المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «النحل» - الموسوعة القرآنية خصائص السور - جـ ٥

[جعفر شرف الدين]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الخامس

- ‌سورة النحل

- ‌البحث الأول أهداف سورة «النحل»

- ‌عرض إجمالي للسورة

- ‌التوحيد في السورة

- ‌نعم الله

- ‌وحدة الألوهية

- ‌أدلة الوحدانية

- ‌اسم السورة

- ‌مظاهر القدرة الإلهية

- ‌الأوامر والنواهي

- ‌ختام سورة النحل

- ‌الغرض منها وترتيبها

- ‌إبطال الشرك الآيات [1- 23]

- ‌رد شبهة لهم على القرآن الآيات [24- 34]

- ‌عود الى إبطال شركهم الآيات [35- 37]

- ‌رد شبهة لهم على البعث الآيات [38- 42]

- ‌رد شبهة لهم على النبوة الآيات [43- 50]

- ‌عود الى إبطال أنواع من الشرك الآيات [51- 100]

- ‌عود الى رد شبههم على القرآن الآيات [101- 111]

- ‌الخاتمة الآيات [112- 128]

- ‌المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «النحل»

- ‌المبحث الرابع مكنونات سورة «النحل»

- ‌المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «النحل»

- ‌المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «النحل»

- ‌المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «النحل»

- ‌المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «النحل»

- ‌سورة الإسراء

- ‌المبحث الأول أهداف سورة ‌‌«الإسراء»

- ‌«الإسراء»

- ‌وعد الله لبني إسرائيل

- ‌أوهام المشركين، وحجج القرآن الكريم

- ‌من أسرار الإعجاز في سورة الإسراء

- ‌المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الإسراء»

- ‌تاريخ نزولها ووجه تسميتها

- ‌الغرض منها وترتيبها

- ‌إثبات الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الآيات (1- 8)

- ‌الموازنة بين كتابي المسجدين الآيات (9- 59)

- ‌بيان حكمة الإسراء الآيات (60- 81)

- ‌عود إلى بيان فضل القرآن الآيات (82- 111)

- ‌المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الإسراء»

- ‌المبحث الرابع مكنونات سورة «الإسراء»

- ‌المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الإسراء»

- ‌المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الإسراء»

- ‌المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الإسراء»

- ‌المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الإسراء»

- ‌سورة الكهف 18

- ‌المبحث الأول أهداف سورة «الكهف»

- ‌القصص في سورة الكهف

- ‌ قصة أصحاب الكهف

- ‌قصة موسى والخضر

- ‌قصة ذي القرنين

- ‌أهداف سورة الكهف

- ‌المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الكهف»

- ‌تاريخ نزولها ووجه تسميتها

- ‌الغرض منها وترتيبها

- ‌المقدمة الآيات [1- 8]

- ‌قصة أصحاب الكهف الآيات [9- 82]

- ‌قصة ذي القرنين الآيات [83- 108]

- ‌الخاتمة الآيات [109- 110]

- ‌المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الكهف»

- ‌المبحث الرابع مكنونات سورة «الكهف»

- ‌المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الكهف»

- ‌المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الكهف»

- ‌المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الكهف»

- ‌المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الكهف»

- ‌سورة مريم 19

- ‌المبحث الأول أهداف سورة «مريم»

- ‌أهداف السورة

- ‌القصص في سورة مريم

- ‌حكمة خلق عيسى (ع)

- ‌قصة ميلاد عيسى (ع)

- ‌أسلوب القرآن

- ‌المعالم الرئيسة في السورة

- ‌المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «مريم»

- ‌تاريخ نزولها ووجه تسميتها

- ‌الغرض منها وترتيبها

- ‌نتف من قصص بعض الرسل الآيات [1- 58]

- ‌انحراف خلفهم عن سننهم الآيات [59- 98]

- ‌المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «مريم»

- ‌المبحث الرابع مكنونات سورة «مريم» »

- ‌المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «مريم»

- ‌المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «مريم»

- ‌المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «مريم»

- ‌المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «مريم»

- ‌سورة طه 20

- ‌المبحث الأول أهداف سورة «طه»

- ‌معنى طه

- ‌أهداف السورة من أهداف سورة طه:

- ‌قصة موسى (ع) في القرآن

- ‌قصة موسى في سورة طه

- ‌أدلّة موسى (ع) على وجود الله تعالى

- ‌موسى والسحرة

- ‌غرق فرعون ونجاة موسى

- ‌موسى والسامري

- ‌مشاهد القيامة وختام السورة

- ‌المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «طه»

- ‌تاريخ نزولها ووجه تسميتها

- ‌الغرض منها وترتيبها

- ‌الحث على الصبر [الآيات 1- 8]

- ‌قصة موسى الآيات [9- 114]

- ‌قصة آدم الآيات [115- 127]

- ‌الخاتمة الآيات (128- 135)

- ‌المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «طه»

- ‌المبحث الرابع مكنونات سورة «طه»

- ‌المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «طه»

- ‌المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «طه»

- ‌المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «طه»

- ‌المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «طه»

- ‌سورة الأنبياء 21

- ‌المبحث الأول أهداف سورة «الأنبياء»

- ‌الغرض منها وترتيبها

- ‌نظم السورة

- ‌أشواط أربعة

- ‌الشوط الأول

- ‌الشوط الثاني

- ‌الشوط الثالث

- ‌الشوط الرابع

- ‌المبحث الثاني ترابط الآيات في سورة «الأنبياء»

- ‌تاريخ نزولها ووجه تسميتها

- ‌الغرض منها وترتيبها

- ‌إنذارهم باقتراب حسابهم الآيات (1- 47)

- ‌قصص الأنبياء الآيات (48- 91)

- ‌الخاتمة الآيات (92- 112)

- ‌المبحث الثالث أسرار ترتيب سورة «الأنبياء»

- ‌المبحث الرابع مكنونات سورة «الأنبياء»

- ‌المبحث الخامس لغة التنزيل في سورة «الأنبياء»

- ‌المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «الأنبياء»

- ‌المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «الأنبياء»

- ‌المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «الأنبياء»

الفصل: ‌المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «النحل»

‌المبحث الثامن المعاني المجازية في سورة «النحل»

«1»

قوله سبحانه: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [الآية 2] هذه استعارة: لأن المراد بالروح، هاهنا، الوحي الذي يتضمن إحياء الخلق، والبيان عن الحقّ. ومثل ذلك قوله سبحانه: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا [الشورى: 52] ومثله قوله سبحانه في المسيح (ع) : إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ [النساء: 171] فسمّاه تعالى روحا على هذا المعنى، لأنّ به حياة أمته، وبقاء شريعته.

فأما قوله سبحانه: وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ [السّجدة: 9] فإنما أراد بذلك الروح التي خلقها ليحيي عباده بها، وأضافها الى نفسه كما أضاف الأرض الى نفسه، إذ يقول تعالى: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها [النساء: 97] .

وكان أبو الفتح عثمان بن جنّي رحمه الله يقول: معنى قولهم في القسم:

«لعمر الله ما قلت ذلك، ولأفعلن ذلك» ، إنما يريدون به القسم بحياة يحيي الله بها، لا حياة يحيى بها، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا. فكان المقسم إذا أقسم بهذه الحياة، دخل ما يخصه منها في جملة قسمه، وجرى ذلك مجرى قوله: لعمري. فيصير مقسما بحياته التي أحياه الله بها.

والعمر هاهنا هو العمر. ومعناه الحياة.

(1) . انتقي هذا المبحث من كتاب: «تلخيص البيان في مجازات القرآن» للشريف الرضي، تحقيق محمد عبد الغني حسن، دار مكتبة الحياة، بيروت، غير مؤرّخ.

ص: 51

وقوله سبحانه: إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ [الآية 7] استعارة على أحد التأويلين. وهو أن يكون المعنى: أنّكم لا تبلغون هذا البلد إلا بأنصاف أنفسكم، من عظم المشقّة، وبعد الشّقّة، لأن الشّق أحد قسمي الشيء. ومنه قولهم: شقيق النفس أي قسيمها، فكأنه من الامتزاج بها شقّ منها. وعلى ذلك قول الشاعر:

من بني عامر لها نصف قلبي قسمة مثلما يشقّ الرّداء فأمّا من حمل قوله تعالى: إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ على أنّ معناه المشقّة والنصب والكدّ والدأب، فإن الكلام، على قوله، يكون حقيقة، ويخرج عن حدّ الاستعارة. كأنه، سبحانه، قال:

إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلّا بمشقة الأنفس.

وقوله سبحانه: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ [الآية 9] وهذه استعارة. لأن الجائر هو الضالّ نفسه.

يقال: جار عن الطريق. إذا ضلّ عن نهجه، وخرج عن سمته. ولكنهم لمّا قالوا: طريق قاصد، أي مقصد فيه، جاز أن يقولوا: طريق جائر أي يجار فيه. وقوله سبحانه: لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ [الآية 25] . وهذه استعارة لأنّ الأوزار على الحقيقة هي الأثقال، واحدها وزر. والمراد بها هاهنا الخطايا والآثام، لأنها تجري مجرى الأثقال التي تقطع المتون، وتنقض الظهور.

وفي معنى ذلك قولهم: فلان خفيف الظهر. وصفوه بقلة العدد والعيال، أو بقلة الذنوب والآثام.

وقوله سبحانه: فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ [الآية 26] وهذه استعارة.

لأن الإتيان هاهنا ليس يراد به الحضور عن غيبة، والقرب بعد مسافة. وإنّما ذلك كقول القائل: أتيت من جهة فلان. أى جاءني المكروه من قبله.

وأتي فلان من مأمنه، أي ورد عليه الخوف من طريق الأمن، والضرّ من مكان النفع.

وقوله سبحانه: فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ [الآية 28] . وهذه استعارة. وليس هناك شيء يلقى على الحقيقة. وإنما المراد بذلك طلب المسالمة عن ذلّ واستكانة، والتماس وشفاعة. لأنّ من كلامهم أن يقول القائل: ألقى إليّ فلان بيده. أي خضع

ص: 52

لي، وسلّم لأمري. وقد يجوز أيضا أن يكون معنى فَأَلْقَوُا السَّلَمَ: أي استسلموا وسلّموا. فكانوا كمن طرح آلة المقارعة، ونزع شكّة المحاربة.

وفي معنى ذلك قوله سبحانه: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: 195] أي لا تستسلموا لها، وتوقعوا نفوسكم فيها.

وقوله سبحانه: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (40) .

وهذه استعارة. لأنه ليس هناك شيء على الحقيقة يؤمر، ولا قول يسمع.

وإنّما هذا القول عبارة عن تحقيق الإرادة وشرعة وجود المراد، من غير معاناة ولا مشقّة، فهو إخبار عن نفاذ قدرته تعالى. فإذا أراد أمرا كان لوقته، من غير أن يبطئ إيجاده، أو يتقاعس إنفاذه. وذلك بمنزلة قول أحدنا:«كن» في خفة اللفظ به، وسرعة التعبير عنه، من غير كلفة تلحقه، ولا مشقة تعترضه.

وقيل إن معنى قوله سبحانه:

كُنْ، علامة للملائكة يدلّهم بها، عند سماعهم لها، على أنه سيحدث كذا، ويفعل كذا، من محكمات التقدير، ومبرمات التدبير. وقوله سبحانه: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ [الآية 48] . وهذه استعارة.

لأن المراد بها رجوع الظلال من موضع الى موضع. والظلال على الحقيقة لا تتفيأ ولا تنقل، وإنما ترد الشمس عليها، ثم ترجع إلى ما كانت عليه، بعد أن تزول الشمس عنها، والشمس هي المتنقلة عليها، والظلال قائمة بحالها.

وقوله تعالى في صفة النحل العسّالة: فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ [الآية 69] . وفي هذه الآية استعارتان: إحداهما قوله تعالى:

فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا، على قول من جعل ذللا حالا للسّبل، لا حالا للنحل. والذّلل: جمع ذلول، وهي الطرق الموطّأة للقدم، السهلة على الحافر والمنسم، تشبيها لها بالإبل الذلل، وهي التي قد عوّدت الترحل، وألفت المسير.

والاستعارة الأخرى قوله سبحانه:

يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ والمراد بذلك العسل. والعسل عند المحقّقين من العلماء غير خارج من

ص: 53

بطون النحل، وإنما تنقله بأفواهها من مساقطه ومواقعه من أوراق الأشجار، وأضغاث النبات. لأنه يسقط كسقوط الندى في أماكن مخصوصة، وعلى أوصاف معلومة، والنحل ملهمة تتبّع تلك المساقط، وتعهد تلك المواقع، فتنقل العسل بأفواهها إلى كوّاراتها «1» ، والمواضع المعدّة لها. فقال سبحانه:

يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها والمراد من جهة بطونها. وجهة بطونها: أفواهها. وهذا من غوامض هذا البيان، وشرائف هذا الكلام.

وقوله سبحانه: فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (86) وهذه استعارة.

والمراد بإلقاء القول- والله أعلم- إخراج الكلام مع ضرب من الخضوع والاستكانة والإسرار والخفية، كما قال سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ [الممتحنة: 1] وفي هذا الكلام مفعول محذوف. فكأنه قال تعالى: «تلقون إليهم الأخبار بالمودة» . وهذا القول، نزل في قوم من المؤمنين، كانوا يجتمعون مع قوم من المنافقين، بأرحام تلفهم، وخلل «2» تولد عنهم، فيتسقّطونهم ليعرفوا منهم أخبار النبي (ص) والمؤمنين، فنهوا عن مناقشتهم والاجتماع معهم. فكأنّ المعنى: تلقون إليهم الأسرار بالمودّة التي بينكم، على سبيل الإسرار والإخفاء.

وقد قيل إن المراد: تلقون إليهم المودّة، فقال تعالى: بالمودّة، كما قال سبحانه: وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (20)[المؤمنون] أي تنبت الدهن على أحد التأويلين، ونظير التأويل الأول قوله سبحانه في ذكر الشياطين: يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (223)[الشعراء] أي يطلبون سماع الأخبار على وجه الاستخفاء والاستسرار، وهذا الوجه لا يصح في قوله تعالى: فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (86) لأنّ الحال، التي أخبر سبحانه بأن هذا يجري فيها، هي حال القيامة، وتلك حال لا يجوز

(1) . الكوّارات بضم الكاف وتشديد الواو جمع كوّارة، وهي بيت يتخذ للنحل من القضبان أو الطين تأوي إليه. أو هي عسلها في الشمع.

(2)

. الخلل: جمع خلّة وهي الصداقة والصحبة.

ص: 54

فيها الاستسرار لقول، ولا الكتمان لسر، لأن السرائر مظهرة، والضمائر مصرحة «1» . وإنما المراد بهذا الكلام ما يقوله المعبودون لمن عبدهم من الأمة، إذ يقول سبحانه: وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ [الآية 86] فقال المعبودون لهم في الجواب عن ذلك: إنكم لكاذبون، أي في أنّا دعوناكم الى العبادة، أو في قولكم إنّنا آلهة. وقد يجوز أيضا أن يكون التكذيب من العابدين للمعبودين، فكأنّهم قالوا لهم: كذبتم في ادّعائكم، أنّكم تستحقون العبادة من دون الله تعالى. فلم يبق إذن إلا الوجه الأول في معنى إلقاء القول، وهو أن يكون على وجه الخضوع والضراعة، ويكون سبب هذه الاستكانة الخوف من الله سبحانه، لا خوف بعض الشركاء من بعض. ومثل ذلك قوله سبحانه، عقب هذه الآية: وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ [الآية 87] أي استسلموا له عن ضرع ذلة، وانقطاع حيلة. ومن ذلك قولهم: ألقى فلان يد العاني. أي ذلّ ذلّ الأسير، وخضع خضوع المقهور.

وقوله سبحانه: وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها [الآية 94] وهذه استعارة. لأن المراد بالقدم هاهنا الثبات في الدّين. ولما كان أصل الثبات في الشيء والاستقرار عليه، إنّما يكون بالقدم، حسن أن يعبر عن هذا المعنى بلفظ القدم، وكأنّ المراد بقوله تعالى: فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها أي يضعف دينكم، ويضطرب يقينكم، فيكون كالقدم الزّالة، والقائمة المائدة.

وقوله سبحانه: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [الآية 102] وهذه استعارة. لأن المراد بذلك جبريل عليه السلام، والتقديس:

الطهارة، وإنما سمّي روح القدس، لأنّ حياة الدين وطهارة المؤمنين، إنّما تكون بما يحمله الى الأنبياء عليهم السلام من الأحكام والشرائع، والآداب والمصالح.

وقوله سبحانه:

(1) . أصحر الأمر: أظهره وأعلنه في غير خفاء.

ص: 55

لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103) وهذه استعارة.

لأن المراد باللسان هاهنا جملة القرآن وطريقته، لا العضو المخصوص الذي يقع الكلام به. وذلك كما يقول العرب في القصيدة: هذه لسان فلان. أي قوله. قال شاعرهم:

لسان السّوء تهديها إلينا وحنت وما حسبتك أن تحينا «1» أي مقالة السوء. ومثل ذلك قول الاخر «2» :

ندمت على لسان كان منّي وددت بأنّه في جوف عكم أي على قول سبق مني، لأن الندم إنما يكون على الفعال والكلام، لا على الأعضاء والأعيان.

وإنما سمّي القول لسانا، لأنه إنما يكون باللسان، ويصدر عن اللسان. وقوله سبحانه: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (112) وهذه استعارة. لأن حقيقة الذوق إنما تكون في المطاعم والمشارب، لا في الكسى والملابس. وإنما خرج هذا الكلام مخرج الخبر عن العقاب النازل بهم، والبلاء الشامل لهم. وقد عرف في لسانهم، أن يقولوا لمن عوقب على جريمة، أو أخذ بجريرة: ذق غبّ فعلك، واجن ثمرة جهلك. وإن كانت عقوبته ليست مما يحسّ بالطعم، ويدرك بالذوق. فكأنّه سبحانه لمّا شملهم بالجوع والخوف على وجه العقوبة، حسن أن يقول تعالى:

فأذاقهم ذلك، أي أوجدهم مرارته، كما يجد الذائق مرارة الشيء المرير،

(1) . روي هذا البيت في: «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي جزء 10 ص 179 هكذا:

لسان الشر تهديها إلينا

وخنت وما حسبتك أن تخونا

ولم تذكر كتب الشواهد اسم قائل هذا البيت.

(2)

. هو الحطيئة الشاعر، كما جاء في «لسان العرب» مادة: لسن. إلا أنه روي في اللسان هكذا:

ندمت على لسان فات مني

فليت بأنه في جوف عكم.

والعكم بكسر العين: العدل الذي توضح فيه الأشياء، أو الكارة.

ص: 56

ووخامة الطعم الكريه. وإنّما قال سبحانه: لِباسَ الْجُوعِ ولم يقل:

طعم الجوع والخوف، لأنّ المراد بذلك- والله أعلم- وصف تلك الحال بالشمول لهم، والاشتمال عليهم، كاشتمال الملابس على الجلود، لأنّ ما يظهر منهم عن مضيض الجوع، وأليم الخوف، من سوء الأحوال، وشحوب الألوان، وضؤولة الأجسام، كاللباس الشامل لهم، والظاهر عليهم.

ص: 57