الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حسن التعليل:
ومنه حسن التعليل، وهو أن يدعى لوصف علة مناسبة له باعتبار لطيف1 غير حقيقي.
وهو أربعة أقسام؛ لأن الوصف إما ثابت قصد بيان علته، أو غير ثابت أريد إثباته؛ والأول إما ألا يظهر له في العادة علة، أو يظهر له علة غير المذكورة، والثاني إما ممكن، أو غير ممكن.
أما الأول2 فكقول أبي الطيب:
لم تحك نائلك السحاب وإنما
…
حُمَّت به فصبيبها الرُّحَضَاء3
فإن نزول المطر لا يظهر له في العادة علة4. وكقول أبي تمام:
لا تنكري عَطَلَ الكريم من الغنى
…
فالسيل حرب للمكان العالي5
علل عدم إصابة الغنى الكريم بالقياس على عدم إصابة السيل المكان العالي كالطَّوْد العظيم، من جهة أن الكريم لاتصافه بعلو القدر كالمكان العالي، والغني لحاجة الخلق إليه كالسيل. ومن لطيف هذا الضرب قول أبي هلال العسكري:
زعم البنفسج أنه كعِذَاره
…
حسنا فَسَلّوا من قفاه لسانه6
وقول ابن نباتة في صفة فرس:
وأدهم يستمد الليل منه
…
وتطلع بين عينيه الثريا
سرى خلف الصباح يطير مشيا
…
ويطوي خلفه الأفلاك طيا
فلما خاف وَشْك الفوت منه
…
تشبث بالقوائم والمحيا1
وأما الثاني2 فكقول أبي الطيب:
ما به قتل أعاديه ولكن
…
يتقي إخلاف ما ترجو الذئاب3
فإن قتل الملوك أعداءهم في العادة لإرادة هلاكهم، وأن يدفعوا مضارهم عن أنفسهم؛ حتى يصفو لهم ملكهم من منازعتهم، لا لما ادعاه من أن طبيعة الكرم قد غلبت عليه، ومحبته أن يصدق رجاء الراجين بعثته على قتل أعدائه؛ لما علم أنه لما غدا للحرب غدت الذئاب تتوقع أن يتسع عليها الرزق من قتلاهم، وهذا مبالغة في وصفه بالجود، ويتضمن المبالغة في وصفه بالشجاعة على وجه تخييلي4، أي: تناهى في الشجاعة حتى ظهر ذلك للحيوانات العجم، فإذا غدا للحرب رجت الذئاب أن تنال من لحوم أعدائه، وفيه نوع آخر من المدح وهو أنه ليس ممن يسرف في القتل طاعة للغيظ والحنق.
وكقول أبي طالب المأموني في بعض الوزراء ببخارى:
مغرم بالثناء صَبّ بكسب المجد
…
يهتز للسماح ارتياحا
لا يذوق الإغفاء إلا رجاء
…
أن يرى طيف مستميح رَوَاحا1
وكأن تقييده بالرواح ليشير إلى أن العفاة إنما يحضرون له في صدر النهار على عادة الملوك، فإذا كان الرواح قلوا؛ فهو يشتاق إليهم، فينام ليأنس برؤية طيفهم. وأصله من نحو قول الآخر:
وإني لأستغشي وما بي نَعْسة
…
لعل خيالا منك يلقى خياليا2
وهذا غير بعيد أن يكون أيضا من هذا الضرب، إلا أنه لا يبلغ في الغرابة والبعد عن العادة ذلك المبلغ، فإنه قد يتصور أن يريد المُغْرَم المتيم إذا بعد عهده بحبيبه أن يراه في المنام، فيريد النوم لذلك خاصة.
ومن لطيف هذا الضرب قول ابن المعتز:
قالوا: اشتكت عينه، فقلت لهم:
…
من كثرة القتل نالها الوَصَب
حمرتها من دماء من قتلت
…
والدم في النصل شاهد عجب3
وقول الآخر:
أتتني تؤنبني بالبكا
…
فأهلا بها وبتأنيبها
تقول وفي قولها حشمة:
…
أتبكي بعين تراني بها
فقلت: إذا استحسنت غيركم
…
أمرت الدموع بتأديبها1
وذلك أن العادة في دمع العين أن يكون السبب فيه إعراض الحبيب أو اعتراض الرقيب، ونحو ذلك من الأسباب الموجبة للاكتئاب، لا ما جعله من التأديب على الإساءة باستحسان غير الحبيب.
وأما الثالث2 فكقول مسلم بن الوليد:
يا واشيا حسنت فينا إساءته
…
نجّى حذارك إنساني من الغرق3
فإن استحسان إساءة الواشي ممكن، لكن لما خالف الناس فيه عقّبه بذكر سببه، وهو أن حذاره من الواشي منعه من البكاء، فسلم إنسان عينيه من الغرق في الدموع، وما حصّل ذلك فهو حسن.
وأما الرابع4 فكمعنى بيت فارسي ترجمته:
لو لم تكن نية الجوزاء خدمته
…
لما رأيت عليها عقد منتطق5
فإن نية الجوزاء خدمته ممتنعة6.