الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أقسام السرقة الظاهرة:
النسخ والانتحال:
أما الظاهر فهو أن يؤخذ المعنى كله؛ إما مع اللفظ كله، أو بعضه1، وإما وحده؛ فإن كان المأخوذ اللفظ كله من غير تغيير لنظمه فهو مذموم؛ لأنه سرقة محضة، ويسمى نسخا وانتحالا؛ كما حكي أن عبد الله بن الزبير دخل على معاوية، فأنشده:
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته
…
على طرف الهجران إن كان يعقل2
ويركب حد السيف من أن تضيمه
…
إذا لم يكن عن شفرة السيف مَزْحَل1
فقال له معاوية: "لقد شعرتَ بعدي يا أبا بكر". ولم يفارق عبد الله المجلس حتى دخل معن بن أوس المزني، فأنشد كلمته التي أولها:
لعمرك ما أدري وإني لأوجل
…
على أينا تغدو المنية أول2
حتى أتى عليها، وفيها ما أنشده عبد الله، فأقبل معاوية على عبد الله وقال له:"ألم تخبرني أنهما لك؟! " فقال: "المعنى لي، واللفظ له، وبعد فهو أخي من الرضاعة، وأنا أحق بشعره"3.
وقد رُوي لأوس ولزهير في قصيدتيهما4 هذا البيت:
إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخَنَا
…
أصبت حليما أو أصابك جاهل5
وقد روي للأبيرد اليربوعي:
فتى يشتري حسن الثناء بماله
…
إذا السنة الشهباء أعوزها القَطْر1
ولأبي نواس:
فتى يشتري حسن الثناء بماله
…
ويعلم أن الدائرات تدور2
وقد روي لبعض المتقدمين يمدح معبدا:
أجاد طويس والسريجي بعده
…
وما قصبات السبق إلا لمعبد3
ولأبي تمام:
محاسن أصناف المغنين جمة
…
وما قصبات السبق إلا لمعبد4
وحكى صاحب الأغاني في أصوات معبد:
لهفي على فتية ذل الزمان لهم
…
فما يصيبهم إلا بما شاءوا5
وفي شعر أبي نواس:
دارت على فتية ذل الزمان لهم
…
فما تصيبهم إلا بما شاءوا1
وفي هذا المعنى ما كان التغيير فيه بإبدال كلمة أو أكثر بما يرادفها2؛ كقول امرئ القيس:
وقوفا بها صحبي علي مَطِيّهم
…
يقولون: لا تهلك أسى وتجمّل3
وقول طرفة:
وقوفا بها صحبي عليَّ مطيهم
…
يقولون: لا تهلك أسى وتجلد4
وكقول العباس بن عبد المطلب، رضي الله عنه:
وما الناس بالناس الذين عَهِدتهم
…
ولا الدار بالدار التي كنت تعلم1
وقول الفرزدق:
وما الناس بالناس الذين عهدتهم
…
ولا الدار بالدار التي كنت تعرف
وكقول حاتم:
ومن يبتدع ما ليس من خِيم نفسه
…
يدعه ويغلبه على النفس خِيمها2
وقول الأعور:
ومن يقترف خلقا سوى خلق نفسه
…
يدعه ويغلبه على النفس خيمها3
الإغارة أو المسخ:
وإن كان4 مع تغيير لنظمه، أو كان المأخوذ بعض اللفظ؛ سمي إغارة ومسخا.
1-
فإن كان الثاني أبلغ من الأول لاختصاصه بفضيلة؛ كحسن السبك5، أو الاختصار، أو الإيضاح، أو زيادة معنى، فهو ممدوح مقبول، كقول بشار:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته
…
وفاز بالطيبات الفاتك اللَّهِج6
وقول سلم الخاسر:
من راقب الناس مات غما
…
وفاز باللذة الجَسور1
فبيت سلم أجود سبكا وأخصر2، وكقول الآخر:
خلقنا لهم في كل عين وحاجب
…
بسمر القنا والبيض عينا وحاجبا3
وقول ابن نباتة بعده:
خلقنا بأطراف القنا في ظهورهم
…
عيونا لها وَقْع السيوف حواجب4
فبيت ابن نباتة أبلغ؛ لاختصاصه بزيادة معنى؛ وهو الإشارة إلى انهزامهم5.
ومن الناس من جعلهما متساويين6.
وإن كان الثاني دون الأول في البلاغة فهو مذموم مردود؛ كقول أبي تمام:
هيهات لا يأتي الزمان بمثله
…
إن الزمان بمثله لبخيل7
وقول أبي الطيب:
أعدى الزمان سخاؤه فسخا به
…
ولقد يكون به الزمان بخيلا1
فإن مصراع أبي تمام أحسن سبكا من مصراع أبي الطيب؛ لأن أبا الطيب أراد أن يقول: ولقد كان الزمان به بخيلا، فعدل عن الماضي إلى المضارع للوزن، فإن قلتَ: المعنى أن الزمان لا يسمح بهلاكه2 قلتُ: السخاء بالشيء هو بذله للغير، فإذا كان الزمان قد سخا به؛ فقد بذله، فلم يبق في تصريفه حتى يسمح بهلاكه أو يبخل به3.
وإن كان مثله فالخطب فيه أهون، وصاحب الثاني أبعد من المذمّة، والفضل لصاحب الأول؛ كقول بشار:
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة
…
والأذن تعشق قبل العين أحيانا4
وقول ابن الشحنة الموصلي:
وإني امرؤ أحببتكم لمكارم
…
سمعت بها والأذن كالعين تعشق5
وكذا قول القاضي الأرجاني:
لم يبكني إلا حديث فراقكم
…
لما أسرّ به إلي مودعي
هو ذلك الدُّرّ الذي أودعتم
…
في مسمعي ألقيته من مدمعي1
وقول جار الله:
وقائلة: ما هذه الدرر التي
…
تساقطها عيناك سمطين سمطين؟
فقلت: هي الدر الذي قد حشا به
…
أبو مضر أذني تساقط من عيني2
وكقول أبي تمام:
لو حار مرتاد المنية لم يجد
…
إلا الفراق على النفوس دليلا3
وقول أبي الطيب:
لولا مفارقة الأحباب ما وجدت
…
لها المنايا إلى أرواحنا سبلا4
واعلم أن من هذا الضرب5 ما هو قبيح جدا، وهو ما يدل على السرقة باتفاق الوزن والقافية أيضا؛ كقول أبي تمام:
مقيم الظن عندك والأماني
…
وإن قلقت ركابي في البلاد1
ولا سافرت في الآفاق إلا
…
ومن جدواك راحلتي وزادي2
وقول أبي الطيب:
وإني عنك بعد غد لغادٍ
…
وقلبي عن فنائك غير غادي3
محبك حيثما اتجهت ركابي
…
وضيفك حيث كنت من البلاد
الإلمام أو السلخ:
وإن كان المأخوذ المعنى وحده سمي إلماما وسلخا، وهو ثلاثة أقسام كذلك4:
أولها كقول البحتري:
تصد حياء أن تراك بأوجه
…
أتى الذنب عاصيها فلِيم مطيعها5
وقول أبي الطيب:
وجرم جره سفهاء قوم
…
وحل بغير جارمه العذاب6
فإن بيت أبي الطيب أحسن سبكا1 وكأنه اقتبسه2 من قوله تعالى: {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} [الأعراف: 155]، وكقول الآخر:
ولست بنَظَّار إلى جانب الغنى
…
إذا كانت العلياء في جانب الفقر3
وقول أبي تمام بعده:
يصد عن الدنيا إذا عَنَّ سؤدد
…
ولو برزت في زي عذراء ناهد
فبيت أبي تمام أخصر وأبلغ؛ لأن قوله: "ولو برزت في زي عذراء ناهد" زيادة حسنه4. وكقول أبي تمام:
هو الصنع إن يعجل فخير، وإن يرث
…
فللرَّيث في بعض المواضع أنفع5
وقول أبي الطيب:
ومن الخير بطء سيبك عني
…
أسرع السحب في المسير الجَهَام6
فبيت أبي الطيب أبلغ؛ لاشتماله على زيادة بيان1.
وثانيها كقول بعض الأعراب:
وريحها أطيب من طيبها
…
والطيب فيه المسك والعنبر2
وقول بشار:
وإذا أدنيت منها بصلا
…
غلب المسك على ريح البصل3
وقول أشجع:
وعلى عدوك يابن عم محمد
…
رصدانِ: ضوء الصبح والإظلام
فإذا تنبه رعته، وإذا هدا
…
سلّت عليه سيوفك الأحلام4
وقول أبي الطيب:
يرى في النوم رمحك في كُلاه
…
ويخشى أن يراه في السُّهَاد5
فقصّر بذكر "السهاد"؛ لأنه أراد اليقظة ليطابق بها النوم فأخطأ؛ إذ ليس كل يقظة سهادا، وإنما السهاد امتناع الكرى في الليل، وأما المستيقظ بالنهار فلا يسمى ساهدا. وكقول البحتري:
وإذا تألق في الندى كلامه المصـ
…
ـقول خلت لسانه من عضبه1
وقول أبي الطيب:
كأن ألسنهم في النطق قد جعلت
…
على رماحهم في الطعن خرصانا2
فإن أبا الطيب فاته ما أفاده البحتري بلفظي "تألق" و"المصقول" من الاستعارة التخييلية3. وكقول الخنساء:
وما بلغ المهدون للناس مِدْحة
…
وإن أطنبوا إلا وما فيك أفضل4
وقول أشجع:
وما ترك المُدَّاح فيك مقالة
…
ولا قال -إلا دون ما فيك- قائل5
فإن بيت الخنساء أحسن من بيت أشجع؛ لما في مصراعه الثاني من التعقيد، إذ تقديره: ولا قال قائل إلا دون ما فيك1.
وثالثها كقول الأعرابي:
ولم يك أكثر الفتيان مالا
…
ولكن كان أرحبهم ذراعا2
وقول أشجع:
وليس بأوسعهم في الغنى
…
ولكن معروفه أوسع3
وكذا قول بكر بن النطاح:
كأنك عند الكر في حومة الوغى
…
تفر من الصف الذي من ورائك4
وقول أبي الطيب:
فكأنه والطعن من قدامه
…
متخوف من خلفه أن يطعنا5
وكذا قول الآخر يذكر ابنا له مات: