الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب الإجارة
وفيه ثلاثة أبواب:
الباب الأول: في أركانها
قوله: وذكر الشاشي في "الشامل" أنه يقال: أجارة بالضم أيضًا.
ويقال: استأجرت دار فلان وأجرني داره ومملوكه يؤجرهما إيجارًا فهو مؤجر وذاك مؤجر، ولا يقال: مؤاجر ولا آجر.
أما المؤاجر فهو من قولك أجر الأجير مؤاجرة، كما يقال: ضارعه وعامله، وآجر هذا فاعل وأجر داره، أفعل لا فاعل فلا يجئ فيه بفاعل، وأما الأجر فهو فاعل.
كقولك: أجره بأجرة وبأجرة أجره إذا أعطاه أجرًا وقولك: أجره بأجرة إذا صار أجيرًا، انتهى كلامه وهو يحتاج إلي إيضاح.
فأما قوله: ولا يقال مؤاجر ولا أجر فهو بكسر الجيم، فيهما يعني أنه لا يقال في اسم الفاعل من أجرني داره ومملوكه إلا مؤجر كما ذكرناه.
ولا يقال مؤاجر ولا آجر، ثم استدل عليه بما ذكره، وإذا لم يصح في اسم الفاعل مؤاجر بكسر الجيم لا يصح في العبد ونحوه.
مؤاجر أيضًا بفتحها فكذلك يجوز قراءتها في كلام الرافعي بالمعنيين، وما ذكره من نفي مؤاجر ليس كذلك، بل قد ثبت عن العرب.
كذا نقله الواحدي، ونقله عنه النووي في "لغات التنبيه".
فقال: قال الواحدة: قال المبرد: يقال أجرت داري ومملوكي، غير ممدود وآجرت ممدود.
قال المبرد: والأول أكثر.
وقال الأخفش: ومن العرب من يقول: أجرت غلامي أجرًا، فهو مأجور وأجرته إيجارًا فهو مؤجر وآجرته علي فاعلته فهو مؤاجر هذا كلامه.
وأما قوله: وأجر هذا فاعل فهو بفتح الجيم وهو مبتدأ وهذه صفة له، وفاعل مفتوح العين وهو خير له يعني أنه لما تقرر أن مؤاجر لا يكون إلا لفاعل المفتوح العين صح ذلك في قولنا: أجر الأجير، لأن وزن آجر منه فاعل، ولم يصح في أجر داره وزن أجر منه أفعل.
وأما قوله: وأما الآجر. . إلى آخره، فهو بيان لامتناع اللفظة الثانية فذكر ما حاصله أن آجر أي مكسور الجيم اسم فاعل لأجر إما بمعنى إعطاء الأجر أو بمعنى صار أجيرًا لأن وزنه فيهما فعل كما تقدم، واسم الفاعل من فعل فاعل وأما أجر من قولك أجر داره فوزنه أفعل، وقياس أفعل مفعل.
قوله: وأصل هذا العقد من "الكتاب" قوله تعالى {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6].
وقضية موسى وشعيب عليهما السلام: انتهى كلامه.
فأما الآية الأولى فإنما تدل على أنه إذا وقع الإرضاع وجبت الأجرة، وليس فيها تعرض إلى صحة العقد وجواز تعاطيه.
ألا ترى أن المسجد تجب أجرته على من أشغله بأمتعته ولا تصح إجارته.
وأما الآية الثانية: فاستدلاله بها يدل على اختياره أن شرع من قبلنا شرع لنا، والمسألة فيها قولان:
أصحهما: وهو مقتضى كلام عامة الأصحاب أنه ليس بشرع، كذا ذكره في "كتاب الأطعمة"، وتابعه عليه في "الروضة".
قوله: فعن أبي إسحاق وغيره أن المعقود عليه العين لتستوفي منها المنفعة لأن المنافع معدومة وقال المعظم: العين غير معقود عليها، لأن العين
لا يجوز التصرف فيها.
ثم قال: ويشبه أن لا يكون ما حكيناه خلافًا محققًا انتهى ملخصًا.
تابعه في "الروضة" على أنه خلاف لفظي لا فائدة له، وليس كذلك بل له فوائد:
إحداها: إذا لم يقبض العين المستأجرة، ثم أراد إجارتها لغير مؤجرها، فإنه فيه خلافًا مشهورًا وهو من ثمرة هذا الخلاف، فقد بناه الماوردي في "الحاوي" عليه.
قال: فإن قلنا: مورد الإجارة العين، لم يصح لعدم قبضها.
وإن قلنا: المنفعة، صح لأن المنافع لا تصير مقبوضة بعد قبض العين فلم يؤثر فيها القبض.
الفائدة الثانية: أن الخلاف المشهور في استئجار الكلب من ثمرة هذا الخلاف، كذا رأيته في باب بيع الكلاب من "تعليقه" القاضي حسين وفي كتاب البيع من كتاب "الأسرار" له أيضًا، ونقله ابن الرفعة هنا في "شرح التنبيه" عن الجبلي فقط، مع نقله له في البيع في "شرح الوسيط" عن القاضي، واستدرك الإمام هذا البناء وقال: إنه لا يتجه لأنه ينتقض ببدن الجزء فإن إجارته صحيحة قولًا واحدًا.
وخرج أيضًا عليه ابن الرفعة في "شرح الوسيط" الخلاف في استئجار الكافر العبد المسلم.
الفائدة الثالثة: إذا اقترض عينًا وقلنا لا تملك إلا بالتصرف، فقد اختلفوا فيه فقيل: المراد التصرف المزيل للملك، وقيل: المتعلق بالرقبة، وقيل: المستدعي للملك.
وقال الرافعي: فلا تكفي الإجارة على الوجه الأول ولا على الثاني.
والذي قاله موافق للمصحح هنا من أن المعقود عليه هو المنفعة، فإن قلنا
المعقود عليه هو الرقبة فقد وجد ضابط الوجه الثاني فيكفي عند القائل به.
الفائدة الرابعة: ذكرها ابن الرفعة بحثًا فقال: وقد حكى في "البحر" وجهًا أن حلي الذهب لا يجوز إجارته بالذهب، وحلي الفضة لا يجوز إجارته بالفضة.
ثم قال -أعني: ابن الرفعة- إنه لا يظهر له وجه إلا التخريج على مذهب أبي إسحاق.
قال: وإذا كان كذلك فقد صار خلافًا محققًا ونشأ منه الاختلاف في هذا الفرع.
قوله: ولو قال: ملكتك منفعتها شهرًا، جاز ولو قال: بعتك، فوجهان:
أحدهما: يجوز لأن الإجارة صنف من البيع.
وأظهرهما: المنع لأن البيع موضوع لملك الأعيان فلا يستعمل في المنافع، كما لا ينعقد البيع بلفظ الإجارة.
ثم قال: ووراءه شيئان غريبان:
أحدهما: أن هذين الوجهين قد طردهما صاحب "التهذيب" في التمليك. انتهى ملخصًا.
فيه أمران:
أحدهما: أن كلامه كالصريح في عدم الانعقاد بلفظ البيع مع النية أيضًا، كما في البيع بلفظ الإجارة ولا شك في بطلانه، بل ينبغي كونه صريحًا لأن مقتضى كونه صنفًا جواز البيع به، وإن كان البيع أعم كالبيع مع التمليك.
الأمر الثاني: أن كلامه صريح في أن التمليك طريقين: أشهرهما: القطع بالصحة، والثاني على وجهين.
ولم يتعرض في "الروضة" لحكاية هذين الطريقين، بل جزم بالطريقة
الضعيفة وهي طريقة الوجهين وهو غريب جدًا.
قوله: وهل تغني مشاهدة الأجرة عن معرفة القدر؟ فيه طريقان:
أحدهما: أنه على القولين في رأس مال السلم.
والثاني: القطع بالجواز، وكيف ما كان فالظاهر: الجواز. انتهى.
والصحيح على ما ذكره الشيخ في "التنبيه" والغزالي في "الوجيز" طريقة القطع، وكلام "الروضة" يوهم تصحيحها أيضًا.
فإنه قال: فيه طريقان: أحدهما: على قولي رأس مال السلم.
والثاني: القطع بالجواز وهو المذهب هذا لفظه.
قوله: فإن تعاقدا على الذمة بلفظ الإجارة ففي اشتراط قبض الأجرة في المجلس وجهان بنوهما على أن الاعتبار باللفظ أو بالمعنى؟ اختار مختارون اعتبار اللفظ.
وأصحهما: عند العراقيين والشيخ أبي علي اعتبار المعنى، وتابعهم صاحب ["المهذب"](1) لكنه لا يلائم مصيره في ما إذا أسلم بلفظ الشراء إلى أن الأصح اعتبار اللفظ انتهى ملخصًا.
ذكره نحوه في "الشرح الصغير" وكذلك في "الروضة" وفي المسألة كلام ينبغي الوقوف عليه سبق ذكره في السلم.
قوله: إحداها ذكر الغزالي أن استئجار تفاحة للشم فاسد، وكأن المنع ناشيء من أن التفاحة لا تقصد للشم فيكون استئجارها كشراء الحبة الواحدة من الحنطة، فإن كثر فالوجه الصحة لأنهم نصوا على جواز استئجار المسك والرياحين للشم، ومن التفاح ما هو أطيب من كثير من الرياحين. انتهى.
لقائل أن يقول الفرق أن المقصود من المسك والرياحين هو الشم فجازت
(1) في ب: "التهذيب".
إجارته لذلك والمقصود من التفاح الأكل والرائحة غير مقصودة.
قوله: وفي استئجار الدراهم والدنانير وجهان، أصحهما: المنع.
ثم قال: وأما استئجار الأطعمة لتزيين الحوانيت بها فكلام المصنف هنا وفي"الوسيط" يقتضي القطع بمنعه، وكذلك ذكره القاضي الحسين وعن الإمام وغيره أنه على الوجهين، انتهى كلامه.
والأصح طريقة الوجهين، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" وعبر بالأظهر، وصحح النووي في "الروضة" طريقة القطع ولم ينبه على أنه من "زياداته"، بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
قوله: والوجهان -أي: في الدراهم والدنانير- جاريان في استئجار الأشجار لتجفيف الثياب عليها والوقوف في ظلها وربط الدواب بها، لأن الأشجار لا تقصد لهذه الأغراض، وذهب بعضهم إلي أن الأصح: الصحة ههنا. انتهى كلامه.
لقائل أن يقول: كيف يتصور الخلاف في استئجار الشجرة للوقوف في ظلها؟ لأن الأرض التي يقف فيها المستأجر إن كانت رقبتها أو منفعتها ملكًا له فليس لصاحب الشجرة المنع من الوقوف فيها، وهو واضح، وإن كانت مباحة فكذلك، وإن كانت لصاحب الشجرة فالاستئجار في هذه الحالة صحيح بلا خلاف، لأنه استئجار على الاستقرار في هذه الأرض. فما صورة الخلاف؟
وجوابه: أن يقال: يتصور في ما إذا كانت الأرض مباحة أو للمستأجر وكانت الأغصان مائلة إلى ملك صاحب الشجرة، وأمكن تمييلها إلى الأرض المذكورة فاستأجرها على الوقوف في ظلها بأن يميلها إلى ناحيته.
وكذلك إذا كانت الأغصان مائلة إلى الأرض التي يقف فيها المستأجر فاستأجرها ليمتنع المالك من قطعها.
قوله: الثانية الاستئجار لإرضاع الطفل جائز وتستحق به منفعة وعين، فالمنفعة أن تضع الصبي في حجرها وتلقمه الثدي، وتعصره بقدر الحاجة والعين هو اللبن الذي يمتصه الصبي.
وفي الأصل الذي يتناوله هذا العقد وجهان:
أحدهما: أن الأصل اللبن وأما فعلها فتابع لأن اللبن مقصود لغيره وفعلها طريق إليه.
وأصحهما: أنه فعلها واللبن يستحق تبعًا، لقوله تعالى:{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6]، علق الإجارة بفعل الإرضاع لا باللبن. انتهى كلامه.
وما ذكره من أن الأصل هو الفعل واللبن تبع قد ذكر ما يخالفه في أوائل الباب الثاني.
فقال: في ما إذا استأجرها للحضانة والرضاع أو لأحدهما وقلنا: الآخر يتبع فانقطع اللبن، أن فيه ثلاثة أوجه مبنية على أن المعقود عليه في الإجارة ماذا؟
أحدها: أنه اللبن والحضانة تابعة، فعلى هذا ينفسخ العقد بانقطاعه.
والثاني: الحضانة واللبن تابع فلا ينفسخ.
ثم قال ما نصه: وأصحهما أن المعقود عليه كلاهما لأنهما مقصودان، فعلى هذا ينفسخ العقد في الإرضاع ثم قال: وحسن أن يفرق فيقال: إن صرح فمقصودان وإن ذكر أحدهما فهو المقصود والآخر تابع، انتهى.
فلم يذكر هناك ما صححه هنا بالكلية، وتبعه في "الروضة" على الموضعين.
قوله: ثم إن استأجرها للحضانة مع الإرضاع جاز، وإن استأجرها
للحضانة ونفي الإرضاع فكذلك في الأصح.
ثم قال ما نصه: قال الإمام: وهذا الخلاف في ما إذا قصر الإجارة على صرف اللبن إلى الصبي، وقطع عنه وضعه في الحجر ونحوه.
فأما الحضانة بالتفسير الذي سنذكره أي تحفظ الصبي ونحوه فلا خلاف في جواز قطعه عن الإرضاع. انتهى كلامه.
وما نقله عن الإمام من نفي الخلاف وارتضاه تبعه عليه في "الروضة"، وليس كذلك، فقد صرح القاضي الحسين بجريان الخلاف في الحضانة بالتفسير المذكور، ونقله عنه ابن الرفعة في "الكفاية".
قوله: الرابعة استئجار القناة للزراعة بمائها جائز لأنا إن قلنا الماء لا يملك فكالشبكة للاصطياد، وإلا فالمنابع آبار الماء، وقد جوزوا استئجار بئر الماء للإسقاء، والتي بعدها مستأجرة لإجراء الماء فيها.
وقال الروياني في "الحلية": إذا أكثر إقرار القناة ليكون أحق بمائها جاز في وجه وهو الاختيار، والمعروف منعه، ومقتضى لفظه أن يكون تفريعا على أن الماء لا يملك. انتهى كلامه.
وتعبيره في آخره بقوله: أجاز في وجه، هو الصواب وهو كذلك في كلام الروياني وفي "الروضة" التي هي بخط المصنف وتقع في كثير من النسخ، وفي وجه بزيادة "الواو"، وهو خطأ، وفي كلام الرافعي هنا بعض غموض فلنوضحه فنقول: القناة هو الموضع الذي ينبع فيه الماء.
وقوله: فالمنابع آبار الماء أي المنفعة المعقود عليها هو نفس الآبار الذي نبع فيها الماء.
وقوله: والتي تغذها -أي: المجاري التي تغذ القناة، وقوله: وقال الروياني هو الكلام السابق بعينه، إلا أنا إستفدنا منه جريان الخلاف.
قوله: واستئجار من لا يحسن القرآن ليعلمه باطل قال في "الوسيط": فإن
وسع عليه وقتًا يقدر فيه على التعلم قبل التعليم ففيه وجهان: والأصح: المنع لأن المنفعة مستحقة من عينه والعين لا تقبل شرط التأجيل. انتهى.
اعلم أن الإمام رحمه الله حكى هذين الوجهين في باب الجعل والجعالة عن كتاب الصداق عن العراقيين، ثم قال: ومحلهما إذا كان يحسن مقدارا يشتغل بتعليمه في الحال، أو كانت الإجارة مع تعلقها بالعين واردة على مدة تتسع للتعلم والتعليم، أما إذا لم تكن مدة وكان لا يحسن شيئا البتة فلا وجه إلا القطع بفساد الإجارة لتحقق العجز عن المستحق في الحال هذا كلامه، نقله في "الوسيط" إلى هذا الموضع.
وقد علمت مما قاله الإمام أنه إذا كان يحسن شيئا جرى الوجهان أيضا، وإن لم يتسع الوقت وهذه الصورة واردة على ما نقله الرافعي، والتصحيح المذكور للغزالي لا للرافعي فاعلمه.
قوله في "الروضة": ولو استأجر أرضا للزراعة وعليها الماء فإن رجى انحساره وقت الزراعة بالعادة صحت الإجارة على المذهب، وقيل إن لم ير الأرض لم يصح في قول، انتهى ملخصا.
وحاصله: أنه إذا لم ير الأرض ففيه طريقان:
أصحهما: القطع بالصحة.
والثانية: على قولين ولم يصحح الرافعي شيئا من الطريقين بل حكاهما.
ثم قال: والظاهر الصحة سواء أجرينا القولين أم لا.
قوله: فأشبه ما إذا استأجر دارًا مشحونة بالأمتعة يمكن الاشتغال بنقلها في الحال، فإنه يجوز على الأظهر، إلا أن الشيخ أبا محمد حكى وجها في المنع، انتهى كلامه.
وسيأتي في آخر الإجارة ضابط النقل في الحال فراجعه.
قوله: ولو أجر داره سنة من زيد ثم أجرها منه أيضا السنة الثانية، فالأصح المنصوص الجواز، وحكى أبو الفرج السرخسي طريقة قاطعة بالمنع ثم قال: فلو انفسخ العقد لم يقدح في الثاني لأنه عارض. انتهى ملخصًا.
وهذه المسألة الأخيرة من المسائل المهمات، وقد أسقطها من "الروضة"، وأسقط أيضا طريقة القطع لأن الرافعي ذكرها في الكلام على "الوجيز".
قوله: والحجامة وبزغ الدابة.
البزغ بالباء الموحدة المفتوحة والزاء الساكنة والغين المعجمة، واصلة الشق، ولهذا يقال بزغت الشمس إذا طلعت.
والمراد هنا فتح الماء إذا نزل في الحافر يقال بزغ البيطار بالتشديد، وقد سبق الكلام على هذه اللفظة في الرهن أيضا.
قوله: وإذا استأجره لقلع سنن موجعة ثم امتنع المستأجر من قلعه.
قال في "الشامل": لا يجبر عليه إلا أنه إذا سلم الأجير نفسه، ومضى مدة إمكان العمل وجب على المستأجر الأجرة ثم ذكر القاضي أبو الطيب أنها لا تستقر انتهى.
فيه أمور:
أحدهما: أن مقتضى هذا الجزم بأن المستأجر لا يجب عليه أن يسلم إلى الأجير العين التي استأجره ليعمل فيها، وذكر أيضا مثله في القسم الثاني من الباب الثالث.
فقال: في الكلام على ما إذا استأجره لخياطة ثوب ما نصه: ولو بدا له في قطع الثوب العين وهو باق قال الإمام: المتجه أنه لا يجب عليه الإتيان لأنه قد نسج له عرض في الامتناع، لكن تستقر الأجرة عليه إذا سلم الأجير نفسه انتهى.
وهو كالأول في عدم الإجبار على التسليم، ولم يذكر في كتاب الإجارة
ما يخالفهما، وجزم في آخر كتاب المساقاة بعكسه، وقد تقدم ذكر لفظه هناك فراجعه وذكر أيضا نحوه في الكلام على حكم المبيع قبل القبض، وقد تقدم ذكره هناك أيضا.
وفي منع البيع كلام آخر يأتي في آخر الإجارة.
الأمر الثاني: أن ما قاله صاحب "الشامل" من استقرار الأجرة بالتسليم، قد اقتصر عليه الرافعي في "الشرح الصغير" ومقتضاه رجحان الاستقرار.
ولم يصرح في "الروضة" أيضا بترجيح، ونقل من زياداته عن "البيان" كما في "الشامل".
الأمر الثالث: إن ما نقلناه في هذه المسألة من الكلام المتقدم صريح في عدم وجوب التسليم وإن فرعنا على أن الأجرة لا تستقر بتسليم نفسه لكنه صرح بعد ذلك بقليل في أثناء فرع بأنه يجبر عليه.
فقال: إذا قلنا لا تستقر الأجرة بالتسليم فيرفع الأمر إلى الحاكم ليجبره عليه.
قوله: في أصل "الروضة": أما الزوج فيجوز استئجاره لامرأته إلا إذا استأجرها لإرضاع ولده منها ففيه وجهان:
أحدهما: المنع وبه قطع العراقيون، وأصحهما: الجواز انتهى كلامه.
وما ادعاه من قطع العراقيين غريب فإن "التنبيه" من كتب العراقيين المشهورة، وقد حكى فيه في باب نفقة الأقارب وجهين من غير ترجيح، وحكاهما أيضا في "المهذب"، وكذلك صاحب "البيان".
وقد أعاد الرافعي المسألة في باب نفقة الأقارب فراجعها من ذلك الموضع، فقد ذكرنا فيها أمورا يتعين الوقوف عليها.
قوله: ولو أجرت نفسها ولا زوج لها، ثم نكحت في المدة فالإجارة بحالها وليس للزوج منعها من ترفيه ما التزمته، كما لو أجرت نفسها بإذنه،
ولكن يستمتع بها في أوقات فراغها. انتهى كلامه.
قال الماوردي: في كتاب النفقات من "الحاوي" وللزوج الخيار إذا كان جاهلا لفوات الاستمتاع عليه بالنهار ولا يسقط خياره برضى المستأجر بالخيار.
قوله: في "الروضة": فإن جمع بين التقدير بالعمل والزمان فقال استأجرتك لتخيط لي هذا القميص اليوم فوجهان أصحهما: بطلان العقد، والثاني: صحته.
وعلي هذا فوجهان: أصحهما: يستحق الأجرة بأسرعهما فإن انقضى اليوم قبل تمام العمل استحقها، وإن تم العمل قبل تمام اليوم استحقها.
والثاني: الاعتبار بالعمل فإن تم أولا استحقها، وإن تم اليوم أولا وجب إتمامه، فإن قال: إنك إن فرغت قبل تمام اليوم لم تخط غيره بطلت الإجارة، لأن زمن العمل يصير مجهولًا، انتهى.
وهذا الذي ذكره في آخر كلامه لا يستقيم مع ما قبله لأن الحكم ببطلان العقد لا يستقيم تفريعه على شيء من الوجهين اللذين قبله، لا على اعتبار الأسرع ولا على اعتبار العمل، وهذا الغلط الذي وقع في "الروضة" سببه سقوط شيء من كلام الرافعي، وذلك أن الرافعي بعد ذكره الوجهين قال ما نصه: وبالأول أفتى القفال، وذكره أنه إن انقضى النهار أولًا لم تلزمه خياطة الباقي، فإن تم العمل أولا فللمستأجر أن يأتي بمثل ذلك القميص ليخيطه باقي النهار.
فإن قال في الإجارة: على أنك إن فرغت قبل تمام اليوم لم تخط غيره بطلت الإجارة.
هذا كلامه فاستفدنا منه وجها ثالثًا لم يذكره النووي أن الاعتبار بالزمان، ثم فرع الرافعي على هذا الوجه ما سبق ذكره وهو صحيح من
هذا الوجه لكن في كلام الرافعي إشكال من وجه آخر، وهو أنه قد ذكر أن القفال أفتى بالأول ثم فرع ما بعده عليه، وهو غير ملائم وكأنه سقط شيء من كلام الرافعي وأصله.
وذكر وجهًا آخر أنه إن انقضى النهار إلى آخره، وهذا هو السبب في وقوع الخلل في "الروضة".
قوله: ومن هذا النوع الاستئجار لتعليم القرآن ذكر الإمام وصاحب الكتاب أنه يعين السور والآيات التى يعلمها، [أو يقدر بالمدة](1) فيقول لتعلمني شهرا.
وفي إيراد غيرهما ما يفهم عدم الاكتفاء بذكر المدة واشتراط تعيين السور والآيات لتفاوتهما في الحفظ والتعليم بسهولة وصعوبة، انتهى كلامه.
لم يصرح هنا بترجيح، وقد اختلف كلامه في الراجح من هاتين المقالتين، فرجح في "الشرح الصغير" هنا أنه لا يكفي التقدير بالمدة.
فقال ما نصه: ذهب الإمام والغزالي إلى أنه يصح، وقيل لا لتغاير السور والآيات في سهولة الحفظ وصعوبته وهو الأشبه انتهى.
وذكر في "التذنيب" أيضا هنا مثله، ثم جزم فيه أي في "الشرح الصغير" وفي "الكبير" أيضا في كتاب الصداق في أثناء الكلام على الطلاق قبل الدخول بأن التقدير بها كافِ.
وقال في "الروضة" من زياداته هنا: إنه الأصح.
قوله: فالوجه تنزيل الاستئجار لقراءة القرآن عند القبر على صورة إنتفاع الميت بالقراءة وذكروا له طريقين:
أحدهما: أن يعقب القراءة بالدعاء للميت؛ لأن الدعاء يلحقه والدعاء
(1) سقط من أ.
بعد القراءة أقرب إجابة وأكثر بركة.
والثاني: ذكر الشيخ عبد الكريم الشالوسي أنه إن نوى القارئ بقراءته، أن يكون ثوابها للميت لم يلحقه، وإن قرأ ثم جعل ما حصل من الأجر له فهذا دعاء بحصول ذلك الأجر للميت فينفع الميت. انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن الرافعي قد ذكر في كتاب الوصية عن القاضي أبي الطيب طريقا ثالثًا يأتي الكلام عليها في ذلك الموضع، وهي أن الميت كالحي الحاضر فيرجى له الرحمة ووصول البركة ولهذا قال النووي هنا من زياداته: المختار صحة الإجارة مطلقًا، فإن موضع القراءة موضع بركة وتنزيل الرحمة.
الأمر الثاني: أن القارئ له حالتان: إحداهما أن يجزم بالجعل.
والثانية: أن يدعو به، والتصوير الذي ذكره الرافعي قد رأيته هكذا في فتاوى الحناطي نقلا عن الشالوسي لكنه يقتضي الأول، والحكم الذي أجاب به يقتضي الثاني.
وقد وافق في "الروضة" على ذلك، ثم خالف في "الأذكار".
فقال: المختار أنه يدعو بالجعل، فيقول اللهم اجعل ثوابها واصلًا لفلان.
ولنذكر عبارة فتاوى الحناطي لينظر فيها من ينظر.
فنقول: قال ما نصه: قال الشيخ الإمام دوير الكرخي سمعت شيخي عبد الكريم الشالوسي يقول: إن القارئ إن نوى بقراءته أن يكون ثوابها للميت لم تلحقه، إذ جعل له قبيل حصوله، وتلاوته عبادة البدن فلا تقع عن الغير، وإن قرأ ثم جعل ما حصل من الثواب للميت يبلغه، إذ قد جعل ما حصل من الأجر لغيره، والميت يؤجر بدعاء الغير هذا كلامه.
ودوير بضم الدال المهملة مصغرًا، والكرخي بكاف وراء مفتوحتين بعدهما جيم.
الأمر الثالث: أن جزمه بكون الدعاء ينفع الميت غير مستقيم، بل هو وغيره من الأدعية موقوف على الإجابة، فإن إستجيبت الدعوة نفعت، وإلا نفعت الداعي خاصة، لأن الدعاء من جملة العبادات.
الأمر الرابع: أن الشالوسي بالشين المعجمة، وأما الثانية فمهملة، قد تقدم إيضاحه في مقدمة هذا الكتاب فراجعه.
قوله: وفي "شرح المفتاح" أنه لابد في إجارة الدار من عدد السكان من الرجال والنساء والصبيان، ثم لا يمنع من دخول زائر وضيف، وإن بات فيها ليالي. انتهى.
وليس في كلامه رحمه الله ما يدل على أن هذه المقالة شاذة، أو معمول بها، وقد بينه النووي فقال من زياداته: هذا الإشتراط لا يعرف لغيره والمختار أنه لا يعتبر، لكن يسكن فيها من جرت العادة به في مثلها.
قال: وهذا مقتضى إطلاق الأصحاب، فلا عدول عنه.
قوله: في "الروضة": وفي تقدير المدة ثلاثة أقوال المشهور أنه يجوز إلى مدة يبقى إليها ذلك الشيء غالبا، فلا يؤجر العبد أكثر من ثلاثين سنة والدابة أكثر من عشرة.
والثاني: لا يجوز أكثر من سنة.
والثالث: يجوز إلى ثلاثين. انتهى.
ذكر الرافعي طريقة قاطعة بنفي الثالث لم يذكرها المصنف.
قوله: ولو قال أجرتكها للزراعة، ولم يذكر ما يزرع أو البناء والفراش، وأطلق صح، وقيل: لا، ومن جوز قال يزرع ما شاء للإطلاق، وكان يحتمل التنزيل على الأقل. انتهى.
وهذا الذي ذكره بحثًا واقتضى عدم وقوفه عليه قد تابعه عليه في "الروضة"، وقد صرح بحكايته، وجها الخوارزمي في كتابه "الكافي".
قوله: ولو قال أجرتك هذه الأرض، فإن شئت فازرعها، وإن شئت فاغرسها، فأصح الوجهين على ما ذكر في الكتاب صحة الإجارة، ويجبر المستأجر والثاني المنع. انتهى.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضا، والصحيح: ما صححه الغزالي، فقد صححه في "المحرر"، وكذلك النووي أيضًا في أصل "الروضة".
قوله: ويجب أن يقول مهملج أو بحرا أو قطوف في أظهر الوجهين، انتهى.
المهملج بالجيم مشتق من الهملجة وهو فارسي والبحر بالباء الموحدة والحاء المهملة هو الواسع [الجري](1) والقطوف من الدواب البطيء.
وقال أبو زيد: هو الضيق المشي.
قوله: الخامسة: إذا استأجر دابة للركوب فليبينا قدر السير كل يوم، وإذا أراد أحدهما المجاوزة على المشروط، أو النزول دونه لخوف أو خصب لم يكن له ذلك.
قاله في "التهذيب" وكان يجوز أن يجعل الخوف عذرا لمن يحتاط، ويؤمر الأخر بموافقته، انتهى.
وهذا الذي ذكره الرافعي بحثًا قد صرح الإمام به في نظير المسألة.
فقال: فيما إذا استأجر دابة إلى بلد ليعود منها راكبا أنه لا يقيم فيها على خلاف المعهود، ثم قال: فإن مكث في ذلك المكان احتياطا للدابة بسبب خوف حصل كان في حكم المودع المؤتمن في تلك المدة، أي حتى لا يحسب عليه كما قاله ابن الرفعة، فلو لم يكن الخوف عذرا في الإقامة تحسب عليه تلك المدة.
(1) سقط من ب.
ولم يقف النووي على ما ذكره الإمام، بل ضعف كلام البغوي فقال: إن ما قاله ضعيف.
قوله: فإن كان المحمول حاضرا ورأه المؤجر كفى، وإن كان في ظرف وجب أن يمتحنه باليد تخمينا لوزنه وإن لم يكن حاضرًا فلابد من تقديره بالوزن أو الكيل. انتهى كلامه.
وما ذكره من كون ما في الظرف يجب امتحانه باليد قد أسقطه من "الروضة"، واقتضى تعبيره أنه لابد من تقديره بالوزن أو الكيل، فإنه قال: فإن كان حاضرا ورأه المؤجر كفى، وإلا فلابد من تقديره بالوزن أو الكيل هذا لفظه.
قوله: أما إذا قدر بالكيل، فقال: عشرة أقفزة مما شئت فالمفهوم من كلام أبي الفرج السرخسي أنه لا يغني عن ذكر الجنس لاختلاف الأجناس في النقل مع الإستواء في الكيل، لكن يجوز أن يجعل ذلك رضى بأقل الأجناس كما جعل في الورق رضى تأجير الأجناس. انتهى.
وهذا القياس الذي استند إليه الرافعى ضعيف والفرق ظاهر وهو أن اختلاف التأثير بعد الاستواء في الوزن يسير بخلاف الكيل، لا جرم أن النووي ذكر من زياداته أن الصواب ما قاله السرخسي، ثم فرق بهذا الفرق.
قوله: وإن دخلت أي الظروف في وزن المتاع فإن قال مائة من الحنطة بظرفها، صح العقد لزوال الغرر بذكر الوزن، هكذا ذكروه لكنا إذا اعتبرنا ذكر الجنس مع الوزن وجب أن يعرف قدر الحنطة وحدها وقدر الظرف وحده، انتهى كلامه.
والصحيح على ما ذكروه قبل ذلك أن الجنس لا يكفي بل لابد من الوزن معه، وحينئذ فيكون الصحيح عدم الصحة في ما إذا قال بظرفها.
ولم يذكر النووي في "الروضة" هذا التخريج الذي ذكره الرافعي، فلزم
من كلامه الجزم بالصحة على خلاف ما في الرافعي.
قوله: ومن الأغراض سقي الأرض فلو كانت الإجارة في الذمة لم يجب بيان الدابة ومعرفة جنسها.
ثم قال: وتقدر المنفعة إما بالزمان أو بالعمل. انتهى.
ذكر مثله في "الشرح الصغير"، وتابعه عليه في "الروضة" وفيه أمران:
أحدهما: أنه صريح في أن الدابة لا يشترط معرفتها إذا قدر السقي بالزمان، وذلك مخالف للمسألة الآتية بعد هذه المسألة وهي الاستئجار على الحرث، فإنه شرط فيه معرفة الدابة وهي الاستئجار على الحرث، فإنه شرط فيه معرفة الدابة إذا وقعت الإجارة على الزمان وعلله بأن العمل يختلف باختلاف حال الدابة بخلاف ما إذا وقعت على أرض مقدرة، وهذا المعنى الذي ذكره رحمه الله موجود بعينه في السقي قطعا، ولا سبيل إلى المغايرة بينهما، والاشتراط أظهر على وفق ما قاله في الحرث على أن الغزالي في "الوسيط" قد ذكر في الحرث عكس ما قاله الرافعي فإنه شرط معرفتا إن كانت مقدرة بالمساحة دون الزمان، والعجب أن الرافعي لم ينبه عليه.
الأمر الثاني: أن كلامه يقتضي أنه إذا قدر المنفعة بالزمان لا يشترط معرفة الأرض فإنه لم يشترط ذلك، وهو وإن كان متجها من جهة المعنى، لكنه ذكر بعد ذلك في الاستئجار للحراثة أنه لابد من معرفة الأرض، وإن قدرت بالزمان، ونظير المسألة ما إذا استأجر لحفر بئر أو نهر، وقد ذكره أيضًا قبل ذلك وكلامه فيه وهم.