الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الاستتباع:
ومنه الاستتباع، وهو المدح بشيء على وجه يستتبع المدح بشيء آخر1؛ كقول أبي الطيب:
نهبت من الأعمار ما لو حويته
…
لَهُنِّئت الدنيا بأنك خالد2
فإنه مدحه ببلوغه النهاية في الشجاعة؛ إذ كثر قتلاه بحيث لو ورث أعمارهم لخُلِّد في الدنيا على وجه استتبع مدحه بكونه سببا لصلاح الدنيا ونظامها، حيث جعل الدنيا مهنأة بخلوده، قال علي بن عيسى الربعي: وفيه وجهان آخران من المدح: أحدهما أنه نهب الأعمار دون الأموال3، والثاني أنه لم يكن ظالما في قتل أحد من مقتوليه؛ لأنه لم يقصد بذلك إلا صلاح الدنيا وأهلها؛ فهم مسرورون ببقائه.
الإدماج:
ومنه الإدماج، وهو أن يُضمَّن كلام سِيق لمعنى معنًى آخر4؛ فهو أعم من
الاستتباع1.
ومثاله قول أبي الطيب:
أُقَلِّب فيه أجفاني كأني
…
أعد بها على الدهر الذنوبا2
فإنه ضمَّن وصف الليل بالطول الشكاية من الدهر.
وقول ابن المعتز في الخِيريّ:
نفض العاشقون ما صنع الـ
…
ـهجر بألوانهم على ورقه3
فإن الغرض وصف الخيري بالصفرة، فأدمج الغزل في الوصف، وفيه وجه آخر من الحسن وهو إيهام الجمع بين متنافيين؛ أعني الإيجاز والإطناب؛ أما الإيجاز فمن جهة الإدماج، وأما الإطناب فلأن أصل المعنى أنه أصفر؛ فاللفظ زائد عليه لفائدة4.
ومنه قول ابن نباتة:
ولا بد لي من جَهْلة في وصاله
…
فمن لي بِخِلّ أودِع الحلم عنده1
فإنه ضمّن الغزل الفخر بكونه حليما المكني عنه بالاستفهام عن وجود خل صالح لأن يودعه حلمه، وضمن الفخر بذلك -بإخراج الاستفهام مخرج الإنكار- شكوى الزمان لتغير الإخوان، حتى لم يبق فيهم من يصلح لهذا الشأن، ونبه بذلك على أنه لم يعزم على مفارقة حلمه جملة أبدا، ولكن إذا كان مريدا لوصل هذا المحبوب المستلزم للجهل المنافي للحلم؛ عزم على أنه إن وجد من يصلح لأن يودعه حلمه أودعه إياه؛ فإن الودائع تستعاد.
قيل: ومنه قول الآخر يهنئ بعض الوزراء لما استُوزِر:
أبى دهرنا إسعافنا في نفوسنا
…
وأسعفنا فيمن نحب ونكرم
فقلت له: نعماك فيهم أتمها
…
ودع أمرنا إن المهم المقدم2
فإنه أدمج شكوى الزمان وما هو عليه من اختلال الأحوال في التهنئة، وفيه نظر؛ لأن شكوى الزمان مصرح بها في صدره، فكيف تكون مدمجة؟ ولو عكس فجعل التهنئة مدمجة في الشكوى أصاب3.