبان في ما إذا أعرض عنه بعد امتناع الرد يوهم خلافه، وإلا لم يكن لذكره فائدة وقد صرح صاحب التتمة وغيره بأنه لا يعتبر من الثلث لكن صرح المصنف في موضعين من هذا الكتاب باعتباره أحدهما بعد هذا الموضع بكراريس في الباب الثاني المفقود للمسائل الدورية بعد نحو ستة أوراق منه في أثناء كلام أوله الثالث اشترى المريض عبدًا بعشرة، وترجم له في "الروضة" بقوله: فرع، والموضع الثاني في كتاب

ص: 348

التفليس في الكلام على تصرفات المفلس، ونقله هناك عن نص الشافعي، فإن قيل: المريض مالك للمعيب، ومع هذا قلتم: إنه إذا لم يرد يحسب عليه التفاوت من الثلث وقد تقدم في المسألة السابقة أنه إذا مرض في زمن الخيار، وكانت الغبطة تقتضي الرد فلم يرد أنه لا يحسب عليه ذلك فاعتبرنا قدرته على زوال الملك في العيب دون الخيار.

قلنا: فرق الإمام بينهما في كتاب الفلس بفرق فيه نظر، وهذه العبارة الموهمة التي عبر بها الرافعي في هذه المسألة، تبعه على التعبير بها النووي في "الروضة" وابن الرفعة في "الكفاية".

قوله: وإذا اجتمع في التبرعات المتعلقة بالموت عتق وغيره فهل يقدم العتق لقوته أم يستوي؟ قولان: أظهرهما التسوية، هذا في وصايا التمليك مع العتق، أما إذا أوصى للفقراء بشيء وبعتق عبد فقال البغوي: هما سواء لاشتراكهما في القربة، وقطع الشيخ أبو علي بطرد القولين لوجود القوة والسراية. انتهى.

قال في "الروضة": الأصح: هو قول أبو علي.

قوله: ولو قال لجاريته الحامل: إن أعتقت نصف حملك فزنت حرة، فأعتق نصف حملها في مرض موته فقضية عتق ذلك النصف سرايته إلى النصف الآخر وعتق الأم بسبب التعليق فإن خرجا من الثلث عتقا جميعًا، وإن لم يخرج من الثلث مع النصف المعتق إلا الأم، أو النصف الآخر كما إذا كان جميع ماله ثلاثمائة والأم منها خمسون، والولد مائة فيقرع بين الأم والنصف الآخر، فإن خرجت على الآخر عتق جميع الولد والأم رقيقة، وإن خرجت على الأم لم يعتق كلها لأن الحمل في حكم حرمتها يتبع عتقه عتقها فتوزع قيمة الثلث على الأم وهو خمسون وعلى النصف الباقي بالتسوية فيعتق خمسون وعلى النصف الباقي نصف فيكون ثلاثة أرباعه حرًا. انتهى كلامه.

ص: 349

وما ذكره من التسوية يبن السراية إلى باقي الولد وعتق الأم بالتعليق حتى يقرع بينهما ولم تقدم السراية، قد ذكر في كتاب المعتق في الكلام على عتق الشريك ما يشكل عليه فقال: إذا قال أحد الشريكين للآخر: إذا أعتقت نصيبك فنصيبي حر، فأعتق المقول له نصفه سرى عليه على الصحيح لأنه اجتمع على النصف الآخر سراية وتعليق، والسراية أقوى لكنها قهرية، تابعه لعتق نصيبه لا مدفع لها وموجب التعليق قابل للدفع. انتهى ملخصًا.

واستشكل في "البسيط" عدم عتق كل الأم إذا خرجت القرعة عليها.

فقال: فإن قيل: إذا لم يبعد أن يبقى بعض كل منهما رقيقًا، واتصال الولد بأمه لا يزيد على اتصالها بنفسه فلم يستحيل عتق كلها خاصة.

قلنا: ما نقل عن ابن شريح ما ذكرناه وكأنه يقدر الولد في حكم عضو لا يقبل الانفصال عن الأم بخلاف البعض، وعلى الجملة فليست المسألة خالية عن الإشكال، هذا كلامه.

قوله: المسألة الثانية إذا أوصى بعبد أو ثوب من ثلث ماله، وباقي ماله غائب، لم يدفع كله إلى الموصى له، ولا يسلط على التصرف فيه ما لم يحضر من المال الغائب ما يخرج الموصى به من ثلثه لاحتمال تلفه. . . . إلى آخر ما قال.

ثم قال: لكنهم لو تصرفوا يعني الورثة في ثلثي الحاضر، قال السرخسي في "الأمالي": إن هلاك المال الغائب بعين نفوذ تصرفهم ولك أن تقول وجب أن يخرج ذلك على وقف العقود. انتهى كلامه.

اعترض عليه في "الروضة" فقال ما نصه: قلت بل ينبغي تخريجه على القولين في من باع مال أبيه ظانًا حياته فبان ميتًا، والله أعلم، هذا لفظه، وهذا الاعتراض غلط مشعر بعدم استحضاره لاصطلاحهم فإنه يقتضي أن القولين المذكورين في بيع مال الأب لا يسميان بقولي وقف العقود وليس

ص: 350

كذلك بل يسميان عند الأصحاب به، وقد صرح به هو -أعني: النووي- بذلك في الشرط الثالث من شروط المبيع.

قوله في الركن الرابع: إلا أن يقول هو له من مالي أو يقول: عندي هذا لفلان، فيصح كناية عن الوصية. انتهى.

ذكر مثله في "الشرح الصغير" و"المحرر"، وكذلك النووي في "الروضة" لكن كلامه في "المنهاج" يقتضي أن الصيغتين من جملة الصرائح، فإنه عدهما معا ثم ذكر بعد ذلك أنه ينعقد بالكناية، وكلام الشافعي في "الأم" يعضده، فإنه قال في كتاب الكتابة في باب الوصية بالمكاتب ما نصه: لو قال رجل: ما لي على مكاتبي لفلان، فإن عجز فهو له أو هو لفلان كانت الوصية جائزة على ما أوصى به كما كان على الكتابة وكتابته تعني للذي أوصى له بها، فإذا عجز فهو للذي أوصى له برقبته كان الموصى له أو غيره، هذا لفظه بحروفه.

قوله: وتصح الوصية بالكتابة مع النية بلا خلاف ولا تنفذ الوصية بمجرد خطه عند الجمهور، ثم قال: واعلم أن انعقاد الوصية بالخط ليس ببعيد؛ لأن الخط لكتابات الألفاظ وقد سبق في البيع ذكر الخلاف في انعقاد البيع ونحوه بالكتابات، وذكرنا الآن أن الوصية أشد قبولا للكتابات، فإذا كتب وقال: نويت الوصية لفلان، أو اعترف ورثته به بعد موته وجب أن يصح. انتهى كلامه.

ذكر مثله في "الروضة" وهو عجيب فقد سبق قريبًا أن الخلاف في الانعقاد بالكناية مع النية لا يأتي هنا لاستقلال الموصى بعقدها بخلاف البيع وسبق أيضًا أن الخلاف هاهنا إنما هو مجرد الكناية، وحينئذ فلا يأتي شيء من هذا البحث.

قوله: الثالثة: أن يقع الرد بعد القبول وقبل القبض ففيه وجهان:

ص: 351

أحدهما: صحة الرد لأنه تمليك من آدمى بغير عوض فيصح رده قبل القبض كالوقف، ويحكي هذا عن ظاهر نصه في "الأم"، وأظهرهما: المنع لأن الملك حاصل قبل القبض فلا يرتفع بالرد كما في البيع. انتهى كلامه.

ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا وفيه أمور:

أحدها: أن النووي في "الروضة" قد وافق الرافعي على تصحيح امتناع الرد وخالف في "تصحيح التنبيه" فصحح الجواز.

الثاني: أن المسألة قد صرح بها الشافعي في "الأم" وصرح ببطلان الرد على خلاف ما ذكره الرافعي من الحكاية عن ظاهر نصه فيها.

فقال في "الأم" في باب من يقع عليه الطلاق من النساء ما نصه: وتمام الميراث أن يموت الموروث قبضه الوارث أو لم يقبضه قبله أو لم يقبله لأنه ليس له رده، وتمام الهبة والصدقة أن يقبلها الموهوب أو المصدق عليه ويقبضها، وتمام الوصية أن يقبلها الموصى له وإن لم يقبضها، وتمام البيع أن لا يكون فيه شرط رد حتى يتفرقا عن مقامهما الذي تبايعا فيه، هذا لفظه بحروفه، وحينئذ فتكون الفتوى على ما في "الروضة".

الأمر الثالث: أن ما ذكره الرافعي من القياس على الوقف قد ذكره أيضًا في "الشرح الصغير" وكذلك النووي في "الروضة" ومقتضاه أنه يجوز للموقوف عليه رد الوقف بغير قبوله وهو باطل، وقد ذكر الرافعي، وكذلك النووي من "زياداته" في كتاب الوقف ما يوضح بطلانه، وقد تتبعت الأصول التي يستمد الرافعي منها قرائنه، قد استند في ذلك إلى صاحب "التتمة"، فإنه قد ذكر هذا الكلام على الصواب، وإنما حكاه الرافعي على غير وجه، فإنه قال فيها ما نصه: فأما إن أراد الرد بعد القبول فظاهر ما نص عليه في "الأم" أنه يصح رده وتوجيهه أن الغانمين ملكوا الغنائم بالاستيلاء، ثم لو تركوا حقهم سقط أي أهل الخمس والموقوف عليه ملك منافع الموقوف

ص: 352

قبل أن يقبل ولو رد جاز وتصرف إلى الفقراء.

هذا لفظ المتولي بحروفه وقياسه على الوقف قبل القبول صحيح على قاعدته، فإنه لا يشترطه أعني القبول، وأما الرافعي فإنه لما لم يكن يرى حصول الملك إلا بعد القبول عبر به في القياس ذاهلًا مما يلزم منه فوقع في المحذور.

قوله: ومتى تملك الموصى له الوصية فيه ثلاثة أقوال: ثم قال: ولو أوصى بإعتاق عبد معين بعد موته فالملك في العبد إلى أن يعتق للوارث ولا يجعل على الخلاف وفرقوا بأن الوصية تمليك للموصى له فيبعد الحكم بالملك لغير من أوجب له الملك، والعتق ليس بتمليك، ويتفرع على الأقوال مسائل إحداها كسب العبد وثمرة الشجرة. . . . إلى آخره.

أعلم أن النووي في "الروضة" عبر بقوله والملك في العبد إلى أن يعتق للوارث بلا خلاف كما يفهمه كلام الرافعي، ومقتضاه أن يكون الكسب أيضًا له بلا خلاف، وليس كذلك فاعلمه فقد حكى الروياني في "البحر" في باب الإقراع بين العبيد طريقين:

إحداهما: أن فيه قولين كما في العبد الموصى به.

والثانية: أنه للعبد قولًا واحدًا، قال: وهو الصحيح، والفرق أن العبد استحق العتق استحقاقا مستقرًا لا يسقط بوجه من الوجوه، وليس كذلك الموصى له.

قوله: وإن قبل في مرض الموت تمليك قريبه فإرثه مبني على أن عتقه إذا حصل الملك فيه لا بعوض بل بإرث أو هبة أو قبول وصية يعتبر من الثلث أو من رأس المال؟ وفيه وجهان مذكوران في باب العتق إن اعتبرناه من الثلث لم يرثه، وإلا ورثه، قال في "التهذيب": وهو الأصح انتهى كلامه.

ذكر مثله في "الشرح الصغير" في باب العتق أن عتقه محسوب من رأس

ص: 353

المال، وعبر بالأصح وقال في "الشرح الكبير" هناك أن الأولى بالترجيح أن المملوك بالإرث يحسب عتقه من رأس المال، ولم يرجح شيئًا في المملوك بالهبة والوصية، واختلف كلام النووي أيضًا فصحح في هذا الباب حسبانه من رأس المال، ولم ينقله عن البغوي كما نقله الرافعي وصحح في "المنهاج" هناك حسبانه من الثلث، وذكر في "الروضة" أعني في العتق نحو ما ذكره الرافعي.

قوله: الرابع أوصى بعبد لشخصين أحدهما قريبه الذي يعتق عليه، فإن قبل الأجنبي أو لا يملك نصيبه ونصيب القريب، موقوف إلى أن يقبل أو يرد، فإن أعتق الأجنبي نصيبه قبل قبول القريب، ثم قبل فإن قلنا يملك بالقبول قوم نصيبه على الأجنبي، وكان كما لو أعتق الشريك نصيبه وهو موسر، ثم أعتق الثاني نصيبه، وإن قلنا يملك بالموت تبينا أن عتق الأجنبي غير نافذ، وأنه عتق جميعها على الوارث، وعليه نصف القيمة للأجنبي. انتهى كلامه.

وتعبيره في آخر كلامه بقوله على الوارث وقع أيضًا في "الروضة" وهو خطأ وصوابه القريب.

ص: 354