الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والصبر يحمد في المواطن كلها
…
إلا عليك فإنه مذموم1
وقول أبي تمام بعده:
وقد كان يدعى لابس الصبر حازما
…
فأصبح يدعى حازما حين يجزع2
أقسام السرقة غير الظاهرة:
وأما غير الظاهر؛ فمنه أن يتشابه معنى الأول ومعنى الثاني3؛ كقول الطرماح بن حكيم الطائي:
لقد زادني حبا لنفسي أنني
…
بغيض إلى كل امرئ غير طائل1
وقول أبي الطيب:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص
…
فهي الشهادة لي بأني كامل2
فإن ذم الناقص أبا الطيب كبغض من هو غير طائل الطرماح، وشهادة ذم الناقص أبا الطيب كزيادة حب الطرماح لنفسه.
وكذلك قول أبي العلاء المعري في مرثية:
وما كُلْفَة البدر المنير قديمة
…
ولكنها في وجهه أثر اللَّطْم1
وقول القيسراني:
وأهوى الذي أهوى له البدر ساجدا
…
ألست ترى في وجهه أثر الترب2
وأوضح من ذلك قول جرير:
فلا يمنعك من أَرَب لحاهم
…
سواء ذو العمامة والخمار3
وقول أبي الطيب:
ومن في كفه منهم قناة
…
كمن في كفه منهم خضاب4
ولا يغرك من البيتين المتشابهين أن يكون أحدهما نسيبا والآخر مديحا أو هجاء أو افتخارا أو غير ذلك5؛ فإن الشاعر الحاذق إذا عمد إلى المعنى المختلس لينظمه
تحيل في إخفائه، فغيّر لفظه وعدل به عن نوعه ووزنه وقافيته.
ومنه النقل: وهو أن ينقل معنى الأول إلى غير محله؛ كقول البحتري:
سلبوا وأشرقت الدماء عليهم
…
محمرة فكأنهم لم يُسلبوا1
نقله أبو الطيب إلى السيف فقال:
يبس النجيع عليه وهو مجرد
…
من غمده فكأنما هو مغمد2
المبالغة: ومنه: أن يكون معنى الثاني أشمل من معنى الأول؛ كقول جرير:
إذا غضبت عليك بنو تميم
…
وجدت الناس كلهم غضابا3
وقول أبي نواس:
ليس على الله بمستنكر
…
أن يجمع العالم في واحد4
ومنه القلب: وهو أن يكون معنى الثاني نقيض معنى الأول، سمي بذلك لقلب المعنى إلى نقيضه؛ كقول أبي الشيص:
أجد الملامة في هواك لذيذة
…
حبا لذكرك فليلمني اللُّوَّم1
وقول أبي الطيب:
أأحبه وأحب فيه ملامة؟
…
إن الملامة فيه من أعدائه2
وكذا قول أبي الطيب أيضا:
والجراحات عنده نغمات
…
سبقت قبل سيبه بسؤال3
فإنه ناقض به قول أبي تمام:
ونغمة مُعْتَفٍ جدواه أحلى
…
على أذنيه من نغم السماع4
وقد تبعه البحتري فقال:
نشوان يطرب للسؤال كأنما
…
غناه مالك طيئ أو معبد5
ومنه: أن يؤخذ بعض المعنى ويضاف إليه زيادة تحسنه، كقول الأفوه الأودي:
وترى الطير على آثارنا
…
رَأْي عين ثقة أن ستُمار1
وقول أبي تمام:
وقد ظُلِّلت عُقْبان أعلامه ضحى
…
بعقبان طير في الدماء نواهل
أقامت مع الرايات حتى كأنها
…
من الجيش إلا أنها لم تقاتل2
فإن الأفوه أفاد بقوله: "رأي عين" قربها؛ لأنها إذا بعدت تُخُيلت ولم تُرَ، وإنما يكون قربها توقعا للفريسة، وهذا يؤكد المعنى المقصود، ثم قال:"ثقة أن ستمار" فجعلها واثقة بالمِيرة، وأما أبو تمام فلم يلم بشيء من ذلك3 لكن زاد على الأفوه بقوله:"إلا أنها لم تقاتل"، ثم بقوله:"في الدماء نواهل"، ثم بإقامتها مع الرايات حتى كأنها من الجيش، وبذلك يتم حسن قوله:"إلا أنها لم تقاتل"؛ وهذه الزيادات حسنت قوله، وإن كان قد ترك بعض ما أتى به الأفوه.
وهذه الأنواع4 ونحوها أكثرها مقبولة، ومنها ما أخرجه حسن التصرف من قبيل الأخذ والاتباع، إلى حيز الاختراع والابتداع، وكلما كان أشد خفاء كان أقرب إلى القبول.
هذا كله1 إذا عُلم أن الثاني أخذ من الأول، وهذا لا يُعلَم إلا بأن يعلم أنه كان يحفظ قول الأول حين نظم قوله، أو بأن يخبر هو عن نفسه أنه أخذه منه؛ لجواز أن يكون الاتفاق من قبيل توارد الخواطر، أي: مجيئه على سبيل الاتفاق من غير قصد إلى الأخذ والسرقة، كما يُحكى عن ابن ميادة أنه أنشد لنفسه:
مفيد ومِتْلاف إذا ما أتيتَهُ
…
تهلّل واهتز اهتزاز المهند2
فقيل له: أين يذهب بك؟ هذا للحطيئة! 3 فقال: "الآن علمت أني شاعر؛ إذ وافقتُه على قوله ولم أسمعه".
ولهذا لا ينبغي لأحد بَتّ الحكم على شاعر بالسرقة ما لم يعلم الحال، وإلا4 فالذي ينبغي أن يقال: قال فلان كذا، وقد سبقه إليه فلان فقال كذا؛ فيغتنم به فضيلة الصدق، ويسلم من دعوى العلم بالغيب ونسبة النقص إلى الغير.
ما يتصل بالسرقات الشعرية:
ومما يتصل بهذا الفن القول في الاقتباس، والتضمين، والعقد، والحل، والتلميح.
أما الاقتباس:
فهو أن يُضمَّن الكلام شيئا من القرآن أو الحديث لا على أنه منه5؛ كقول
الحريري: "لم يكن {إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} 1 حتى أنشد فأغرب". وقوله: " {أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ} 2، وأميز صحيح القول من عليله".
وقول ابن نباتة الخطيب: "فيا أيها الغَفَلَة المطرقون، أَمَا أنتم بهذا الحديث مصدقون؟ ما لكم لا تشفقون؟ فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون"3. وقوله أيضا من خطبة أخرى ذكر فيها القيامة: "هنالك يرفع الحجاب، ويوضع الكتاب، ويجمع من وجب له الثواب، وحق عليه العقاب، فيضرب بينهم بسور له باب، باطنه فيه الرحمة وظاهره من قِبَله العذاب"4. وقول القاضي الفاضل وقد ذكر الإفرنج: "وغضبوا، زادهم الله غضبا، وأوقدوا نارا للحرب جعلهم الله لها حطبا"5.
وكقول الحماسي:
إذا رمت عنها سلوة قال شافع
…
من الحب: ميعاد السُّلُو المقابر
ستبقى لها في مضمر القلب والحشا
…
سريرة ود يوم تبلى السرائر6
وقول أبي الفضل بديع الزمان الهمذاني:
لآل فريغون في المكْرُمات
…
يد أولا واعتذار أخيرا
إذا ما حللت بمغناهم
…
رأيت نعيما وملكا كبيرا7
وقول الأبيوردي:
وقصائد مثل الرياض أضعتها
…
في باخل ضاعت به الأحساب
فإذا تناشدها الرواة وأبصروا
…
الممدوح قالوا: ساحر كذاب1
وقول الآخر:
لا تعاشر معشرا ضلوا الهدى
…
فسواء أقبلوا أو أدبروا
بدت البغضاء من أفواههم
…
والذي يُخفون منها أكبر2
وقول الآخر:
خُلَّة الغانيات خلة سوء
…
فاتقوا الله يا أولي الألباب
وإذا ما سألتموهن شيئا
…
فاسألوهن من وراء حجاب3
وقول الآخر:
إن كنت أزمعتِ على هجرنا
…
من غير ما جُرْم فصبر جميل
وإن تبدلت بنا غيرنا
…
فحسبنا الله ونعم الوكيل1
وكقول الحريري: "وكتمان الفقر زهادة، وانتظار الفرج بالصبر عبادة"؛ فإن قوله: "انتظار الفرج بالصبر عبادة" لفظ الحديث، وقوله:"قلنا: شاهت الوجوه وقبح اللكع ومن يرجوه" فإن قوله: "شاهت الوجوه" لفظ الحديث؛ فإنه روي أنه لما اشتدت الحرب يوم حنين أخذ النبي صلى الله عليه وسلم كفا من الحصباء فرمى بها في وجوه المشركين وقال: "شاهت الوجوه" أي: قبحت، واللكع قيل: هو اللئيم، وقال أبو عبيد: هو العبد. وكقول ابن عباد:
قال لي: إن رقيبي
…
سيئ الخلق؛ فداره
قلت: دعني وجهك الجنـ
…
ـة حفت بالمكاره2
اقتبس من لفظ الحديث: "حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات".
والاقتباس منه ما لا يُنقل فيه اللفظ المقتبس عن معناه الأصلي إلى معنى آخر كما تقدم، ومنه ما هو بخلاف ذلك3 كقول ابن الرومي:
لئن أخطأت في مدحيك
…
ما أخطأت في منعي
لقد أنزلت حاجاتي
…
بوادٍ غير ذي زرع4
ولا بأس بتغيير يسير لأجل الوزن أو غيره1؛ كقول بعض المغاربة عند وفاة بعض أصحابه:
قد كان ما خفت أن يكونا
…
إنا إلى الله راجعونا2
وقول عمر الخيام:
سبقت العالمين إلى المعالي
…
بصائب فكرة وعلو همه3
ولاح بحكمتي نور الهدى في
…
ليال للضلالة مدلهمّه4
يريد الجاهلون ليطفئوه
…
ويأبى الله إلا أن يتمه5
وكقول القاضي منصور الهروي الأزدي:
فلو كانت الأخلاق تحوى وراثة
…
ولو كانت الآراء لا تتشعب6
لأصبح كل الناس قد ضمهم هوى
…
كما أن كل الناس قد ضمهم أب7
ولكنها الأقدار؛ كل ميسر
…
لما هو مخلوق له ومقرب
اقتبس من لفظ الحديث: "اعملوا؛ كل ميسر لما خُلق له".
التضمين:
وأما التضمين فهو أن يضمن الشعر شيئا من شعر الغير، مع التنبيه عليه إن لم يكن مشهورا عند البلغاء1؛ كقول بعض المتأخرين "قيل: هو ابن التلميذ الطبيب النصراني":
كانت بُلَهْنِية الشبيبة سكرة
…
فصحوت واستبدلت سيرة مجمل
وقعدت أنتظر الفناء كراكب
…
عرف المحل فبات دون المنزل2
البيت الثاني لمسلم بن الوليد الأنصاري. وقول عبد القاهر بن طاهر التميمي:
إذا ضاق صدري وخفت العدا
…
تمثلت بيتا بحالي يليق
فبالله أبلغ ما أرتجي
…
وبالله أدفع ما لا أطيق3
وقول ابن العميد:
وصاحب كنت مغبوطا بصحبته
…
دهرا، فغادرني فردا بلا سكن
هبت له ريح إقبال فطار بها
…
نحو السرور وألجاني إلى الحَزَن
كأنه كان مطويا على إِحَن
…
ولم يكن في ضروب الشعر أنشدني4
إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا
…
من كان يألفهم في المنزل الخشن
البيت الأخير لأبي تمام1. وكقول الحريري:
على أني سأنشد عند بيعي
…
أضاعوني وأي فتى أضاعوا2
المصراع الأخير قيل: هو للعرجي، وقيل: لأمية بن أبي الصلت. وتمام البيت:
ليوم كريهة وسِدَاد ثغر3
ولا حاجة إلى تقديره؛ لتمام المعنى بدونه. ومثله قول الآخر:
قد قلت لما أطلعت وَجَنَاته
…
حول الشقيق الغض روضة آس
أعذاره الساري العَجُول ترفقا
…
ما في وقوفك ساعة من باس4
المصراع الأخير لأبي تمام5. وكقول الآخر:
كنا معا أمس في بؤس نكابده
…
والعين والقلب منا في قذًى وأذى
والآن أقبلت الدنيا عليك بما
…
تهوى فلا تنسني إن الكرام إذا1
أشار إلى بيت أبي تمام2، ولا بد من تقدير الباقي منه؛ لأن المعنى لا يتم بدونه. وقد عُلم بهذا أن تضمين ما دون البيت ضربان3.
وأحسن وجوه التضمين: أن يزيد المضمن في الفرع عليه في الأصل بنكتة؛ كالتورية، والتشبيه في قول صاحب التحبير:
إذا الوهم أبدى لي لَماها وثغرها
…
تذكرت ما بين العُذَيب وبارق
ويُذكرني من قدها ومدامعي
…
مَجَرّ عوالينا ومجرى السوابق4
المصراعان الأخيران لأبي الطيب5.
ولا يضر التغيير اليسير ليدخل في معنى الكلام؛ كقول بعض المتأخرين في يهودي به داء الثعلب:
أقول لمعشر غَلِطوا وغضّوا
…
من الشيخ الرشيد وأنكروه
هو ابن جلا وطلّاع الثنايا
…
متى يضع العمامة تعرفوه1
البيت لسحيم بن وثيل، وأصله:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا
…
متى أضع العمامة تعرفوني2