الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني: في حكمها
قوله: يكره للوالد ترك العدل بين أولاده في العطية فلو رجع الوالد في هذه الحالة جاز، انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن تعبيره بجواز الرجوع ذكر مثله في "الروضة"، وهو تعبير ناقص يوهم عدم الاستحباب وليس كذلك فقد قال الرويانى في "البحر": إن الأصحاب قالوا باستحباب الرجوع.
الثاني: أن إطلاقهم جواز الرجوع أو استحبابه يتجه أن يكون محله في المقدار الزائد خاصة.
قوله: ويكره للوالد الرجوع إن كان الولد عفيفًا بارًا فإن كان عاقًا، أو يتسعين بما أعطاه في معصية فلينذره بالرجوع، فإن أصر لم يكره، انتهى.
وإطلاق عدم الكراهة في هاتين المسألتين قد تابعه عليه في "الروضة" وهو مردود، بل القياس في المسألة الثانية استحباب الرجوع إن لم يكن واجبًا، وأما العاق فينبغي أن يفصل فيه فيقال إن زاده الرجوع عقوقًا كره وإن أزاله استحب وإن لم يفد شيئًا منهما فيباح ويحتمل استحباب عدم الرجوع.
قوله: ومن أحكامها جواز الرجوع للأصل في ما وهبه لفرعه، فلو تنازع رجلان مولودًا ووهبا له فلا رجوع لواحد منهما، فإن ألحق بأحدهما فوجهان لأن الرجوع لم يكن ثابتًا ابتداء. انتهى.
والأصح كما قاله في "الروضة" هو الرجوع لثبوت البنوة في الأحكام، قال: وقطع به ابن كج.
قوله: ولو وهب الابن المتهب الموهوب من أبيه فهل للجد الرجوع؟ فيه
وجهان:
أحدهما: نعم، لأنه موهوب ممن للجد الرجوع في هبته.
والثاني: لا؛ لأن الملك غير مستفاد منه، ولو باعه منه أو انتقل بموته إلى ابنه فكلام صاحب "التهذيب" يقتضي القطع بالمنع وفي "الشامل" طرد الوجهين في صورة الموت ، وفي "التتمة" طردهما أيضًا في البيع، والأصح في الكل المنع، انتهى.
ذكر النووي في "الروضة" هذا الخلاف، ثم قال عقبه: قلت: ولو هبه المتهب لأخيه من أبيه، قال في "التبيان": ينبغي أن لا يجوز للأب الرجوع قطعًا لأن الواهب لا يملك الرجوع فالأب أولى، ولا يبعد تخريج الخلاف لأنهم عللوا الرجوع بأنه هبة لمن للجد الرجوع في هبته، وهذا موجود هنا والله أعلم.
وقوله: من "زوائده": (ولا يبعد) هو من كلام النووي لا من تتمة كلام "البيان".
إذا علمت ذلك فهذا الذي ذكره بحثًا، واستقر كلامه بعدم الإطلاع على نقله حتى استنبطه من التعليل غريب، فإنه قد تقدم من كلامه التصريح بالخلاف في البيع، والرجوع لا يثبت فيه للوالد البائع بلا خلاف، ولا شك أن الهبة أولى بذلك من البيع لثبوت الرجوع في الهبة من حيث الجملة، وإنما ذكر صاحب "البيان" أنه لا خلاف في هذه الصورة، لأن طريقته كطريقة صاحب "التهذيب" وهي عدم الخلاف في مسألة البيع فإنه صرح به قبل ذلك بقليل فلذلك حسن منه ذكر ما ذكره بحثًا، أما على ما في الرافعي فلا.
واعلم أن العود بالبيع والإرث لم يذكرهما الرافعي للتقييد، بل للتمليك فإن جعله أجرة وصداقًا وعوضًا في الخلع وغيرها كذلك بلا شك.
قوله: ولو تصدق على ابنه فوجهان:
أصحهما ويحكي عن نصه في "حرملة": أن له الرجوع أيضًا.
قال: والثاني وبه قال مالك: لا رجوع؛ لأن القصد من الصدقة ثواب الآخرة وقد حصل، انتهى كلامه.
وما صححه هنا من جواز الرجوع قد جزم بعكسه في باب العارية في الكلام على حد المستعير.
فقال ما نصه: والصدقات في الأعيان تفارق الهبات، ألا ترى أنه يرجع في الهبة ولا يرجع في الصدقة، انتهى.
وصححه أيضًا في هذا الباب في "الشرح الصغير" فقال: ولو تصدق على ابنه فوجهان: أحدهما: أن له الرجوع أيضًا، لأن الخبر يقتضي الرجوع في الهبة، والصدقة هبة.
وأصحهما: وبه قال مالك المنع لأن قصد المتصدق الثواب في الآخرة وهو غير موعود به هذا لفظه ووقوعه غريب لتعبيره بالأصح في الموضعين.
قوله: ناقلًا عن المتولي ولو أبرأ ولده عن دينه، فإن قلنا الإبراء تمليك رجع وإن قلنا إسقاط فلا، انتهى.
قال في "الروضة": ينبغي أن لا يرجع على التقديرين.
قوله: وإن كان زائدا نظر إن كانت الزيادة متصلة كالسمن وتعلم الحرفة رجع به مع الزيادة.
ثم قال بعد ذلك: إنه إذا قصر الثوب أو طحن الحنطة أو نسج الغزل، وجعلنا هذه الأشياء أعيانًا كان الأب شريكًا، إلى آخره.
اعلم أن الصحيح في تعليم الحرفة أن الابن يكون أيضًا شريكًا فيها على خلاف ما جزم به هاهنا وقد تقدمت المسألة مبسوطة في باب الفلس
فراجعها.
قوله: وإذا وهب جارية أو بهيمة [حاملًا](1) إلى آخره.
اعلم أن مسائل الحمل المذكورة هاهنا قد حصل اضطراب في دخولها، وعدم دخولها، وقد سبق ذكر ذلك واضحًا في الرد بالعيب والفلس، وينبغي أيضًا أن يستحضر هنا ما سبق في التفريق بين الأم والولد.
قوله: وإن كانت أرضا فبنى فيها الابن أو غرس فيتخير الأب بين الإبقاء إلى آخره.
سبق الكلام أيضًا في باب العارية على هذه المسألة واضحًا، وعلى ما فيها من الاضطراب.
قوله: وإذا وهب بشرط الثواب المعلوم صح في أصح القولين.
ثم قال: فإن قلنا بالصحة، فالظاهر أنه يبيع اعتبارًا بالمعنى إلى آخره.
هذه المسألة قد حصل فيها إضطراب سبق ذكره واضحًا في البيع، في الكلام على خيار المجلس.
قوله: في المسألة وإذا جعلناها هبة مكافأة بدون المشروط إلا أنه قريب، ففي شرح ابن كج وجهان في أنه هل يجبر على القبول لأن العادة فيه المسامحة، انتهى.
قال في "الروضة": الأصح أو الصحيح لا يجبر.
قوله: ولو قال: وهبتك ببدل، فقال: بلا بدل وقلنا مطلق الهبة لا يقتضي ثوابا فهل المصدق الواهب أو المتهب؟ وجهان، وبالأول قطع ابن كج، انتهى.
هذه المسألة لها نظيران يقتضيان تصديق الموهوب له.
أحدهما: ما إذا قال السيد لعبده أعتقتك على ألف، أو بعتك نفسك بها
(1) في ب: حائلا.
وطالبه بالألف فأنكر العبد وحلف، فإن المال يسقط ويحكم بعتق العبد بإقراره، جزم به الرافعي في آخر الباب الثالث من أبواب الإقرار، وحينئذ فيكون الصحيح في مسألتنا تصديق الموهوب له لأن الإعتاق والهبة يكونان بعوض وبلا عوض.
والثاني: إذا قال الزوج خالعتك بألف فأنكرت المرأة حصلت البينونة ولا شيء عليها كما جزم به الرافعي في بابه، وقد صحح النووي من زوائده، تصديق الموهوب له كما ذكرناه، إلا أنه لم ينقله عن أحد، ولم يذكر له مستندًا.
قوله: ولو دفع إليه درهمًا وقال: أدخل به الحمام، أو دراهم وقال: اشتري لنفسك بها عمامة ونحو ذلك ففي "فتاوى القفال" أنه إن قال ذلك على سبيل التبسط المعتاد ملكه وتصرف فيه كيف شاء، وإن كان غرضه تحصيل ما عينه لما رأى به من الشعث والوسخ أو لعمله بأنه مكشوف الرأس لم يجز صرفه إلى غير ما عينه، انتهى.
قال في "الروضة": الصحيح المختار: ما قاله القفال.
وقال القاضي الحسين في "فتاويه": يحتمل وجهين في تعيينه، ولو طلب الشاهد مركوبًا ليركبه في أداء الشهادة، فأعطاه دراهم ليصرفها إلى مركوب هل له صرفها إلى جهة أخرى؟ فيه وجهان. انتهى ما قاله في "الروضة".
وفيه أمور:
أحدها: أن الصحيح في الشاهد أن له ذلك فقد قال الرافعي في الشهادات: إنه الأشهر وكلام النووي هنا يقتضي أنه لم يظفر بخلاف صريح في مسألة الفقير، وكذلك نقل عن القاضي حسين أنه يحتمل وجهين، ولم يرد عليه، وقد صرح الرافعي بنقلهما في كتاب الشهادات أيضًا، عند ذكر مسألة الشاهد واقتضى كلامه أن الصحيح الجواز، وصرح النووي
بتصحيحه، وعبر الأصح ولم يفصل بين أن يكون له غرض أم لا كما قال هنا.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد ذكر في أوائل كتاب الوصية فرعا يشكل على ما قاله هنا وتبعه عليه في "الروضة" فقال: لو أوصى لدابة غيره وقسر بالصرف في علفها صحت لأن علفها علي مالكها، فالقصد بهذه الوصية هو المالك هذا هو الظاهر المنقول، وبه قطع الغزالي والبغوي وغيرهما، ويحتمل طرد خلاف سيق في مثله في الوقف فعلى الصحة في اشتراط قبول المالك وجهان:
اختيار أبي زيد: أنه لا يشترط وتجعل وصية للدابة.
والأصح: الاشتراط وهي وصية لمالكها، كما وأوصى لحمارة داره، فعلى هذا يتعين صرفه إلى جهة الدابة على الأصح رعاية لفرض الموصى، ويتولى الإتقان الوصي ثم القاضي انتهى ملخصًا.
فإذا تعين الصرف في الدابة إلى الظلمة مراعاة لغرض الدافع ففي الأدمي أولى.
الأمر الثالث: أن المعطي لأجل العمامة ونحوها حيث يقولون بتعين الصرف له، هل يقولون بأن المعطى له يملكه أم لا يملكه؟ لكن إذا اشترى به العمامة ونحرها ملكها، أو لا يملك المعطي ولا العمامة أيضًا، بل ينتفع بها على ملك مالكها فإن كان المراد الأول فكيف يصح أن يهبه شيئًا ويحجر في التصرف فيه، وقد نقل في "الروضة" من زوائده هنا عن القاضي الحسين أنه لو قال وهبتك هذه الدراهم بشرط أن تشتري بها كذا وكذا، لم تصح الهبة.
قال: لأنه لم يطلق له التصرف، وإن كان المراد الثاني وهو المفهوم من كلامهم، فكيف يكون وكيلًا في شراء الشيء لنفسه، أو كيف يشتري لنفسه بمال غيره، إلا أن يكون المراد أنه يشتري أولًا لنفسه بثمن في الذمة، ثم
يعطي تلك الدراهم، ويأتي النظر في تخريجه على الخلاف في ما إذا أعطى لوكيله درهمًا، وقال إشتر به كذا فهل يتعين الشراء بالعين أم يجوز في الذمة، ثم إنا إذا فرعنا على أنه يملك العمامة، فإن جوزنا له بيعه، فات المقصود وإن حجرنا عليه فيها كان مخالفا للقياس.
وأما الإحتمال الثالث، وهو عدم الملك بالكلية فهو بعيد من كلامهم، ويلزم أن يكون عارية حتى يضمنه بالتلف، ويجب على الورثة رده بالموت.
قوله: قلت ومن مسائل الفصل أن قبول الهدية التي يجيء بها الصبي المميز جائز باتفاقهم، وقد سبق في كتاب البيع، وأنه محرم على العمال وأهل الولايات قبول هدية رعاياهم، انتهي كلامه.
وما ذكره من الإتفاق في الصبي ليس كذلك فقد سبق في الوكالة أن فيه وجهين، وسبق في أول البيع أن فيه طريقين أصحهما: القطع بالقبول، والثانية: على وجهين فتلخص أنه قد أجاب في ثلاثة مواضع بثلاثة أجوبة مختلفة، وأما هدية المتولي فقد ذكرها الرافعي في كتاب القضاء.
قوله: وإذا أنفذ كتابًا إلى شخص فقال في "التتمة" يكون هدية يملكها المكتوب إليه، وذكر غيره أنه يبقى على ملك الكاتب وللمكتوب إليه الإنتفاع به على سبيل الإباحة، انتهى.
والأصح كما قاله في "الروضة" من زياداته هو الأول.
قوله: وهبة منافع الدار هل هي إعارة لها؟ فيه وجهان في "الجرجانيات" انتهى.
قد ذكر الرافعي في الباب الثالث من كتاب الإقرار ما حاصله رجحان كونه إعارة، فإنه قال وإذا قال هذه الدار لك عارية فهو إقرار بالإعارة ثم قال: وكذلك لو قال هذه الدار لك هبة سكنى أي بالإضافة انتهى.
فإذا كان الإتيان بلفظ الهبة المضافة إلى المنفعة إقرارا بالإعارة إذا أتى به
عن طريق الإقرار، كان الإتيان به على جهة الإنشاء كقولك ملكتك سكناها أو منفعتها إنشاء لها.
قوله: والمال المقبوض في الهبة الفاسدة مضمون على المتهب كالمقبوض بالبيع الفاسد أو غير مضمون كالمقبوض بالهبة الصحيحة؟ وفيه وجهان، ويقال قولان، انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الرافعي رحمه الله قد اختلف كلامه في الراجح من هذين الوجهين فرجح في كتاب الوصايا أنه لا يضمن وعبر بالأشبه ذكر ذلك في الباب الثاني المعقود للمسائل الدورية وهي من جملة الأبواب التي عقدها للمسائل الحسابية زيادة على أبواب "الوجيز" في أثناء مسألة أولها وهب المريض عبدًا قيمته مائة، وسأذكر لفظه قبيل باب الرجوع من الوصية، وجزم به أيضًا في كتاب العتق في الخصيصة الثالثة.
إذا علمت ذلك فقد جزم في كتاب البيع في الكلام على حكم المبيع قبل القبض بأنه يضمن، فإنه قسم الأعيان إلى ثلاثة أضرب:
أحدها: أن لا يكون مضمونًا.
والثاني: أن يكون مضمونًا بالقيمة.
والثالث: أن يكون مضمونًا بعوض في عقد معاوضة، وجعل الهبة من القسم الثاني، وجزم به أيضًا في "الشرح الصغير" في الكلام على تحريم الصيد على المحرم، ولم يتفطن في "الروضة" لهذا الاختلاف فتبع الرافعي عليه.
وقال من "زياداته": هنا الأصح أنه لا ضمان وهذا الثاني هو مقتضى القاعدة التي ذكرها الرافعي وغيره في الرهن، وهي أن فاسد كل عقد كصحيحة في الضمان وعدمه، وقد تقدم طرف من هذه المسألة في تحريم
الصيد على المحرم.
الأمر الثاني: أن هذه المسألة فيها طريقتان:
إحداهما: أن فيها وجهين وهي التي جزم بها الرافعي، ووافقه النووي في "الروضة" على ذلك.
والطريقة الثانية: القطع بعدم الضمان وصححها النووي في باب التيمم من كتاب "الإشارات" الذي جعله على "الروضة""كدقائق المنهاج" فقال: إنه المشهور، وذكر مثله في "شرح المهذب" هناك فقال: فإن تلف في يده فلا ضمان، كذا قطع به إمام الحرمين وأصحاب "البحر" و"العدة" و"البيان" وغيرهم وانفرد القاضي الحسين فقال: فيه وجهان هذا كلامه، وهو تباين فاحش مع ما في "الروضة".