المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المصنفون في الطبقات: - بحوث في تاريخ السنة المشرفة

[أكرم العمري]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمات

- ‌تقديم للأستاذ عبد الكريم زيدان

- ‌مقدمة الطبعة الرابعة:

- ‌مقدمة الطبعة الثالثة:

- ‌مقدمة الطبعة الثانية:

- ‌مقدمة الطبعة الأولى:

- ‌الوضع في الحديث:

- ‌تمهيد:

- ‌بدء الوضع:

- ‌أثر الخلافات السياسية في الوضع:

- ‌دور الخوارج في الوضع:

- ‌الخلافات الكلامية:

- ‌الزنادقة:

- ‌القصاصون:

- ‌وضع جهلة الصالحين للحديث:

- ‌دور العصبية للمدن والجنس والإمام:

- ‌الوضع لأغراض خاصة:

- ‌جهود العلماء في مقاومة الوضع:

- ‌المصنفات في علم الرجال حتى نهاية القرن الخامس "دراسة وتحليل

- ‌مدخل

- ‌كتب معرفة الصحابة:

- ‌المصنفون من الصحابة

- ‌كتب الطبقات:

- ‌المصنفون في الطبقات:

- ‌أنواع كتب الجرح والتعديل

- ‌مؤلفو كتب الضعفاء:

- ‌مؤلفوا كتب الثقات

- ‌مؤلفون جمعوا بين الثقات والضعفاء:

- ‌المصنفات في رجال الحديث المذكورين في الكتب والسنة وغيرها

- ‌كتب معرفة الأسماء:

- ‌كتب الأسماء والكنى والألقاب:

- ‌كتب المؤتلف والمختلف:

- ‌كتب المتفق والمفترق والمتشابه:

- ‌تواريخ الوفيات

- ‌المصنفات في الوفيات:

- ‌تواريخ الرجال المحلية

- ‌معاجم الشيوخ:

- ‌كتب الرجال عند الشيعة:

- ‌أسس تنظيم كتب علم الرجال

- ‌التنظيم على النسب

- ‌ التنظيم على الطبقات:

- ‌ التنظيم على المدن:

- ‌ التنظيم على حروف المعجم:

- ‌علم الرجال والتاريخ:

- ‌علم الرجال والنقد التاريخي:

- ‌نشاط الرحلة في طلب الحديث:

- ‌تدوين الحديث:

- ‌الكتابة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌كتابة الحديث في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌رأي العلماء في تعارض هذه الأحاديث:

- ‌كتابة الحديث في جيل الصحابة:

- ‌أمثلة الصحف التي كتبها الصحابة في الحديث:

- ‌كتابة الحديث في جيل التابعين فما بعدهم:

- ‌كتب الرواية المهمة:

- ‌موطأ مالك:

- ‌مسند الإمام أحمد بن حنبل "ت241ه

- ‌صحيح الإمام البخاري "ت256ه

- ‌صحيح الإمام مسلم "ت261ه

- ‌كتاب سنن أبي داؤد السجستاني "ت275ه

- ‌جامع الترمذي "ت279ه

- ‌سنن النسائي "ت303ه

- ‌سنن ابن ماجه "ت273ه

- ‌كتب الرواية المهمة بعد القرن الثالث الهجري

- ‌ثبت المصادر والمراجع:

- ‌أولا: المصادر القديمة

- ‌ثانيا: المراجع

- ‌فهارس:

- ‌فهرست أسماء المصنفين

- ‌فهرست الموضوعات:

الفصل: ‌المصنفون في الطبقات:

الحديث المرسل أو المنقطع وتمييزه عن الحديث المسند، وفي التمييز بين الأسماء المتفقة والمتشابهة.

وقد اقتصر بعض المصنفين على ذكر طبقات الصحابة أو التابعين واقتصر البعض الآخر على رجال بلدة واحدة، في حين تناول آخرون رجال الحديث عامة سواء كانوا صحابة أم تابعين أم من تلاهم دون تقيد بمكان مخصوص1.

وقد فصل بعض المصنفين تراجم الرجال الذي تناولوهم فذكروا أخبارهم إضافة إلى أنسابهم وسني وفياتهم وشيوخهم وتلاميذهم وبعض رواياتهم، ويظهر ذلك بوضوح عند محمد بن سعد في كتابه "الطبقات الكبرى" في حين أوجز آخرون فلم يتعرضوا للأخبار بل اكتفوا بالتعريف بنسب الشخص وسنة وفاته ويظهر هذا الاتجاه عند خليفة بن خياط في كتابه "الطبقات" ومال آخرون إلى تجريد الأسماء دون التعرض للأخبار والأنساب ويتمثل هذا الاتجاه عند مسلم بن الحجاج.

وقد أثرت ثقافة المصنفين في ذلك فابن سعد كان مهتما بالأخبار والأنساب لذك فهو ينقل عن الأخباريين والمؤرخين والنسابين كثيرا فجاء كتابه في الطبقات متضمنا مادة غزيرة في الأخبار والنسب، وخليفة بن خياط كان مهتما بالأنساب كثيرا فغلبت مادة الأنساب على طبقاته.

ولئن كان تنظيم الرجال الذين تناولتهم المصنفات على الطبقات مفيدا بحد ذاته في نقد الأسانيد، فإن ما احتوته الكتب التي فصلت تراجم الرجال من معلومات تتصل بحياتهم ذات فائدة كبيرة في بيان مكانتهم في العلم ودرجتهم في الورع والصدق مما له أثر في الاطمئنان إليهم وتوثيقهم وبالتالي قبول مروياتهم.

1 انظر قائمة كتب الطبقات ص75-77.

ص: 75

‌المصنفون في الطبقات:

إن أقدم من عرفت أنه صنف في الطبقات محمد بن عمر الواقدي "ت207هـ" والهيثم بن عدي "ت207هـ"، فقد صنف الواقدي "كتاب

ص: 75

الطبقات"1 حيث نقل عنه كثيرا محمد بن سعد كاتب الواقدي في كتابه "الطبقات الكبرى"2.

وأما الهيثم بن عدي فقد ألف كتابين في الطبقات هما "طبقات من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم"3 و"طبقات الفقهاء والمحدثين"4.

وقد تتابع التأليف في الطبقات خلال القرون الثالث والرابع والخامس الهجرية فألف:

محمد بن سعد "ت230هـ" كتاب "الطبقات الكبرى".

وعلي بن المديني "ت233هـ" كتاب الطبقات5، جزءان كما يذكر ابن خير6.

وسليمان بن داؤد الشاذكوني "ت234هـ" كتاب "التاريخ" في طبقات أهل العلم ومن نسب منهم إلى مذهب7.

وإبراهيم بن المنذر "ت236هـ" كتاب "الطبقات"8.

وخليفة بن خياط "ت240هـ" كتاب "الطبقات".

وأبو القاسم محمود بن إبراهيم = ابن سميع الدمشقي "ت259هـ" كتاب "الطبقات"9.

1 ابن النديم: الفهرست، 150.

2 يذكر ابن النديم: الفهرست، 151 "محمد بن سعد من أصحاب الواقدي روى عنه وألف كتبه من تصنيفات الواقدي".

3، 4 ابن النديم: الفهرست، 152.

5 المالكي: تسمية ما ورد به الخطيب البغدادي دمشق رقم 403 "انظر يوسف العش: الخطيب البغدادي، ص109".

6 ابن خير: فهرست 225.

7 فهرست ابن خير، 221، وتذكرة الحفاظ 2/ 488.

8 اقتبس منه ابن حجر: الإصابة 2/ 525.

9 الذهبي: تذكرة الحفاظ 614 وقد اقتبس منه الذهبي في تاريخ الإسلام 3/ 102، 195، 202، 4/ 52؛ وابن حجر في الإصابة 1/ 144، 152، 343، 350؛ وتهذيب التهذيب 6/ 139؛ ومواضع أخرى وابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق 10/ 32، 89، 101، 105، 109، 162، 20 وغيرها.

ص: 76

ومسلم بن الحجاج "ت261هـ" كتاب "الطبقات".

وأبو بكر البرقي "ت270هـ" كتاب "الطبقات"1.

وأبو حاتم الرازي "ت277هـ" كتاب "طبقات التابعين".

وأبو زرعة النصري الدمشقي "ت282هـ" كتاب "الطبقات".

وأبو سعيد عبد الرحمن بن إبراهيم.

وأبو بكر أحمد بن هارون البرذعي البرديجي "ت301هـ" كتاب "الطبقات في الأسماء المفردة من أسماء العلماء وأصحاب الحديث".

ومحمد بن جرير الطبري "ت310هـ" في كتابه "ذيل المذيل من تاريخ الصحابة والتابعين".

وأبو القاسم مسلمة بن القاسم الأندلسي "ت353هـ" كتاب "طبقات المحدثين".

وأبو الشيخ الأنصاري "ت369هـ" كتاب "طبقات المحدثين بأصبهان".

وأبوعمر محمد بن العباس الخزاز، ابن حيوية "ت382هـ" كتاب "الطبقات".

وأبو الفضل صالح بن أحمد التميمي الهمذاني "ت384هـ" كتاب "طبقات الهمذانيين"2.

وأبوالفضل علي بن الحسين الفلكي "ت429هـ" كتاب "طبقات الرجال" في ألف جزء3.

وأبو القاسم عبد الرحمن بن مندة "ت470هـ" كتاب "طبقات المحدثين".

وقد ضاعت معظم هذه المصنفات ولم يصل إلينا إلا القليل منها، وأقدم

1 اقتبس منه ابن حجر في تهذيب التهذيب 2/ 32، 3/ 33، 7/ 472؛ ومواضع أخرى ويبدو من هذه الاقتباسات أنه يعقد أبوابا في موضوعات معينة أيضا رغم ترتيبه على الطبقات.

2 ذكره الخطيب في تاريخ بغداد 1/ 214.

3 السخاوي: الإعلان، 715.

ص: 77

ما وصل إلينا كتاب "الطبقات الكبرى"1 لمحمد بن سعد كاتب الواقدي "ت230هـ"، ويقع الكتاب في ثمان مجلدات2، تناول الأول والثاني منهما سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، أما الأجزاء الستة الأخرى فهي التي تعنينا لأنها تناولت طبقات الرجال.

وقد تناول المجلد الثالث تراجم البدريين، وتناول المجلد الرابع تراجم من له إسلام قديم ولم يشهد بدرا وكذلك من أسلم قبل فتح مكة، وتناول المجلد الخامس طبقات التابعين وأتباع التابعين ومن تلاهم مرتبين على المدن، وقد اقتصر فيه على أهل المدينة منهم وأهل مكة والطائف واليمن واليمامة والبحرين من الصحابة والتابعين ومن تلاهم. وتناول المجلد السادس أهل الكوفة من الصحابة والتابعين ومن تلاهم حتى ترجم لمعاصرين له. وتناول المجلد السابع أهل البصرة وواسط والمدائن وبغداد وخراسان والري وهمدان وقم والأنبار والشام والجزيرة والعواصم والثغور ومصر وأيلة وأفريقية والأندلس، ورغم تناوله لهذه المناطق الكثيرة لكنه أولى البصرة العناية الأولى ثم الشام ومصر، أما بقية الأماكن فلا يذكر من أهلها سوى بضعة رجال وقد لا يذكر إلا رجلا واحدا.

أما المجلد الثامن فقد خصصه للنساء الصحابيات فقط.

وقد اهتم ابن سعد بتراجم الصحابة والتابعين والأتباع من المتقدمين، فيطيل الترجمة ذاكرا نسب الشخص ومفصلا في أخباره وأحواله الدالة على مكانته في العلم أو على درجة ورعه وتقواه أو على ميوله وعقيدته مما له أثر في توثيقه وقبول رواياته، على أن ابن سعد أطال تراجم البعض من الصحابة ومن تلاهم كثيرا، فقد أثرت ثقافته الواسعة وإطلاعه على الأخبار في بناء كتابه،

1 يوجد نقص في بعض مواضعه فمثلا لا توجد الطبقة الرابعة والخامسة من التبايعين من أهل المدينة، ولا ذكر للصحابة الذين نزلوا مكة رغم أن ابن سعد أشار إلى أنه ذكرهم، وهناك نقص في بعض التراجم مثل بداية ترجمة عمرو بن العاص. أما معظم الطبقة الثالثة وسائر الرابعة والخامسة ونصف السادسة من التابعين من أهل المدينة فقد حقق ذلك الأٍستاذ زياد منصور وطبعها المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة سنة 1983م "1403هـ" وبعض الطبقات الساقطة موجودة في المخطوطات التي وصلت إلينا من الكتاب.

2 الملاحظة تحض طبعة دار صادر التي اعتمدتها في البحث.

ص: 78

لكنه أوجز كثير في تراجم المعاصرين له، ولعل سبب ذلك يعود إلى دور الصحابة والتابعين في الرواية مما يجعل لأحوالهم وأخبارهم والتعريف بهم أهمية فائقة.

وتلقي هذه المعلومات التي قدمها ابن سعد خلال التراجم أضواء على الحياة الثقافية والحضارية في القرنين الأول والثاني الهجريين بما يجعل لكتابه أهمية كبيرة من الناحية التأريخية.

وقد استعمل ابن سعد ألفاظ الجرح والتعديل في كتابه كقوله "ثقة ثبت حجة كثير الحديث" وقوله "فيه ضعف" وقوله "ضعيف ليس بشيء" وقوله "ليس بذاك"1. ويقول "كان شيخا وعنده أحاديث" ومن عادته أن لا يقول هذه اللفظة إلا في الكثير الحديث2.

واعتبر العلماء كلامه في الجرح والتعديل جيدا مقبولا3، روى ابن حجر أن ابن سعد يقلد الواقدي، والواقدي على طريقة أهل المدينة في الانحراف عن أهل العراق4، ويدل أهتمامه بالجرح والتعديل بالإضافة إلى طبيعة التراجم التي تناول رواة الحديث سواء أكانوا محدثين غلب عليهم الحديث وعرفوا به أم فقهاء يكون الحديث جزءا هاما من ثقافهم على أن ابن سعد إنما صنف كتابه لخدمة علم الحديث، ومن ثم فقد جاء تقسيم الكتاب على الطبقات ملائما لهذا الغرض5.

وقد وثق العلماء محمد بن سعد6 لكنهم عابوا عليه أخذه عن الضعفاء، كهشام بن الكلبي ومحمد بن عمر الواقدي7، وقد صنف الواقدي كتابا في الطبقات نقل عنه ابن سعد كثيرا حتى يمكن القول أن ربع كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد مأخوذ عن الواقدي، ولكن من الإجحاف، لأن سعد أن

1 ابن سعد: الطبقات الكبرى 7/ 289، 286، 387، 480.

2 ملغطاي: إكمال تهذيب الكمال 1/ 228.

3 السخاوي: الإعلان بالتوبيخ، 710.

4 هدي الساري، 443؛ والفتح2/ 164.

5 انظر فصل أسس تنظيم كتب علم الرجال.

6 الذهبي: تذكرة الحفاظ 2/ 425؛ السخاوي: الإعلان بالتوبيخ، ص601.

7 ابن الصلاح: مقدمة، 160.

ص: 79

نقتنع بقول ابن النديم عنه أنه صنف كتبه من تصنيفات الواقدي1، لأن ابن سعد استقى من مصادر أخرى كثيرة فكان عدد شيوخه في الطبقات ينيف على الستين شيخا معظمهم من المحدثين الذين اهتموا بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة الصحابة والتابعين ومن تلاهم من أهل العلم ورواة الحديث، ولم يقتصر ابن سعد على نقل مادة الواقدي بل يقدم مادة واسعة عن رواة آخرين، بل أن ما نقله عن أبي نعيم الفضل بن دكين2 وعفان بن مسلم وعبيد الله بن موسى العبسي ومعن بن عيسى الأشجعي يزيد عما نقله عن الواقدي!! فكيف إذا كان ابن سعد لم يقتصر على هؤلاء المحدثين الأربعة بل نقل عن غيرهم مادة واسعة أيضا. ويبرز بين شيوخه في الطبقات من حيث كثرة النقول عنهم:

أحمد بن عبد الله بن يونس، وإسماعيل بن إبراهيم بن علية، وقبيصة بن عقبة السوائي، ثم إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس المدني، ومسلم بن إبراهيم الأزدي، ويزيد بن هارون، ووكيع بن الجراح. هذا فضلا عن الشيوخ الذين أخذ عنهم بضع روايات وهم كثيرون3. وبذلك يتضح ما في قول ابن النديم من مجازفة وبعد عن الحق.

وقد وصل إلينا أيضا كتاب "الطبقات" لخليفة بن خياط "ت240هـ".

ويقتصر خليفة في تراجمه على ذكر نسب الرجل لأبيه وأمه، ويرجع بالأنساب إلى ما قبل الإسلام، وبذلك يقدم مادة غزيرة في النسب اعتمدها المؤلفون من بعده، على أن تأكيده على الأنساب إنما هو في جيلي الصحابة والتابعين، وكلما تأخرت الطبقة قل ذكر الأنساب حتى يتلاشى في الطبقات المتاخرة وتبرز النسبة إلى المدن والمهن، وذلك لارتباط العرب بالمدن بعد أن استقروا فيها ولاختلاطهم بالأعاجم وضياع أنساب بعضهم.

1 ابن النديم: الفهرست، 151.

2 يذكر السخاوي أن للفضل بن دكين كتابا في التأريخ "انظر الإعلان بالتوبيخ، 508".

3 استندت في إبداء الملاحظات عن شيوخ ابن سعد ومدى اعتماده عليهم على جرد لأسانيد الطبقات يحتفظ به الدكتور صالح أحمد العلي.

ص: 80

وإضافة إلى ذكر خليفة نسب الرجل فإنه يذكر كنيته ويحدد المكان الذي عاش فيه بصورة دائمية أو مؤقتة فيذكر رحلته في الأمصار وكذلك يهتم بتسجيل سني الوفيات، وهو في تراجم الصحابة يذكر للصحابي حديثا مما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم مما له أهمية في التعريف بالصحابي حديثا أن الرواية مباشرة عن النبي صلى الله عليه وسلم هي إحدى وسائل معرفة الصحابة وتمييزهم1 وقلما يسمي شيوخ وتلاميذ صاحب الترجمة، ولا يذكر تفاصيل عن حياة الرجال وأخبارهم، كذلك لا يسعمل عبارات الجرح والتعديل.

كذلك وصل إلينا كتاب "الطبقات"2 لمسلم بن الحجاج القشيري، وقد اقتصر فيه على الصحابة والتابعين، ولم يترجم لهم بل اقتصر على تجريد أسمائهم3. وقد خلط الكنى والأسماء، وبدأ بالصحابة فرتبهم على المدن فبدأ باهل المدينة ثم مكة فالكوفة فالبصرة فالشام فمصر فاليمن، ثم أهل مدن شتي. ثم ذكر النساء على المدن أيضا، ثم انتقل إلى طبقة التابعين فرتبهم على طبقاتهم وأزمانهم وبلدانهم. وبلغ بطبقات التابعين من أهل البصرة ثلاث طبقات. لكن سزكين ذكر أنه يتناول "معاصري الرسول صلى الله عليه وسلم الذين رأوه، ورووا عنه، والذين شاهدوه فقط ولكنهم لم يرووا عنه"4. وبذلك يتبين نقصان النسخة التي اطلع عليها أو أنه وهم.

وكتاب "طبقات الأسماء المفردة من الصحابة والتابعين وأصحاب الحديث"5 لأبي بكر أحمد بن هارون البرذعي البرديجي "ت301هـ" ويذكر فيه

1 العسقلاني: إصابة 1/ 6.

2 توجد منه نسخة في تركيا مكتبة أحمد الثالث 624 عدد أوراقها 19 ورقة حجم 19×26سم "انظر: لطفي عبد البديع: فهرست المخطوطات المصورة "التأريخ" 1/ 210". وقد اطلعت عليها وهي كاملة.

3 السخاوي: الإعلان بالتوبيخ، 648.

4 سزكين تاريخ التراث العربي، ص369.

5 توجد منه نسخة في تركيا كوبريلي 1152، وتوجد نسخة في دار الكتب الظاهرية، ص203.

"انظر بروكلمان: تأريخ الأدب العربي 3/ 221". وقد أطلعت على نسخة الظاهرية وتقع في 17 ورقة ذات وجهين.

ص: 81

الإسم والكنية والنسبة إلى المدينة، وأحيانا يذكر أحد شيوخه أو تلاميذه1، وقد جعلهم خمس طبقات من الصحابة والتابعين فمن بعدهم2.

ووصل إلينا كتاب "المنتخب من ذيل المذيل من تاريخ الصحابة والتابعين"3 لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري "ت310هـ" وهو يبدأ بالصحابة ويرتبهم في البدء على الوفيات، ولا يذكر سائر السنين بل يختار بعضها، ولعل المنتخب هو الذي فعل ذلك فاهتم بحوادث بعض السنين فثبتها وأهمل الأخرى، وأحيانا يطيل ذكر أخبار تتعلق بالمترجم كما فعل في ترجمة زيد الحب4، ويقدم ذكر بني هاشم على غيرهم. وآخر سنة ذكر الوفيات فيها هي سنة ثمانين "80هـ" وبعد ذلك عقد عناوين متنوعة فذكر من عاش من الصحابة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وروى عنه العلم فبدا بني هاشم ثم مواليهم وحلفائهم ثم ذكر بني المطلب واستمر في الترتيب على القبائل فلما انتهى من العدنانية ذكر قبائل قحطان. ثم ذكر النساء مبتدئا بالترتيب على الوفيات "من هلك منهن قبل الهجرة

بعد الهجرة

على عهده صلى الله عليه وسلم

بعد وفاته ويقدم ذكر قريبات النبي صلى الله عليه وسلم ثم المهاجرات ثم الأنصاريات. ثم ذكر الصحابيات الراويات من بني هاشم ثم غرائب نساء العرب. فلما انتهى مما يعلق بالصحابة ذكر التابعين ومن بعدهم من العلماء والرواة ورتبهم على سني الوفيات ثم ذكر كنى الرجال ثم كنى النساء ورتب ذلك على الطبقات بتقديم ذكر الصحابة على التابعين.

ووصل إلينا أيضا "المنتقى من كتاب الطبقات"5 لأبي عروبة الحسين بن

1 ذكر ابن حجر "هدي الساري 2/ 175" أن مذهب البرديجي أن المنكر هو الفرد، سواء تفرد به ثقة أو غير ثقة، فلا يكون قوله "منكر الحديث" جرحا بينا.

2 عمل عليه أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن عبد الله بن بكر "زيادات" في 3 أوراق كوبريلي رقم 1152/ 14 "ششن: نوادر المخطوطات العربية ص254".

3 طبع ملحقا بكتاب "تاريخ الأمم والملوك" للطبري أيضا وذلك في طبعه المطبعة الحسينية بمصر، ويقع "ذيل المذيل" في 122 صفحة.

4 ذيل المذيل، ص3-5.

5 سماه السمعاني في التحبير "الترجمة رقم 27" كتاب "طبقات الصحابة" فهل اقتصر عليهم فيكون من كتب معرفة الصحابة أيضا.

ص: 82

محمد بن مودود الحراني "ت318هـ" وقد وصل إلينا الجزء الثاني منه فقط1، وهو يحتوي على تراجم بعض الصحابة، ويبدأ بترجمة أم سنبلة الأسلمية، ولعله قد خلط تراجم النساء والرجال في طبقاته أو أن الذي انتقاه فعل ذلك2 وتختلف تراجمه في الطول فبعضها طويلة مسهبة كترجمة خالد بن الوليد وأبي سفيان صخر بن حرب، وبعضها مقتضبة تقتصر على اسم الصحابي واسم أبيه والبلد الذي نزله، ويعقد موضوعا للأخوة من الصحابة، وبعد أن ذكر أسماءهم مجردة عاد إلى التراجم، وفائدة معرفة الأخوة أن لا يظن من ليس بأخ أخا عند الاشتراك في إسم الأب3، وينتهي الجزء بترجمة عبد الله بن عباس، ولا يؤكد في تراجمه على النسب ولا سني الوفيات، وإنما يهتم بذكر بعض أخبار صاحب الترجمة مما يدل على مكانته في العلم أو فضله4.

1 مخطوط في دار الكتب الظاهرية بدمشق "عام 4553" يقع في 12 ورقة فقط.

2 يرجح الأستاذ يوسف العش أن الذي انتقاه هو عبد الغني المقدسي الجماعيلي صاحب "الكمال" المتوفي سنة 600هـ، "انظر فهرست مخطوطات دار الكتب الظاهرية "التأريخ"، 169".

3 السيوطي: تدريب الراوي، 428.

4 ومن أجل كتب المتأخرين في طبقات المحدثين كتاب "طبقات الحفاظ" للحافظ الذهبي، ت748هـ.

وهو كما يدل عنوانه يتناول الحفاظ فقط، وليس سائر المحدثين.

ص: 83

سفيان وأبي الجهم حين سألته فاطمة بنت قيس عنهما وقد خطباها فقال: "أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه وأما معاوية فصعلوك لا مال له" ورغم أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم هنا ليس إلا محض مشورة في قضية شخصية فقد اتخذ دليلا على إجازة القدح في الضعفاء لبيان حالهم لأن إظهار القدح في أمر يتصل بالحرام والحلال وهو الحديث أولى من بيان القدح في مشورة خاصة1، وفي بيان الجرح فائدة كبيرة لئلا يحتج بأخبار غير العدول وليس القصد ثلبهم والوقيعة فيهم مما يدخل في باب الغيبة، خاصة وأن العلماء وقفوا عند الحد الذي يكفي لإبانة الجرح ولم يتجاوزوه بالإكثار من ذكر العيوب. ويرجع التفيش عن الرجال إلى جيل الصحابة وذلك لأنهم تشددوا في قبول الرواية ليتورع الناس في التحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولعل أبا بكر رضي الله عنه أول من فتش عن الرجال حين سأل الصحابة عن الجدة هل ترث؟ فأجابه المغيرة بن شعبة أنها ترث السدس فطلب منه أن يأتيه بشاهد فشهد محمد بن مسلمة2. وكذلك فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث طلب من أبي موسى الأشعري أن يأتيه بشاهد على حديث عن النبي كان قد حدثه به3.

وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يستحلف أحيانا من يحدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم بحديث وإن كان ثقة مأمونا4. ولم يكن أبو بكر ولا عمر ولا علي يتهمون الصحابة فقد قال عمر لأبي موسى بأنه لا يتهمه ولكن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد5 ولكن الصحابة كانوا يخشون جرأة الناس على التحديث عن

1 المصدر السابق "1-19ب" وانظر السخاوي: الإعلان بالتوبيخ، والخطيب: الكفاية 39.

2 الذهبي: تذكرة الحفاظ 1/ 3 والحاكم: معرفة علوم الحديث، ص15 والكفاية، ص26.

3 ابن حبان: المجروحين من المحدثين 1/ 12ب، والحديث هو "إذا استأذن أحدكم ثلاث مرات فلم يؤذن له فليرجع" وذكر الحاكم أن أبا بكر وعمر وعليا وزيد بن ثابت جرحوا، وعدلوا وبحثوا عن صحة الروايات وسقيمها. "انظر معرفة علوم الحديث، 52".

4، 5 ابن حبان: المجروحين من المحدثين 1/ 12ب.

ص: 84

النبي صلى الله عليه وسلم دون توثق وتدقيق فشددوا في قبول الرواية وسألوا عن الرجال. وممن عرف بالكلام في الرجال من الصحابة أيضا عبد الله بن عباس وعبد الله بن سلام وعبادة بن الصامت وأنس بن مالك وعائشة، فقد أعربوا عن تكذيبهم لبعض من حدثهم1 ثم ظهرت حركة الوضع في الحديث فانتبه العلماء إلى ذلك واهتموا بالرجال ومعرفتهم فتكلم عدد من التابعين في الجرح والتعديل مثل الشعبي ومحمد بن سيرين وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، ولكن لم تنشأ مادة واسعة في علم الرجال يتداولها العلماء والنقاد حتى حدود منتصف القرن الثاني الهجري، حيث لعب شيوع الوضع وكثرة الضعفاء بين رواة الحديث ونقلته دورا في لفت أنظار العلماء إلى الكلام في الرجال2 وقد برز عدد من الأئمة النقاد والمحدثين الكبار بمعرفة أحوال الرجال ونقدهم وأصبحت أحكامهم على الرجال مقبولة عند العلماء المعاصرين والمتأخرين لما تميزوا به من الدقة والورع والتيقظ. وقد عرف بذلك شعبة بن الحجاج ومعمر بن راشد "ت153هـ" وهشام الدستوائي "ت154هـ" وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي وسفيان الثوري3 ومالك بن أنس "ت179هـ" وعبد العزيز بن الماجشون "ت164هـ" وحماد بن سلمة "ت167هـ" وحماد بن زيد والليث بن سعد وعبد الله بن المبارك وهشيم بن بشير "ت183هـ" وأبو إسحاق الفزاري والمعافي بن عمران الموصلي "ت184هـ" وبشر بن المفضل "ت187هـ" وسفيان بن عيينة وإسماعيل بن علية وجرير بن وهب ووكيع بن الجراح ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وأبو داؤد الطيالسي "ت203هـ" ومحمد بن يوسف الفريابي "ت212هـ" وأبو عاصم النبيل "ت211هـ" وعبد اله بن الزبير الحميدي "ت219هـ"

1 السخاوي: الإعلان بالتوبيخ، 706. وأحيانا استعملوا عبارة "كذب" بمعنى "أخطأ" وهو المقصود دائما عندها يكون المتهم بذلك صحابيا.

2 المصدر السابق، 707.

3 قال ابن حجر: "وسفيان أحفظ من شعبة ولا سيما في الإسناد فقد قالوا أن شعبة كان إذا غلط ربما غلط في الأسماء خاصة". "الإيثار في معرفة رجال الآثار، ص124" رسالة ماجستير مكتوبة بالآلة الكاتبة.

ص: 85

والقعنبي وأبو عبيد القاسم بن سلام ويحي بن يحيى النيسابوري "ت226هـ" وأبو الوليد الطيالسي "ت227هـ"1.

وهؤلاء العلماء اشتهروا كمحدثين وبعضهم جمع بين الفقه والحديث كالأئمة الأوزاعي ومالك والليث بن سعد فكان علمهم بالرجال يمثل جانا من جوانب اهتمامهم بالحديث والفقه إلا أن بعض من ذكرتهم غلب عليه الاهتمام بمعرفة الرجال ونقدهم مثل شعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي، وقد استمر الاهتمام بالرجال خلال النصف الأول من القرن الثالث الهجري وظهر نسبيا نوع من التخصص في علم الرجال يظهر بصورة خاصة عد يحيى بن معين "ت233هـ" وعلي بن المديني "ت234هـ" وقد نما التصنيف في علم الجرح والتعديل خلال القرن الثالث والرابع واختص بعض هذه المصنفات بالضعفاء وبعضها بالثقات في حين جمع البعض الآخر بين الضعفاء والثقات.

وقد ظهرت هذه الأنواع الثلاثة من المصنفات في وقت واحد وذلك في النصف الأول من القرن الثالث الهجري، وشكلت أقوال المتكلمين الأوائل في الرجال قبل تصنيف الكتب مادة رئيسية في هذه المصنفات حيث دونت أقوالهم التي كان أهل الحديث يتناقلونها شفاها كما يتناقلون الحديث، وكذلك فإن المصنفات المتأخرة اعتمدت على المصنفات الأولى ونقلت أقوال مؤلفيها في الرجال فلا يخلو مصنف في الجرح والتعديل من كلام يحيى بن معين وعلي بن المديني وأحمد بن حنبل. وقد استخدمت مصنفات الجرح والتعديل الألفاظ التي أطلقها المحدثون القدما للدلالة على جرح الرواة أو تعديلهم ولكن هذه الألفاظ اكتسبت تحديدات أدق في المصنفات المتأخرة مما أدى إلى تبلورها وحصر عددها وتعيين مدلولها، وفي بداية ظهور المصنفات نقل المصنفون عبارات

1 انظر: ابن أبي حاتم تقدمة لكتاب الجرح والتعديل.

وابن عدي: مقدمة الكامل 1/ 13ب-44ب.

والسخاوي: الإعلان بالتوبيخ، 708.

ص: 86

السابقين في الجرح والتعديل، ولم يكن ثمة اتفاق على هذه الألفاظ والعبارات فأصبحت لكل مصنف مصطلحات ذات مدلول خاص، وهذا يتطلب من المتتع ليس فقط معرفة مدلولات هذه المصطلحات على وجه العموم، بل معرفة مدلولاتها النسبية وكيفية استعمالها عند كل واحد، فيحيى بن معين مثلا يستعمل عبارة "ليس بشيء" أحيانا للدلالة على أن أحاديث الراوي قليلة بينما يستعملها غالبا للدلالة على ضعف الراوي. أما الآخرون فيستعملون ذلك دائما في جرح الراوي كقولهم:"لا تحل الراوية عنه"1 ويستعمل ابن معين لفظة "لا باس به" مقابل لفظ "ثقة" وهي عند غيره تطلق على من هو أدون من ثقة2.

وترتبط بعض هذه الألفاظ من حيث منشؤها بأمثال قديمة اشتقت منها، وقد وقع الحافظ العراقي في وهم نتيجة غموض أحد هذه الألفاظ وعدم تفطنه إلى أصل اشتقاقه وهو استعمال أبي حاتم عبارة "هو على يدي عدل"، أي هالك. فكان العراقي يقول:"هو على يدي عدل" ويريد بها التوثيق وقد فطن العسقلاني إلى ذلك ونبه على أنها من ألفاظ الجرح حين قرأ ترجمة جبارة بن المغلس فوجد أن أبا حاتم ضعفه وقال: "هو على يدي عدل"3. ولكن هذا مثال متطرف بالطبع فهناك عدد من ألفاظ الجرح والتعديل ذات مدلول واضح ومتعارف عليه كقولهم "ثقة" أو "حجة" أو "ثبت" أو "ضعيف" أو "كذاب" أو "مطرح"، وعموم هذه الألفاظ واضحة المدلول.

ولم تكتب قواعد الجرح والتعديل إلا متأخرا، بل أن الرامهرمزي

1 اللكنوي: الرفع والتكميل في الجرح والتعديل، 80، 100.

2 الخطيب: الكفاية 22؛ والرفع والتكميل، 77، 100. وكذلك استعمل دحيم من أهل الشام وهو بمنزلة أبي حاتم الرازي في الشرق لفظة "لا بأس به" بمعنى "ثقة"؛ اللكنوي: الرفع والتكميل، 101.

3 اللكنوي: الرفع والتكميل، 79، حاشية "2" "وكان العدل ولي شرط تبع فكان إذا قتل رجلا دفعه إليه فقيل:"وضع على يدي عدل" ومعناه هلك".

ص: 87

"ت360هـ" لم يتطرق في كتابه "المحدث الفاصل" -وهو أول مصنف في مصطلح الحديث- إلى علم الجرح والتعديل، ولعل الحاكم كان أول من كتب في قواعد علم الجرح والتعديل، ولعل الحاكم كان أول من كتب في قواعد علم الجرح والتعديل واعتبره أحد علوم الحديث1، ثم اهتمت كتب مصطلح الحديث بعد الحاكم بالكلام عن علم الجرح والتعديل وقواعده، وهذه القواعد عبارة عن ضوابط تمنع الشطط والمغالاة وتوجه المتتبع لهذا العلم إلى معرفة كيفية الإفادة منه بصورة صحيحة، وقد ركزت هذه القواعد على بيان شروط توثيق الراوي وهي أن يمتاز بالعدالة والضبط2 وأوضحت متى يقبل التعديل أو الجرح دون ذكر السبب ومتى لا يقبل إلا بذكر السبب ومتى تجوز الرواية عن أهل البدعة ومتى لا تجوز، وكيفية الخروج من الأحكام المتعارضة على الرجال كأن يوثقهم بعض النقاد ويجرحهم آخرون. إلى غير ذلك من القواعد التي تعين على الإفادة من المصنفات في الجرح والتعديل خاصة وأن بعض نقاد الحديث تشدد في نقد الرجال وتجريحهم لأدنى سبب ويطلقون عليهم ألفاظا شديدا لا يتطلبها حال المجروحين وممن عرف بالتشدد من نقاد الرجال يحيى بن معين ويحيى بن سعيد القطان وأبو حاتم الرازي والنسائي وابن حبان3 فإن تفردوا في جرح رجل فينبغي التثبت في ذلك4، وكذلك فإن المتعاصرين من العلماء تدفعهم المنافسة إلى جرح بعضهم ولعل ذلك يحدث تلقائيا دون أن يفطنوا هم لذلك، ومن ثم فقد وضعت قاعدة تقول بعدم قبول جرح المعاصر لمعاصره بلا حجة، وبذلك ردوا جرح الإمام مالك في محمد بن

1 الحاكم: معرفة علوم الحديث، 52 وقد أوجز فيه الكلام عن الجرح والتعديل وأحال على كتابه "المدخل إلى معرفة الصحيح"، حيث يذكر أنه فصل الكلام فيه عن الجرح والتعديل.

2 قال النووي: يشترط فيه -أي فيمن تقبل روايته- أن يكون عدلا ضابطا بأن يكون مسلما بالغا عاقلا سليما من أسباب الفسق وخوارم المروءة متيقظا، حافظا إن حدث من حفظه، ضابطا لكتابه إن حدث منه، عالما بما يحيل المعنى إن روى به.

"السيوطي: تدريب الراوي، 197- 198".

3 اللكنوي: الرفع والتكميل، 117.

4 الذهبي: تذكرة الحفاظ، 2/ 465؛ واللكنوي: الرفع والتكميل، 117.

ص: 88

إسحاق وجرح أحمد بن حنبل في الحارث المحاسبي وجرح سفيان الثوري في أبي حنيفة1. وقد انتقد الذهبي بعض أهل الجرح والتعديل لإعراضهم عن جرح بعض المتنفذين خوفا من سلطانهم2. كما وقف بعض النقاد من مخالفيهم في العقائد، بل في الفقه أحيانا موقفا شديدا3 وجرتهم مخالفتهم لهم إلى جرحهم، ولذلك ميز العلماء بين المبتدع الذي لا يدعو إلى بدعته فأجازوا الرواية عنه ما لم تكن بدعته كفرا صريحا وبين المبتدع الداعية فلم يجيزوا الرواية عنه4 لأن هواه يجره إلى الكذب انتصارا لفكرته. ورأوا التوقف في قبول قول الجارح إذا كان بينه وبين من جرحه اختلاف في الاعتقاد5، على أن هذه الانتقادات لا يمكن أن تقلل من أهمية علم الجرح والتعديل، ولا من الجهد العظيم الذي بذله النقاد في تمييز الرجال ومعرفة الثقات والضعفاء، وورعهم وتحفظهم ودقتهم في ذلك حتى جرح علي بن المديني أباه وجرح أبو داؤد السجستاني ابنه6، ورفض يحيى بن معين قبول صرة ذهب هدية من أحد العلماء لأنه أراد أن يصدق في كلامه فيه7 كما أنه لم يتحرج من جرح

1 الذهبي: تذكرة الحفاظ، 2/ 496؛ واللكنوي: الرفع والتكميل، 189/ 191.

ومن ذلك أيضا كلام محمد بن يحيى الذهلي في البخاري فقد حسده لأن الناس انفضوا عنه إلى البخاري "الخطيب: تاريخ بغداد، 2/ 30" وكلام محمد بن عثمان بن أبي شيبة ومطين في بعضهما "الخطيب: تاريخ بغداد، 3/ 43، 45".

2 الذهبي: تاريخ الإسلام، 5/ 242، 243.

3 ابن حبان: المجروحين من المحدثين، 2/ 28أ-ب؛ والقاسمي: الجرح والتعديل، 24.

4 ابن حبان: المجروحين من المحدثين، 2/ 27ب-28أ.

الخطيب: الكفاية، 126، 127.

5 العسقلاني: لسان الميزان، 1/ 16.

6 السخاوي: الإعلان بالتوبيخ، 488. حيث يذكر "قال علي بن المديني لمن سأله عن أبيه "سلوا عنه غيري" فأعادوا المسألة، فأطرق ثم رفع رأسه فقال: "هو الدين إنه ضعيف" وقال أبو داؤد صاحب السنن: "ابني عبد الله كذاب، مع تأويلنا له في بذل المجهود".

7 السخاوي: الإعلان بالتوبيخ، 487. حيث يذكر "لما قدم -يعني يحيى بن معين- حران، طمع أبو سعيد يحيى بن عبد الله بن الضحاك البابلتي "ت218هـ" أنه يجيء إليه، فوجه بصرة فيها ذهب وطعام طيب، فقبل الطعام ورد الصرة، فلما رحل سألوه عنه، فقال: والله إن صلته لحسنة، وإن طعامه لطيب، إلا أنه لم يسمع من الأوزاعي شيئا".

ص: 89