الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السجع وأقسامه:
ومنه السجع؛ وهو تواطؤ الفاصلتين1 من النثر على حرف واحد، وهذا معنى
قول السكاكي1: "الأسجاع في النثر كالقوافي في الشعر". وهو ثلاثة أضرب: مطرَّف، ومتوازٍ، وترصيع.
السجع المطرف:
لأن الفاصلتين إن اختلفتا في الوزن2 فهو السجع المطرف3 كقوله تعالى: {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} [نوح: 13، 14] .
الترصيع: وإلا فإن كان ما في إحدى القرينتين4 من الألفاظ أو أكثر ما فيها مثل ما يقابله من الأخرى في الوزن والتقفية؛ فهو الترصيع؛ كقول الحريري: "فهو يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه" وكقول أبي الفضل الهمذاني: "إن بعد الكدر صفوا، وبعد المطر صحوا"، وقول أبي الفتح البستي:"ليكن إقدامك توكلا، وإحجامك تأملا".
السجع المتوازي:
وإلا فهو السجع المتوازي؛ كقوله تعالى: {فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ، وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ} [الغاشية: 13،14] وفي دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أدرأ بك في نحورهم، وأعوذ بك من شرورهم".
شروط حسن السجع: وشرط حسن السجع اختلاف قرينتيه في المعنى كما مر5، لا كقول ابن عباد في مهزومين: "طاروا واقين بظهورهم صدورهم،
وبأصلابهم نحورهم".
قيل: وأحسن السجع ما تساوت قرائنه1 كقوله تعالى: {فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ، وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ، وَظِلٍّ مَمْدُودٍ} [الواقعة: 28، 29، 30] . ثم ما طالت2 قرينته الثانية، كقوله:{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} [النجم: 1، 2] ، أو الثالثة، كقوله:{خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ} 3 [الحاقة: 30، 31] وقول أبي الفضل الميكالي: "له الأمر المطاع، والشرف اليَفَاع، والعِرْض المصون، والمال المضاع". وقد اجتمعا4 في قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1-3] . ولا يحسن أن تُولَى قرينةٌ قرينةً أقصر منها كثيرا5؛ لأن السمع إذا استوفى أمده من الأولى لطولها، ثم جاءت
الثانية أقصر منها كثيرا يكون كالشيء المبتور، ويبقى السامع كمن يريد الانتهاء إلى غاية فيعثَر دونها، والذوق يشهد بذلك، ويقضي بصحته.
السجع القصير، والطويل، والمتوسط:
ثم السجع إما قصير، كقوله تعالى:{وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا، فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا} [المرسلات: 1، 2] .
أو طويل1، كقوله تعالى:{إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [الأنفال: 43، 44] .
أو متوسط، كقوله تعالى:{اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} [القمر: 1، 2] .
ومن لطيف السجع قول البديع الهمذاني من كتاب له إلى ابن فريغون2: "كتابي والبحر وإن لم أره، فقد سمعت خبره، والليث وإن لم ألقه، فقد تصورت خلقه، والملك العادل وإن لم أكن لقيته، فقد لقيني صيته، ومن رأى من السيف أثره، فقد رأى أكثره"3.
سكون أعجاز الفواصل 1:
واعلم أن فواصل الأسجاع موضوعة على أن تكون ساكنة الأعجاز، موقوفا عليها؛ لأن الغرض أن يزاوج بينها، ولا يتم ذلك في كل صورة إلا بالوقف، ألا ترى أنك لو وصلتَ قولهم:"ما أبعد ما فات، ما أقرب ما هو آتٍ" لم يكن بد من إجراء كل من الفاصلتين على ما يقتضيه حكم الإعراب، فيفوت الغرض من السجع، وإذا رأيتهم يُخرجون الكلم عن أوضاعها للازدواج في قولهم:"إني لآتيه بالغدايا والعشايا" أي: بالغُدُوات2، فما ظنك بهم في ذلك؟
الخلاف في إطلاق السجع في القرآن والشعر:
وقيل: إنه لا يقال: "في القرآن أسجاع" وإنما يقال: "فواصل"3.
وقيل: السجع غير مختص بالنثر، ومثاله من الشعر4 قول أبي تمام:
تجلى به رشدي، وأثرت به يدي
…
وفاض به ثِمْدي، وأورى به زندي5
وكذا قول الخنساء:
حامي الحقيقة، محمود الخليقة، مهـ
…
ـدي الطريقة، نفّاع وضرّار1
وكذا قول الآخر:
ومكارم أوليتها متبرعا
…
وجرائم ألغيتَها متورعا2
وهو3 ظاهر التكلف4. وهذا القائل لا يشترط التقفية في العَروض والضرب5؛ كقوله:
وزند ندى فواضله وَرِيّ
…
ورَنْد ربا فضائله نضير6
التشطير:
ومن السجع على هذا القول1 ما يسمى التشطير، وهو أن يجعل كل من شطري البيت سجعة مخالفة لأختها2؛ كقول أبي تمام:
تدبير معتصم بالله منتقم
…
لله مرتغب في الله مرتقب3
التصريع:
ومنه ما يسمى التصريع، وهو جعل العروض مقفّاة تقفية الضرب؛ كقول أبي فراس:
بأطراف المثقفة العوالي
…
تفردنا بأوساط المعالي4
وهو مما استحسن، حتى إن أكثر الشعر صُرِّع البيت الأول منه5؛ ولذلك متى خالفت العروض الضرب في الوزن؛ جاز أن تُجعل موازنة له إذا كان البيت مصرعا؛ كقول امرئ القيس:
ألا عم صباحا أيها الطلل البالي
…
وهل ينعمن من كان في العصر الخالي6
أتى بعَروض الطويل "مفاعلن"، وذلك لا يصح إذا لم يكن البيت مصرعا1، ولهذا خُطِّئ أبو الطيب في قوله:
تفكره علم، ومنطقه حكم
…
وباطنه دين وظاهره ظَرْف2
الموازنة، والمماثلة:
ومنه الموازنة، وهي أن تكون الفاصلتان3 متساويتين في الوزن دون التقفية، كقوله تعالى:{وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ، وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ} 4 [الغاشية: 15، 16] .
فإن كان ما في إحدى القرينتين من الألفاظ، أو أكثر ما فيها، مثل ما يقابله من الأخرى في الوزن خُص باسم المماثلة، كقوله تعالى:{وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ، وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الصافات: 117، 118] .
وقول أبي تمام:
مها الوحش إلا أن هاتا أوانس
…
قَنَا الخَطّ إلا أن تلك ذوابل5
وقول البحتري:
فأحجم لما لم يجد فيك مطمعا
…
وأقدم لما لم يجد عنك مهربا1
القلب: ومنه القلب2، كقولك:"أرض خضراء"، وقول عماد الدين الكاتب للقاضي الفاضل:"سر فلا كبا بك الفرس". وجواب القاضي: "دام علا العماد".
وقول القاضي الأرجاني:
مودته تدوم لكل هول
…
وهل كل مودته تدوم3
وفي التنزيل: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء: 33]، وفيه:{وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} [المدثر: 3] .
التشريع:
ومنه التشريع، وهو بناء البيت على قافيتين يصح المعنى على الوقوف على كل واحدة منهما1؛ كقول الحريري:
يا خاطب الدنيا الدنية إنها
…
شَرَك الردى وقَرارة الأكدار2
الأبيات.
لزوم ما لا يلزم:
ومنه لزوم ما لا يلزم؛ وهو أن يجيء قبل حرف الروي وما في معناه من الفاصلة ما ليس بلازم في مذهب السجع1؛ كقوله تعالى: {فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ، وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ} [الأعراف: 201، 202]، وقوله:{فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ} [الضحى: 9، 10]، وقول الشاعر:
سأشكر عمرا إن تراخت منيتي
…
أيادي لم تمنن وإن هي جلت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه
…
ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت
رأى خَلَّتي من حيث يخفى مكانها
…
فكانت قذى عينيه حتى تجلت2
وقول الآخر:
يقولون: في البستان للعين لذة
…
وفي الخمر والماء الذي غير آسن
إذا شئت أن تلقى المحاسن كلها
…
ففي وجه من تهوى جميع المحاسن3
وقد يكون ذلك في غير الفاصلتين أيضا1؛ كقول الحريري: "وما اشتار العسل من اختار الكسل".
أصل الحسن في القسم اللفظي: وأصل الحسن في جميع ذلك -أعني القسم اللفظي- كما قال الشيخ عبد القاهر2 هو أن تكون الألفاظ تابعة للمعاني3؛ فإن المعاني إذا أُرسلت على سجيتها، وتُركت وما تريد، طلبت لأنفسها الألفاظ، ولم تكتسِ إلا ما يليق بها؛ فإن كان خلاف ذلك كان كما قال أبو الطيب:
إذا لم تشاهد غير حسن شياتها
…
وأعضائها فالحسن عنك مغيب4
وقد يقع في كلام بعض المتأخرين ما حمل صاحبه فرط شغفه بأمور ترجع إلى ما له اسم في البديع، على أن ينسى أنه يتكلم ليفهم، ويقول ليُبِين، ويخيل إليه أنه إذا جمع عدة من أقسام البديع في بيت؛ فلا ضير أن يقع ما عناه في عمياء، وأن يوقع السامع من طلبه في خَبْط عَشْواء1.
تمرينات على المحسنات اللفظية:
تمرين 1:
بين نوع المحسن اللفظي، ووجه حسنه فيما يأتي:
1-
سلسل خطوطك ما غدا
…
شاطي الجِمَام الزرق بالأغصان
واسجع بشعرك ما غدا متصلصلا
…
شادي الحمام الوُرْق بالألحان
2-
هلال في إضاءته حياء
…
شهاب في سماحته اتقاد
3-
لم يقض من حقكم بعض الذي
…
قلب متى ما جرى ذكراكم يجب
4-
أسكرني باللفظ والمقلة الـ
…
ـكحلاء والوجنة والكاس
ساق يُريني قلبه قسوة
…
وكل ساق قلبه قاسي
تمرين 2:
بين نوع الجناس في الأمثلة الآتية:
1-
تحملت خوف المن كل رزيئة
…
وحمل رزايا الدهر أحلى من المن
2-
ستر المحبة يوم البين منهتك
…
وثوب صبري من الأشواق منتهك
3-
لعيني كل يوم ألف عبره
…
تصيرني لأهل الشوق عبره
4-
كن كيف شئت عن الهوى لا أنتهي
…
حتى تعود لي الحياة وأنت هي
5-
من بحر جودك أغترف
…
وبفيض علمك أعترف
6-
عطفت كأمثال القسي حواجبا
…
فرمت غداة البين قلبا واجبا
تمرين 3:
بين نوع المحسن اللفظي، ووجه حسنه فيما يأتي:
1-
تمنت سليمى أن أموت صبابة
…
وأهون شيء عندنا ما تمنت
2-
اسلم ودمت على الحوادث ما رسا
…
ركنا ثبير أو هضاب حراء
ونُل المراد ممكّنا منه على
…
رغم الدهور وفُزْ بطول بقاء
3-
ضحكنا وكان الضحك منا
…
وحق لسكان البسيطة أن يبكوا
تحطمنا الأيام حتى كأننا
…
زجاج ولكن لا يعاد لنا سَبْك
تمرين 4:
لماذا حسن الجناس في قول أبي الفتح:
ناظِرَاه فيما جَنَت ناظراه
…
أو دعاني أمت بما أودعاني
ولم يحسن في قول أبي تمام:
ذهبت بمذهبه السماحة فالتوت
…
فيه الظنون أمَذهب أم مُذهب؟
تمرين 5:
بين نوع المحسن اللفظي فيما يأتي:
1-
كأن المدام وصوب الغمام
…
وريح الخزامى ونشر القطر
يعلّ به برد أنيابها
…
إذا طرب الطائر المستحر
2-
فنحن في جذل، والروم في وَجَل
…
والبر في شغل، والبحر في خجل
مُوفٍ على مُهَج، في يوم ذي رَهَج
…
كأنه أجل يسعى إلى أمل