الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحي، ومع الحبة المستكنة في ظلام الأرض، والنطفة المستكنة في ظلام الرحم. ثم تموج بالجن والإنس، والطير والوحش، والأوّلين والآخرين والأحياء والأموات، والحفظة من الملائكة على النفس بالليل والنهار..
إنه الحشد الكوني الذي يزحم أقطار النفس، وأقطار الحس، وأقطار اللمس وأقطار الخيال.. ثمّ إنّها اللمسات المبدعة المحببة، التي تنتفض المشاهد بعدها والمعاني، أحياء تمرح في النفس والخيال. وإذا كلّ مكرور مألوف من المشاهد والمشاعر، جديد نابض، كأنما تتلقّاه النفس أول مرة، ولم يطلع عليه من قبل ضمير إنسان. إلا أنّها القدرة المبدعة تتبدّى في صورة من صورها الكثيرة، فما يقدر على بث الحياة هكذا في الصور والمشاعر والمعاني، إلا الله سبحانه الذي بث في الوجود الحياة.
6- الأغراض الرئيسة لسورة الأنعام
إن الأغراض الرئيسة التي استهدفتها هذه السورة الكريمة هي تركيز العقائد الأساسية الثلاث التي كان المشركون يومئذ يتنازعون فيها، وهذه العقائد الأساسية هي:
أولا: توحيد الله. ويتصل بهذا إقامة الدليل على وحدة الألوهيّة، بلفت النظر إلى آثار الربوبية، وإلى صفات الله الخالق المتصرف، كما يتصل بها إبطال عقيدة الشرك، وشبهات المشركين، وتقرير أن العبادة والتوجّه والتحريم والتحليل، إنما ترجع إلى الله.
ثانيا: الإيمان برسوله الذي أرسل، وكتابه الذي أنزل، وبيان وظيفة هذا الرسول، ورد الشبهات التي تثار حول الوحي والرسالة.
ثالثا: الايمان باليوم الاخر وما يكون فيه من ثواب وعقاب وجزاء. وسوف نتناول كل غرض من هذه الأغراض بالتوضيح:
(أ) وحدة الألوهيّة:
لقد بدأت سورة الأنعام بتقرير الحقيقة الأولى في كل دين وعلى لسان كل رسول، تلك الحقيقة التي تؤمن بها الفطر السليمة ويدل عليها العالم بأرضه وسمائه. وما فيه من مخلوقات ناطقة
وصامتة ظاهرة وخفية وما فيه من تحوّلات وتقلّبات ونور وظلمات وهذه الحقيقة هي أن الإله الذي له (الحمد) المطلق والتنزيه الذي لا يحدّ هو الله، لأنه هو الذي «خلق» وهو الذي «جعل» فالخلق إنشاء وإبداع، والجعل تصريف وتقليب والعالم أجمع في دائرتيهما فلا ينفكّ شيء منه عن كلا هذين المظهرين:«خلق» و «جعل» . ومقتضى ذلك أنّ المخلوق المجهول، لا يمكن أن يتسامى إلى مرتبة الخالق الجاعل فيعبد كما يعبد، ويقصد كما يقصد، ذلك هو مطلع السورة الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) . وكل ما جاء في هذه السورة إنما هو بيان وتفصيل، أو تمثيل وتطبيق على هذه الحقيقة أحيانا بصفة مباشرة، وأحيانا بوسائط تقرّب أو تبعد.
وهذا هو المعنى الذي يعبّر عنه بعض العلماء بأنه الحكم بتوحيد الألوهيّة استدلالا بوحدانيّة الربوبيّة، وذلك في القرآن كثير. فأوّل فاتحة الكتاب:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (2) .
وأول الكهف:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ.
وأول فاطر:
الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا.
ولو ذهبنا نتتبّع هذا المعنى لأوغلنا في التتبّع، ورأينا الكثير من الآيات، فإن هذا هو أصل الأديان كلّها وهو الحقيقة الأولى، كما تجلى ذلك في سورة الأنعام. وقد ساقت السورة عددا من الأدلّة على توحيد الله سبحانه، فهي تلفت إلى مظاهر الملك التام، والسلطان القاهر في الخلق والتصرّف الكامل، والعلم المحيط فتقول:
قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ [الآية 12] .
وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13) .
وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ [الآية 59] .
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ [الآية 60] .
وهي تلفت النظر إلى ملكوت السماوات والأرض، وما خلق الله من