المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الأعراف» - الموسوعة القرآنية خصائص السور - جـ ٣

[جعفر شرف الدين]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الثالث

- ‌سورة الأنعام

- ‌المبحث الأول أهداف سورة «الأنعام» »

- ‌1 كيف أنزلت

- ‌2- لم سميت بسورة الأنعام

- ‌3- تاريخ نزول السورة

- ‌4- مميزات المكي والمدني

- ‌5- خصائص السور المكية واضحة في سورة الأنعام

- ‌6- الأغراض الرئيسة لسورة الأنعام

- ‌(أ) وحدة الألوهيّة:

- ‌(ب) قضية الوحي والرسالة

- ‌تكذيب المرسلين:

- ‌نبوة محمد (ص) :

- ‌(ج) قضية البعث والجزاء

- ‌7- قصة إبراهيم الخليل

- ‌8- الوصايا العشر

- ‌الوصية الأولى:

- ‌والوصية الثانية:

- ‌والوصية الثالثة:

- ‌الوصية الرابعة:

- ‌الوصية الخامسة:

- ‌والوصية السادسة:

- ‌الوصية السابعة:

- ‌الوصية الثامنة:

- ‌الوصية التاسعة:

- ‌الوصية العاشرة:

- ‌المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الأنعام»

- ‌تاريخ نزولها ووجه تسميتها

- ‌الغرض منها وترتيبها

- ‌إثبات التوحيد والنبوة الآيات [1- 7]

- ‌شبهتهم الأولى على التوحيد والنبوة الآيات [8- 36]

- ‌شبهتهم الثانية على التوحيد والنبوة الآيات [37- 90]

- ‌شبهتهم الثالثة على التوحيد والنبوة الآيات [91- 108]

- ‌شبهتهم الرابعة على التوحيد والنبوة الآيات [109- 117]

- ‌إبطال بدعة لهم في الحلال والحرام الآيات [118- 123]

- ‌شبهتهم الخامسة على التوحيد والنبوة الآيات [124- 135]

- ‌إبطال بدع لهم في الحلال والحرام الآيات [136- 147]

- ‌شبهتهم السادسة على التوحيد والنبوة الآيات [148- 158]

- ‌الخاتمة الآيات [159- 165]

- ‌المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الأنعام»

- ‌المبحث الرابع مكنونات سورة «الأنعام»

- ‌المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الأنعام»

- ‌المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الأنعام»

- ‌المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الأنعام»

- ‌المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الأنعام»

- ‌سورة الأعراف 7

- ‌المبحث الأول أهداف سورة «الأعراف»

- ‌1- معنى فواتح السور

- ‌2- مقاصد السورة ومزاياها

- ‌3- عرض إجمالي لأجزاء السورة

- ‌4- قصة آدم

- ‌5- نعمة الثياب والزينة

- ‌توسّط الإسلام في شأن الزينة

- ‌المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الأعراف»

- ‌تاريخ نزولها ووجه تسميتها

- ‌الغرض منها وترتيبها

- ‌المقدمة الآيات [1- 9]

- ‌قصة آدم وإبليس الآيات [10- 58]

- ‌قصة نوح وقومه الآيات [59- 64]

- ‌قصة هود وقومه الآيات [65- 72]

- ‌قصة صالح وقومه الآيات [73- 79]

- ‌قصة لوط وقومه الآيات [80- 84]

- ‌قصة شعيب وقومه الآيات (85- 112)

- ‌قصة موسى وفرعون وبني إسرائيل الآيات [103- 174]

- ‌قصة عالم لم يعمل بعلمه الآيات [175- 177]

- ‌الخاتمة الآيات [178- 206]

- ‌المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الأعراف»

- ‌المبحث الرابع مكنونات سورة «الأعراف»

- ‌المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الأعراف»

- ‌المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الأعراف»

- ‌المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الأعراف»

- ‌المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الأعراف»

- ‌سورة الأنفال 8

- ‌المبحث الأول أهداف سورة «الأنفال»

- ‌أهداف السورة

- ‌صور من معركة بدر

- ‌ الغنائم

- ‌الحرب والسلام

- ‌صفات المؤمنين

- ‌نداءات إلهية للمؤمنين

- ‌المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الأنفال»

- ‌تاريخ نزول السورة ووجه تسميتها

- ‌الغرض منها وترتيبها

- ‌تفويض قسمة الأنفال لله والرسول الآيات (1- 40)

- ‌مصرف الأنفال الآيات (41- 75)

- ‌المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الأنفال»

- ‌المبحث الرابع مكنونات سورة «الأنفال»

- ‌المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الأنفال»

- ‌المبحث السادس المعاني الغوية في سورة «الأنفال»

- ‌المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الأنفال»

- ‌المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الأنفال»

- ‌سورة التوبة 9

- ‌المبحث الأول أهداف سورة «التوبة»

- ‌أسماء السورة

- ‌أين البسملة

- ‌أهداف سورة التوبة

- ‌هدفان أصليان

- ‌رحمة الله بالعباد

- ‌غزوة تبوك

- ‌علاقات المسلمين بغيرهم

- ‌فضل الرسول الأمين

- ‌المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «التوبة»

- ‌تاريخ نزولها ووجه تسميتها

- ‌الغرض منها وترتيبها

- ‌الكلام على المشركين وأهل الكتاب الآيات (1- 37)

- ‌الكلام على المنافقين الآيات (38- 129)

- ‌المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «التوبة»

- ‌المبحث الرابع مكنونات سورة «التوبة»

- ‌المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «التوبة» »

- ‌المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «التوبة»

- ‌المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «التوبة»

- ‌المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «التوبة»

- ‌الفهرس

الفصل: ‌المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الأعراف»

‌المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الأعراف»

«1»

1-

قال تعالى: فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ [الآية 2] .

قالوا: الحرج الشكّ منه، كقوله:

فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ [يونس: 94] .

وسمي الشكّ حرجا، لأنّ الشاكّ ضيّق الصدر حرجه، كما أنّ المتيقّن منشرح الصدر منفسحه. أي: لا تشكّ في أنّه منزّل من الله، ولا تحرج من تبليغه «2» .

أقول: والأصل في «الحرج» الضّيق، ولنتسع قليلا في «الحرج» فنقول الحرج والحرج الإثم، والحارج الإثم. والحرج والحرج والمتحرّج:

الكافّ عن الإثم.

ورجل متحرّج، كقولهم: رجل متأثّم ومتحوّب ومتحنّث، يلقي الحرج والحوب والإثم عن نفسه.

قال الأزهري: وهذه حروف جاءت معانيها مخالفة لألفاظها.

وأحرجه، أي: آثمه، والتحريج:

التضييق.

وفي الحديث: «حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» .

قال ابن الأثير: الحرج في الأصل الضيق، ويقع على الإثم والحرام، وقيل: الحرج أضيق الضيق، ومعناه أي لا بأس عليكم ولا إثم أن تحدّثوا عنهم ما سمعتم.

(1) . انتقي هذا المبحث من كتاب «من بديع لغة التنزيل» ، لإبراهيم السّامرّائي، مؤسسة الرسالة، بيروت، غير مؤرخ.

(2)

. «الكشاف» 2: 85- 86.

ص: 115

وحرج صدره يحرج حرجا: ضاق فلم ينشرح لخير، فهو حرج وحرج فمن قال: حرج، ثنّى وجمع، ومن قال: حرج، أفرد لأنه مصدر.

وقوله تعالى: يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً [الأنعام: 125] وحرجا.

قال الفرّاء: قرأها عمر وابن عبّاس، حرجا، وقرأ الناس: حرجا.

أقول: فإذا فسّرنا الآية موضع بحثنا على «الشكّ» ، فذلك من كون أن الشاكّ ضيّق الصدر متحرّج غير منشرح، ومثل هذا كثير في العربية، ومنه الإصر، وغيره.

2-

وقال تعالى وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (4) .

والمعنى فجاءها بأسنا وهم بائتون، أو هم قائلون، فالمصدر بتأويل الحال، أي: بائتين.

ومثل هذه الآية، قوله تعالى:

أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ (97) .

والبيات: البيتوتة مصدر الفعل بات يبيت، وقالوا يبات.

والبيتوتة مثل مصادر أخرى وهي الغيبوبة، والصيرورة، والسيرورة، والشيعوعة والقيمومة، والحيلولة، والطيرورة، وكذلك القيلولة.

وكنت لحظت في أن هذه المصادر، تلمح إلى أن أصل الفعل الأجوف هو المضاعف الثلاثي ألا ترى أنّنا نقول ضير وضرّ وضرر، وغبّ وغيب، وجبّ وجيب ولو استقريت سائر هذه المواد بشيء من لطف الصنعة، لوصلت الى هذه النتيجة التي لمحناها.

ثم ماذا عن القيلولة التي ترجع إليها كلمة «قائلون» في الآية؟ القائلة:

الظهيرة، يقال: أتانا عند القائلة، وقد تكون بمعنى القيلولة أيضا، وهي النّوم في الظهيرة.

وفي «المحكم» : أن القائلة نصف النهار، والقيلولة نصف النهار، وقال يقيل قيلا ومقالا ومقيلا، الأخيرة عن سيبويه.

وكأن المعاصرين قد ابتعدوا قليلا حينما أضافوا كلمة «نوم» الى «القيلولة» ، فقالوا: نوم القيلولة، ويريدون بذلك نوم الظهيرة.

3-

وقال تعالى: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ

ص: 116

الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ

(9)

.

والمراد: وزن الأعمال والتمييز بين راجحها وخفيفها، والمعنى: والوزن يوم يسأل الله الأمم ورسلهم الوزن الحقّ، أي: العدل.

ومن ثقلت موازينه، أي: من رجحت أعماله الموزونة، وهي الحسنات فهو من المفلحين، ومن خفّت موازينه إشارة الى سيئاته، فقد خسر نفسه.

أقول: وصف الحسنات وأعمال الخير بالثّقل حينما توزن تعبير جميل، ما زال أهل عصرنا يستخدمون شيئا منه فيقولون رجل ذو وزن، أي: ذو قدر عظيم ومكانة، ويقولون في دارجتهم العامّية، فلان موزون بالمعنى نفسه، ويقال في طائفة من الألسن الدارجة:

هو ثقيل بإبدال القاف كافا ثقيلة «ثكيل» وبكسر الثاء، وهي لغة قديمة في فعيل، إنها لغة تميم.

على أن الفصيحة تأبى الوصف ب «الثقيل» ، لهذا المعنى وهو: من رجحت موازينه، والثقيل في الفصيحة القديمة والمعاصرة البليد الجامد الحسّ. على أن الفصيحة قد شاع فيها «ثقل الموازين» ، لمن كثرت حسناته ورجحت أعماله الحسنة، ويحسن بنا أن نشير إلى أن «الخفيف» قد يكون صفة إيجابية في العربية الفصيحة، فيقال: فلان خفيف الظل، ويكون صفة غير مقبولة في الألسن الدارجة.

فالرجل الخفيف هو غير الرزين العاقل المستحي، وهو الشعشاع غير المتأدّب المتحرّج.

4-

وقال تعالى: قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) .

المعنى: فما يصحّ لك ان تتكبّر فيها وتعصي.

وهذا من لطيف استعمال الفعل «يكون» وهو شيء آخر غير «كان» ذات العمل الخاص، وهو رفع المسند إليه ونصب المسند.

والمراد ب «الصاغرين» أهل الصّغار والهوان.

والصّغار: الذّلّ والضّيم وكذلك الصّغر، والمصدر الصّغر بالتحريك وصغر فلان يصغر صغرا وصغارا فهو صاغر، إذا رضي بالضيم.

ص: 117

قال تعالى: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (29)[التوبة] .

أي: أذلّاء.

أقول: فرّق في العربية بين الفعل ذي الدلالة المحسوسة، والفعل ذي الدلالة المجرّدة أو المعنوية، فالصّغر ضد الكبر، وهو في الجسم والسن، والصّغر والصّغار، الذل والهوان، والفعل صغر في الأول، وصغر في الثاني.

5-

وقال تعالى: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ [الآية 17] .

الأيمان جمع يمين وهو الجهة اليمنى، والشّمائل جمع شمال وهو الجهة اليسرى.

وكذلك اليد اليمين، واليد الشّمال وفلان ينعم بيمينه، ويقبض بشماله.

والشّمال: الطّبع، والجمع شمائل أيضا، والشّمال: الخلق.

وقلّما نجد كلمة «الشمال» في كلامهم بل نجدها مفردة.

على أن الشّمال قد وردت في الشعر، قال عبد يغوث بن وقاص:

ألم تعلما أن الملامة نفعها قليل، وما لومي أخي من شماليا وقال صخر بن عمرو الشريد أخو الخنساء:

أبى الشّتم أنّي قد أصابوا كريمتي وأن ليس إهداء الخنى من شماليا وقال آخر:

هم قومي وقد أنكرت منهم شمائل بدّلوها من شمالي أمّا الريح التي تهبّ من جهة الشمال فهي شمال، وشمأل وشأمل.

6-

وقال تعالى: قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً [الآية 18] .

وقوله تعالى: «مذءوما» من ذأمه إذا ذمّه.

أقول: والذأم، مهموزا: الذّمّ ومثله الذّام.

ومن هنا نلمح القرابة بين المهموز والأجوف والمضاعف، وكنا قد أشرنا إلى الصلة بين المضاعف والأجوف، ومنه الذّامّ والذّم.

7-

وقال تعالى: وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) .

أي: وأقسم لهما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) .

ص: 118

فإن قلت: المقاسمة أن تقسم لصاحبك ويقسم لك، تقول: قاسمت فلانا: حالفته، وتقاسما، تحالفا، ومنه قوله تعالى:

قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ [النّمل: 49]«1» .

وأقسمت: حلفت: وأصله من القسامة.

وقال ابن عرفة في قوله تعالى:

كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (90)[الحجر] .

هم الذين تقاسموا وتحالفوا على كيد الرسول (ص) والقسامة: الذين يحلفون على حقّهم ويأخذون.

وفي الحديث: «نحن نازلون بخيف «2» بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر» .

وتقاسموا من القسم اليمين، أي تحالفوا، يريد لمّا تعاهدت قريش على مقاطعة بني هاشم وترك مخالطتهم «3» .

أقول: لم يبق لنا من هذه الذخيرة اللغوية في العربية المعاصرة إلّا أقسم من الحلف، أي: اليمين أمّا اقتسم، وقاسم، وتقاسم فكلّه يرجع الى القسم، وهو القطع والقصّ، والقسم:

الجزء.

8-

وقال تعالى: وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [الآية 22] .

أي: وجعلا يخصفان. وقد ورد الفعل طفق في قوله تعالى: وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [طه:

121] .

وفي قوله تعالى: فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ (33)[ص] .

هذا كلّ ما نعرف عن استعمال «طفق» في العربية فلم يؤثر استعمالها في غير هذه الآيات الكريمة.

وقالوا: طفق بالفتح لغة رديئة، وهي ملازمة لحالة المضيّ فلم يرد يطفق ولا المصدر، فهو نظير كرب، وحرى، وعسى، في أنها وردت جامدة على هذه الهيئة، وليس من أبنية أخرى.

9-

وقال تعالى

(1) . «الكشاف» 2: 95. [.....]

(2)

. الخيف: ما انحدر من غلظ الجبل، وارتفع عن مسيل الماء.

(3)

. «اللسان» (قسم) .

ص: 119

يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً [الآية 26] .

و «الريش» : لباس الزينة استعير من ريش الطير، لأنه لباسه وزينته، أي:

أنزلنا عليكم لباسين: لباسا يواري سوآتكم، ولباسا يزينكم.

قرأ عثمان، رضي الله عنه: ورياشا، جمع ريش.

أقول: والرّيش والرّياش: الخصب والمعاش والمال والأثاث واللباس الحسن الفاخر. وأكبر الظن، أنّ هذه المعاني قد جاءت من «الريش» في الآية الكريمة التي تفيد الزينة.

والرّياش في عصرنا، تفيد ما يفرش من البسط والزرابيّ، ونحو ذلك.

10-

وقال تعالى إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [الآية 27] .

المراد ب «قبيله» جنوده من الشياطين.

والقبيل: الجماعة من الناس، يكونون من الثلاثة فصاعدا، من قوم شتّى كالزّنج والرّوم والعرب وقد يكونون من نحو واحد وربما كان القبيل من أب واحد كالقبيلة. وللقبيل دلالات أخرى هي: يقال: ما يعرف قبيلا من دبير: يريد القبل والدّبر.

والقبيل: طاعة الرّبّ تعالى، والدبير معصيته.

والقبيل: باطن الفتل والدبير ظاهره، أو ما أقبل به على الصدر، والدبير: ما أدبر به عنه.

والقبيل: فوز القدح في القمار، والدبير: خيبة القدح.

والقبيل: الكفيل والعريف.

على أنّنا لا نملك من كلّ هذه المادّة في هذه الدّلالات إلّا شيئا واحدا، لا نجد له أصلا واضحا قديما وذلك قولهم مثلا: اجتمعت أشياء كثيرة في البيت، من أثاث ورياش ولباس وغير ذلك من هذا القبيل، أي من هذه الأشياء وما يشبهها.

11-

وقال تعالى حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ [الآية 40] .

الجمل معروف وهو الحيوان.

ولنرجع إلى القراآت، فقد ذكر أنّ ابن عباس قرأ:(حتى يلج الجمّل) ، بضم فتشديد، وهي الحبال المجموعة.

وروي عن أبي طالب أنه قال: رواه القرّاء (الجمّل) بتشديد الميم، قال:

ونحن نظن أنه أراد التخفيف.

ص: 120

قال أبو طالب: وهذا لأن الأسماء إنما تأتي على فعل مخفّف، والجماعة تجيء على فعّل مثل صوّم وقوّم.

قال أبو الهيثم: قرأ أبو عمرو والحسن وهي قراءة ابن مسعود: حتى يلج الجمل، مثل النّغر في التقدير.

فأما الجمل بالتخفيف فهو الحبل الغليظ، وكذلك (الجمّل) مشدّد، وهما قراءتان لابن عبّاس.

قال ابن جني: هو الجمل على مثال نغر، والجمل على مثال قفل، والجمل على مثال طنب، والجمل على مثال مثل.

قال ابن برّي: وعليه فسّر قوله تعالى حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ، فأمّا الجمل فجمع جمل، كأسد وأسد.

والجمل: الجماعة من الناس.

وحكي عن عبد الله وأبيّ: حتى يلج الجمّل.

أقول: لقد عدل عن الجمل، وهو الحيوان إلى الجمل والجمّل وهو الحبل الغليظ والعدول وجه مقبول.

وأما الخياط فهو المخيط، والخياط بوزن فعال، من أوزان الآلة والأداة نحو الصّمام، والقناع، والعفاص، والوكاء، والسّداد واللّثام وكثير غير ذلك. ولعل هذا من الأبنية القديمة قبل أن يكون للالة أبنية قياسية هي: مفعل، ومفعلة، ومفعال نحو مبرد، ومجرفة، ومكسار.

12-

وقال تعالى: وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا [الآية 44] .

قالوا: «أن» ، في قوله تعالى أَنْ قَدْ وَجَدْنا يحتمل أن تكون مخفّفة من الثقيلة، وأن تكون مفسّرة كالتي في الآية السابقة.

وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ [الآية 43] .

أقول: أن تكون مفسّرة أوجه، ذلك أنها تتصدّر الكلام الذي نودي به ولعلّهم جعلوها مخفّفة من الثقيلة، لأن الجملة التي جاءت بعدها قد صدّرت ب «قد» ، وعندهم أنّ المخففة إن وقع خبرها جملة فعلية، فلا يخلو: إما أن يكون الفعل متصرّفا أو غير متصرف، فإن كان غير متصرف لم يؤت بفاصل وإن كان متصرّفا غير دعاء، فصل بفاصل في الأكثر، والفاصل هو «قد» أو حرف التنفيس، أو حرف نفي، أو لو.

ص: 121

أقول: فلمّا سبق الفعل في الآية المذكورة «قد» ، ذهبوا إلى أنّ «أن» مخفّفة من الثقيلة. والذي يعضد أنها مفسّرة، ما ورد من الآيات التي صدرت بفعل النداء وهو: نادى، ونودوا، كما في الآية الثالثة والأربعين من هذه السورة، وقد أشرنا إلى ذلك، والآية السادسة والأربعين، من هذه السورة أيضا، وفيها قوله تعالى:

وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ والآية الخمسين من السورة نفسها، وفيها قوله تعالى: وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ.

13-

وقال تعالى: وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ [الآية 46] .

«الأعراف» ، أعراف الحجاب، وهو السور المضروب بين الجنّة والنار، وهي أعاليه، جمع عرف، استعير من عرف الفرس وعرف الديك.

أقول: وهذا من معالم الاخرة التي أثبتتها لغة التنزيل كالصّراط وعلّيّين، وغيرهما.

14-

وقال تعالى: وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ [الآية 46] .

السيما: هي العلامة التي أعلمهم الله تعالى بها.

وقد جاءت «السيما» في ست آيات من سور مختلفة بهذا المعنى الذي ذكرناه، ومنها: سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ [الفتح: 29] .

ولقد أدرج أهل المعجمات «السيما» في «سوم» وقالوا فيها:

والسّومة والسّيمة والسّيماء والسّيمياء: العلامة، وسوّم الفرس:

جعل عليه السيّمة، أي: العلامة، وقالوا: إنّ «السّيما» ياؤها واو.

وللكلمة عدّة صيغ، ومنها المدّ «سيماء» وهي لغة.

قلت: أدرج أهل المعجمات هذه الكلمة في «سوم» ، وهي ألصق ب «الوسم» وليس شيئا أن يحدث القلب في الأصوات في الكلمات العربية، ألا ترى أنهم قالوا: ساوى وواسى مثلا «1» .

15-

وقال تعالى:

(1) . لقد لمح الغربيون المستعربون أن «سيما» قد تكون من «» اليونانية، وتعني العلامة، ومنها أخذ وو يراد بالأولى علم الدلالة، وبالثانية علم دلالة الألفاظ.

ص: 122

حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ [الآية 57] .

قال الزمخشري «1» : سحائب ثقالا بالماء جمع سحابة.

والضمير في «سقناه» يرجع للسحاب على اللفظ، ولو حمل على المعنى كالثقال لأنث كما لو حمل الوصف على اللفظ لقيل ثقيلا.

أقول: السّحاب في العربية يراعى فيه اللفظ في الغالب، أي: أنه مفرد كالماء والهواء، وإن كان في الحقيقة شيئا لا يتبيّن فيه الإفراد من الجمع، وهو شيء كثير كالغمام والماء والهواء، ولكثرته روعي المعنى في الآية، فجاء الوصف «ثقالا» ، بصيغة الجمع.

ثم جاء الضمير فعاد على السحاب في لفظه المفرد، فبدا هذا النمط الخاص في الآية من المراعاة.

أقول: هذه من خصائص لغة القرآن التي احتفظت بخصائص العربية القديمة.

16-

وقال تعالى: قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (60) .

«الملأ» في الآية تعني: الأشراف والسادة، وقيل: الرجال ليس معهم نساء. وسمّوا بذلك لأنهم ملاء بما يحتاج إليه.

أقول: ولنا أن نقول إن الفعل ملؤ يملؤ ملاءة فهو مليء، أي: صار مليئا، أي: ثقة.

هذا هو المليء وهو ليس بعيدا من جماعة «الملأ» ، ولكن المعاصرين استعملوه بمعنى «ملئان» و «مملوء» .

17-

قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ [الآية 61] .

أقول إن كلمة «قوم» منادى مضاف إلى ياء المتكلم، فهو «يا قومي» ، غير أن العربية في أدائها السليم، تفرض أن يجتزأ بالكسرة عن المدّ الطويل وهو الياء، وأرى أن ذلك بسبب طول الكلمة، فأداة النداء «يا» ، تشتمل على مدّ طويل، يكون هو والمنادى تركيبا طويلا لا يحتمل الياء الأخيرة، فقصر المدّ، واكتفي بالكسرة، ومثله: يا ربّ، ثم استحسن هذا الحذف فبقيت «ربّ» في لغة الدعاء مع حذف «يا» منها.

(1) . «الكشاف» 2: 111.

ص: 123

18-

وقال تعالى: إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ (64) .

لم يجئ الجمع «عميا» جمع أعمى، ولا عميانا، وإنما جاء «عمين» جمعا ل «عم» ، وهو الصفة على «فعل» ، لتجمع بالياء والنون على شاكلة أواخر الآيات (الفواصل) ، مختومة بالنون.

فقد جاءت الفواصل بالنون فهي ترحمون، وتعلمون، وتفلحون وغيرها. وقالوا: وقرئ عامين، وقالوا: إن «العمي» يدلّ على عمى ثابت، والعامي على عمى حادث.

ومن النادر أن يأتي الوصف على «فاعل» من الفعل اللازم على «فعل» مثل «فرح» فهو ضجر ولا يقال ضاجر، وهو طرب ولا يقال طارب، وهو حزن ولا يقال حازن، ولكنهم قالوا: عام وعم على السواء وهذا من لطائف العربية.

19-

وقال تعالى: فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69) .

الآلاء: النّعم، والمفرد ألى وإلى وإلي.

والعجيب أن الكلمة لا نراها إلا جمعا فأمّا قول الأعشى:

أبيض لا يرهب الهزال ولا يقطع رحما، ولا يخون إلا فنادر، لا نجد له شاهدا آخر، وقال فيه ابن سيده: يجوز أن يكون «إلا» هنا واحد آلاء الله، ويجوز ان يكون مخفّفا من الإلّ الذي هو العهد.

أقول: وقد يشيع في العربية الجمع، وينسى المفرد نحو «أرجاء» ، وقلّما يوجد «رجا» مستعملا، ومثله «آناء» كآناء الليل، وقلما نجد «إنّى» وهو المفرد.

20-

وقال تعالى: وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً [الآية 65] .

قال الزمخشري: و «أخاهم» عطف على «نوحا» .

أقول: كيف يجوز عطف على معطوف عليه قبله بكلام طويل، أي في قوله تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ (59) .

والذي أراه أن «أخاهم» في الآية الخامسة والستين، منصوب بفعل محذوف للعلم به، وهو «أرسلنا» ، فكأننا نقرأ: وإلى عاد أرسلنا أخاهم هودا. ونستطيع أن نقول مثل هذا في قوله تعالى:

ص: 124

وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً [الآية 73] أي: أرسلنا أخاهم صالحا.

21-

وقال تعالى: وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74) .

قرأ جميع القراء «تعثوا» بفتح الثاء من عثي يعثى عثوّا، وهو أشدّ الفساد.

وفي الفعل «عثي» لغتان: هما عثا يعثو عثوّا، وعاث يعيث عيثا، ولم يقرأ بهما.

أقول: وليس لنا من هذا الفعل في العربية المعاصرة إلّا عاث يعيث.

وحقيقة عثي يعثى، مقلوب عاث يعيث، كما قال كراع.

ولكنهم قالوا: إن اللغة الجيدة عثي يعثى. وقد كنا عرضنا لهذا الفعل في آية سابقة.

22-

وقال تعالى: فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (83) .

أي: من الذين غبروا في ديارهم، أي: بقوا فهلكوا، والتذكير لتغليب الذكور على الإناث.

وغبر الشيء يغبر غبورا: مكث وذهب وغبر الشيء: بقي. والغابر:

الباقي، والغابر: الماضي. ومن هنا قالوا: هو من الأضداد.

أقول: ولعلّ هذا كلّه جاء من أنّ الغابر، باقيا أو ماضيا، إنّما يكون سائرا عابرا: أي: متحرّكا.

ومن هنا كانت العلاقة بين غبر، وعبر علاقة أصيلة.

23-

وقال تعالى: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (89) .

أي: ربّنا احكم بيننا، والفتاحة الحكومة، أي الحكم بين المتخاصمين، أو أظهر أمرنا حتّى يتفتّح ما بيننا وبين قومنا.

أقول: وهذا من الكلم الشريف الذي اشتملت عليه لغة القرآن، والفتّاح، من صفة الله، هو الحاكم. وهو الفتّاح العليم. والفتّاح من أسماء الله تعالى الحسنى. وفي حديث ابن عباس: ما كنت أدري ما قوله- عز وجل:

رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا حتّى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها:

تعال أفاتحك، أي: أحاكمك، ومنه:«لا تفاتحوا أهل القدر» ، أي:

لا تحاكموهم.

أقول: وليس في عربيّتنا المعاصرة

ص: 125

شيء من هذا، فهل أدركنا ضعف هذه اللغة التي صرنا إليها؟ فكيف يراد لها أن تكون لغة العصر والحضارة الجديدة، بغير الجد والعمل الدائب والرجوع الى الأصول! 24- وقال تعالى: حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ [الآية 105] .

قال الزمخشري «1» : حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ، فيه أربع قراءات: المشهورة، وحقيق عليّ أن لا أقول، وهي قراءة نافع، وحقيق أن لا أقول، وهي قراءة عبد الله، وحقيق بأن لا أقول، وهي قراءة أبيّ.

وفي القراءة المشهورة إشكال، ولا تخلو من وجوه: أحدها: أن تكون مما يقلب من الكلام لأمن الإلباس كقوله:

نزلت بخيل لا هوادة بينها

وتشقى الرّماح بالضّياطرة الحمر

ومعناه: وتشقى الضياطرة بالرّماح.

والثاني: أن ما لزمك فقد لزمته، فلما كان قول الحق حقيقا عليه، كان هو حقيقا على قول الحق، أي: لازما له.

والثالث: أن يضمّن «حقيق» معنى حريص كما ضمّن «هيّجني» معنى «ذكّرني» في بيت الكتاب «2» .

والرابع: وهو الأوجه والأدخل في نكت القرآن: أن يغرق موسى في وصف نفسه بالصدق في ذلك المقام، ولا سيما وقد روي أن عدو الله فرعون قال له لما قال:«إني رسول من ربّ العالمين» : كذبت، فيقول: أنا حقيق على قول الحق، أي: واجب علي قول الحق، أن أكون أنا قائله والقائم به، ولا يرضى إلّا بمثلي ناطقا به.

25-

وقال تعالى: لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ [الآية 124] .

«من خلاف» ، أي من كل شقّ طرفا، وهذا يعني قطع اليد اليمنى مع الرجل اليسرى.

فكلمة «الخلاف» مصطلح تاريخي خاص.

(1) . «الكشاف» 2: 137- 138.

(2)

. البيت هو:

إذا تغنّى الحمام الوزق هيّجني،

وإن تغيّبت عنها، أمّ عمّار

ص: 126

26-

وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ [الآية 130] .

المراد ب «السنين» سنين القحط.

والسنة من الأسماء الغالبة كالدّابّة والنجم، ونحو ذلك وقد اشتقوا منها، فقالوا: أسنت القوم، بمعنى أقحطوا.

أقول:

إن دلالة «السنة» على القحط، وصيرورتها من الأسماء الغالبة كالدّابة والنّجم، إنما جاءت في الأصل من الوصف أو الإضافة، كأن يقال: سنة شديدة أو سنة قحط، ثم جرّدت من الوصف أو الإضافة للعلم بها وشيوعها، فصارت «سنة» ، وقد يشير الى صحة هذا التعليل ما يقال لدى العامة من أن «السنة سنة» ، يريدون بها سنة شديدة تأخذ بخناقهم.

قال، وقد اشتقوا منها: أسنت القوم بمعنى أقحطوا وقد كنا أشرنا إلى هذا.

قلت: ومن ذلك قول ابن الزّبعرى:

عمرو العلا هشم الثريد لقومه ورجال مكّة مسنتون عجاف ولنسرّح الطرف في سعة هذه المفردة الغنية، فماذا فيها؟:

قالوا: أسنى القوم إذا أقاموا سنة في موضع.

ويقال: تسنّت فلان كريمة آل فلان، إذا تزوّجها في سنة القحط.

وجاء في «الصحاح» : يقال تسنّتها إذا تزوّج رجل لئيم امرأة كريمة لقلّة مالها، وكثرة ماله.

والسّنتة والمسنتة: الأرض التي لم يصبها مطر فلم تنبت.

قال أبو حنيفة: فإن كان بها يبيس من يبيس عام أوّل، فليست بمسنتة ولا تكون مسنتة حتى لا يكون بها شيء.

وعام سنيت ومسنت: جدب.

وسانتوا الأرض: تتبّعوا نباتها.

أقول: وإذا كانت العربية قد أفادت من التاء في «السنة» فولدت هذه الفوائد الكثيرة، فقد أفادت من «الهاء» «1» ،

(1) . أقول: إن الفوائد اللغوية التي عرضنا لها، قد جاءت استفادة من هاء التأنيث لا من «الهاء» ، التي زعم اللغويون أنها من أصل «سنة» الذي هو «سنهة» فكما استفيد من التاء فجاءت «أسنت» وغيرها من الفوائد، كذلك استفيد من الهاء، علامة التأنيث في توليد فوائد أخرى.

ص: 127

وهي نظيرة التاء، وكلاهما علامة تأنيث فولّدت فوائد أخرى هي هذه:

قالوا: سنهت النخلة وتسنّهت إذا أتى عليها السّنون.

ولقد ابتعد اللغويون المتقدّمون في النظر الى المواد الثنائية، مثل شفة وسنة وعضة وغيرها وزعموا أنها ثلاثية حذفت لامها، واللام إما هاء وإما واو على خلاف بينهم، ولذلك قالوا: تسنّهت فجعلوا اللام هاء، وقالوا تسنّيت عنده إذا أقمت عنده سنة، وكأن اللام واو لقولهم في التصغير سنيّة، وفي الجمع سنوات، والذي ذهب الى الهاء قال: سنيهة في التصغير وسنهات في الجمع.

وعندي، أنّ الفوائد اللغوية التي جاءت فيها الهاء، قامت على اعتبار هاء التأنيث أصلا، كما عدّت التاء أصلا، وهي للتأنيث.

وكما قالوا تسنّهت عنده، قالوا تسنّيت إذا أقمت عنده سنة.

وقالوا: سانهه مسانهة وسناها، أي:

عامله بالسنة أو استأجره لها.

وسانهت النخلة، وهي سنهاء:

حملت سنة ولم تحمل أخرى، قال سويد بن الصامت:

فليست بسنهاء ولا رجّبيّة

ولكن عرايا في السنين الجوائح

والسّنهاء: التي أصابتها السنة المجدبة، وقد تكون النخلة التي حملت عاما ولم تحمل آخر، وقد تكون التي أصابها الجدب، وأضرّ بها فنفى ذلك عنها.

وقالوا: طعام سنه وسن إذا أتت عليه السّنون وسنه الطعام والشراب سنها وتسنّة: تغيّر، وقال تعالى: فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ [البقرة:

259] .

والتّسنّه: التّكرّج الذي يقع على الخبز، والشّراب وغيره.

وقرئت الآية: (لم يتسنّ) لمن نظر الى أنّ الواو هي لام الكلمة في الأصل.

وكثير من هذا قد كنا أشرنا إليه في آيات سابقة.

27-

وقال تعالى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ، أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ [الآية 131] .

ص: 128

يطّيّروا، أي: يتطيّروا، أي:

يتشاءموا.

و «طائرهم عند الله» أي: سبب خيرهم وشرّهم عند الله.

وأصل الطائر: ما تيمّنت به أو تشاءمت، وأصله في الجناح.

وقالوا للشيء يتطيّر به من الإنسان وغيره: طائر الله لا طائرك. فرفعوه على إرادة: هذا طائر الله، وفيه معنى الدعاء، وإن شئت نصبت أيضا.

وقال ابن الأنباري: معناه فعل الله لا فعلك وما تتخوّفه.

وقال اللّحياني: يقال: طير الله لا طيرك، وطائر الله لا طائرك، وصباح الله لا صباحك.

قال: يقولون هذا كلّه إذا تطيّروا من الإنسان، والنصب على معنى: نحبّ طائر الله، وقيل بنصبهما على معنى أسأل الله طائر الله لا طائرك.

والمصدر: الطّيرة.

وجرى له الطائر بأمر كذا، وقال عز وجل: أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ [الآية 131] المعنى ألا إنّما الشؤم الذي يلحقهم، هو الذي وعدوا به في الاخرة، لا ما ينالهم في الدنيا.

ومن هنا كان الطائر الحظّ، وطائر الإنسان عمله الذي قلّده، وقيل:

رزقه وهذا يعني، أن الطائر يكون الحظّ في الخير والشر.

وفي حديث أمّ العلاء الأنصارية:

اقتسمنا المهاجرين، فطار لنا عثمان بن مظعون، أي: حصل نصيبنا منهم عثمان.

ومنه حديث رويفع: إن كان أحدنا في زمان رسول الله (ص) ، ليطير له النصل، وللآخر القدح. معناه: إن الرّجلين كانا يقتسمان السّهم فيقع لأحدهما نصله، وللآخر قدحه.

وطائر الإنسان: ما حصل له في علم الله مما قدّر له ومنه الحديث:

«بالميمون طائره» ، أي: بالمبارك حظّه.

ويجوز أن يكون أصله من الطير السانح والبارح.

وقوله- عز وجل وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ [الإسراء: 13] .

قيل: حظّه، وقيل: عمله.

أقول: ولقد أمدّ «الطير» ، وهو من المخلوقات المعروفة العربية بقدر من الفوائد، ذلك أنّهم قرنوا بعضها بالخير

ص: 129

وبعضها بالشر، فكان السانح منها وكان البارح، والسانح ما أتى عن يمينك من ظبي أو طائر، وهو أمارة يمن وخير والبارح ما أتاك من ذلك عن يسارك، وهو أمارة شؤم وشر.

28-

وقال تعالى: فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (135) .

«إذا هم ينكثون» جواب «لمّا» ، يعني فلما كشفناه عنهم فأجاءوا «1» النكث، وبادروا لم يؤخّروه، ولكن لمّا كشف عنهم نكثوا.

أقول: جاءت الجملة الاسمية من المبتدأ والخبر بعد «إذا» الفجائية، وعلى هذا جرى أسلوب لغة التنزيل.

ثم جدّ في العربية منذ أزمان قولهم:

خرجت فإذا به ماش في الطريق، والجديد المولّد هو خفض الضمير بالباء وهذا هو الأسلوب المتّبع في العربية المعاصرة.

ومثل هذه الآية، قوله تعالى:

إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) .

29-

وقال تعالى: إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (139) .

«إنّ هؤلاء» ، أي: عبدة الأصنام الذين مرّ بهم بنو إسرائيل، ورأوهم يعكفون على أصنام لهم فسألوا موسى (ع) أن يجعل لهم إلها كما لهؤلاء آلهة، فقال كما ورد في التنزيل:

إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ، أي: مدمّر مكسّر ما هم فيه، من قولهم: إناء متبرّ إذا كان فضاضا، أي: فتاتا، أو يقال لكسار الذهب: تبر. والمعنى: يتبّر الله ويهدم دينهم الذي هم عليه.

وفي حديث علي (ع) عجز حاضر ورأي متبرّ، أي: مهلك، والتّبار الهلاك.

وقال- عز وجل وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً (39)[الفرقان] .

30-

وقال تعالى: قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي [الآية 144] .

والمعنى اخترتك على أهل زمانك وآثرتك عليهم برسالاتي وبكلامي.

والاصطفاء: الاختيار، واصطفاه اختاره، وهو افتعال من الصّفوة، ومنه النبيّ المصطفى- صلوات الله عليه- أي: اصطفاه ربّه، أي: اختاره.

(1) . أجاءوا: جاءوا به.

ص: 130

والصفوة، مثلثة الصاد، خيار كل شيء.

وقد كان مع الاختيار في الآية الإيثار، وما أرى ذلك إلا من استعمال الخافض «على» . وقد جاء الاصطفاء بمعنى الاختيار مع الإيثار، باستعمال الخافض في عدة آيات هي:

قال تعالى: أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (153)[الصافات] .

وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (42)[آل عمران] .

قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ [البقرة: 247] .

ونجد هذا الفعل بمعنى الاختيار دون الإيثار، وذلك لخلوّ الآيات من حرف الخفض «على» كما في قوله تعالى:

إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ [آل عمران: 42] .

إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ [البقرة:

132] .

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى [النمل: 59] .

لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ [الزمر: 4] .

ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا [فاطر: 32] .

وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا [البقرة:

130] .

اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ [الحج: 75] .

وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (47)[ص] .

31-

وقال تعالى: وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (149) .

والمعنى: ولما اشتدّ ندمهم وحسرتهم على عبادة العجل، لأنّ من اشتدّ ندمه وحسرته، يعضّ يده غمّا، فتصير يده مسقوطا فيها.

أقول: وسقط في أيديهم بمعنى وقع البلاء في أيديهم، أي: وجدوه وجدان من يده فيه، يقال ذلك للنادم عند ما يجده مما كان خفي عليه، ويقال:

سقط في يده وأسقط، وبغير الألف أفصح.

وقيل، معناه: صار الذي كان يضربه، ملقّى في يده.

أقول: وهذا من جملة أفعال جاءت

ص: 131

على بناء المفعول مثل: حمّ وغمّ وهرع وهزل وغيرها، وهي مسندة إلى الفاعل في الحقيقة.

32-

وقال تعالى: وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي [الآية 150] .

«ابن أمّ» ، منادى حذفت منه أداة النداء، وقرئ بالفتح تشبيها بخمسة عشر، وبالكسر على طرح ياء الإضافة وابن أمي بالياء، وابن إمّ بكسر الهمزة والميم.

أقول: قولهم تشبيها بخمسة عشر، أرادوا بها أن «ابن» و «أم» ، قد اتّحدا بالإضافة، فكأنّهما ركّبا تركيبا لازما وقد جرت العربية في المركّبات على تحريكهما بالفتح نحو: بين بين، وصباح مساء، وبيت بيت، وبابا بابا، وهرج مرج، وشذر مذر وغير ذلك.

ولا أريد أن أقول كما قال الأقدمون: إنّهم اختاروا الفتحة لخفّتها، ولكن أقول: كذا درجوا عليه، وكذا وردت لغتهم.

33-

وقال تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ [الآية 154] .

قال أهل اللغة المراد ب «سكت الغضب» سكن الغضب، وهو قول الزجّاج.

وقال المفسّرون يجوز أن يكون المعنى على القلب، أي: سكت موسى عن الغضب كما تقول: أدخلت القلنسوة في رأسي، والمعنى أدخلت رأسي في القلنسوة.

أقول: إطلاق السكوت على هدوء الغضب من الاستعارات الجميلة التي حفلت بها لغة التنزيل، فلا حاجة إلى هذا التخريج.

34-

وقال تعالى: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا [الآية 155] .

والمعنى: من قومه سبعين رجلا، فحذف الجار، فأوصل الفعل إلى الاسم، كقوله:

ومنّا الذي اختير الرجال سماحة وجودا إذا هبّ الرّياح الزعازع أي: ومنّا الذي اختاره الناس من بين الرجال، ف «الرجال» نصب على نزع الخافض. أقول: إن مسألة نزع الخافض يمكن أن نفسر بها مجيء الأفعال اللازمة التي تأتي متعدية أيضا، فقولهم: التقاه لا بد أن يكون أصله

ص: 132

التقى به. ثم نزع الخافض فأوصل الفعل الى الضمير. ولعل الكثير من الأفعال المتعدية كانت لازمة في الأصل، ثم صير الى هذه الطريقة التماسا للخفة التي آلت إلى الإيجاز.

35-

وقال تعالى وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ [الآية 156] .

والمعنى لقوله تعالى هُدْنا إِلَيْكَ تبنا إليك، وهو قول مجاهد، وسعيد بن جبير، وإبراهيم.

قال ابن سيدة: عدّاه بإلى لأنّ فيه معنى «رجعنا» ، وقيل: معناه تبنا ورجعنا وقربنا من المغفرة، وكذلك قوله تعالى: فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ [البقرة: 54] .

أقول: وليس لأهل اللغة أن يعقدوا صلة بين هذا الفعل وبين الفعل «هادوا» في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا [البقرة: 62، والمائدة: 69، والحج: 17] ، ذلك بأن هذا الفعل الأخير يرجع الى «يهود» ، وهو اسم قبيلة نسب إليها اليهود.

ولنعد الى مادة «هاد يهود» التي وردت في الآية في كلامنا عليها فنقول: المتهوّد: المتوصّل بهوادة إليه، وهو المتقرّب.

والتهويد والتّهواد والتهوّد: الإبطاء في السّير واللين والترفّق.

والتهويد: المشي الرّويد كالدّبيب ونحوه، وهو السّير الرفيق.

وفي حديث ابن مسعود: «إذا كنت في الجدب، فأسرع السير ولا تهوّد» .

أي: لا تفتر، وكذلك التهويد في المنطق، وهو الساكن، يقال: غناء مهوّد، قال الراعي:

وخود من اللائي تسمّعن بالضّحى

قريض الرّدافى بالغناء المهود

والتهويد أيضا النوم.

وتهويد الشراب: إسكاره. وهوّده الشراب إذا فتّره فأنامه، وقال الأخطل:

ودافع عنّي يوم جلّق غمزه

وصمّاء تنسيني الشراب المهوّدا

أقول: إن معنى «هاد» في الآية بمعنى التوبة أو الرجوع في قوله تعالى: إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ، واستفيد هذا المعنى من التضمين، الذي دلّ عليه الخافض «إلى» ، فقد نقل من «السير» وهو المعنى القديم، إلى «التوبة» وهي

ص: 133

«الرجوع» أيضا، فاقتضى استعمال «إلى» .

ولمّا كان أصل المعنى السير والترفق، فهو قريب من الفتور، فقالوا:«هوّد الشراب» . ألا ترى أن في ذلك شيئا من مقلوب «هدأ» مثلا؟

ثم من المفيد أن نذكر أن العامة في الحواضر العراقية يقولون: «هوّد الألم» ، في الكلام على الجراحات والأوجاع.

36-

وقال تعالى: وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً [الآية 160] .

والمراد ب «الأسباط» القبائل، ومن أجل ذلك قيل: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مطابقة. وحقيقة الأسباط أولاد الولد جمع سبط، والسبط مذكر، ولكنه أريد به القبيلة، وهم أسباط اليهود من ولد يعقوب (ع) .

37-

وَقُولُوا حِطَّةٌ [الآية 161] .

وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ [البقرة: 58] .

وقال الزجّاج: معناه قولوا مسألتنا حطّة، أي: حطّ ذنوبنا عنّا، أو أمرنا حطّة، قال: ولو قرئت (حطّة) بالنصب كان وجها في العربية، كأنه قيل لهم:

قولوا احطط عنّا ذنوبنا حطّة، فحرّفوا هذا القول وقالوا لفظة غير هذه اللفظة التي أمروا بها، وجملة ما قالوا أنّه أمر عظيم، سمّاهم الله به فاسقين.

وقال الفرّاء: قولوا ما أمرتم به حطّة، أي: هي حطّة، فخالفوا إلى كلام بالنّبطية، فذلك قوله تعالى:

فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ [البقرة: 59] .

وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أنهم قالوا «حنطة» حينما بدّلوا.

38-

وقال تعالى: إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً [الآية 163] .

والمعنى إذ يتجاوزون حدّ الله فيه، وهو اصطيادهم في يوم السبت، وقد نهوا عنه، وأمروا بأن لا يشتغلوا فيه بغير العبادة.

والسّبت: مصدر سبت اليهود، إذا عظّموا سبتهم بترك الصيد والاشتغال بالتعبّد.

أقول: السبت من الكلم السامي

ص: 134

القديم، الذي أفادت منه العربية، ودخل في عداد الكلمات المتصرّفة، فكان منه الفعل والمصدر.

39-

وقال تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ [الآية 167] .

قوله تعالى: تَأَذَّنَ رَبُّكَ بمعنى عزم ربّك، وهو «تفعّل» من الإيذان وهو الإعلام، لأنّ العازم على الأمر يحدّث نفسه به، ويوذنها بفعله، وأجري مجرى فعل القسم، كعلم الله وشهد الله، ولذلك أجيب بما يجاب به القسم، وهو قوله تعالى لَيَبْعَثَنَّ، والمعنى: وإذ حتم ربّك، وكتب على نفسه، ليبعثنّ على اليهود إلى يوم القيامة «1» .

40-

وقال تعالى: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171) .

قوله تعالى: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ بمعنى قلعناه ورفعناه، كقوله سبحانه: وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ [البقرة: 63] .

ومنه نتق السّقاء، إذا نفضه ليقتلع الزّبدة منه «2» .

أقول: وهذا من الكلم العربي القديم الذي حفظته لغة القرآن.

قالوا: نتقت الغرب من البئر، أي:

جذبته بمرّة.

وفي الحديث في صفة مكّة والكعبة:

أقلّ نتائق الدنيا مدرا. والنّتائق جمع نتيقة، فعيلة بمعنى مفعولة من النّتق، وهو أن يقلع الشيء فيرفعه من مكانه ليرمي به. هذا هو الأصل، وأراد بها هاهنا البلاد لرفع بنائها وشهرتها في موضعها.

41-

وقال تعالى: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (178) .

قوله تعالى: فَهُوَ الْمُهْتَدِي حمل على اللفظ، وقوله سبحانه فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ، حمل على المعنى.

أقول: يريد أن لفظ «من» مفرد في وضعه، جمع في معناه.

(1) . «الكشاف» 2: 173.

(2)

. المصدر نفسه 2: 175.

ص: 135

والحقيقة أن لفظ «من» يكون مفردا وجمعا في المعنى. وكأن الآية حين حمل الجزء الأخير منها على المعنى، فجاء قوله تعالى فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ، كان ذلك مراعاة للسياق الذي درجت عليه السورة، فالفواصل كلها بالنون، ومن أجل ذلك حمل على المعنى.

42-

وقال تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ [الآية 180] .

قوله تعالى: وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ، أي واتركوا تسمية الذين يميلون عن الحق والصواب فيها، فيسمّونه بغير الأسماء الحسنى.

أقول: اشتهر الإلحاد بأنه الكفر بالله، والإشراك به والشك فيه، وهذا مجاز، حقيقته الميل والعدول عن الشيء، وقد جاء في الآية على الحقيقة.

ويعرض للألفاظ ان يشتهر فيها المجاز، وتترك الحقيقة هذا كثير، نتبيّنه في جمهرة كبيرة من الكلم.

43-

وقال تعالى: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (182) .

قوله تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ، أي سنستدنيهم قليلا قليلا إلى ما يهلكهم، ونضاعف عقابهم.

أقول: و «الاستدراج» من الكلم المعروف في اللغة المعاصرة، ويراد به استدناء المرء بضرب من الحيلة والمخادعة، لأخذه بشيء، والإفادة منه.

44-

وقال تعالى: يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها [الآية 187] .

السؤال عن الساعة وعن موعدها، وقوله تعالى كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها معناه:

كأنك عالم بها.

وحقيقته: كأنك بليغ في السؤال عنها، لأن من بالغ في المسألة عن الشيء والتنقير عنه، استحكم علمه فيه ورصن وهذا التركيب، معناه المبالغة. ومنه إحفاء الشارب، واحتفاء البقل: استئصاله.

وأحفى في المسألة إذا ألحف.

وحفى بفلان وتحفّى به: بالغ في البرّ به «1» وجاء في «الانتصاف» «2» : وفي

(1) . «الكشاف» 2: 184.

(2)

. «الانتصاف» لأحمد المنير الإسكندري، حاشية على «الكشاف» 2:184.

ص: 136

هذا النوع من التكرير نكتة لا تلفى إلّا في الكتاب العزيز

وذاك أن المعهود في أمثال هذا التكرير أن الكلام إذا بني على مقصد، واعترض في أثنائه عارض، فأريد الرجوع لتتميم المقصد الأول، وقد بعد عهده، طرّي بذكر المقصد الأول لتتصل نهايته ببدايته، وقد تقدّم لذلك في الكتاب العزيز أمثال، وهذا منها، فإنه لما ابتدأ الكلام بقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها، ثم، اعترض ذكر الجواب المضمّن في قوله سبحانه:

قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي، إلى قوله بَغْتَةً، أريد تتميم سؤالها عنها بوجه من الإنكار عليهم، وهو المضمّن في قوله جلّ وعلا: كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها وهو شديد التعلق بالسؤال، وقد بعد عهده فطرّي ذكره تطرية عامة ولا نراه أبدا يطرى إلا بنوع من الإجمال، كالتذكرة للأوّل مستغنى عن تفصيله بما تقدّم، فمن ثمّ قيل: يَسْئَلُونَكَ، ولم يذكر المسؤول عنه وهو الساعة، اكتفاء بما تقدم، فلما كرّر السؤال لهذه الفائدة، كرّر الجواب أيضا مجملا، فقيل: قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ.

أقول: واستعمال «حفيّ» في العربية المعاصرة يكون بتطلّبه الباء حرف جر بعده، فيقال: هو حفيّ بما فاز به.

45-

وقال تعالى: قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (195) .

قوله تعالى: فَلا تُنْظِرُونِ بكسر النون، اجتزئ بالكسرة عن الياء.

لم يكن ذلك من خطّ المصحف الذي جرى على نمط خاص، وإنما كان ذلك لسبب صوتي، هو أنّ أواخر الآيات قد ختمت بالنون في الأسماء والأفعال نحو الشاكرين وصامتين والصالحين ويؤمنون ويشركون وغيرها وإنما حرّكت النون في هذه الآية بالكسرة، كي يستغنى عنها عند الوقف على آخر الآية، فتكون كسائر الفواصل الأخرى ولا يتأتّى ذلك، لو أثبتت الياء. وإذا كان هذا هو السبب في حذف الياء والاستغناء عنها بالكسرة، فما السبب في حذف الياء في الذي يسبق قوله تعالى: فَلا تُنْظِرُونِ، وهو قوله سبحانه:

كِيدُونِ؟ الجواب عن هذا: أن الياء حذفت استحسانا لتأتي الكلمة مشاكلة للكلمة الأخرى التي ختمت بها الآية قوله: فَلا تُنْظِرُونِ.

والمشاكلة في الأصوات كثيرة في لغة التنزيل، وهي تؤدي غرضا صوتيا

ص: 137

يرمي الى حسن الأداء والتلاوة.

46-

وقال تعالى خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (199) قال الزمخشري «1» :

«العفو» ضد الجهد، أي: خذ ما عفا لك من أفعال الناس، وأخلاقهم، وما أتي منهم، وتسهّل من غير كلفة، ولا تداقّهم، ولا تطلب منهم الجهد وما يشقّ عليهم حتى لا ينفروا كقوله (ص) : يسّروا ولا تعسّروا.

قال الشاعر:

خذي العفو منّي تستديمي مودّتي

ولا تنطقي في سورتي حين أغضب

وقيل: خذ الفضل وما تسهّل من صدقاتهم.

أقول: والعفو بهذه الخصوصية المعنوية أصل المعنى، وقولنا: عفو الخاطر، ما جاء سهلا على البديهة من غير قصد ولا رويّة.

47-

وقال تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [الآية 200] .

والمعنى وإما ينخسنّك منه نخس، بأن يحملك بوسوسته على خلاف ما أمرت به، فاستعذ بالله.

أقول: النزغ والنخس والنّسغ واحد، وكذلك الندغ. ونزغه: طعنه بيد أو رمح. ونسغت الواشمة بالإبرة.

والنغز في الألسن الدراجة كالنسغ بالإبرة، وهو منه على القلب والإبدال.

48-

وقال تعالى: وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها [الآية 203] .

واجتبى الشيء بمعنى جباه لنفسه، أي: جمعه، أو جبي إليه فاجتباه، أي: أخذه.

ومعنى قوله تعالى لَوْلا اجْتَبَيْتَها: هلا اجتمعتها، افتعالا من عند نفسك، لأنهم كانوا يقولون: ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً [سبأ: 43] أو هلّا أخذتها منزلة عليك مقترحة؟ «2» .

وقال ثعلب: معناه: جئت بها من نفسك.

وقال الفرّاء: هلّا اجتبيتها، بمعنى هلا اختلقتها وافتعلتها من قبل نفسك.

(1) . «الكشاف» ، 2: 189- 190.

(2)

. المصدر نفسه، 2:192. [.....]

ص: 138

وقال الزّجّاج في قوله تعالى: وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ [يوسف: 6] . معناه وكذلك يختارك ويصطفيك.

وهذا المعنى يرد في ثماني آيات.

أقول: لم يبق شيء من هذا الفعل المفيد في العربية المعاصرة، وكان خليقا بالكتّاب أن يعودوا إليه.

49-

وقال تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا [الآية 204] .

توجب الآية الاستماع والإنصات، عند قراءة القرآن في الصلاة وغير الصلاة.

وقيل: كانوا يتكلّمون في الصلاة، فنزلت.

أقول: ألا ترى أن المجرّد من أنصت وهو «نصت» غير وارد في الاستعمال وهو والفعل «صمت» شيء واحد، ثم جاء القلب المكاني ليحدث خصوصية معنوية في أنصت.

ص: 139