المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «النحل» - الموسوعة القرآنية خصائص السور - جـ ٥

[جعفر شرف الدين]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الخامس

- ‌سورة النحل

- ‌البحث الأول أهداف سورة «النحل»

- ‌عرض إجمالي للسورة

- ‌التوحيد في السورة

- ‌نعم الله

- ‌وحدة الألوهية

- ‌أدلة الوحدانية

- ‌اسم السورة

- ‌مظاهر القدرة الإلهية

- ‌الأوامر والنواهي

- ‌ختام سورة النحل

- ‌الغرض منها وترتيبها

- ‌إبطال الشرك الآيات [1- 23]

- ‌رد شبهة لهم على القرآن الآيات [24- 34]

- ‌عود الى إبطال شركهم الآيات [35- 37]

- ‌رد شبهة لهم على البعث الآيات [38- 42]

- ‌رد شبهة لهم على النبوة الآيات [43- 50]

- ‌عود الى إبطال أنواع من الشرك الآيات [51- 100]

- ‌عود الى رد شبههم على القرآن الآيات [101- 111]

- ‌الخاتمة الآيات [112- 128]

- ‌المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «النحل»

- ‌المبحث الرابع مكنونات سورة «النحل»

- ‌المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «النحل»

- ‌المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «النحل»

- ‌المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «النحل»

- ‌المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «النحل»

- ‌سورة الإسراء

- ‌المبحث الأول أهداف سورة ‌‌«الإسراء»

- ‌«الإسراء»

- ‌وعد الله لبني إسرائيل

- ‌أوهام المشركين، وحجج القرآن الكريم

- ‌من أسرار الإعجاز في سورة الإسراء

- ‌المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الإسراء»

- ‌تاريخ نزولها ووجه تسميتها

- ‌الغرض منها وترتيبها

- ‌إثبات الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الآيات (1- 8)

- ‌الموازنة بين كتابي المسجدين الآيات (9- 59)

- ‌بيان حكمة الإسراء الآيات (60- 81)

- ‌عود إلى بيان فضل القرآن الآيات (82- 111)

- ‌المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الإسراء»

- ‌المبحث الرابع مكنونات سورة «الإسراء»

- ‌المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الإسراء»

- ‌المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الإسراء»

- ‌المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الإسراء»

- ‌المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الإسراء»

- ‌سورة الكهف 18

- ‌المبحث الأول أهداف سورة «الكهف»

- ‌القصص في سورة الكهف

- ‌ قصة أصحاب الكهف

- ‌قصة موسى والخضر

- ‌قصة ذي القرنين

- ‌أهداف سورة الكهف

- ‌المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الكهف»

- ‌تاريخ نزولها ووجه تسميتها

- ‌الغرض منها وترتيبها

- ‌المقدمة الآيات [1- 8]

- ‌قصة أصحاب الكهف الآيات [9- 82]

- ‌قصة ذي القرنين الآيات [83- 108]

- ‌الخاتمة الآيات [109- 110]

- ‌المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الكهف»

- ‌المبحث الرابع مكنونات سورة «الكهف»

- ‌المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الكهف»

- ‌المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الكهف»

- ‌المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الكهف»

- ‌المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الكهف»

- ‌سورة مريم 19

- ‌المبحث الأول أهداف سورة «مريم»

- ‌أهداف السورة

- ‌القصص في سورة مريم

- ‌حكمة خلق عيسى (ع)

- ‌قصة ميلاد عيسى (ع)

- ‌أسلوب القرآن

- ‌المعالم الرئيسة في السورة

- ‌المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «مريم»

- ‌تاريخ نزولها ووجه تسميتها

- ‌الغرض منها وترتيبها

- ‌نتف من قصص بعض الرسل الآيات [1- 58]

- ‌انحراف خلفهم عن سننهم الآيات [59- 98]

- ‌المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «مريم»

- ‌المبحث الرابع مكنونات سورة «مريم» »

- ‌المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «مريم»

- ‌المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «مريم»

- ‌المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «مريم»

- ‌المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «مريم»

- ‌سورة طه 20

- ‌المبحث الأول أهداف سورة «طه»

- ‌معنى طه

- ‌أهداف السورة من أهداف سورة طه:

- ‌قصة موسى (ع) في القرآن

- ‌قصة موسى في سورة طه

- ‌أدلّة موسى (ع) على وجود الله تعالى

- ‌موسى والسحرة

- ‌غرق فرعون ونجاة موسى

- ‌موسى والسامري

- ‌مشاهد القيامة وختام السورة

- ‌المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «طه»

- ‌تاريخ نزولها ووجه تسميتها

- ‌الغرض منها وترتيبها

- ‌الحث على الصبر [الآيات 1- 8]

- ‌قصة موسى الآيات [9- 114]

- ‌قصة آدم الآيات [115- 127]

- ‌الخاتمة الآيات (128- 135)

- ‌المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «طه»

- ‌المبحث الرابع مكنونات سورة «طه»

- ‌المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «طه»

- ‌المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «طه»

- ‌المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «طه»

- ‌المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «طه»

- ‌سورة الأنبياء 21

- ‌المبحث الأول أهداف سورة «الأنبياء»

- ‌الغرض منها وترتيبها

- ‌نظم السورة

- ‌أشواط أربعة

- ‌الشوط الأول

- ‌الشوط الثاني

- ‌الشوط الثالث

- ‌الشوط الرابع

- ‌المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الأنبياء»

- ‌تاريخ نزولها ووجه تسميتها

- ‌الغرض منها وترتيبها

- ‌إنذارهم باقتراب حسابهم الآيات (1- 47)

- ‌قصص الأنبياء الآيات (48- 91)

- ‌الخاتمة الآيات (92- 112)

- ‌المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الأنبياء»

- ‌المبحث الرابع مكنونات سورة «الأنبياء»

- ‌المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الأنبياء»

- ‌المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الأنبياء»

- ‌المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الأنبياء»

- ‌المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الأنبياء»

الفصل: ‌المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «النحل»

‌المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «النحل»

«1»

إن قيل: لم قدّمت الإراحة، وهي مؤخّرة في الواقع، على السروح، وهو مقدم في الواقع، في قوله تعالى:

حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) .

قلنا: لأنّ الأنعام، في وقت الإراحة، وهي ردها عشيّا الى المراح، تكون أجمل وأحسن، لأنها تقبل ملأى البطون، حاملة الضروع، متهادية في مشيها، يتبع بعضها بعضا، بخلاف وقت السروح، وهو إخراجها الى المرعى، فإنّ هذه الأمور كلّها تكون على ضدّ ذلك.

فإن قيل: قوله تعالى: لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ [الآية 7]، إن أريد به: لم تكونوا بالغيه عليها إلّا بشق الأنفس، فلا امتنان فيه وإن أريد به لم تكونوا بالغيه بدونها إلّا بشقّ الأنفس، فهم لا يبلغونه عليها أيضا إلّا بشق الأنفس، فما الحكمة في ذلك؟

قلنا: معناه وتحمل أثقالكم: أي أجسامكم وأمتعتكم معكم الى بلد بعيد قد علمتم أنكم لا تبلغونه بدونها، بأنفسكم من غير أمتعتكم إلّا بجهد ومشقة. فكيف لو حملتم أمتعتكم على ظهوركم؟ والمراد بالمشقة: المشقّة التي تنشأ من المشي، أو من المشي مع الحمل على الظهر لا مطلق مشقّة السفر، وهذا مخصوص بحال فقد الإبل، فظهرت الحكمة من ذلك.

فإن قيل: قوله تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً [الآية 8] يقتضي حرمة أكل الخيل، كما

(1) . انتقي هذا المبحث من كتاب «أسئلة القرآن المجيد وأجوبتها» ، لمحمد بن أبي بكر الرازي، مكتبة البابي الحلبي، القاهرة، غير مؤرّخ.

ص: 39

اقتضاه في البغال والحمير، من حيث أنه لم ينصّ على منفعة أخرى فيها، غير الركوب والزينة، ومن حيث أن التعليل بعلّة يقتضي الانحصار فيها كقولك: فعلت هذا لكذا، فإنه يناقضه أن تكون فعلته لغيره، أو له مع غيره، إلّا إذا كان أحدهما جهة في الاخر.

قلنا: ينتقض بالحمل عليها والحراثة بها، فإن ذلك مباح مع أنه لم ينص عليه.

فإن قيل: إنّما ثبت ذلك بالقياس على الأنعام، فإنه منصوص عليه بقوله تعالى وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ [الآية 5] ، والمراد به كل منفعة، معهودة منها عرفا، لا كلّ منفعة. فثبت مثل ذلك في الخيل والبغال والحمير.

قلنا: لو كان ثبوته فيها بالقياس في الأنعام، لثبت حلّ الأكل في الخيل بالقياس على ثبوته في الأنعام أيضا ولو ثبت حلّ الأكل في الخيل بالقياس، لثبت في البغال والحمير، كما ثبت الحمل والحراثة ثبوتا شاملا للكل بالقياس على ثبوته في الأنعام.

والجواب عن الجهة الثانية في أصل السؤال، أن هذه اللام ليست لام التعليل، بل لام التمكين، كقوله تعالى جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ [يونس:

67، غافر: 61] ومع هذا يجوز في الليل غير السكون.

فإن قيل: لم قال الله تعالى في وصف ماء السماء يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ [الآية 11] ولم يقل كل الثمرات، مع أن كل الثمرات تنبت بماء السماء؟

قلنا: كل الثمرات لا تكون إلّا في الجنة، وإنما ينبت في الدينا بعض منها أنموذجا وتذكرة، فالتبعيض بهذا الاعتبار يكون المراد بالثمرات ما هو أعمّ من ثمرات الدنيا، ومن يجوّز زيادة «من» في الإثبات يحتمل أن يجعلها زائدة هنا.

فإن قيل: قوله تعالى: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ [الآية 17] ، المراد بمن لا يخلق الأصنام، بدليل قوله تعالى بعده: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) ، فكيف جيء بمن المختصة بأولي العلم والعقل؟

قلنا: خاطبهم على معتقدهم، لأنهم سموها آلهة وعبدوها، فأجروها مجرى

ص: 40

أولي العلم، ونظير هذا قوله تعالى في الأصنام أيضا: أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها [الأعراف: 195]، فأجرى عليهم ضمير أولي العلم والعقل لما قلناه ويرد على هذا الجواب أن يقال: إذا كان معتقدهم خطأ وباطلا، فالحكمة تقتضي أن ينزعوا عنه ويقلعوا، لا أن يبقوا عليه ويقرّوا في خطابهم على معتقدهم إيهاما لهم أنّ معتقدهم حقّ وصواب، وجوابه: أن الغرض من الخطاب الإفهام، ولو خاطبهم على خلاف معتقدهم ومفهومهم فقال: أفمن يخلق كما لا يخلق، لاعتقدوا أنّ المراد من الثاني غير الأصنام من الجماد. الثاني: قال ابن الأنباري: إنما جاز ذلك، لأنّها ذكرت مع العالم، فغلب عليها حكمه في اقتضاء «من» ، كما في قول العرب: اشتبه عليّ الراكب، وجمله: فما أدري من ذا، ومن ذا.

فإن قيل: هذا إلزام للذين عبدوا الأصنام، وسمّوها آلهة تشبيها بالله، فقد جعلوا غير الخالق مثل الخالق، فظاهر الإلزام يقتضي أن يقال لهم:

أفمن لا يخلق كمن يخلق؟

قلنا: لما سوّوا بين الأصنام وخالقها سبحانه وتعالى، في تسميتها باسمه، وعبادتها كعبادته، فقد سوّوا بينها وبين خالقها قطعا، فصحّ الإنكار بتقديم أيهما كان وإنما قدم في الإنكار عليهم ذكر الخالق، إمّا لأنه أشرف، أو لأنه هو المقصود الأصلي من هذا الكلام، تنزيها له وإجلالا وتعظيما.

فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى في وصف الأصنام غَيْرُ أَحْياءٍ [الآية 21] بعد قوله تعالى: أَمُوتُ؟

قلنا: الحكمة فيه، إفادته أنها أموات لا يعقب موتها حياة، احترازا عن أموات يعقب موتها حياة. كالنطف والبيض والأجساد الميتة، وذلك أبلغ في موتها، كأنّ الكلام: أموات في الحال غير أحياء في المال. الثاني: أنه ليس وصفا لها بل لعبّادها، معناه:

وعبّادها غير أحياء القلوب. الثالث:

أنه إنما قال غَيْرُ أَحْياءٍ ليعلم أنه أراد أمواتا في الحال، لا أنها ستموت كما في قوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30)[الزّمر] .

فإن قيل: لم عاب الأصنام وعبّادها بأنهم لا يعلمون وقت البعث، فقال تعالى: وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ

ص: 41

يُبْعَثُونَ

(21)

والمؤمنون الموحّدون كذلك؟

قلنا: معناه وما يشعر الأصنام متى يبعث عبّادها، فكيف تكون آلهة مع الجهل؟ أو معناه: وما يشعر عبّادها، وقت بعثهم لا مفصّلا ولا مجملا، لأنهم ينكرون البعث، بخلاف الموحّدين فإنهم يشعرون وقت بعثهم مجملا، أنه يوم القيامة، وإن لم يشعروه مفصّلا..

فإن قيل: قوله تعالى وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (24) كيف يعترفون بأنه من عند الله تعالى، بالسؤال المعاد ضمن الجواب، ثم يقولون هو أساطير الأوّلين.

قلنا: قد سبق مثل هذا السؤال وجوابه في سورة الحجر في قوله تعالى وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6)[الحجر] .

فإن قيل: لم قيل هنا لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ [الآية 25] وقال في موضع آخر: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام: 164] ؟ قلنا: معناه ومن أوزار إضلال الذين يضلّونهم، فيكون عليهم وزر كفرهم مباشرة، ووزر كفر من أضلّوهم تسبّبا، فقوله تعالى: لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يعني أوزار الذنوب التي باشروها. وأما قوله تعالى وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى، فمعناه: وزر لا مدخل لها فيه، ولا تعلّق له بها مباشرة، ولا تسبّبا ونظير هاتين الآيتين قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ [العنكبوت: 12] إلى قوله تعالى وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ [العنكبوت: 13] .

فإن قيل: قوله تعالى: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ [الآية 40] ، يدل على أن المعدوم شيء، ويدل على ان خطاب المعدوم جائز والأول منتف عند أكثر العلماء، والثاني منتف بالإجماع؟

قلنا: أما تسميته شيئا، فمجاز باعتبار ما يؤول إليه، ونظيره قوله تعالى إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) [الحج] وقوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30)[الزّمر] . وأما الثاني فإن هذا الخطاب تكوين، يظهر به أثر القدرة،

ص: 42

فيمتنع أن يكون المخاطب به موجودا قبل الخطاب لأنه إنما يكون بالخطاب، فلا يسبقه، بخلاف خطاب الأمر والنهي.

فإن قيل: قوله تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ [الآية 49] كيف لم يغلب العقلاء من الدواب على غيرهم، كما في قوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ [النّور:

45] .

قلنا: لأنه أراد عموم كل دابة وشمولها، فجاء ب «ما» التي تعم النوعين وتشملهما، ولو جاء ب «من» لخّص العقلاء.

فإن قيل: قوله تعالى: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ [الآية 61] يقتضي أنه لو أخذ الظالمين بظلمهم لأهلك غير الظالمين من الناس، ولأهلك جميع الدوابّ غير الناس ومؤاخذة البريء بسبب ظلم الظالم، لا يحسن بالحكيم؟

قلنا: المراد بالظلم هنا الكفر، وبالدابّة الظالمة الكافر، كذا قاله ابن عباس رضي الله عنهما. وقيل معناه: لو أهلك الآباء بكفرهم لم يكن الأبناء.

الثاني: يجوز أن يهلك الجميع بشؤم ظلم الظالمين، مبالغة في إعدام الظلم ونفي وجود أثره، حتى لا يوجد بعد ذلك من بقيّة الناس ظلم موجب للإهلاك، كما وجد من الذين أهلكهم بظلمهم ودليل جواز ذلك ما وجد في زمن نوح عليه السلام، فإنه أهلك بشؤم الظلم الواقع على قوم نوح جميع دواب الأرض، وما نجا إلّا من في السفينة، ولم يبق على ظهر الأرض دابة، ولذا قال تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال: 25] ثم إذا فعل ذلك للحكمة والمصلحة التي اقتضت فعله، عوّض البريء في الاخرة ما هو خير وأبقى.

الثالث أن كل إنسان مكلّف، فهو ظالم إما لنفسه أو لغيره، لأنه لا يخلو عن ذنب صغير أو كبير، فلو أهلك الناس بذنوبهم لأهلك الدوابّ أيضا، لأنه إنما خلق الدواب لمصالح الناس، وإذا عدم الناس وقع استغناؤهم عن الدواب كلها.

فإن قيل: لم قال تعالى مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ [الآية 68] ولم يقل في الجبال وفي الشجر، والاستعمال. هو

ص: 43

أن يقال: اتخذ فلان بيتا في الجبل أو في الصحراء أو نحو ذلك؟

قلنا: قال الزمخشري رحمه الله:

إنّما أتي بلفظة «من» ، لأنه أريد معنى البعضية، وأن لا تبني بيوتها في كل جبل وكل شجر، ولا في كل مكان من الجبل والشجر. وأنا أقول: إنما ذكر بلفظ «من» لأنه أريد كون البيت بعض الجبل وبعض الشجر، كما نشاهد ونرى من بيوت النحل، لأنه يتخذ من طين أو عيدان في الجبل والشجر، كما تتخذ الطيور. فلو أتي بلفظة «في» لم تدل على هذا المعنى، ونظيره قوله تعالى وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً [الشعراء: 149] .

فإن قيل: لم قال الله تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً [الآية 72] وأزواجنا لسن من أنفسنا، لأنهن لو كنّ من أنفسنا لكنّ حراما علينا، فإن المتفرعة من الإنسان لا يحلّ له نكاحها؟

قلنا: المراد بهذا أنه خلق آدم ثم خلق منه حواء، كما قال تعالى: الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها [النساء: 1] . الثاني أنّ المراد من جنسكم، كما قال تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [التوبة: 128] .

فإن قيل: لم قال تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ (73) ، فعبر بالواو والنون، وهما من خواص من يعقل؟

قلنا: كان فيمن يعبدونه من دون الله، من يعقل كالعزيز وعيسى والملائكة عليهم الصلاة والسلام، فغلّبهم.

فإن قيل: لم أفرد في قوله تعالى:

ما لا يَمْلِكُ ثم جمع في قوله سبحانه وَلا يَسْتَطِيعُونَ؟

قلنا: أفرد نظرا للفظ «ما» ، وجمع نظرا إلى معناها، كما قال تعالى:

وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ [الزخرف] أفرد الضمير نظرا إلى للفظ، وجمع الظهور نظرا إلى المعنى.

فإن قيل: ما الحكمة في نفي استطاعة الرزق بعد نفي ملكه والمعنى واحد، لأن نفي ملك الفعل، هو نفي استطاعته، والرزق هنا اسم مصدر بدليل إعماله في «شيئا» ؟

ص: 44

قلنا ليس في «يستطيعون» ضمير مفعول هو الرزق، بل الاستطاعة منفية عنهم مطلقا، معناه لا يملكون أن يرزقوا، ولا استطاعة لهم أصلا في رزق أو غيره، لأنهم جماد. الثاني: أنه لو قدّر فيه ضمير مفعول على معنى ولا يستطيعونه، كان مفيدا أيضا، على اعتبار كون الرزق اسما للعين، لأن الإنسان يجوز أن يملك الشيء، ولكن يستطيع أن يملكه، بخلاف هؤلاء، فإنهم لا يملكون، ولا يستطيعون أن يملكوا.

فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى مَمْلُوكاً [الآية 75] بعد قوله تعالى:

عَبْداً وما الحكمة في قوله سبحانه لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ بعد قوله تعالى مَمْلُوكاً؟

قلنا: لفظ العبد يصلح للحرّ والمملوك، لأن الكل عبيد الله تعالى، قال الله تعالى: وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ [ص: 30] فقال «مملوكا» لتمييزه من الحرّ، وقال لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ لتمييزه من المأذون والمكاتب، فإنّهما يقدران على التصرّف والاستقلال.

فإن قيل: المضروب به المثل اثنان، وهما المملوك والمرزوق رزقا حسنا، فظاهره أن يقال هل يستويان، فلم قال تعالى: يَسْتَوُونَ [الآية 75] ؟

قلنا: لأنه أراد جنس المماليك وجنس المالكين، لا مملوكا ولا مالكا معيّنا. الثاني: أنه أجرى الاثنين مجرى الجمع. الثالث: أن «من» تقع على الجمع، ولقائل أن يقول على الوجه الثالث: يلزم منه أن يصير المعنى:

ضرب الله مثلا عبدا مملوكا، وجماعة مالكين هل يستوون، إنه لا يحسن مقابلة الفرد بالجمع في التمثيل.

فإن قيل: «أو» في الخير للشكّ، والشك على الله تعالى محال، فما معنى قوله تعالى: إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ [الآية 77] ؟

قلنا: قيل «أو» هنا بمعنى «بل» كما في قوله تعالى إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147)[الصافات] . وقوله تعالى: فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة: 74] وقوله تعالى: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى

(9)

[النّجم] ويرد على هذا أن «بل» للإضراب، والإضراب رجوع عن الإخبار، وهو على الله محال. وقيل هي بمعنى الواو في هذه الآيات. وقيل «أو» للشك في الكلّ،

ص: 45

لكن بالنسبة إلينا لا إلى الله تعالى، وكذا في قوله تعالى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (9) يعني بالنسبة الى نظر النبي (ص) . وقال الزجّاج: ليس المراد، أنّ الساعة تأتي في أقرب من لمح البصر، ولكنّ المراد، وصف قدرة الله على سرعة الإتيان بها، متى شاء.

فإن قيل: لم قال تعالى: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [الآية 81]، ولم يقل:

و «البرد» مع أن السرابيل، هي الثياب تلبس لدفع الحر والبرد، وهي مخلوقة لهما؟

قلنا: حذف ذكر أحدهما لدلالة ضدّه عليه، كما في قوله تعالى:

بِيَدِكَ الْخَيْرُ [آل عمران: 26] ولم يقل:

والشر، وكما قال الشاعر:

وما أدري إذا يمّمت أرضا أريد الخير أيّهما يليني أي أريد الخير لا الشر، أو أريد الخير وأحذر الشر.

فإن قيل: لم كان ذكر الخير والحرّ أولى من ذكر الشرّ والبرد؟

قلنا: لأن الخير مطلوب العباد من ربّهم، ومرغوبهم إليه أو لأنه اكثر وجودا في العالم من الشرّ وأما الحرّ فلأن الخطاب بالقرآن، أول ما وقع مع أهل الحجاز، والوقاية من الحر، أهمّ عندهم، لأنّ الحرّ في بلادهم أشدّ من البرد.

فإن قيل: لم قال الله تعالى يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ (83) مع أنّهم كلّهم كافرون؟

قلنا: قال الزمخشري: الأحسن، أن المراد بالأكثر هنا الجمع، وفي هذا نظر لأنّ بعض الناس لا يجوّز اطلاق اسم البعض على الكل، لأنه ليس لازما له، بخلاف عكسه.

فإن قيل: ما فائدة قول المشركين عند رؤية الأصنام كما ورد في التنزيل:

رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ [الآية 86] والله تعالى عالم بذلك؟

قلنا: لما أنكروا الشرك بقولهم كما ورد في التنزيل: رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (23)[الأنعام] عاقبهم الله تعالى بإصمات ألسنتهم وأنطق جوارحهم، فكان جوابهم عند معاينة آلهتهم:

رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا [الآية 86] أي قد أقررنا بعد الإنكار وصدّقنا بعد الكذب، طلبا للرحمة وفرارا من

ص: 46

الغضب، فكان هذا القول على وجه الاعتراف منهم بالذنب، لا على وجه إعلام من لا يعلم. الثاني: أنهم لمّا عاينوا عظيم غضب الله تعالى، وعقوبته قالوا كما ورد في التنزيل: رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا رجاء أن يلزم الله الأصنام ذنوبهم، لأنهم كانوا يعتقدون لها العقل والتمييز، فيخفّ عنهم العذاب.

فإن قيل: لم قالت الأصنام للمشركين كما ورد في التنزيل: إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (86) ، وكانوا صادقين في ما قالوا؟

قلنا: إنما قالت لهم ذلك لتظهر فضيحتهم، وذلك أنّ الأصنام كانت جمادا لا تعرف من يعبدها، فلم تعلم أنهم عبدوها في الدنيا، فظهرت فضيحتهم حيث عبدوا من لا يعلم بعبادتهم، ونظير هذا قوله تعالى:

وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82)[مريم] .

فإن قيل: قوله تعالى وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ [الآية 89] ، فإذا كان القرآن تبيانا لكل شيء من أمور الدين، فمن أين وقع بين الأئمّة في أحكام الشريعة هذا الخلاف الطويل العريض؟

قلنا: إنّما وقع الخلاف بين الأئمّة، لأن كل شيء يحتاج إليه من أمور الدين ليس مبيّنا في القرآن نصّا، بل بعضه مبيّن وبعضه مستنبط بيانه منه بالنظر والاستدلال وطريق النظر والاستدلال مختلفة، فلذلك وقع الخلاف.

فإن قيل: كثير من أحكام الشريعة لم تعلم من القرآن نصّا ولا استنباطا كعدد ركعات الصلاة، ومقادير باقي الأعضاء، ومدّة السفر والمسح والحيض، ومقدار حدّ الشرب، ونصاب السرقة، وما أشبه ذلك ممّا يطول ذكره.

قلنا: القرآن تبيان لكل شيء من أمور الدين، لأنه نصّ على بعضها، وأحال على السّنّة في بعضها، في قوله تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: 7] وقوله تعالى وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (3) وأحال على الإجماع ايضا بقوله تعالى:

وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:

115] ، وأحال على القياس أيضا بقوله تعالى فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (2)

ص: 47

[الحشر] ، والاعتبار النظر والاستدلال.

فهذه أربعة طرق لا يخرج شيء من أحكام الشريعة عنها، وكلّها مذكورة في القرآن، فصحّ كونه تبيانا لكل شيء.

فإن قيل: لم وحّدت القدم، ونكّرت، في قوله تعالى فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها [الآية 94] ولم يقل القدم أو الأقدام، وهو أشدّ مناسبة لجمع الأيمان؟

قلنا: وحّدت ونكّرت في قوله تعالى، لاستعظام أن تزلّ قدم واحدة على طريق الجنة، فكيف بأقدام كثيرة؟

فإن قيل: «من» تتناول الذكر والأنثى لغة، ويؤيده قوله تعالى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ [الأنعام: 160] وقوله تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران: 97] وقوله تعالى:

فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7)[الزلزلة] وقوله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: 185] ونظائره كثيرة، فلم قال تعالى هنا:

مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى [الآية 97] ؟

قلنا: إنما صرح بذكر النوعين هنا، لسبب اقتضى ذلك وهو أن النساء قلن:«ذكر الله تعالى الرجال في القرآن بخير، ولم يذكر النساء بخير، فلو كان فينا خير لذكرنا به» . فأنزل الله تعالى:

إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [الأحزاب: 35] الآية، وأنزل مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ [الآية 97] فذهب عن النساء وهم تخصيصهنّ عن العموميّات.

فإن قيل: لم قال تعالى: فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً [الآية 97] وقد رأينا كثيرا من الصلحاء والأتقياء، قطعوا أعمارهم في المصائب والمحن وأنواع البلايا باعتبار الأمثل، فالأمثل، إلى الأنبياء؟

قلنا: المراد بالحياة الطيّبة الحياة في القناعة. وقيل في الرزق الحلال. وقيل في رزق يوم بيوم. وقيل التوفيق للطاعات. وقيل في حلاوة الطاعات.

وقيل في الرضا بالقضاء. وقيل المراد به الحياة في القبر، كما قال تعالى:

وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169)[آل عمران] وقيل المراد به الحياة في الدار الاخرة، وهي الحياة الحقيقية، لأنها حياة لا موت بعدها، دائمة في النعيم المقيم، والظاهر أنّ المراد به الحياة في الدنيا، لقوله تعالى: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ [الآية 97] فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ

ص: 48

الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ

[النساء: 134] كما قال تعالى: فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ [آل عمران: 148] .

فإن قيل: لم قال تعالى: وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (107) وكثير من الصحابة وغيرهم، كانوا كافرين فهداهم الله تعالى الى الإيمان؟

قلنا: المراد من هذا، الكافرون، الذين علم الله تعالى أنهم يموتون على الكفر ويؤيده ما بعد ذلك من الآيتين.

فإن قيل: ما معنى إضافة النفس الى النفس في قوله تعالى يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها [الآية 111] والنفس ليس لها نفس أخرى؟

قلنا: النفس اسم للروح وللجوهر القائم بذاته، المتعلّق بالجسم تعلّق التدبير. وقيل هي اسم لجملة الإنسان، لقوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران: 185] وقوله تعالى وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة:

45] . والنفس أيضا اسم لعين الشيء وذاته، كما يقال نفس الذهب والفضة محبوبة: أي عينهما وذاتهما، فالمراد بالنفس الأولى الإنسان، وبالثانية ذاته، فكأنه يوم يأتي كل إنسان يجادل عن نفسه: أي ذاته لا يهمّه شأن غيره، كلّ يقول نفسي نفسي، فاختلف معنى النفسين.

فإن قيل: لم قال تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [الآية 112] والإذاقة لا تناسب اللباس، وإنّما تناسبه الكسوة؟

قلنا: الإذاقة تناسب المستعار له وهو الجوع، من حيث أنّ الجوع يقتضي الأكل فيقتضي الذوق وإن كانت لا تناسب المستعار وهو اللباس والكسوة تناسب المستعار وهو اللباس، ولا تناسب المستعار له وهو الجوع وكلاهما من دقائق علم البيان، يسمى الأول تجريد الاستعارة، والثاني ترشيح الاستعارة فجاء القرآن العزيز في هذه الآية بتجريد الاستعارة، وقد ذكرنا تمام هذا في كتابنا «روضة الفصاحة» ، ولباس الجوع والخوف، استعارة لما يظهر على أهل القرية من أثر الجوع والخوف، من الصفرة والنحول كقوله تعالى: وَلِباسُ التَّقْوى [الأعراف: 26] استعير اللباس لما يظهر على المتقي من أثر التقوى. وقيل إن فيه إضمارا تقديره: فأذاقها الله طعم الجوع وكساها لباس الخوف.

ص: 49