الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تواريخ الوفيات
…
تورايخ الوفيات:
اهتم المحدثون بمعرفة سني وفيات الرواة فكانت المصنفات المختلفة في علم الرجال تتضمن ذكر سني الوفيات ينطبق ذلك على كتب معرفة الصحابة وطبقات المحدثين وكتب الجرح والتعديل وغيرها من كتب الرجال، وقد ظهرت مصنفات خاصة في الوفيات منذ أواخر القرن الثالث الهجري1 مما يدل على زيادة العناية بضبط سني الوفيات لما لها من أهمية في نقدد إسناد الحديث.
وقد استطاع النقاد عن طريق معرفة وفيات الرواة أن ينقدوا كثيرا من الروايات ويفضحوا الكذابين الذين وضعوها ولولا معرفة سني الوفيات لما استطاعوا نقدها مثلا ذلك "أن المعلى بن عرفان قال حدثنا أبو وائل2 قال خرج علينا ابن مسعود بصفين، فقال أبو نعيم3: أتراه بعث بعد الموت"4 فأبو نعيم الفضل بن دكين كان يعرف أن عبد الله بن مسعود توفي سنة اثنتين أو ثلاث وثلاثين قبل انقضاء خلافة عثمان بثلاث سنين، فلا يمكن أن يشترك في صفين التي حدثت سنة سبع وثلاثين وبهذا تبين له كذب المعلى بن عرفان.
وهاك أمثلة كثيرة أخرى على استخدام سني الوفيات في نقد الإسناد وبيان ما فيه من انقطاع أو إرسال من ذلك أو سهيل بن ذكوان روى عن عائشة وزعم أنه لقيها بواسط ولما كانت وفاة عائشة رضي الله عنها قبل أن يخط الحجاج مدينة واسط بزمن طويل5 كما أنها لم تمر بمنطقة واسط فقد تبين كذبه.
وكثيرا ما افتضح الكذابون بسبب ضبط النقاد لسني الوفيات ومحاسبتهم بها.
1 انظر: موارد الخطيب 404.
2 أبو وائل هو شقيق بن سلمة "ت79هـ" أنظر البخاري: تاريخ مجلد 2، قسم 2/ 246.
3 أبو نعيم الفضل بن دكين أحد كبار المحدثين الكوفيين "ت206هـ".
4 مسلم: مقدمة الصحيح 1/ 26. وانظر السخاوي: الاعلان، 391-392.
5 السخاوي: الإعلان، 390.
سأل إسماعيل بن عياش رجلا في أي سنة كتبت عن خالد بن معدان؟
فقال: سنة ثلاث عشرة ومائة. فقال إسماعيل بن عياش: إنك تزعم أنك سمعت منه بعد موته بسبع سنين1.
وقيل لسفيان بن عيينة: قدم إنسان من أهل بخارى وهو يقول حدثنا ابن طاووس؟ فقال: سلوه ابن كم هو؟ قال: فسألوه. فنظروا فإذا ابن طاووس مات قبل مولده بسنتين2.
وروى أبو عبد الله الحاكم قال: "لما قدم علينا أبو جعفر محمد بن حاتم الكشي وحدث عن عبد بن حميد وسألته عن مولده فذكر أنه ولد سنة ستين ومائتين فقلت لأصحابنا سمع هذا الشيخ من عبد بن حميد بعد موته بثلاث عشرة سنة"3.
وقد فطن نقاد الحديث إلى هذه الطريقة في نقد الإسناد في فترة مبكرة فقال سفيان الثوري "لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ"4.
وقال حفص بن غياث "إذا اتهمتم الشيخ فحاسبوه بالسنين يعني احسبوا سنة وسن من كتب عنه"5.
وقال حسان بن زيد "لم نستعن على الكذابين بمثل التاريخ نقول للشيخ: كم سنة؟ وفي أي تاريخ ولد؟ فإن أقر بمولده عرفنا صدقة من كذبه"6.
1 ابن الصلاح: مقدمة، 154. وانظر السخاوي: الاعلان، 390.
2 الخطيب: تاريخ بغداد 6/ 327.
3، 4 ابن عساكر: تهذيب تاريخ ابن عساكر 1/ 25؛ ابن الصلاح: المقدمة، 154؛ وانظر نموذجا آخرا في تاريخ بغداد للخطيب 14/ 100.
العراقي: فتح المغيث 4/ 133؛ السخاوي: الاعلان، 390؛ السيوطي: الشماريخ في علم التاريخ، 8.
5 ابن عساكر: تهذيب تاريخ ابن عساكر 1/ 25-26. وعزاه السيوطي إلى حماد بن زيد بن حسان المذكور. انظر: الشماريخ في علم التاريخ، 8.
6 ابن عساكر: تهذيب تاريخ ابن عساكر 1/ 26 وانظر السخاوي: الاعلان، 454.
وكان أئمة الحديث يسعون في ضبط وفيات الرواة ويسألون عنها كما يسألون عن الحديث وليس أدل على اهتمامهم مما أخبر به الحسن بن الربيع قال "قدمت بغداد فلما خرجت شيعني أصحاب الحديث فلا برزت إلى الخارج قالوا: توقف فإن أحمد بن حنبل يجيء فقعدت وأخرجت ألواحي فلما جاء أحمد قال لي: في أي سنة مات عبد الله بن المبارك؟ فقلت: سنة إحدى وثمانين.
فقيل له: ما تريد بهذا؟ فقال أريد الكذابين"1.
ورغم أن الأهمية الأولى لضبط سني الوفيات هي في معرفة ما في سند الحديث من انقطاع أو عضل أو تدليس أو إرسال ظاهر أو خفي2 إلا أن هناك فوائد أخرى من معرفة سني وفيات الرواة إذ تفيد في تمييز المؤتلف والمختلف والمتفق والمفترق من الأسماء والانتسابات، إذ يحدث التباس أحيانا في بعض الأسماء أو في النسبة مثال نسبة الحافظ إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني وهي "جريري المذهب" فقد يلتبس الأمر فيظن أن هذه النسبة إلى محمد بن جرير الطبري مع أنها إلى حريز بن عثمان وقد حدث في النسبة تصحيف، وإنما أمكن معرفة ذلك لأن سنة وفاة إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني تجعله في طبقة شيوخ الطبري فلا يمكن أن ينتسب إليه3. وكذلك يحدث توهم أحيانا فيظن أن أحمد بن نصر الهمذاني هو أحمد بن نصر الداودي نفس، ويزول الوهم ويميز بين الاثنين عندما تعلم أن سنة وفاة الأول هي سبع عشرة وثلاثمائة والثاني توفي سنة اثنين وأربعمائة4.
فلأهمية سني الوفيات في نقد إسناد الحديث أولا وفي التمييز بين المؤتلف والمختلف والمتفق والمفترق اعتنى العلماء بضبطها، حتى خصصوا مصنفات كاملة لها، ومع شدة اعتنائهم بها فقد فاتهم ضبط وفيات الكثير من الصحاب والتابعين والأتباع فقد كان من الصعوبة حفظ هذه الوفيات في الفترة المبكرة لعدم تقييدها
1 ابن عساكر: تهذيب تاريخ ابن عساكر 1/ 26. وانظر السخاوي: الاعلان، 454.
2 السخاوي: الاعلان، 386.
3، 4 المصدر السابق، 392.