الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الأنعام»
«1»
إن قيل: لم جمعت الظلمة دون النور في قوله تعالى وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ؟ [الآية الأولى] .
قلنا: ترك جمعه استغناء عنه بجمع الظلمة قبله فإنه يدل عليه، كما ترك جمع الأرض أيضا استغناء عنه بجمع السماء قبله في قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [الآية الأولى] . الثاني أن الظلمة اسم، والنور مصدر، والمصادر لا تجمع.
فإن قيل: ما الحكمة من قوله تعالى وَجَهْرَكُمْ [الآية 3] بعد قوله سبحانه يَعْلَمُ سِرَّكُمْ ومعلوم أن من يعلم السر يعلم الجهر بالطريق الأولى؟
قلنا: إنّما ذكره للمقابلة كما في قوله تعالى: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة:
203] في بعض الوجوه.
فإن قيل: لم خصّ السكون بالذكر دون الحركة في قوله تعالى: وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ [الآية 13] على قول من فسره بما يقابل الحركة؟
قلنا: لأن السكون أغلب الحالتين على كل مخلوق من الحيوان والجماد، ولأن الساكن من المخلوقات أكثر عددا من المتحرك أو لأنّ كلّ متحرّك يصير إلى السكون من غير عكس أو لأنّ السكون هو الأصل والحركة حادثة عليه وطارئة. وقيل فيه إضمار تقديره:
ما سكن وتحرك، فاكتفى بأحدهما اختصارا لدلالته على مقابله، كما في قوله تعالى: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: 81] أي والبرد.
(1) . انتقي هذا المبحث من كتاب «أسئلة القرآن المجيد وأجوبتها» ، لمحمد بن أبي بكر الرازي، مكتبة البابي الحلبي، القاهرة، غير مؤرخ. [.....]
فإن قيل: لم قال تعالى: وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ [الآية 14] ولم يقل وهو ينعم ولا ينعم عليه، وهذا أعمّ لتناوله الإطعام وغيره؟
قلنا لأن الحاجة إلى الرزق أمسّ فخصّ بالذكر. والثاني أن كون المطعم آكلا متغوّطا أقبح من كونه منعما عليه، فلذلك ذكره.
فإن قيل: في قوله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) كيف يكذبون يوم القيامة بعد معاينة حقائق الأمور، وقد بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (9) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (10)[العاديات] ؟
قلنا: المبتلى يوم القيامة ينطق بما ينفعه وبما يضرّه لعدم التمييز بسبب الحيرة والدهشة، كحال المبتلى المعذّب في الدنيا يكذب على نفسه وعلى غيره، ويتكلم بما يضرّه، ألا تراهم يقولون كما ورد في التنزيل رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها [المؤمنون: 107] وقد أيقنوا بالخلود فيها، وقالوا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ [الزخرف: 77] وقد علموا أنه لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها [فاطر: 36] .
فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (42)[النساء] ؟
قلنا: القيامة مواقف مختلفة ففي بعضها لا يكتمون، وفي بعضها يحلفون كاذبين، كما قال عز وجل فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (93) [الحجر] وقال تعالى:
فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (39)[الرحمن] وقيل إن حلفهم كاذبين يكون قبل شهادة جوارحهم عليهم وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً يكون بعد شهادتها عليهم.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ [الآية 32] وهو خير لغير المتّقين أيضا كالأطفال والمجانين؟
قلنا: إنّما خصّهم بالذكر، لأنهم الأصل فيها من حيث أنّ درجتهم أعلى، وغيرهم تبع لهم.
فإن قيل: ما الحكمة من التعبير في قوله تعالى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (35) مخاطبا الرسول محمدا (ص) ونحن نعلم أنه جلّ وعلا قد خاطب النبي نوحا (ص) بقوله:
إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (46)[هود] أي خاطبه بألين الخطابين، مع أن
محمدا (ص) أعظم رتبة، وأعلى منزلة منه؟
قلنا: لأن نوحا عليه الصلاة والسلام، كان معذورا في جهله بمطلوبه، لأنه تمسّك بوعد الله تعالى في إنجاء أهله، وظنّ أن ابنه من أهله وأمّا محمد (ص) فما كان معذورا، لأنه كبر عليه كفرهم، مع علمه أن كفرهم وإيمانهم بمشيئة الله تعالى، وأنهم لا يهتدون إلّا أن يهديهم الله.
فإن قيل: إذا بعث الله تعالى الموتى من قبورهم، فقد رجعوا إلى الله بالحياة بعد الموت، فما الحكمة من قوله تعالى: وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36) ؟
قلنا: المراد به وقوفهم بين يديه للحساب والجزاء، وذلك غير البعث وهو إحياؤهم بعد الموت فلا تكرار فيه.
فإن قيل: قوله تعالى: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً [الآية 37] لو صح من النبي (ص) هذا الجواب لصح لكل من ادّعى النبوة، وطولب بآية أن يقول إن الله قادر على أن ينزّل آية؟
قلنا: إذا ثبتت نبوته بما شاء الله من المعجزة، يصح له أن يقول ذلك، بخلاف ما إذا لم تثبت نبوته، والنبي (ص) كانت قد ثبتت نبوته بالقرآن، وانشقاق القمر، وغيرهما.
فإن قيل: ما الحكمة من قوله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ [الآية 38] والدابّة لا تكون إلّا في الأرض، لأن الدابة في اللغة اسم لما يدبّ على وجه الأرض وما الحكمة في قوله تعالى وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [الآية 38] والطيران لا يكون إلا بالجناح؟
قلنا: فيه فوائد: الأولى للتأكيد كقولهم: هذه نعجة أنثى، وقولهم كلمته بلساني، ومشيت إليه برجلي، وكما قال الله تعالى لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ [النحل: 51] وقال تعالى:
يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [الفتح: 11] . الثانية نفي توهّم المجاز فإنه يقال: طار فلان في أمر كذا إذا أسرع فيه، وطار الفرس إذا أسرع الجري. الثالثة زيادة التعميم والإحاطة كأنه قال جميع الدواب الدابة وجميع الطيور الطائرة.
فإن قيل: قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ
[الآية 40] إلى أن قال فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ [الآية 41] ومن جملة ما ذكر الدعاء فيه عذاب الساعة وهو لا يكشف عن المشركين؟
قلنا: لم يخبر عن الكشف مطلقا، بل مقيّدا بشرط المشيئة، وعذاب الساعة، لو شاء كشفه عن المشركين لكشفه.
فإن قيل: قوله تعالى: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ [الآية 50] كيف ذكر القول في الجملة الأولى والثالثة، وترك ذكره في الجملة الثانية؟
قلنا: لما كان الإخبار بالغيب كثيرا ممّا يدّعيه البشر كالكهنة والمنجّمين وواضعي الملاحم، ثم إنّ كثيرا من الجهّال يعتقدون صحة أقاويلهم ويعملون بمقتضى أخبارهم، بالغ في سلبه عن نفسه بسلب حقيقته عنه بخلاف الإلهية والملكية، فإن انتفاءهما عنه وعن غيره من البشر ظاهر. فاكتفي في نفيهما، بنفي القول، إذ غير الدعوى فيهما لا تتصور في نفس الأمر ولا في زعم الناس، بخلاف علم الغيب فافترقا، والمراد بقوله تعالى قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ [الآية 50] أي لا أدّعي الإلهية، كذا قاله بعض المفسرين.
فإن قيل: قوله تعالى: وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55) لم ذكر سبيل المجرمين ولم يذكر سبيل المؤمنين، وكلاهما محتاج إلى بيانه؟
قلنا: لأنه إذا ظهر سبيل المجرمين، ظهر سبيل المؤمنين أيضا بالضرورة إذ السبيل سبيلان لا غير.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ [الآية 60] أي ما كسبتم، وهو يعلم ما جرحوا ليلا ونهارا؟
قلنا: لأن الكسب أكثر ما يكون بالنهار لأنه زمان حركة الإنسان، والليل زمان سكونه، لقوله تعالى: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [القصص: 73] بعد قوله سبحانه مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ [القصص: 72] .
فإن قيل: قال تعالى: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ [الآية 62] يعني مولى جميع الخلائق. وقال في موضع آخر وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ (11)[محمّد] ؟
قلنا: المولى الأول بمعنى المالك أو
الخالق أو المعبود، والمولى الثاني بمعنى الناصر فلا تنافي بينهما.
فإن قيل: لم خصّ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ [الآية 73] بيوم القيامة، فقال تعالى: قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ [الآية 73] مع أن قوله الحق في كل وقت، وله الملك في كل زمان؟
قلنا: لأن ذلك اليوم، ليس لغيره فيه ملك، بوجه من الوجوه، وفي الدنيا لغيره ملك، خلافة عنه أو هبة منه وإنعاما، بدليل قوله تعالى في حق داود عليه السلام وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ [البقرة: 251] وقوله وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ [البقرة: 247] وقوله في ذلك اليوم هو الحق الذي لا يدفعه أحد من العباد، ولا يشك فيه شاكّ من أهل العناد، لانكشاف الغطاء فيه للكل، وانقطاع الدعاوى والخصومات، ونظيره قوله تعالى وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)[الانفطار] وإن كان الأمر له في كل زمان، وكذا قوله تعالى لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر: 16] ؟
فإن قيل: لم قال تعالى في معرض الامتنان وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ [الآية 84] ولم يذكر إسماعيل مع أنه كان هو الابن الأكبر؟
قلنا: لأن إسحاق وهب له من حرة وإسماعيل من أمة وإسحاق وهب له من عجوز عقيم، فكانت المنّة فيه أظهر.
فإن قيل: لم قال تعالى في وصف القرآن وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ [الآية 92] وكثير ممّن يؤمن بالآخرة من اليهود والنصارى وغيرهم لا يؤمن به؟
قلنا: معناه والذين يؤمنون بالآخرة إيمانا نافعا مقبولا، هم الذين يؤمنون به إما تصديقا به قبل إنزاله لما بشّر به موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، أو اتّباعا له بعد إنزاله والأمر كذلك، فإن من لم يصدق موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام في بشارتهما بمحمد (ص) وبالقرآن أو كان بعد بعثه ولم يؤمن به، فإيمانه بالآخرة غير معتدّ به ولا معتبر.
فإن قيل: لم أفرد قوله سبحانه تعالى أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ [الآية 93] بعد قوله وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً [الآية 93] وذلك أيضا افتراء؟
قلنا: لأنّ الأول عام، والثاني خاص، والمقصود الإنكار فيهما، ولا
يلزم من وجود العام وجود الخاص، ولكن يلزم من الذمّ على العامّ وإنكاره، الذمّ على الخاصّ وإنكاره لا محالة وما نحن فيه من هذا القبيل، والجواب المحقّق أن يقال إن هذا الخاص لمّا كان مخصوصا بمزيد قبح من بين أنواع الافتراء خصّه بالذكر، تنبيها على مزيد العقاب فيه والإثم.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ [الآية 102] بعد قوله سبحانه بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ [الآية 101] ؟
قلنا: ذكره أوّلا استدلالا به على نفي الولد، ثم ذكره ثانيا توطئة وتمهيدا لقوله تعالى: فَاعْبُدُوهُ [الآية 102] فإن كونه خالق كل شيء يقتضي تخصيصه بالعبادة والطاعة، فكانت الإعادة لفائدة جديدة.
فإن قيل: في قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [الآية 103] كيف خص الأبصار بإدراكه لها، ولم يقل وهو يدرك كل شيء مع أنه أبلغ في التمدح؟
قلنا: لوجهين: أحدهما مراعاة المقابلة اللفظية، فإنه نوع من البلاغة.
الثاني أن هذه الصفة خاصة بينه وبين الأبصار أنه يدركها، بمعنى الإحاطة بها وهي لا تدركه، فأما غيره مما يدرك الأبصار فهي تدركه أيضا، فلهذا خصها بالذكر.
فإن قيل: لم قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا [الآية 114] ولم يقل وهو الذي أنزل إليّ مع أنه سبحانه قال في موضع آخر:
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ [المائدة: 48] ؟
قلنا: لمّا كان إنزاله إلى النبي (ص) ليبلغه إلى الخلق ويهديهم به، كان في الحقيقة منزلا إليهم، لكن بواسطة النبي (ص) فصلح إضافة الإنزال إليه وإليهم.
فإن قيل: في قوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) كيف علّق الكون من المؤمنين بأكل الذبيحة المسمّى عليها، والكون من المؤمنين حاصل، وإن لم تؤكل الذبيحة أصلا؟
قلنا: المراد إعتقاد الحلّ لا نفس الأكل، فإن بعض من كان يعتقد حل الميتة من العرب كان يعتقد حرمة الذبيحة.
فإن قيل: لم أبهم فاعل التزيين هنا فقال تعالى كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (122) وقال سبحانه في آية أخرى زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ [النمل: 4] وقال في آية أخرى وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ [النمل: 24] فمن هو مزيّن الأعمال للكفار في الحقيقة؟
قلنا: التزيين من الشيطان بالإغواء والإضلال والوسوسة وإيراد الشبه، ومن الله تعالى بخلق جميع ذلك، فصحّت الإضافتان.
فإن قيل: لم قال تعالى: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
[الآية 130] والرسل إنما كانت من الإنس خاصة؟
قلنا: المراد برسل الجن هم الذين سمعوا القرآن من النبي (ص) وولّوا إلى قومهم منذرين، كما قال تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ [الأحقاف: 29] . الثاني: أنه كقوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (22)[الرحمن] والمراد من أحدهما، لأنه إنّما يخرج من الملح.
والثالث: أنه بعث إليهم رسل منهم، قاله الضحّاك ومقاتل.
فإن قيل: لم ذكر شهادتهم على أنفسهم في قوله تعالى: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
[الآية 130] ، والمعنى فيهما واحد؟
قلنا: المعنى المشهود به متعدّد وإن كان في الشهادة واحدا، إلا أنهم في الأولى شهدوا على أنفسهم بتبليغ الرسل وإنذارهم، وفي الثانية شهدوا على أنفسهم بالكفر، وهما متغايران.
فإن قيل: كيف أقرّوا في هذه الآية بالكفر وشهدوا على أنفسهم به، وجحدوه في قوله تعالى: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) ؟
قلنا: مواقف القيامة ومواطنها مختلفة، ففي بعضها يقرّون وفي بعضها يجحدون، أو يكون المراد هنا شهادة أعضائهم عليهم حينما يختم على أفواههم، كما قال تعالى الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ [يس: 65] .
فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ [الآية 140] والسّفه لا يكون إلا عن جهل؟
قلنا: معنى قوله تعالى بِغَيْرِ عِلْمٍ بغير حجة، وقيل بغير علم، بمقدار
قبحه ومقدار العقوبة فيه، وعلى الوجهين لا يكون مستفادا من الأوّل.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (140) بعد قوله سبحانه في الآية نفسها قَدْ ضَلُّوا؟
قلنا: الحكمة فيه الإعلام بأنهم بعد ما ضلوا لم يهتدوا مرّة أخرى، فإنّ من الناس من يضلّ ثمّ يهتدي بعد ضلاله.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى إِذا أَثْمَرَ [الآية 141] بعد قوله سبحانه كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ [الآية 141] ومعلوم أنه إنما يؤكل من ثمره إذا أثمر؟
قلنا: الحكمة فيه نفي توهّم توقف الإباحة على الإدراك والنضج، بدلالته على الإباحة من أول إخراج الثمر.
فإن قيل: قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً [الآية 145] ، وفي القرآن تحريم أكل الربا ومال اليتيم ومال الغير بالباطل وغير ذلك؟
قلنا: محرّما مما كانوا يحرمونه في الجاهلية.
فإن قيل: لم قال تعالى فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ [الآية 147] والموضع موضع العقوبة، فكان يحسن أن يقال فيه ذو عقوبة شديدة أو عظيمة ونحو ذلك؟
قلنا: إنّما قال ذلك نفيا للاغترار بسعة رحمته في الاجتراء على معصيته، وذلك أبلغ في التهديد ومعناه- والله أعلم-: لا تغترّوا بسعة رحمته، فإنه مع ذلك لا يرد عذابه عنكم. وقيل معناه: فقل ربّكم ذو رحمة واسعة للمطيعين، ولا يرد عذابه عن العاصين.
فإن قيل: لم قال تعالى قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ [الآية 151] ثم فسره بعشرة أحكام خمسة منها واجبة، والتلاوة وصف للفظ لا للمعنى، كي لا يقال أضدادها محرمة؟
قلنا: قوله تعالى: أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ لا ينفي تلاوة غيره فقد تلا ما حرم وتلا غيره أيضا. الثاني أن فيه إضمارا تقديره: أتل ما حرم ربكم عليكم وأوجب.
فإن قيل: لم خصّ مال اليتيم بالنهي عن قربانه بغير الأحسن، ومال البالغ أيضا كذلك؟
قلنا: إنّما خصه بالنهي لأن طمع الطامعين فيه أكثر، لضعف مالكه
وعجزه، وقلة الحافظين له والناصرين، بخلاف مال البالغ. الثاني: أن التخصيص لمجموع الحكمين وهما النهي عن قربانه بغير الأحسن، ووجوب قربانه بالأحسن، أو جواز قربانه بالأحسن بغير إذن مالكه، ومجموع الحكمين مختص بمال اليتيم، وهذا هو الجواب عن كونه مغيّبا ببلوغ الأشد، لأن المجموع ينتفي ببلوغ الأشد لانتفاء الحكم الثاني وقيل إن الغاية لمحذوف، تقديره:
حتى يبلغ، فسلّموه إليه.
فإن قيل: لم خصّ العدل بقوله تعالى: وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا
[الآية 152] ولم يقل: وإذا فعلتم فاعدلوا، والحاجة إلى العدل في الفعل أمسّ، لأن الضرر الناشئ من الجور الفعلي، أقوى من الضرر الناشئ من الجور القولي؟
قلنا: إنّما خصه بالقول ليعلم وجوب العدل في الفعل بالطريق الأولى، كما قال تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ [الإسراء: 23] ولم يقل: ولا تشتمهما ولا تضربهما لما قلنا.
فإن قيل: كيف الجمع بين قوله تعالى وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الآية 164]«1» وقوله سبحانه وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ [العنكبوت: 13] وقوله عزّ وعلا لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ [النحل: 25] وقد جاء في الحديث المشهور «من عمل سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها، إلى يوم القيامة» .
قلنا: المراد بالآية الأولى وزر لا يكون مضافا إليها بمباشرة أو تسبّب، لتحقيق إضافته إلى غيرها على الكمال.
أما إذا لم يكن كذلك فهو وزرها من وجه فتزره. وقيل معناه: لا تزره طوعا كما زعم المشركون بقولهم للنبي (ص) : ارجع إلى ديننا ونحن كفلاء بما يلحقك من تبعة في دينك.
وقول الذين كفروا للذين آمنوا كما ورد في التنزيل اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ [العنكبوت: 12] إلى قوله تعالى: عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ (13)[العنكبوت] ومعنى باقي النصوص أنها تحمله كرها، فلا تنافي بينهما.
(1) . ورد القول الكريم نفسه في أكثر من موضع في القرآن الكريم.