الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لَا يَسْتَوْجِبُ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ عَبْدِهِ وَلِهَذَا لَوْ كَفَلَ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ إنْسَانٌ لَا يَصِحُّ وَيَنْفَرِدُ الْعَبْدُ بِفَسْخِهِ، فَإِذَا عَجَزَ فَاتَ مُوجِبُ الْعَقْدِ فَيَثْبُتُ لِلْمَوْلَى خِيَارُ الْفَسْخِ بِخِلَافِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّةِ الْمُفْلِسِ فَإِنَّ الْعَقْدَ فِيهِ أَوْجَبَ مِلْكَ الثَّمَنِ لِلْبَائِعِ بِالْإِفْلَاسِ لَا يَنْعَدِمُ ذَلِكَ فَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَ مَلِيًّا
[فَصْلٌ بُلُوغُ الْغُلَامِ بِالِاحْتِلَامِ وَالْإِحْبَالِ وَالْإِنْزَالِ]
(فَصْلٌ) قَالَ رحمه الله (بُلُوغُ الْغُلَامِ بِالِاحْتِلَامِ وَالْإِحْبَالِ وَالْإِنْزَالِ وَإِلَّا فَحَتَّى يَتِمَّ لَهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً وَالْجَارِيَةُ بِالْحَيْضِ وَالِاحْتِلَامِ وَالْحَبْلِ وَإِلَّا فَحَتَّى يَتِمَّ لَهَا سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَيُفْتَى بِالْبُلُوغِ فِيهِمَا بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَوَّلُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَعَنْهُ فِي الْغُلَامِ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَطْعَنَ فِي التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ فَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ لَهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً إلَّا وَيَطْعَنُ فِي التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ وَقِيلَ فِيهِ اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ ذُكِرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، أَمَّا الِاحْتِلَامُ فَلِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّهُ قَالَ حَفِظْت عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «لَا يُتْمَ بَعْدَ الِاحْتِلَامِ وَلَا صُمَاتَ يَوْمٍ إلَى اللَّيْلِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْحَبَلُ وَالْإِحْبَالُ لَا يَكُونُ إلَّا مَعَ الْإِنْزَالِ، وَكَذَا الْحَيْضُ يَكُونُ فِي أَوَانِ الْحَبَلِ عَادَةً فَجُعِلَ كُلُّ ذَلِكَ عَلَامَةَ الْبُلُوغِ.
وَأَمَّا السِّنُّ فَلَهُمْ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ «عُرِضْت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي وَعُرِضْت عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي» فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام لَمْ يُجِزْهُ إلَّا؛ لِأَنَّهُ بَالِغٌ وَلَمْ يَرُدَّهُ إلَّا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ؛ لِأَنَّ بُلُوغَهُمَا لَا يَتَأَخَّرُ عَنْهَا عَادَةً وَهِيَ إحْدَى الْحُجَجِ الشَّرْعِيَّةِ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله قَوْله تَعَالَى {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} [الأنعام: 152] الصَّبِيُّ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً هَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْقُتَبِيُّ وَقِيلَ اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَفِي قَوْلِ عُمَرَ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً وَأَقَلُّ مَا قِيلَ فِيهِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً فَوَجَبَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِهِ لِلِاحْتِيَاطِ غَيْرَ أَنَّ الْإِنَاثَ نُشُوءُهُنَّ وَإِدْرَاكُهُنَّ أَسْرَعُ فَزِدْنَا فِي حَقِّ الْغُلَامِ سَنَةً لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي وَاحِدٌ مِنْهَا يُوَافِقُ الْمِزَاجَ لَا مَحَالَةَ فَيَقْوَى فِيهِ.
قَالَ رحمه الله (وَأَدْنَى الْمُدَّةِ فِي حَقِّهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً، وَفِي حَقِّهَا تِسْعُ سِنِينَ) أَيْ أَدْنَى مُدَّةِ الْبُلُوغِ بِالِاحْتِلَامِ وَنَحْوِهِ فِي حَقِّ الْغُلَامِ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً، وَفِي حَقِّ الْجَارِيَةِ تِسْعُ سِنِينَ هَكَذَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَغَيْرُهُ وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ إلَّا سَمَاعًا أَوْ بِالتَّتَبُّعِ.
قَالَ رحمه الله (فَإِنْ رَاهَقَا) أَيْ الْغُلَامُ وَالْجَارِيَةُ (وَقَالَا قَدْ بَلَغْنَا صُدِّقَا وَأَحْكَامُهُمَا أَحْكَامُ الْبَالِغِينَ)؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إلَّا مِنْ جِهَتِهِمَا فَيُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُهُمَا كَمَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهَا كَالْحَيْضِ وَغَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[كِتَابُ الْمَأْذُونِ]
(كِتَابُ الْمَأْذُونِ) قَالَ رحمه الله: (الْإِذْنُ فَكُّ الْحَجْرِ، وَإِسْقَاطُ الْحَقِّ فَلَا يَتَوَقَّتُ، وَلَا يَتَخَصَّصُ) هَذَا فِي الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ أَهْلٌ لِلتَّصَرُّفِ بَعْدَ الرِّقِّ؛ لِأَنَّ رُكْنَ التَّصَرُّفِ كَلَامٌ مُعْتَبَرٌ شَرْعًا لِصُدُورِهِ عَنْ تَمْيِيزٍ، وَمَحَلُّ التَّصَرُّفِ ذِمَّةٌ صَالِحَةٌ لِالْتِزَامِ الْحُقُوقِ، وَهُمَا لَا يَفُوتَانِ بِالرِّقِّ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ كَرَامَاتِ الْبَشَرِ، وَهُوَ بِالرِّقِّ لَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَشَرًا إلَّا أَنَّهُ حَجْرٌ عَلَيْهِ عَنْ التَّصَرُّفِ لِحَقِّ الْمَوْلَى كَيْ لَا يَبْطُلَ حَقُّهُ بِتَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِرَقَبَتِهِ لِضَعْفِ ذِمَّتِهِ بِالرِّقِّ حَتَّى لَا يَجِبَ الْمَالُ فِي ذِمَّتِهِ إلَّا، وَهُوَ شَاغِلٌ لِرَقَبَتِهِ فَإِذَا أَذِنَ الْمَوْلَى فَقَدْ أَسْقَطَ حَقَّهُ فَكَانَ الْعَبْدُ مُتَصَرِّفًا بِأَهْلِيَّتِهِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
( فَصْلٌ) بُلُوغُ الْغُلَامِ إلَخْ (فَرْعٌ) وَقَالَ أَصْحَابُنَا أَمَّا إنْبَاتُ الْعَانَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْبُلُوغِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ نَبَاتُ شَعْرٍ مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ فَلَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْبُلُوغِ كَاللِّحْيَةِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُتَوَصَّلَ بِاللِّحْيَةِ إلَى مَعْرِفَةِ الْبُلُوغِ مِنْ غَيْرِ ارْتِكَابِ مَحْظُورٍ بِخِلَافِ الْعَانَةِ فَإِنَّهُ إمَّا أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا أَوْ تُمَسَّ، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ اللِّحْيَةُ دَلِيلَ الْبُلُوغِ فَالْعَانَةُ أَوْلَى وَمَا رُوِيَ عَنْ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيِّ قَالَ «عُرِضْت يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ أَبْصِرُوهُ فَإِنْ كَانَ قَدْ أَنْبَتَ فَاقْتُلُوهُ فَنَظَرُوا إلَيَّ فَوَجَدُونِي مَا أَنْبَتّ فَجَعَلُونِي فِي السَّبْيِ» لَا حُجَّةَ فِيهِ لِلْخَصْمِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْمَغَازِي ذَكَرُوا أَنَّ سَعْدًا حَكَمَ بِذَلِكَ فِيمَنْ أَنْبَتَ وَرُوِيَ أَنَّهُ أَمَرَ بِقَتْلِ مَنْ اخْضَرَّ مِئْزَرُهُ وَهَذَا يَزِيدُ عَلَى الْإِنْبَاتِ؛ لِأَنَّ اخْضِرَارَ الْإِزَارِ يَكُونُ بِنَبَاتِ الشَّعْرِ مِنْ السُّرَّةِ إلَى الْعَانَةِ.
وَرُوِيَ أَنَّهُ أَمَرَ بِقَتْلِ مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِي، وَذَكَرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ كَتَبَ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ أَنْ اُقْتُلُوا مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِي وَهَذَا يَقْتَضِي تَكْرَارَ الْحَلْقِ بَعْدَ الْإِنْبَاتِ وَهُوَ خِلَافُ مَا يَعْتَبِرُهُ الْخَصْمُ قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ قَبِيلَ بَابِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ أَنَّهُ اُعْتُبِرَ نَبَاتُ الْعَانَةِ، وَأَمَّا نُهُودُ الثَّدْيِ فَلَا يُحْكَمُ بِالْبُلُوغِ بِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُحْكَمُ بِهِ وَقَالَ فِي الْكَشَّافِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النُّورِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يَعْتَبِرُ الْقَامَةَ وَيُقَدِّرُهُ بِخَمْسَةِ أَشْبَارٍ وَبِهِ أَخَذَ الْفَرَزْدَقُ فِي قَوْلِهِ
مَا زَالَ مُذْ عَقَدَتْ يَدَاهُ إزَارَهُ
…
وَسَمَا فَأَدْرَكَ خَمْسَةَ الْأَشْبَارِ
اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ وَيُفْتَى بِالْبُلُوغِ فِيهِمَا بِخَمْسَ عَشْرَةَ) أَيْ فَإِذَا تَمَّتْ جَازَ طَلَاقُهُ وَإِنْ لَمْ يَحْتَلِمْ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ فَلَمْ يُجِزْنِي) أَيْ فِي الْمُقَاتِلَةِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ فَأَجَازَنِي) أَيْ فِي الْمُقَاتِلَةِ. اهـ. غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّ بُلُوغَهُمَا لَا يَتَأَخَّرُ عَنْهَا) أَيْ عَنْ تِلْكَ الْمُدَّةِ. اهـ. .
(كِتَابُ الْمَأْذُونِ)
الْأَصْلِيَّةِ وَلِهَذَا لَا يَرْجِعُ عَلَى الْمَوْلَى بِمَا لَحِقَهُ مِنْ الْعُهْدَةِ، وَلَا يَتَوَقَّتُ بِزَمَانٍ، وَلَا مَكَان، وَلَا بِنَوْعٍ مِنْ التِّجَارَةِ كَالْمُكَاتَبِ، وَعِنْدَ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ تَوْكِيلٍ، وَإِنَابَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ لِلْمَوْلَى بِإِذْنِهِ وَالْمَانِعُ مِنْ التَّصَرُّفِ هُوَ الرِّقُّ، وَهُوَ بَاقٍ بَعْدَ الْإِذْنِ وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي صِحَّةِ التَّقْيِيدِ عِنْدَهُمَا حَتَّى لَا يَجُوزَ لِلْعَبْدِ أَنْ يُجَاوِزَ ذَلِكَ عِنْدَهُمَا كَالْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ لِلْمُوَكِّلِ فَلَا يَمْلِكُ إلَّا مَا أَطْلَقَ لَهُ، وَعِنْدَنَا يَتَصَرَّفُ بِأَهْلِيَّةِ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، وَأَنَّمَا يَخْلُفُهُ الْمَوْلَى فِي الْمِلْكِ فَقَطْ لِتَعَذُّرِ ثُبُوتِهِ لَهُ، وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ هُوَ كَالْحُرِّ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ حَقُّ الْمَوْلَى، وَقَدْ أَسْقَطَهُ وَالْإِسْقَاطَاتُ لَا تَقْبَلُ التَّقْيِيدَ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَكَمَا إذَا رَضِيَ الْمُسْتَأْجِرُ بِبَيْعِ عَبْدٍ مُسْتَأْجَرٍ مِنْ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ دُونَ غَيْرِهِ أَوْ أَسْلَمَ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ إلَى الْمُشْتَرِي قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ عَلَى أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ نَوْعًا مِنْ التَّصَرُّفِ دُونَ نَوْعٍ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ تَقْيِيدُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ إسْقَاطٌ لِحَقِّهِ فَلَا يَقْبَلُ التَّقْيِيدَ بِخِلَافِ إذْنِ الْقَاضِي فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ ذَكَرَهُ قَاضِيخَانْ فِي فَتَاوَاهُ، وَلَا يُقَالُ هُوَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِحُكْمِ التَّصَرُّفِ، وَهُوَ الْمِلْكُ فَكَيْفَ يَكُونُ أَهْلًا لِسَبَبِهِ، وَهُوَ التَّصَرُّفُ، وَالسَّبَبُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ لِذَاتِهِ بَلْ لِحُكْمِهِ فَإِذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ حُكْمُهُ لَا يَكُونُ مَشْرُوعًا كَطَلَاقِ الصَّبِيِّ، وَعَتَاقِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ حُكْمُهُ مِلْكُ الْيَدِ، وَهُوَ أَهْلٌ لَهُ كَالْمُكَاتَبِ وَلِهَذَا يُقَدَّمُ فِيهِ حَاجَتُهُ مِنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ وَنَفَقَتِهِ، وَلَيْسَ لِلْمَوْلَى أَنْ يَأْخُذَ إلَّا مَا فَضَلَ مِنْهُ بِخِلَافِ الْمُسْتَشْهَدِ بِهِ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُ مَا فِي حَقِّ الصَّبِيِّ فَلَا يَكُونُ مَشْرُوعًا، وَلَا يُقَالُ لَوْ كَانَ إسْقَاطًا لَمَا مَلَكَ نَهْيَهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَيْسَ بِإِسْقَاطٍ فِي حَقِّ مَا لَمْ يُوجَدْ فَيَكُونُ النَّهْيُ امْتِنَاعًا عَنْ الْإِسْقَاطِ فِيمَا لَمْ يُوجَدْ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ الْإِعْلَامُ، وَمِنْهُ الْأَذَانُ، وَهُوَ الْإِعْلَامُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ مِمَّنْ يَعْقِلُ التَّصَرُّفَ وَيَقْصِدُهُ وَالْآذِنُ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ بَيْعًا، وَإِجَارَةً وَرَهْنًا وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِلرَّقَبَةِ حَتَّى جَازَ الْإِذْنُ مِنْ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ وَالْمُكَاتَبِ وَالشَّرِيكِ مُفَاوَضَةً، وَعِنَانًا وَالْأَبِ وَالْجَدِّ وَالْقَاضِي وَالْوَالِي وَحُكْمُهُ هُوَ التَّفْسِيرُ الشَّرْعِيُّ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ فَكِّ الْحَجْرِ قَالَ رحمه الله (وَيَثْبُتُ بِالسُّكُوتِ إنْ رَأَى عَبْدَهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي) أَيْ يَثْبُتُ الْإِذْنُ لِلْعَبْدِ بِسُكُوتِ الْمَوْلَى عِنْدَمَا يَرَاهُ يَشْتَرِي وَيَبِيعُ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَبِيعَ عَيْنًا مَمْلُوكًا لِلْمَوْلَى أَوْ لِغَيْرِهِ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ بَيْعًا صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا هَكَذَا ذَكَرَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَغَيْرُهُ.
وَذَكَرَ قَاضِيخَانْ فِي فَتَاوَاهُ إذَا رَأَى عَبْدَهُ يَبِيعُ عَيْنًا مِنْ أَعْيَانِ الْمَالِكِ فَسَكَتَ لَمْ يَكُنْ إذْنًا، وَكَذَا الْمُرْتَهِنُ إذَا رَأَى الرَّاهِنَ يَبِيعُ الرَّهْنَ فَسَكَتَ لَا يَبْطُلُ الرَّهْنُ وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ رِضًا وَيَبْطُلُ الرَّهْنُ، وَلَوْ أَمَرَهُ الْمَوْلَى بِبَيْعِ مَتَاعِ غَيْرِهِ يَصِيرُ مَأْذُونًا لَهُ، وَلَوْ رَأَى عَبْدَهُ فِي حَانُوتِهِ يَبِيعُ فَسَكَتَ حَتَّى بَاعَ مَتَاعًا كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ كَانَ إذْنًا، وَلَا يَنْفُذُ عَلَى الْمَوْلَى بَيْعُ الْعَبْدِ ذَلِكَ الْمَتَاعَ، وَلَوْ رَأَى الْمَوْلَى عَبْدَهُ يَشْتَرِي شَيْئًا بِدَرَاهِمِ الْمَوْلَى أَوْ دَنَانِيرِهِ فَلَمْ يَنْهَهُ يَصِيرُ مَأْذُونًا لَهُ فَإِنْ كَانَ نَقَدَ الثَّمَنَ مِنْ مَالِ الْمَوْلَى كَانَ لِلْمَوْلَى أَنْ يَسْتَرِدَّهُ، وَلَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ بِالِاسْتِرْدَادِ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا دَفَعَ إلَى عَبْدِ رَجُلٍ مَتَاعًا لَهُ لِيَبِيعَهُ فَبَاعَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى فَرَآهُ الْمَوْلَى، وَلَمْ يَنْهَهُ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَيَجُوزُ ذَلِكَ الْبَيْعُ عَلَى صَاحِبِ الْمَتَاعِ وَتَكَلَّمُوا فِي الْعُهْدَةِ قِيلَ تَرْجِعُ إلَى الْآمِرِ، وَقِيلَ إلَى الْعَبْدِ، وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَثْبُتُ الْإِذْنُ بِسُكُوتِ الْمَوْلَى عِنْدَمَا يَرَاهُ يَبِيعُ أَوْ يَشْتَرِي؛ لِأَنَّ سُكُوتَهُ يَحْتَمِلُ الرِّضَا وَيَحْتَمِلُ السَّخَطَ فَلَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ؛ وَلِأَنَّ الْإِذْنَ إنَابَةٌ فَلَا يَثْبُتُ بِالسُّكُوتِ كَمَا إذَا رَأَى أَجْنَبِيًّا يَبِيعُ مَالَهُ فَسَكَتَ، وَلَمْ يَنْهَهُ
وَلَا يَنْفُذُ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِسُكُوتِهِ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ الْبَيْعُ بِدَلَالَةِ الْحَالِ، وَهُوَ السُّكُوتُ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَجُوزَ بِهِ غَيْرُهُ مِنْ الْبِيَاعَاتِ، وَكَذَا لَوْ رَأَى الْقَاضِي الصَّبِيَّ أَوْ الْمَعْتُوهَ أَوْ عَبْدَهُمَا يَبِيعُ وَيَشْتَرِي فَسَكَتَ لَا يَكُونُ إذْنًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ مَعَ أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ لِلْيَتِيمِ وَالْمَعْتُوهِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ وَلِعَبْدِهِمَا أَوْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلِيٌّ وَامْتَنَعَ مِنْ الْإِذْنِ لَهُ عِنْدَ طَلَبِهِ مِنْهُ ذَلِكَ، وَكَذَا سُكُوتُ الْمُرْتَهِنِ عِنْدَمَا يَرَى الرَّاهِنَ يَبِيعُ الرَّهْنَ لَا يَكُونُ رِضًا فِي رِوَايَةٍ، وَكَذَا إذَا رَأَى عَبْدَهُ يَتَزَوَّجُ أَوْ أَمَتَهُ تَتَزَوَّجُ فَسَكَتَ لَا يَكُونُ إذْنًا مِنْهُ بِالزَّوَاجِ، وَكَذَا لَوْ أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ وَصَاحِبُهُ يَقْشَعُ، وَهُوَ سَاكِتٌ لَا يَكُونُ إذْنًا مِنْهُ بِهِ حَتَّى كَانَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِالضَّمَانِ قُلْنَا إنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى عَادَاتِ النَّاسِ، وَقَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ أَنَّ مَنْ لَا يَرْضَى بِتَصَرُّفِ عَبْدِهِ يَنْهَاهُ عَنْهُ وَيُؤَدِّبَهُ عَلَيْهِ فَإِذَا سَكَتَ دَلَّ عَلَى رِضَاهُ بِهِ فَصَارَ إذْنًا دَلَالَةً لِأَجْلِ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ النَّاسِ فَإِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ إطْلَاقًا مِنْهُ فَيُبَايِعُونَهُ حَمْلًا لِفِعْلِهِ عَلَى
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ، وَلَا يَتَوَقَّتُ بِزَمَانٍ إلَخْ) حَتَّى لَوْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ يَوْمًا كَانَ مَأْذُونًا أَبَدًا حَتَّى يُحْجَرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْإِسْقَاطَاتِ لَا تَتَوَقَّتُ. اهـ هِدَايَةٌ. (قَوْلُهُ: وَمِنْهُ الْأَذَانُ إلَخْ) أَمَّا الْإِذْنُ فَهُوَ الْإِطْلَاقُ لُغَةً؛ لِأَنَّهُ ضِدُّ الْحَجْرِ، وَهُوَ الْمَنْعُ فَكَانَ إطْلَاقًا عَنْ شَيْءٍ أَيِّ شَيْءٍ، وَفِي الشَّرْعِ الْإِطْلَاقُ فِي حَقِّ التِّجَارَةِ بِإِسْقَاطِ الْحَجْرِ عَنْهُ كَذَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ فِي مَبْسُوطِهِ، وَأَمَّا رُكْنُهُ فَقَوْلُ الرَّجُلِ أَذِنْت لَك فِي التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ بِهِ يُقَوَّمُ، وَرُكْنُ الشَّيْءِ مَا يُقَوَّمُ بِهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ، وَقَدْ يَكُونُ الْإِذْنُ دَلَالَةً بِالسُّكُوتِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَحُكْمُهُ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَحُكْمُهُ مِلْكُ الْمَأْذُونِ مَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ التِّجَارَةِ وَتَوَابِعِهَا وَضَرُورَاتِهَا، وَعَدَمِ مِلْكِهِ مَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ إلَى هَذَا أَشَارَ فِي التُّحْفَةِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ مَا يَثْبُتُ بِالشَّيْءِ وَالثَّابِتُ بِالْإِذْنِ مَا قُلْنَا فَكَانَ حُكْمًا. اهـ.
مَا يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ وَالْعُرْفُ فَصَارَ كَسُكُوتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ أَمْرٍ يُعَايِنُهُ عَنْ التَّغْيِيرِ وَالْإِنْكَارِ، وَكَسُكُوتِ الْبِكْرِ وَالشَّفِيعِ وَالْمَوْلَى الْقَدِيمِ عِنْدَمَا يَرَى مَالَهُ يُقَسَّمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ بِخِلَافِ مَا إذَا سَكَتَ عِنْدَمَا يَقْشَعُ الْأَجْنَبِيُّ بِبَيْعِ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ، وَالْوَكِيلُ يَتَصَرَّفُ لِلْمُوَكِّلِ لَا لِنَفْسِهِ
وَالتَّوْكِيلُ لَا يَثْبُتُ بِالسُّكُوتِ، وَكَذَا الْعَبْدُ وَكِيلٌ فِي حَقِّ مَا بَاعَهُ مِنْ مَالِ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مِلْكُ الْغَيْرِ، وَهُوَ الْمَوْلَى وَالتَّوْكِيلُ لَا يَثْبُتُ بِالسُّكُوتِ، وَكَذَا إذْنُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي مَالِ الْغَيْرِ حَتَّى يَكُونَ الْإِذْنُ إسْقَاطًا لِحَقِّهِ وَسُكُوتُ الْمُرْتَهِنِ إجَازَةٌ فِي رِوَايَةٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَالْفَرْقُ عَلَى الْأُخْرَى أَنَّا لَوْ جَعَلْنَاهُ إجَازَةً يَلْزَمُ الْمُرْتَهِنَ ضَرَرٌ عَظِيمٌ بِخُرُوجِ الْعَيْنِ مِنْ يَدِهِ، وَإِقَامَةُ الثَّمَنِ مَقَامَهُ فِي جَعْلِهِ رَهْنًا، وَهُوَ فِي الذِّمَّةِ، وَلَا يُعْرَفُ هَلْ يَحْصُلُ أَوْ يُتْوَى عَلَيْهِ فَلَا يَلْحَقُهُ هَذَا الضَّرَرُ إلَّا بِالتَّصْرِيحِ مِنْهُ، وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ فِي تَزَوُّجِ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ، وَفِي إتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّ لِلْمَوْلَى وَصَاحِبِ الْمَالِ فِيهِ ضَرَرًا مَحْضًا فَلَا يَلْزَمُهُ بِدُونِ الْتِزَامِهِ صَرِيحًا بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ فِي الْحَالِ، وَفِي الْمَالِ جَانِبُ النَّفْعِ رَاجِحٌ؛ لِأَنَّ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الدُّيُونِ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا بِعِوَضٍ، وَجَانِبُ تَحْصِيلِ الرِّبْحِ أَرْجَحُ؛ وَلِأَنَّ الْعَبْدَ فِي النِّكَاحِ وَكِيلٌ عَنْ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى يَمْلِكُ أَنْ يَعْقِدَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ وَلِهَذَا إذَا أَذِنَ لَهُ بِالتَّزَوُّجِ لَا يَكُونُ مَأْذُونًا لَهُ حَتَّى لَا يَمْلِكَ أَنْ يَتَزَوَّجَ إلَّا وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ لَا يَتَعَمَّمُ، وَلَا يَثْبُتُ بِالسُّكُوتِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ.
قَالَ رحمه الله: (وَإِنْ أَذِنَ لَهُ عَامًّا لَا بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي) يَعْنِي لَوْ أَذِنَ لَهُ مَوْلَاهُ إذْنًا عَامًّا بِأَنْ قَالَ لَهُ أَذِنْت لَك فِي التِّجَارَةِ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ، وَلَا بِنَوْعٍ مِنْ التِّجَارَةِ جَازَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي جَمِيعِ التِّجَارَاتِ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ التِّجَارَاتِ، وَأَمَّا إذَا أَمَرَهُ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ كَالطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ لَا يَكُونُ مَأْذُونًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتِخْدَامٌ، وَلَوْ صَارَ مَأْذُونًا لَهُ لَانْسَدَّ عَلَى الْمَوْلَى بَابُ الِاسْتِخْدَامِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ أَمَرَهُ بِبَيْعِ ثَوْبٍ بِعَيْنِهِ لَا يَكُونُ مَأْذُونًا لَهُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ لَهُ آجِرْ نَفْسَك مِنْ فُلَانٍ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِعَقْدٍ وَاحِدٍ فَيَكُونُ اسْتِخْدَامًا بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لَهُ آجِرْ نَفْسَك مِنْ النَّاسِ أَوْ اُقْعُدْ صَبَّاغًا أَوْ خَيَّاطًا أَوْ قَصَّارًا أَوْ قَالَ أَدِّ إلَيَّ أَلْفًا، وَأَنْتَ حُرٌّ حَيْثُ يَكُونُ إذْنًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِعُقُودٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى الْإِذْنِ
وَكَذَا إذَا قَالَ لَهُ أَدِّ إلَيَّ كُلَّ شَهْرٍ كَذَا أَوْ كُلَّ يَوْمٍ كَذَا كَانَ مَأْذُونًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَوَصَّلُ إلَى أَدَائِهِ إلَّا بِالتَّكَسُّبِ، وَذَلِكَ بِالتِّجَارَةِ لَا بِالتَّكَدِّي، وَالْفَاصِلُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إذَا أَذِنَ لَهُ بِعُقُودٍ مُتَكَرِّرَةٍ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ كَقَوْلِهِ اشْتَرِ ثَوْبًا وَبِعْهُ أَوْ بِعْ ثَوْبِي هَذَا وَاشْتَرِ بِثَمَنِهِ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ بِعَقْدٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِذْنِ لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا لَهُ عَادَةً، وَقَوْلُهُ أَدِّ إلَيَّ أَلْفًا، وَأَنْتَ حُرٌّ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ إنْ أَدَّيْته إلَيَّ فَأَنْتَ حُرٌّ، وَلَوْ أَعْطَاهُ رَاوِيَةً وَبَغْلًا، وَقَالَ اسْتَقِ عَلَيْهِ وَبِعْ الْمَاءَ مِنْ النَّاسِ كَانَ إذْنًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِالتَّكَسُّبِ، وَذَلِكَ بِالْإِذْنِ، وَلَوْ غَصَبَ الْعَبْدُ ثَوْبًا فَأَمَرَهُ مَوْلَاهُ بِبَيْعِهِ كَانَ إذْنًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ حَمْلُهُ عَلَى الِاسْتِخْدَامِ لِعَدَمِ الْمِلْكِ فَيَتَعَيَّنُ الْإِذْنُ، وَلَوْ أَمَرَهُ بِنَوْعٍ مِنْ التِّجَارَةِ كَانَ إذْنًا فِي الْجَمِيعِ، وَكَذَا إذَا قَيَّدَهُ بِوَقْتٍ أَوْ بِمُعَامَلَةِ شَخْصٍ لَا يَتَقَيَّدُ بِهِ عِنْدَنَا، وَفِيهِ خِلَافُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ تَوْكِيلٌ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَنَا إسْقَاطٌ
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ عَامًّا إلَخْ) قَالَ فِي تُحْفَةِ الْفُقَهَاءِ الْإِذْنُ نَوْعَانِ خَاصٌّ، وَعَامٌّ أَمَّا الْإِذْنُ الْخَاصُّ كَأَنْ يَقُولَ لِعَبْدِهِ اشْتَرِ بِدِرْهَمٍ لَحْمًا أَوْ اشْتَرِ كِسْوَةً لِنَفْسِك أَوْ لِفُلَانٍ فَاشْتَرَاهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَيَكُونُ مَأْذُونًا فِي ذَلِكَ خَاصَّةً وَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا فِي الْأَنْوَاعِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ بِالتَّصَرُّفِ لَا يَتَجَزَّأُ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَقْتَصِرُ عَلَى مَا أَذِنَ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الِاسْتِخْدَامِ وَلَوْ تَعَدَّى الْإِذْنُ إلَى غَيْرِهِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ قَصْدِ الْمَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا فِي التِّجَارَاتِ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِاسْتِخْدَامِ، وَأَمَّا الْإِذْنُ الْعَامُّ كَأَنْ يَقُولَ أَذِنْت لَك فِي التِّجَارَاتِ أَوْ فِي التِّجَارَةِ يَصِيرُ مَأْذُونًا فِي الْأَنْوَاعِ بِلَا خِلَافٍ. أَمَّا إذَا أَذِنَ فِي نَوْعٍ بِأَنْ قَالَ اتَّجِرْ فِي الْبَزِّ أَوْ فِي بَيْعِ الطَّعَامِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ يَصِيرُ مَأْذُونًا فِي أَنْوَاعِ التِّجَارَاتِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَقْتَصِرُ عَلَى مَا سُمِّيَ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ اُقْعُدْ فِي الْخَزَّازَةِ أَوْ فِي الصِّيَاغَةِ يَصِيرُ مَأْذُونًا فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْحِرَفِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ أَذِنْت لَك أَنْ تَتَّجِرَ شَهْرًا أَوْ سَنَةً يَصِيرُ مَأْذُونًا فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ مَا لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ حَجْرًا عَامًّا، وَكَذَا إذَا قَالَ اتَّجِرْ فِي الْبَزِّ، وَلَا تَتَّجِرْ فِي الْخَزِّ لَا يَصِحُّ نَهْيُهُ وَيَعُمُّ الْإِذْنُ النَّوْعَيْنِ وَغَيْرَهُمَا.
وَالْمَسْأَلَةُ مَعْرُوفَةٌ أَنَّ الْإِذْنَ تَمْلِيكُ التَّصَرُّفِ أَوْ إسْقَاطُ الْحَقِّ، وَفَكُّ الْحَجْرِ إلَى هُنَا لَفْظُ التُّحْفَةِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ. وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ: قَالَ بُرْهَانُ الدِّينِ الْأَجَلُّ الصَّدْرُ الْكَبِيرُ صَاحِبُ الْمُحِيطِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَهْلٍ الْمَعْرُوفُ بِمَازَهْ فِي طَرِيقَةِ الْخِلَافِ: الْمَأْذُونُ فِي نَوْعٍ يَصِيرُ مَأْذُونًا فِي الْأَنْوَاعِ كُلِّهَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَزُفَرُ لَا يَصِيرُ مَأْذُونًا إلَّا فِيمَا نَصَّ عَلَيْهِ وَمَا هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ وَصُورَتُهُ رَجُلٌ قَالَ لِعَبْدِهِ تَصَرَّفْ فِي الْخَزِّ وَسَكَتَ أَوْ قَالَ تَصَرَّفْ فِي الْخَزِّ، وَلَا تَتَصَرَّفْ فِي الْبَزِّ عِنْدَنَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي الْخَزِّ وَالْبَزِّ جَمِيعًا، وَعِنْدَهُمَا لَا يَمْلِكُ إلَّا فِي الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: لَا يَكُونُ مَأْذُونًا)، وَفِي الْقِيَاسِ يَكُونُ مَأْذُونًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ فِي التِّجَارَةِ غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّهُ خَصَّ، وَالتَّخْصِيصُ لَا يَعْمَلُ فِي الْإِذْنِ عِنْدَنَا. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ الضَّرُورَةُ وَالضِّيقُ عَلَى النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جُعِلَ مَأْذُونًا لَهُ بِهَذَا الْقَدْرِ لَضَاقَ الْأَمْرُ عَلَى النَّاسِ وَوَقَعُوا فِي حَرَجٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ كَوْنُهُ مَأْذُونًا لَهُ بِالْإِذْنِ فِي شِرَاءِ جَمْدٍ أَوْ بَقْلٍ بِفَلْسٍ لَصَحَّ إقْرَارُهُ حِينَئِذٍ عَلَى نَفْسِهِ بِمَالٍ عَظِيمٍ حَيْثُ يُتْوَى بِذَلِكَ رَقَبَتُهُ، وَكَسْبُهُ فَلَا يَتَجَاسَرُ أَحَدٌ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى اسْتِخْدَامِ الْمَمْلُوكِ خَوْفًا مِنْ ذَلِكَ فَتَتَعَطَّلُ مَصَالِحُهُمْ فَلِهَذِهِ الضَّرُورَةِ لَمْ يَجْعَلْ الْإِذْنَ فِي كُلِّ شَيْءٍ إذْنًا عَامًّا بَلْ جَعَلَ ذَلِكَ اسْتِخْدَامًا وَتَوْكِيلًا. اهـ. وَالْحَاصِل أَنَّهُ مَتَى فُرِضَ إلَيْهِ عُقُودًا مُكَرَّرَةً كَانَ ذَلِكَ إذْنًا فِي التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ يَحْصُلُ بِالْعُقُودِ الْمُكَرَّرَةِ، وَإِنْ فَوَّضَ إلَيْهِ عَقْدًا وَاحِدًا لَا يَتَكَرَّرُ كَانَ اسْتِخْدَامًا، وَلَمْ يَكُنْ إذْنًا فِي التِّجَارَةِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ رحمه الله -
ثُمَّ إذَا صَارَ مَأْذُونًا لَهُ فِي جَمِيعِ التِّجَارَاتِ كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ غَبْنٌ فَاحِشٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله، وَقَالَا لَا يَجُوزُ بِمُحَابَاةٍ لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ؛ لِأَنَّ الْغَبْنَ الْفَاحِشَ جَارٍ مَجْرَى التَّبَرُّعِ حَتَّى اُعْتُبِرَ مِنْ الْمَرِيضِ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، وَلَا يَجُوزُ مِنْ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ وَالْقَاضِي مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ، وَالتَّبَرُّعُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِيهِ فَلَا يَجُوزُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ التِّجَارَةِ الِاسْتِرْبَاحُ، وَهَذَا ضِدُّهُ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّهُ تِجَارَةٌ لَا تَبَرُّعٌ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي ضِمْنِ عَقْدِ التِّجَارَةِ وَالْوَاقِعُ فِي ضِمْنِ الشَّيْءِ كَانَ لَهُ حُكْمُ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ التِّجَارَةَ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ وَلِهَذَا تَجْرِي فِيهِ أَحْكَامُ الْبَيْعِ فِي الْكُلِّ كَوُجُوبِ الشُّفْعَةِ وَجَوَازِ الْمُرَابَحَةِ، وَقَدْ فُكَّ عَنْهُ الْحَجْرُ فِي حَقِّ التِّجَارَةِ فَيَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ كَفَكِّ الْحَجْرِ بِالْإِعْتَاقِ بِخِلَافِ الْهِبَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِتِجَارَةٍ وَبِخِلَافِ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ وَالْقَاضِي؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُمْ مُقَيَّدٌ بِالْأَنْظَرِ
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّتِهِ مِنْ الصَّبِيِّ بَعْدَ الْإِذْنِ أَنْ يَصِحَّ مِنْهُمْ كَالْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ وَحَقُّ الْوَرَثَةِ تَعَلَّقَ بِالْمَالِيَّةِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُبْطِلَهُ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ بِالْغَبْنِ الْيَسِيرِ أَيْضًا فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِهِ؛ وَلِأَنَّ الْبَيْعَ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ لِاسْتِجْلَابِ قُلُوبِ الْمُجَاهِزِينَ وَيَبِيعُ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ فِي صَفْقَةٍ وَيَرْبَحُ فِي أُخْرَى، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ بَيْعُ الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ الْمَأْذُونِ لَهُمَا، وَلَوْ مَرِضَ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ وَحَابَى فِيهِ يُعْتَبَرُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَمِنْ جَمِيعِ مَا بَقِيَ بَعْدَ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الِاقْتِصَارَ فِي الْحُرِّ عَلَى الثُّلُثِ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ، وَلَا وَارِثَ لِلْعَبْدِ.
وَلَا يُقَالُ الْمَوْلَى بِمَنْزِلَةِ الْوَارِثِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ رَضِيَ بِسُقُوطِ حَقِّهِ بِالْإِذْنِ فَصَارَ كَالْوَارِثِ إذَا أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ الثُّلُثَيْنِ فَإِنَّ تَصَرُّفَ الْمَرِيضِ يَنْفُذُ فِي الْكُلِّ بِخِلَافِ غُرَمَائِهِ عَلَى مَا يَجِيءُ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَرْضَوْا بِسُقُوطِ حَقِّهِمْ فَلَا تَنْفُذُ مُحَابَاتُهُ فِي حَقِّهِمْ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُحِيطًا بِمَا فِي يَدِهِ يُقَالُ لِلْمُشْتَرِي أَدِّ جَمِيعَ الْمُحَابَاةِ، وَإِلَّا فَرُدَّ الْمَبِيعَ كَمَا فِي الْحُرِّ هَذَا إذَا كَانَ الْمَوْلَى صَحِيحًا، وَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى مَرِيضًا لَا تَصِحُّ مُحَابَاةُ الْعَبْدِ إلَّا مِنْ ثُلُثِ مَالِ الْمَوْلَى كَتَصَرُّفَاتِ الْمَوْلَى بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى بِاسْتِدَامَةِ الْإِذْنِ بَعْدَ مَا مَرِضَ أَقَامَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فَصَارَ تَصَرُّفُهُ كَتَصَرُّفِهِ وَالْفَاحِشُ مِنْ الْمُحَابَاةِ وَغَيْرُ الْفَاحِشِ فِيهِ سَوَاءٌ حَتَّى لَا يَنْفُذَ الْكُلُّ إلَّا مِنْ الثُّلُثِ قَالَ رحمه الله (وَيُوَكِّلُ بِهِمَا) أَيْ يَجُوزُ لَهُ التَّوْكِيلُ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ التِّجَارَةِ فَلَعَلَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ مُبَاشَرَةِ الْكُلِّ فَيَحْتَاجُ إلَى الْمُعِينِ قَالَ رحمه الله:(وَيَرْهَنُ وَيَسْتَرْهِنُ)؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ تَوَابِعِ التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُمَا إيفَاءٌ وَاسْتِيفَاءٌ وَيَتَقَرَّرُ ذَلِكَ بِالْهَلَاكِ قَالَ رحمه الله (وَيَسْتَأْجِرُ وَيُضَارِبُ)؛ لِأَنَّهُ مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ فَيَجُوزُ لَهُ الْمُضَارَبَةُ أَخْذًا وَدَفْعًا، وَكَذَا الْإِجَارَةُ بِأَنْ يُؤَجِّرَ غِلْمَانَهُ أَوْ يَسْتَأْجِرَ أُجَرَاءَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
( قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ فِيهِ غَبْنٌ فَاحِشٌ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ: فَأَمَّا إذَا بَاعَ بِالْمُحَابَاةِ الْفَاحِشَةِ ابْتِدَاءً فَإِنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِالْبَيْعِ يَمْلِكُ الْبَيْعَ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ عِنْدَهُ فَلَأَنْ يَمْلِكَ الْمَأْذُونُ لَهُ ذَلِكَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ لَيْسَ بِسَبِيلِ النِّيَابَةِ بَلْ بِأَهْلِيَّةِ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ وَلِهَذَا لَا يَرْجِعُ بِالْعُهْدَةِ عَلَى الْمَوْلَى. اهـ. وَالْحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَاءُ الدِّينِ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِي قَالَ شِرَاءُ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ وَبَيْعُهُ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ جَائِزٌ حَالًّا أَوْ آجِلًا أَوْ سَلَمًا فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، وَكَذَلِكَ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله إنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَلَا يَجُوزُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ، وَلَا تَجُوزُ هِبَتُهُ، وَلَا صَدَقَتُهُ، وَكَذَا كُلُّ مَنْ لَا تَجُوزُ هِبَتُهُ مِثْلُ الْمُكَاتَبِ وَالصَّبِيِّ أَوْ الْمَعْتُوهِ يَأْذَنُ لَهُ أَبُوهُ فِي التِّجَارَةِ فَهُوَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ رحمه الله مَعَ حَذْفٍ.
قَالَ فِي الْحَقَائِقِ فِي كِتَابِ الْمَأْذُونِ فِي بَابِ أَبِي حَنِيفَةَ: وَإِذَا بَاعَ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ بِالْكَثِيرِ مِنْ الْمُحَابَاةِ لَا يَجُوزُ أَصْلًا عِنْدَهُمَا وَإِنْ بَلَّغَ الْأَجْنَبِيُّ الثَّمَنَ إلَى تَمَامِ الْقِيمَةِ وَبِالْيَسِيرِ يَجُوزُ فَلَا يُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ الْمُحَابَاةِ عِنْدَهُمَا مِنْ الْمُحِيطِ وَالْهِدَايَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّتِهِ مِنْ الصَّبِيِّ بَعْدَ الْإِذْنِ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ: وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَيَمْلِكُ كُلَّ مَا هُوَ مُسَمًّى بِهَذَا الِاسْمِ جَرْيًا عَلَى قَضِيَّةِ إطْلَاقِ اللَّفْظِ، وَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُهُ بِالْغَرَضِ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ نَصِّ الْكَلَامِ أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّا لَا نُسَلِّمُ خُلُوَّهُ مِنْ الْغَرَضِ فَإِنَّ التَّاجِرَ فِي الْعَادَاتِ كَمَا يُبَاشِرُ الْعَقْدَ عَلَى وَجْهٍ لَا غَبْنَ فِيهِ يُبَاشِرُهُ عَلَى وَجْهٍ فِيهِ غَبْنٌ لِيَتَوَسَّلَ إلَى غَرَضٍ لَا طَرِيقَ لَهُ إلَّا بِبَيْعِ مَا عِنْدَهُ، وَعَسَى لَا يَشْتَرِي مَا عِنْدَهُ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ لِكَسَادِ السُّوقِ، وَلَا يَكُونُ عِنْدَهُ ثَمَنٌ مَا يُرِيدُ تَحْصِيلَهُ فَتَمَسُّ حَاجَتُهُ إلَى بَيْعِ مَا عِنْدَهُ بِوَضِيعَةٍ رَغْبَةً فِيمَا يُرِيدُ تَحْصِيلَهُ وَالِاسْتِرْبَاحُ عَلَيْهِ وَهَذَا مَعْهُودٌ بَيْنَ التُّجَّارِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ مَرِضَ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ) أَيْ مَرَضَ الْمَوْتِ. اهـ. (قَوْلُهُ: هَذَا إذَا كَانَ الْمَوْلَى صَحِيحًا) قَالَ الشَّيْخُ قِوَامُ الدِّينِ هَذَا إذَا حَابَى الْمَأْذُونَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَالْمَوْلَى صَحِيحٌ أَمَّا إذَا حَابَى فِي مَرَضِ مَوْتِ الْمَوْلَى فَبَيَانُهُ مَا قَالَ فِي شَرْحِ الْكَافِي قَبْلَ هَذَا الْبَابِ: وَإِذَا أَذِنَ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ ثُمَّ مَرِضَ الْمَوْلَى فَبَاعَ الْعَبْدُ بَعْضَ مَا كَانَ مِنْ تِجَارَتِهِ أَوْ اشْتَرَى شَيْئًا فَحَابَى فِي ذَلِكَ ثُمَّ مَاتَ الْمَوْلَى، وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُ الْعَبْدِ، وَمَا فِي يَدِهِ فَجَمِيعُ مَا فَعَلَ الْعَبْدُ مِنْ ذَلِكَ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ، وَمَا لَا يَتَغَابَنُ فِيهِ جَائِزٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله مِنْ ثُلُثِ مَالِ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِتَسْلِيطِ الْمَوْلَى، وَإِنَّهُ يُلَاقِي حَقَّ الْمَوْلَى فَيُجْعَلُ ذَلِكَ مُحَابَاةً مِنْهُ، وَهُوَ مَرِيضٌ فَيُجْعَلُ مِنْهُ وَكَذَلِكَ عَلَى قَوْلِهِمَا فِيمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِرَقَبَتِهِ وَبِمَا فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ حَالَ الْعَبْدِ لَمْ يَتَغَيَّرْ إنَّمَا تَغَيَّرَ حَالُ الْمَوْلَى فَكَانَ وَصِيَّةً مِنْهُ بَعْدَ الدَّيْنِ مِنْ الثُّلُثِ فَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَوْلَى دَيْنٌ يُحِيطُ بِرَقَبَتِهِ، وَبِمَا فِي يَدِهِ، وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ لَمْ يَجُزْ مِنْ مُحَابَاةِ الْمَوْلَى شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ مُؤَخَّرَةٌ عَنْ الدَّيْنِ وَيُقَالُ لِلْمُشْتَرِي فَانْقُضْ الْبَيْعَ، وَإِنْ شِئْت فَأَدِّ الْمُحَابَاةَ كُلَّهَا، وَلَوْ كَانَ الَّذِي حَابَاهُ الْعَبْدُ بَعْضَ وَرَثَةِ الْمَوْلَى كَانَتْ الْمُحَابَاةُ بَاطِلَةً فِي جَمِيعِ الْوُجُوهِ؛ لِأَنَّ هَذَا وَصِيَّةٌ مِنْ الْمَوْلَى كَذَا فِي شَرْحِ الْكَافِي. اهـ أَتْقَانِيٌّ
وَلَهُ أَنْ يَدْفَعَ الْأَرْضَ مُزَارَعَةً وَيَأْخُذَهَا مُسَاقَاةً؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ التُّجَّارِ قَالَ عليه الصلاة والسلام «الزَّارِعُ يُتَاجِرُ رَبَّهُ» ، وَلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ طَعَامًا وَيَزْرَعَهُ فِيهَا وَيَسْتَأْجِرَ الْبُيُوتَ وَالْحَوَانِيتَ وَيُؤَجِّرَهَا لِمَا فِيهَا مِنْ تَحْصِيلِ الْمَالِ.
قَالَ رحمه الله: (وَيُؤَجِّرُ نَفْسَهُ)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله لَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ لَا يَتَنَاوَلُ التَّصَرُّفَ فِي نَفْسِهِ وَلِهَذَا لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَبِيعَ نَفْسَهُ، وَلَا يَرْهَنَهَا فَكَذَا مَنَافِعُهُ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ تَابِعَةٌ لِلنَّفْسِ، وَلَنَا أَنَّ الْإِجَارَةَ تِجَارَةٌ، وَهُوَ تَصَرُّفٌ عَلَى غَيْرِ نَفْسِهِ إذْ هِيَ بَيْعُ الْمَنَافِعِ دُونَ النَّفْسِ فَيَمْلِكُهُ، وَإِنَّمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يَبْطُلُ الْإِذْنُ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ يَنْحَجِرُ بِهِ بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ امْتِنَاعِ جَوَازِ بَيْعِ النَّفْسِ امْتِنَاعُ الْإِجَارَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْحُرَّ لَا يَمْلِكُ بَيْعَ نَفْسِهِ وَيَمْلِكُ إجَارَتَهَا، وَأَقْرَبُ مِنْهُ الْمُكَاتَبُ بَلْ هُوَ نَظِيرُهُ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ إجَارَةَ نَفْسِهِ، وَلَا يَمْلِكُ بَيْعَهَا وَالرَّهْنُ يُوجِبُ الْحَبْسَ عَلَى الدَّوَامِ إلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ بِغَيْرِ بَدَلٍ يُقَابِلُهُ فَيَفُوتُ بِهِ غَرَضُ الْمَوْلَى، وَهُوَ التَّحْصِيلُ فَلَا يَمْلِكُهُ وَيُشَارِكُ شَرِكَةَ عِنَانٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ؛ لِأَنَّهُ طَرِيقٌ لِتَحْصِيلِ الرِّبْحِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُشَارِكَ مُفَاوَضَةً؛ لِأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ الْكَفَالَةَ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُهَا لِكَوْنِهَا تَبَرُّعًا قَالَ رحمه الله (وَيُقِرُّ بِدَيْنٍ وَغَصْبٍ الْوَدِيعَةٍ)؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ مِنْ تَوَابِعِ التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ لَمْ يُعَامِلْهُ أَحَدٌ فَلَا بُدَّ مِنْ قَبُولِ إقْرَارِهِ فِيمَا هُوَ مِنْ بَابِ التِّجَارَةِ، وَالْإِقْرَارُ بِالدَّيْنِ مِنْهُ، وَكَذَا بِالْغَصْبِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ ضَمَانُ مُعَاوَضَةٍ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْمَغْصُوبَ بِالضَّمَانِ فَكَانَ مِنْ بَابِ التِّجَارَةِ وَلِهَذَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ كَانَ شَرِيكُهُ مُطَالَبًا بِهِ
وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً شِرَاءً فَاسِدًا فَأَقَرَّ أَنَّهُ وَطِئَهَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْعُقْرُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ لُزُومَهُ بِاعْتِبَارِ الشِّرَاءِ إذْ لَوْلَاهُ لَوَجَبَ الْحَدُّ دُونَ الْعُقْرِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَرَّ بِوَطْءِ جَارِيَةٍ بِالنِّكَاحِ حَيْثُ لَا يَظْهَرُ وُجُوبُ الْعُقْرِ فِي حَقِّ الْمَوْلَى، وَإِنَّمَا يُؤَاخَذُ بِهِ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ التِّجَارَةِ وَلِهَذَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ لَمْ يَلْزَمْ شَرِيكَهُ، وَإِقْرَارُهُ الْوَدِيعَةِ مِنْ بَابِ التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنْهُ فَكَانَ مِنْ تَوَابِعِهِ، وَلَوَازِمِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ إذَا كَانَ الْإِقْرَارُ فِي صِحَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَرَضِ قَدَّمَ غُرَمَاءَ الصِّحَّةِ كَمَا فِي حَقِّ الْحُرِّ فَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا يَكُونُ مِنْ بَابِ التِّجَارَةِ مِنْ دُيُونِهِ يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِهِ صَدَّقَهُ الْمَوْلَى أَوْ كَذَّبَهُ، وَمَا لَا يَكُونُ مِنْ بَابِ التِّجَارَةِ لَا يُصَدَّقُ فِيهِ إلَّا بِتَصْدِيقِهِ؛ لِأَنَّهُ فِيهِ كَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَيَبْطُلُ إقْرَارُهُ لِلزَّوْجِ وَالْوَلَدِ وَالْوَالِدَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله خِلَافًا لَهُمَا، وَهُوَ كَالِاخْتِلَافِ فِي بَيْعِ الْوَكِيلِ مِنْ هَؤُلَاءِ.
قَالَ رحمه الله: (وَلَا يَتَزَوَّجُ)؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ التِّجَارَةِ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَى الْمَوْلَى بِوُجُوبِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ فِي رَقَبَتِهِ. قَالَ رحمه الله: (، وَلَا يُزَوِّجُ مَمْلُوكَهُ)، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رحمه الله يُزَوِّجُ الْأَمَةَ دُونَ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَحْصِيلَ الْمَنْفَعَةِ، وَهُوَ تَحْصِيلُ الْمَهْرِ وَسُقُوطُ النَّفَقَةِ فَأَشْبَهَ إجَارَتَهَا وَلِهَذَا جَازَ لِلْمُكَاتَبِ وَوَصِيِّ الْأَبِ وَالْأَبِ، وَلَهُمَا أَنَّ الْإِذْنَ تَنَاوَلَ التِّجَارَةَ وَالتَّزْوِيجُ لَيْسَ بِتِجَارَةٍ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَ الْعَبْدِ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ وَالْأَبِ وَالْوَصِيِّ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ يَمْلِكُ الِاكْتِسَابَ، وَذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِالتِّجَارَةِ، وَكَذَا الْأَبُ وَالْجَدُّ وَالْوَصِيُّ؛ وَلِأَنَّ تَصَرُّفَهُمْ مُقَيَّدٌ بِالْأَنْظَرِ لِلصَّغِيرِ وَتَزْوِيجُ الْأَمَةِ مِنْ الْأَنْظَرِ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ الْمَأْذُونُ لَهُمَا وَالْمُضَارِبُ وَالشَّرِيكُ عِنَانًا، وَمُفَاوَضَةً وَجَعَلَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ الْأَبَ وَالْوَصِيَّ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ، وَهُوَ سَهْوٌ فَإِنَّهُ ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ بِنَفْسِهِ فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ مِثْلَ مَا ذَكَرْنَا، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِمَا خِلَافًا بَلْ جَعَلَهُمَا كَالْمُكَاتَبِ، وَكَذَا فِي عَامَّةِ كُتُبِ أَصْحَابِنَا كَالْمَبْسُوطِ، وَمُخْتَصَرِ الْكَافِي وَالتَّتِمَّةِ
قَالَ رحمه الله (، وَلَا يُكَاتَبُ)؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ التِّجَارَةِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
( قَوْلُهُ: وَلَهُ أَنْ يَدْفَعَ الْأَرْضَ مُزَارَعَةً وَيَأْخُذَهَا) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَاءُ الدِّينِ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِي فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْمَأْذُونِ الْكَبِيرِ: وَيَتَقَبَّلُ الْأَرْضَ وَيَأْخُذُهَا مُزَارَعَةً كَمَا يَأْخُذُ الْحُرُّ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الْأَرْضِ مُزَارَعَةً إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِهِ فَهُوَ اسْتِئْجَارُ الْأَرْضِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ فَهُوَ إجَارَةُ نَفْسِهِ، وَإِنَّهُ يَمْلِكُ كِلَا الْوَجْهَيْنِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ طَعَامًا إلَى رَجُلٍ لِيَزْرَعَهَا ذَلِكَ الرَّجُلُ فِي أَرْضِهِ بِالنِّصْفِ؛ لِأَنَّ هَذَا يَصِيرُ قَرْضًا، وَلَيْسَ لَهُ الْقَرْضُ؛ لِأَنَّ الْقَرْضَ تَبَرُّعٌ، وَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ، وَلَوْ فَعَلَ مَعَ هَذَا أَشَارَ هَهُنَا أَنَّ الْخَارِجَ يَكُونُ لِلْمُزَارِعِ حَيْثُ جَعَلَهُ قَرْضًا، وَلَوْ أَقْرَضَهُ تَنْصِيصًا فَالْجَوَابُ هَكَذَا أَنَّ الْخَارِجَ يَكُونُ لِلْمُزَارِعِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِحُكْمِ الْقَرْضِ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْمُزَارَعَةِ أَنَّ الْحُرَّ لَوْ دَفَعَ بَذْرًا إلَى آخَرَ لِيَزْرَعَهُ فِي أَرْضِهِ بِالنِّصْفِ فَفَعَلَ يَكُونُ الْخَارِجُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ، وَعَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ وَأَرْضِهِ قِيلَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةِ الْمُزَارَعَةِ الْخَارِجُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْمَأْذُونِ الْخَارِجُ لِلْمُزَارِعِ وَدَفْعُ الْبَذْرِ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ الْإِقْرَاضَ وَاسْتِئْجَارَ الْعَامِلِ وَالْأَرْضِ إنْ دَفَعَ الْبَذْرَ لِيَزْرَعَهُ لَهُ فَقَدْ أَبْقَاهُ عَلَى مِلْكِهِ فَيَكُونُ الْعَامِلُ عَامِلًا لَهُ بِشَرْطِ النِّصْفِ فَيَكُونُ اسْتِئْجَارًا لَهُ وَلِأَرْضِهِ، وَإِنْ دَفَعَ الْبَذْرَ لِيَزْرَعَ الْعَامِلُ لِنَفْسِهِ يَكُونُ إقْرَاضًا لَهُ فَفِي رِوَايَةٍ اُعْتُبِرَ الْقَرْضُ، وَفِي رِوَايَةٍ اُعْتُبِرَ الِاسْتِئْجَارُ.
وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ دَفَعَ الْبَذْرَ إلَيْهِ، وَقَالَ لِتَزْرَعَ لِي أَوْ أَطْلَقَ يَكُونُ الْخَارِجُ لَهُ فَإِنْ قَالَ لِتَزْرَعَ لِنَفْسِك يَكُونُ الْخَارِجُ لِلْمُزَارِعِ فَمَسْأَلَةُ الْكِتَابِ عَلَى هَذَا. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ لَمْ يُعَامِلْهُ أَحَدٌ) قَالَ الْكَرْخِيُّ، وَإِذَا أَقَرَّ الْعَبْدُ بِجِنَايَةٍ عَلَى عَبْدٍ أَوْ حُرٍّ أَوْ بِمَهْرٍ وَجَبَ عَلَيْهِ بِنِكَاحٍ جَائِزٍ أَوْ فَاسِدٍ أَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ بِشُبْهَةِ نِكَاحٍ فَإِقْرَارُهُ بَاطِلٌ لَا يَلْزَمُهُ حَتَّى يَعْتَنِيَ فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمَوْلَى جَازَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَجُزْ عَلَى الْغُرَمَاءِ، وَإِنْ قَامَتْ عَلَى الْعَبْدِ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِإِذْنِ مَوْلَاهُ لَزِمَهُ الْمَهْرُ تَحَاصُّ بِهِ الْمَرْأَةُ الْغُرَمَاءَ إلَى هُنَا لَفْظُهُ. رحمه الله. اهـ. أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَرَّ بِوَطْءِ جَارِيَةٍ بِالنِّكَاحِ) أَيْ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى. اهـ أَتْقَانِيٌّ.
(قَوْلُهُ: كَالْمَبْسُوطِ، وَمُخْتَصَرِ الْكَافِي وَالتَّتِمَّةِ) أَيْ، وَأَحْكَامُ الصِّفَارِ، وَمَا ذَكَرَ فِي الْمُكَاتَبِ أَصَحُّ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِعَامَّةِ
إذْ هِيَ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ، وَالْبَدَلُ فِي الْحَالِ مُقَابَلٌ بِفَكِّ الْحَجْرِ فَلَمْ تَكُنْ مِنْ بَابِ التِّجَارَةِ؛ وَلِأَنَّ الْكِتَابَةَ أَقْوَى مِنْ الْإِذْنِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ تُوجِبُ حُرِّيَّةَ الْيَدِ فِي الْحَالِ وَحُرِّيَّةَ الرَّقَبَةِ فِي الْمَآلِ، وَالْإِذْنُ لَا يُوجِبُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَالشَّيْءُ لَا يَتَضَمَّنُ مَا هُوَ فَوْقَهُ إلَّا إذَا أَجَازَهُ الْمَوْلَى، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ لِحَقِّهِ فَإِذَا أَجَازَهُ زَالَ الْمَانِعُ فَيَنْفُذُ، وَهَذَا لِمَا عُرِفَ أَنَّ كُلَّ عَقْدٍ مَوْقُوفٍ، وَلَهُ مُجِيزٌ حَالَ وُقُوعِهِ يَجُوزُ بِإِجَازَتِهِ فَتَكُونُ الْإِجَازَةُ اللَّاحِقَةُ كَالْوَكَالَةِ السَّابِقَةِ ثُمَّ لَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَقْبِضَ الْبَدَلَ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ الْمَوْلَى كَالْوَكِيلِ فَكَانَ قَبْضُ الْبَدَلِ لِمَنْ نَفَذَ الْعَقْدُ مِنْ جِهَتِهِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ سَفِيرٌ، وَمُعَبِّرٌ فَلَا تَتَعَلَّقُ بِهِ حُقُوقُ الْعَقْدِ كَالنِّكَاحِ بِخِلَافِ الْمُبَادَلَةِ الْمَالِيَّةِ، وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ فَكِتَابَتُهُ بَاطِلَةٌ، وَإِنْ أَجَازَهَا الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ قِيَامَ الدَّيْنِ يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَهَذَا مُشْكِلٌ فَإِنَّ الدَّيْنَ إذَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَغْرِقًا لِرَقَبَتِهِ وَلِمَا فِي يَدِهِ لَا يَمْنَعُ الدُّخُولَ فِي مِلْكِ الْمَوْلَى بِإِجْمَاعِ أَصْحَابِنَا حَتَّى جَازَ لِلْمَوْلَى عِتْقُ مَا فِي يَدِهِ فَكَيْفَ تُتَصَوَّرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ يَتَأَتَّى هَذَا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْمُسْتَغْرِقِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله يَمْنَعُ مِنْ دُخُولِهِ فِي مِلْكِ الْمَوْلَى، وَعِنْدَهُمَا لَا يَمْنَعُ، وَلَوْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ الْبَدَلَ إلَى الْمَوْلَى قَبْلَ الْإِجَازَةِ ثُمَّ أَجَازَ الْمَوْلَى لَا يُعْتَقُ وَسُلِّمَ الْمَقْبُوضُ لِلْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ كَسْبُ عَبْدِهِ قَالَ رحمه الله:(، وَلَا يُعْتَقُ)؛ لِأَنَّهُ فَوْقَ الْكِتَابَةِ فَكَانَ أَوْلَى بِالِامْتِنَاعِ، وَإِنْ أَجَازَهُ الْمَوْلَى، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ جَازَ، وَكَانَ قَبْضُ الْعِوَضِ إلَيْهِ إنْ كَانَ الْعِتْقُ عَلَى مَالٍ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرَقٌ لَا يَنْفُذُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَمْلِكُ مَا فِي يَدِهِ أَمْ لَا قَالَ رحمه الله:(وَلَا يُقْرِضُ)؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ ابْتِدَاءً، وَهُوَ لَا يَمْلِكُهُ. قَالَ رحمه الله:(وَلَا يَهَبُ)؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ مَحْضٌ وَسَوَاءٌ كَانَ بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ ابْتِدَاءً أَوْ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً.
قَالَ رحمه الله: (وَيُهْدِي طَعَامًا يَسِيرًا وَيُضَيِّفُ مَنْ يُطْعِمُهُ)؛ لِأَنَّ التُّجَّارَ مُحْتَاجُونَ إلَيْهِ لِاسْتِجْلَابِ قُلُوبِ الْمُجَاهِزِينَ وَرُوِيَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام كَانَ يُجِيبُ دَعْوَةَ الْمَمْلُوكِ» وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَأْذُونُ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ الضِّيَافَةَ الْيَسِيرَةَ لِعَدَمِ الْإِذْنِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ إذَا دَفَعَ إلَيْهِ الْمَوْلَى قُوتَ يَوْمِهِ فَدَعَا بَعْضَ رُفَقَائِهِ عَلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ فَلَا بَأْسَ بِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا دَفَعَ إلَيْهِ قُوتَ شَهْرٍ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا أَكَلُوهُ يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمَوْلَى، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَدَّرَ لِلضِّيَافَةِ تَقْدِيرٌ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَالِ وَغَيْرِهِ، وَقَالُوا فِي الْهَدِيَّةِ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُهْدِيَ إلَّا الشَّيْءَ الْيَسِيرَ مِنْ الْمَأْكُولِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُهْدِيَ الدَّرَاهِمَ، وَلَا بَأْسَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَصَدَّقَ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا بِشَيْءٍ يَسِيرٍ كَرَغِيفٍ وَنَحْوِهِ بِدُونِ اسْتِطْلَاعِ رَأْيِ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَأْذُونٌ فِيهِ عَادَةً، وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ «لَا تُخْرِجُ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا فَقِيلَ لَهُ وَالطَّعَامُ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام الطَّعَامُ أَفْضَلُ أَمْوَالِكُمْ» الْمُرَادُ بِهِ الْمُدَّخَرُ كَالْحِنْطَةِ وَدَقِيقِهَا، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُدَّخَرِ فَلَهَا أَنْ تَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْعَادَةِ الْجَارِيَةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَالْأَبُ وَالْوَصِيُّ لَا يَمْلِكَانِ فِي مَالِ الصَّغِيرِ مَا يَمْلِكُهُ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ مِنْ اتِّخَاذِ الضِّيَافَةِ الْيَسِيرَةِ وَالصَّدَقَةِ. قَالَ رحمه الله:(وَيَحُطُّ مِنْ الثَّمَنِ بِعَيْبٍ)؛ لِأَنَّهُ مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ، وَقَدْ يَكُونُ الْحَطُّ أَنْظَرَ لَهُ مِنْ قَبُولِ الْمَعِيبِ بِخِلَافِ الْحَطِّ مِنْ غَيْرِ عَيْبٍ أَوْ الْحَطِّ أَكْثَرَ مِنْ الْعَادَةِ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ مَحْضٌ بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ، وَهُوَ لَيْسَ مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ فَلَا ضَرُورَةَ إلَيْهِ بِخِلَافِ الْمُحَابَاةِ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ إلَيْهِ التَّاجِرُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَلَهُ أَنْ يُؤَجِّلَ فِي دَيْنٍ وَجَبَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ عَادَاتِ التُّجَّارِ.
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
الرِّوَايَاتِ، وَفِي الْكَافِي يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ، وَقَالَ الْإِمَامُ الْأَخْسَكْتِيُّ أَوْ يُحْمَلُ مَا أُطْلِقَ فِي الْمُكَاتَبِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ هُنَا أَوْ يُجْعَلُ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ. اهـ كَاكِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَعَلَى قَوْلِ مَنْ يَتَأَتَّى هَذَا) قُلْت يَتَأَتَّى عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْأَوَّلِ فَقَدْ قَالَ الشَّارِحُ رحمه الله فِيمَا سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَحُطَّ صَحَّ أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَحُطَّ الدَّيْنَ بِرَقَبَتِهِ وَبِمَا فِي يَدِهِ جَازَ عِتْقُهُ، وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ أَمَّا عِنْدَهُمَا فَظَاهِرٌ، وَكَذَا عِنْدَهُ فِي قَوْلِهِ الْآخَرِ، وَفِي قَوْلِهِ الْأَوَّلِ لَا يَمْلِكُ فَلَا يَصِحُّ إعْتَاقُهُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ مُتَعَلِّقٌ بِكَسْبِهِ، وَفِي حَقِّ التَّعْلِيقِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ كَمَا فِي الرَّهْنِ. اهـ. لَكِنَّ التَّفْرِيعَ عَلَى الْقَوْلِ الْمَرْجُوعِ عَنْهُ مَعَ عَدَمِ التَّنْبِيهِ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا لَا يَنْبَغِي. اهـ. (قَوْلُهُ: وَسَلَّمَ الْمَقْبُوضَ لِلْمَوْلَى) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ، وَلَا يَمْلِكُ الْإِعْتَاقَ عَلَى مَالٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَمْلِكْ الْكِتَابَةَ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِتِجَارَةٍ فَلَأَنْ لَا يَمْلِكَ الْإِعْتَاقَ عَلَى مَالٍ لِهَذَا الْمَعْنَى أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ ضَارٍّ؛ لِأَنَّ فِيهِ إزَالَةَ الْمِلْكِ فِي الْحَالِ بِدَيْنٍ فِي ذِمَّةِ الْمُفْلِسِ فَلَعَلَّهُ يَحْصُلُ، وَلَعَلَّهُ لَا يَحْصُلُ، وَفِي الْكِتَابَةِ لَا يَزُولُ الْمِلْكُ مَا لَمْ يُوجَدْ أَدَاءُ جَمِيعِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَكَانَ قَبْضُ الْعِوَضِ إلَيْهِ) وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَأْذُونَ يَفْعَلُ مَا كَانَ مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ، وَمَا لَا فَلَا وَلِهَذَا لَا يَكْفُلُ بِنَفْسٍ، وَلَا مَالٍ، وَلَا يُقْرِضُ، وَلَا يُعْتِقُ عَلَى مَالٍ إلَّا إذَا أَجَازَهُ الْمَوْلَى، وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَجُوزُ بِإِجَازَةِ الْمَوْلَى وَيَضْمَنُ الْمَوْلَى قِيمَتَهُ لِلْغُرَمَاءِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَدَّرَ لِلضِّيَافَةِ تَقْدِيرٌ) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ فِي كِتَابِ شَرْحِ الْمَأْذُونِ الْكَبِيرِ مِنْ الْأَصْلِ لَمْ يُقَدِّرْ مُحَمَّدٌ فِي الْكِتَابِ مِقْدَارَ مَا يُتَّخَذُ مِنْ الضِّيَافَةِ أَنَّهُ بِأَيِّ قَدْرٍ يُتَّخَذُ إلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ مَالِ تِجَارَتِهِ مَثَلًا عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ فَاتَّخَذَ ضِيَافَةً عَشَرَةَ دَرَاهِمَ كَانَ يَسِيرًا. اهـ أَتْقَانِيٌّ. وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ: قَالَ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى: الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ يَمْلِكُ التَّبَرُّعَاتِ الْيَسِيرَةَ حَتَّى يَمْلِكَ التَّبَرُّعَ بِمَا دُونَ الدِّرْهَمِ، وَلَا يَمْلِكَ التَّصَدُّقَ بِالدِّرْهَمِ وَيَمْلِكَ اتِّخَاذَ الضِّيَافَةِ وَالْإِهْدَاءَ، وَلَيْسَ هَذَا بِمُقَدَّرٍ بِدِرْهَمٍ بَلْ مَا يَعُدُّهُ التُّجَّار سَرَفًا وَيَمْلِكَ الَّذِي لَا يَعُدُّونَهُ سَرَفًا فِي الْمَأْكُولَاتِ حَتَّى لَا يَمْلِكَ الْإِهْدَاءَ فِي غَيْرِ الْمَأْكُولَاتِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ.
(قَوْلُهُ: لَا تَخْرُجُ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا) كَتَبَ الشَّيْخُ الشِّلْبِيُّ رحمه الله هُنَا مُلْحَقًا مَا نَصُّهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ. اهـ نِهَايَةُ شَرْحِ الْهِدَايَةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَهُ أَنْ يُؤَجِّلَ فِي دَيْنٍ وَجَبَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إلَخْ)
قَالَ رحمه الله: (وَدَيْنُهُ مُتَعَلِّقٌ بِرَقَبَتِهِ وَيُبَاعُ فِيهِ إنْ لَمْ يَفْدِهِ سَيِّدُهُ)، وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: رَحِمَهُمَا اللَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْكَسْبِ لَا بِالرَّقَبَةِ فَلَا تُبَاعُ رَقَبَتُهُ وَيُبَاعُ كَسْبُهُ بِالْإِجْمَاعِ لَهُمَا أَنَّ رَقَبَتَهُ لَيْسَتْ مِنْ كَسْبِهِ فَلَا تُبَاعُ فِي دَيْنِهِ كَسَائِرِ أَمْوَالِ الْمَوْلَى، وَهَذَا؛ لِأَنَّ رَقَبَتَهُ مِلْكُ الْمَوْلَى فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا الدَّيْنُ إلَّا بِتَعْلِيقِهِ؛ وَلِأَنَّ غَرَضَهُ بِالْإِذْنِ تَحْصِيلُ مَالٍ لَمْ يَكُنْ لَا تَفْوِيتُ مَالٍ كَانَ فَلَا يَكُونُ مَشْرُوعًا أَصْلًا، وَلَنَا أَنَّ هَذَا دَيْنٌ ظَهَرَ وُجُوبُهُ فِي حَقِّ الْمَوْلَى فَيَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ كَدَيْنِ الِاسْتِهْلَاكِ وَالْمَهْرِ وَنَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ؛ وَلِأَنَّ بَيْعَهُ بِالدَّيْنِ كَانَ جَائِزًا حِينَ كَانَ يُبَاعُ الْحُرُّ بِالدَّيْنِ عَلَى مَا رُوِيَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام بَاعَ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ سُرَّقٌ فِي دَيْنِهِ» فَانْتَسَخَ فِي حَقِّ الْحُرِّ فَيَبْقَى فِي حَقِّهِ عَلَى حَالِهِ لِعَدَمِ الْمَانِعِ، وَفِي تَعَلُّقِهِ بِرَقَبَتِهِ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ النَّاسِ وَحَامِلٌ لَهُمْ عَلَى الْمُعَامَلَةِ، وَبِهِ يَحْصُلُ مَقْصُودُ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمُعْسِرَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مَالٌ لَا يُعَامِلُهُ أَحَدٌ خَوْفًا مِنْ تَوْيِ مَالِهِمْ فَلَا يَحْصُلُ غَرَضُهُ، وَإِذَا تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ يُعَامَلُ فَيَحْصُلُ غَرَضُهُ وَيَنْتَفِي الضَّرَرُ عَنْهُ بِدُخُولِ مَا اشْتَرَاهُ الْعَبْدُ فِي مِلْكِهِ وَتَعَلُّقُهُ بِالْكَسْبِ لَا يُنَافِي تَعَلُّقَهُ بِالرَّقَبَةِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِمَا جَمِيعًا، وَيَبْدَأُ بِالْكَسْبِ؛ لِأَنَّهُ أَهْوَنُ عَلَى الْمَوْلَى مَعَ إيفَاءِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ، وَعِنْدَ انْعِدَامِهِ يُسْتَوْفَى مِنْ الرَّقَبَةِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْغُرَمَاءِ، وَلَا يُعَجِّلُ الْقَاضِي بِبَيْعِهِ بَلْ يَتَلَوَّمُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ أَوْ دَيْنٌ يَقْتَضِيهِ فَإِذَا مَضَتْ مُدَّةُ التَّلَوُّمِ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ وَجْهٌ بَاعَهُ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ نُصِبَ نَاظِرًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ نَظَرَ لِلْمَوْلَى بِالتَّلَوُّمِ فَوَجَبَ النَّظَرُ لِلْغُرَمَاءِ بِالْبَيْعِ ثُمَّ بَيْعُ الْقَاضِي هَذَا الْعَبْدَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أَصْحَابِنَا غَيْرِ زُفَرَ، وَإِنْ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله لَا يَرَى بَيْعَ الْقَاضِي مَالَ الْمُفْلِسِ، وَلَا يَرَى الْحَجْرَ عَلَى الْمُكَلَّفِ.
وَالْفَرْقُ لَهُ أَنَّهُ إنَّمَا امْتَنَعَ بَيْعُ الْقَاضِي مَالَ الْمُفْلِسِ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ يُؤَدِّي إلَى الْحَجْرِ عَلَيْهِ، وَهُوَ لَا يَرَى حَجْرَ الْمُكَلَّفِ فَامْتَنَعَ لِذَلِكَ، وَأَمَّا الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ فَإِنَّ الْمَوْلَى مَحْجُورٌ عَلَيْهِ عَنْ بَيْعِهِ قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بَيْعَهُ بَعْدَمَا تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ الدَّيْنُ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ فَلَا يَكُونُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِبَيْعِ الْقَاضِي وَلِهَذَا الْمَعْنَى يَبِيعُ الْقَاضِي كَسْبَ الْعَبْدِ أَيْضًا وَالْمُرَادُ بِالدَّيْنِ مَا ظَهَرَ فِي حَقِّ الْمَوْلَى، وَأَمَّا مَا لَمْ يَظْهَرْ فِي حَقِّهِ فَلَا يُبَاعُ الْعَبْدُ بِهِ، وَلَا يُطَالَبُ بِهِ إلَّا بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ قَالَ رحمه الله (وَقَسَمَ ثَمَنَهُ بِالْحِصَصِ) أَيْ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّ دُيُونَهُمْ مُتَعَلِّقَةٌ بِرَقَبَتِهِ فَيَتَحَاصَصُونَ فِي الِاسْتِيفَاءِ مِنْ الْبَدَلِ كَمَا فِي التَّرِكَةِ، وَيُشْتَرَطُ لِبَيْعِ الْعَبْدِ نَفْسِهِ أَنْ يَكُونَ الْمَوْلَى حَاضِرًا؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى هُوَ الْخَصْمُ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ كَمَا إذَا ادَّعَى رَقَبَتَهُ إنْسَانٌ، وَلَا يَكُونُ الْعَبْدُ فِيهِ خَصْمًا وَلِبَيْعِ كَسْبِهِ لَا يُشْتَرَطُ حُضُورُ الْمَوْلَى وَيُشْتَرَطُ حُضُورُ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ هُوَ الْخَصْمُ فِي كَسْبِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا ادَّعَى كَسْبَهُ كَانَ هُوَ الْخَصْمَ فِيهِ.
قَالَ رحمه الله: (وَمَا بَقِيَ طُولِبَ بِهِ بَعْدَ عِتْقِهِ) أَيْ مَا بَقِيَ مِنْ الدَّيْنِ بَعْدَمَا اقْتَسَمَ الْغُرَمَاءُ ثَمَنَهُ يُطَالَبُ بِهِ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ، وَلَا يُطَالَبُ بِهِ لِلْحَالِ؛ لِأَنَّ دَيْنَهُمْ ثَابِتٌ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَمْ يَسْتَوْفُوا الْكُلَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ رَقَبَتَهُ لَمْ تَفِ بِهِ فَيَبْقَى دَيْنُهُمْ عَلَى حَالِهِ فِي ذِمَّتِهِ فَيَسْتَوْفُونَهُ إذَا قَدَرَ عَلَى إيفَائِهِ، وَلَا يَقْدِرُ إلَّا بَعْدَ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ بَيْعُهُ ثَانِيًا، وَلَا اسْتِسْعَاؤُهُ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ يُبَاعُ عَلَيْهِ ثَانِيًا أَوْ يُسْتَسْعَى يَمْتَنِعُ مِنْ شِرَائِهِ فَيُؤَدِّي إلَى امْتِنَاعِ الْبَيْعِ بِالْكُلِّيَّةِ فَيَعُودُ الضَّرَرُ عَلَى غُرَمَائِهِ فَلَا يُشْرَعُ؛ وَلِأَنَّ الْغُرَمَاءَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءُوا اسْتَسْعَوْا الْعَبْدَ، وَإِنْ شَاءُوا بَاعُوهُ فَإِذَا بَاعُوهُ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ تَعَلُّقٌ بِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ خُيِّرَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ أَوْ بَيْنَ أَشْيَاءَ فَاخْتَارَ أَحَدَهَا بَطَلَ خِيَارُهُ فِي غَيْرِهِ، وَلَيْسَ لَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْكُلِّ، وَلَوْ اشْتَرَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَوْلَاهُ الَّذِي بَاعَهُ لِلْغُرَمَاءِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَلَى الْعَبْدِ تَعَلُّقٌ؛ لِأَنَّ هَذَا مِلْكٌ جَدِيدٌ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
وَلَوْ صَالَحَهُ عَلَى أَنْ يُؤَخِّرَ عَنْهُ بَعْضَهُ وَيَحُطَّ عَنْهُ بَعْضَهُ كَانَ الْحَطُّ بَاطِلًا وَالتَّأْخِيرُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْحَطَّ تَبَرُّعٌ، وَالتَّأْخِيرُ وَإِنْ كَانَ تَبَرُّعًا لَكِنَّهُ مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ فَأَشْبَهَ الضِّيَافَةَ وَالْهِبَةَ الْيَسِيرَةَ. اهـ غَايَةٌ.
(قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ يُبَاعُ فِيهِ) لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ حَضْرَةِ الْمَوْلَى وَفِي بَيْعِ كَسْبِهِ يُشْتَرَطُ حَضْرَةُ الْعَبْدِ لَا الْمَوْلَى وَتَمَامُهُ فِي الْكِفَايَةِ. اهـ. مِنْ خَطِّ شَيْخِنَا الْمُقْرِي رحمه الله وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ فِي الصَّفْحَةِ الْآتِيَةِ فِي الشَّرْحِ. اهـ. (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ إنْ لَمْ يَفْدِهِ سَيِّدُهُ) أَيْ بِجَمِيعِ دَيْنِهِ. اهـ كِفَايَةٌ. (قَوْلُهُ: فَلَا تُبَاعُ رَقَبَتُهُ إلَخْ) قَالَ فِي طَرِيقَةِ الْبُرْهَانِيَّةِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرَّقَبَةَ تُبَاعُ فِي دَيْنِ الِاسْتِهْلَاكِ. (قَوْلُهُ: وَيُبَاعُ كَسْبُهُ) أَيْ فِي الدَّيْنِ. اهـ. (قَوْلُهُ: ظَهَرَ وُجُوبُهُ) أَيْ عَلَى الْعَبْدِ. اهـ. (قَوْلُهُ: فِي حَقِّ الْمَوْلَى) أَيْ لِلْإِذْنِ مِنْهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: سُرَّقٌ) قَالَ فِي الْإِصَابَةِ فِي حَرْفِ السِّينِ سُرَّقٌ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ بَعْدَهَا قَافٌ وَضَبَطَهُ الْعَسْكَرِيُّ بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ وِزَانُ عُدَرُ، وَعُمَرُ، وَأَنْكَرَ عَلَى أَصْحَابِ الْحَدِيثِ تَشْدِيدَ الرَّاءِ وَيُقَالُ اسْمُ أَبِيهِ أَسَدٍ صَحَابِيٌّ نَزَلَ مِصْرَ وَيُقَالُ كَانَ اسْمُهُ الْحُبَابَ فَغَيَّرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ رَأَيْت رَجُلًا شَيْخًا بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ يُقَالُ لَهُ سُرَّقٌ فَقُلْت مَا هَذَا الِاسْمُ قَالَ سَمَّانِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. اهـ. مَعَ حَذْفٍ.
وَذَكَرَ فِي الْإِصَابَةِ فِي الْكُنَى فِي تَرْجَمَةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْقَيْنِيِّ مَا نَصُّهُ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ عَنْ الْجِيلِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَيْنِيِّ «أَنَّ سُرَّقًا اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ بَزَّا قَدِمَ بِهِ فَتَقَاصَّاهُ فَتَغَيَّبَ عَنْهُ ثُمَّ ظَفِرَ بِهِ فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهُ بِعْ سُرَّقًا قَالَ فَانْطَلَقْت بِهِ فَسَاوَمَنِي بِهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ بَدَا لِي فَأَعْتَقْته» . اهـ. وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَسُرَّقٌ مِثَالٌ زَمِجٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ سُرَّقُ بْنُ أَسَدٍ كَانَ اسْمُهُ الْحُبَابَ فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُرَّقًا. اهـ. وَفِي الْمَجْمَعِ بَابُ الْجِيمِ وَالزَّمْجُ مِثْلُ الْحَرْدِ اسْمُ طَائِرٍ يُقَالُ لَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ رِدّه براذران. اهـ.
وَفِي الْمُغْرِبِ وَسُرَّقٌ عَلَى لَفْظٍ جَمْعُ سَارِقٍ اسْمُ رَجُلٍ، وَهُوَ الَّذِي بَاعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي دَيْنِهِ، وَهُوَ حُرٌّ. اهـ. (قَوْلُهُ: الَّذِي بَاعَهُ لِلْغُرَمَاءِ) أَيْ لِأَجْلِ الْغُرَمَاءِ. اهـ.
وَتَبَدُّلُ الْمِلْكِ كَتَبَدُّلِ الْعَيْنِ حُكْمًا فَصَارَ كَأَنَّهُ عَبْدٌ آخَرُ؛ وَلِأَنَّهُمْ لَمَّا اخْتَارُوا الْبَيْعَ بَطَلَ اخْتِيَارُ غَيْرِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا؛ وَلِأَنَّهُمْ لَمَّا بَاعُوهُ مَلَكُوا السِّعَايَةَ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ بِمَا أَخَذُوا مِنْهُ مِنْ الثَّمَنِ، وَهُوَ مَلَكَهُ مِنْ الْمَوْلَى الْأَوَّلِ فَقَامَ مَقَامَهُ فَلَا يَكُونُ لَهُمْ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ كَمَا لَا يَكُونُ لَهُمْ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ، وَفِي نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ يُبَاعُ مِرَارًا كُلَّمَا نَفَذَتْ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ تَتَجَدَّدُ سَاعَةً فَسَاعَةً فَتَكُونُ دَيْنًا حَادِثًا بَعْدَ الْبَيْعِ وَيَتَعَلَّقُ دَيْنُ الْغُرَمَاءِ بِجَمِيعِ مَا فِي يَدِهِ مِنْ الْمَالِ الْمُكْتَسَبِ بَعْدَ الدَّيْنِ، وَقَبْلَهُ بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ
وَقَالَ زُفَرُ لَا يَتَعَلَّقُ دَيْنُهُ إلَّا بِمَا اكْتَسَبَهُ بِطَرِيقِ التِّجَارَةِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِمَا وُهِبَ لِلْعَبْدِ أَوْ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الدَّيْنِ عَلَيْهِ بِسَبَبِ التِّجَارَةِ فَمَا كَانَ مِنْ كَسْبِ تِجَارَتِهِ يَتَعَلَّقُ بِهِ الدَّيْنُ لِاتِّحَادِ السَّبَبِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ مِنْ كَسْبِ تِجَارَتِهِ فَهُوَ كَسَائِرِ أَمْوَالِ الْمَوْلَى قُلْنَا حَقُّ الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْمَوْلَى فَإِنَّهُ لَا يَأْخُذُ مِنْ كَسْبِهِ إلَّا الْفَاضِلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ فَلَا يُسَلَّمُ لِلْمَوْلَى إلَّا بِشَرْطِ الْفَرَاغِ عَنْ حَاجَةِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْمِلْكِ فَيَخْلُفُهُ كَالْمَيِّتِ يَخْلُفُهُ وَارِثُهُ بِشَرْطِ الْفَرَاغِ عَنْ حَاجَتِهِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُكْتَسَبًا بِطَرِيقِ التِّجَارَةِ أَوْ غَيْرِهَا كَتَرِكَةِ الْمَيِّتِ وَيُسَلَّمُ لِلْمَوْلَى مَا أَخَذَهُ مِنْ الْعَبْدِ قَبْلَ لُحُوقِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ أَخَذَهُ مِنْهُ كَانَ فَارِغًا عَنْ حَاجَتِهِ فَيَخْلُصُ لَهُ بِمُجَرَّدِ الْقَبْضِ، وَلَوْ كَانَ الْمَوْلَى يَأْخُذُ مِنْ الْعَبْدِ كُلَّ شَهْرٍ الْغَلَّةَ قَبْلَ لُحُوقِ الدَّيْنِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بَعْدَ لُحُوقِهِ غَلَّةً مِثْلَهُ اسْتِحْسَانًا.
وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ مُقَدَّمٌ فِي كَسْبِهِ عَلَى الْمَوْلَى. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ فِي أَخْذِهِ الْغَلَّةَ مَنْفَعَةً لِلْغُرَمَاءِ فَإِنَّهُ يَتْرُكُهُ عَلَى حَالِهِ لِأَجْلِ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ، وَلَوْ لَمْ يَأْخُذْ يُحْجَرُ عَلَيْهِ فَيَنْسَدُّ عَلَيْهِمْ بَابُ الِاكْتِسَابِ فَكَانَ مَا يَأْخُذُهُ مِنْ الْغَلَّةِ كَتَحْصِيلِ الْكَسْبِ لَهُمْ فَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ إلَّا إذَا أَخَذَ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ غَلَّةِ مِثْلِهِ فَيَسْتَرِدُّ مِنْهُ الزِّيَادَةَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مُكِّنَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ غَرَضُ الْغُرَمَاءِ فَلَمْ يَكُنْ فِي أَخْذِهِ فَائِدَةٌ لَهُمْ فَيُؤْخَذُ فِيهِ بِالْقِيَاسِ فَيُمْنَعُ فَيُقَدَّمُ فِيهِ حَقُّهُمْ.
قَالَ رحمه الله: (وَيَتَحَجَّرُ بِحَجْرِهِ إنْ عَلِمَ بِهِ أَكْثَرُ أَهْلِ سُوقِهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: رحمه الله حَجْرُهُ صَحِيحٌ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ سُوقِهِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَكِيلَ يَنْعَزِلُ بِعَزْلِ الْمُوَكِّلِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَنَا لَا يَنْعَزِلُ حَتَّى يَعْلَمَ، وَكَذَا لَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْحَجْرِ أَنْ يَعْلَمَ الْعَبْدُ نَفْسُهُ عِنْدَهُ، وَعِنْدَنَا يُشْتَرَطُ هُوَ يَقُولُ أَنَّ الْمَوْلَى تَصَرَّفَ فِي خَالِصِ حَقِّهِ فَيَنْفُذُ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى عِلْمِ غَيْرِهِ، وَلَنَا أَنَّ حَجْرَهُ عَلَيْهِ لَوْ صَحَّ بِدُونِ عِلْمِهِمْ لَتَضَرَّرُوا بِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ اكْتَسَبَ شَيْئًا فَالْمَوْلَى يَأْخُذُهُ، وَإِنْ لَحِقَهُ دَيْنٌ يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ كَانَ حُجِرَ عَلَيْهِ قَبْلَهُ فَيَتَأَخَّرُ حَقُّهُمْ إلَى مَا بَعْدَ الْعِتْقِ، وَهُوَ مَوْهُومٌ، وَلَيْسَ بِمُتَحَقِّقٍ لَا يَدْرِي أَيُعْتَقُ أَمْ لَا، وَمَتَى يُعْتَقُ فَيَكُونُ غَارًّا لَهُمْ فَلَا يَكُونُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْلَمُوا دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُمْ وَيُكْتَفَى بِعِلْمِ أَكْثَرِ أَهْلِ سُوقِهِ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يُكْتَفَى إلَّا بِعِلْمِ الْجَمِيعِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُمْ.
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ إعْلَامَ الْكُلِّ مُتَعَذِّرٌ أَوْ مُتَعَسِّرٌ، وَفِيهِ حَرَجٌ، وَهُوَ مُنْدَفِعٌ فَيُكْتَفَى بِالْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّ الِاشْتِهَارَ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ يَحْصُلُ بِذَلِكَ، وَلَوْ حَجَرَ عَلَيْهِ بِحَضْرَةِ الْأَقَلِّ لَمْ يَصِرْ مَحْجُورًا عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ بَايَعَهُ مَنْ عَلِمَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: وَقَالَ زُفَرُ لَا يَتَعَلَّقُ إلَخْ) قَالَ الْإِمَامُ عَلَاءُ الدِّينِ الْعَالِمُ فِي طَرِيقَتِهِ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: رَقَبَةُ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ تُبَاعُ بِدَيْنِ التِّجَارَةِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تُبَاعُ ثُمَّ قَالَ فِيهَا عَلَى هَذَا الْخِلَافِ أَرْشُ يَدِ الْعَبْدِ، وَمَا اكْتَسَبَهُ الْعَبْدُ مِنْ الصَّيْدِ وَالْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ عِنْدَنَا يُصْرَفُ إلَى الدَّيْنِ، وَعِنْدَهُ لَا يُصْرَفُ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ فِي بَابِ الدَّيْنِ يَلْحَقُ الْمَأْذُونَ فِي التِّجَارَةِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مَا يَلْحَقُهُ مِنْ دَيْنٍ مِنْ شِرَاءٍ أَوْ بَيْعٍ وَاسْتِئْجَارٍ اسْتَأْجَرَهُ أَوْ غَصْبٍ أَوْ وَدِيعَةٍ أَوْ مُضَارَبَةٍ أَوْ بِضَاعَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ مَجْحُودَةٍ
(قَوْلُهُ: وَيُسَلَّمُ لِلْمَوْلَى إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْمَعْرُوفُ بِخُوَاهَرْ زَادَهْ فِي شَرْحِ الْمَأْذُونِ الْكَبِيرِ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إذَا أَذِنَ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ فَاكْتَسَبَ مَالًا فَأَخَذَهُ الْمَوْلَى مِنْهُ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى رَدُّ مِثْلِهِ عَلَى الْعَبْدِ أَوْ رَدُّ عَيْنِهِ إذَا لَمْ يَسْتَهْلِكْهُ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ رَدُّ شَيْءٍ عَلَى الْعَبْدِ، وَإِنْ لَحِقَ الْعَبْدَ دَيْنٌ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَقْتَ الْأَخْذِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ عَيْنَ مَا قَبَضَ إلَى الْعَبْدِ إنْ كَانَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ، وَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ رَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: اسْتِحْسَانًا) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ: وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْمَوْلَى إنَّمَا لَا يَمْلِكُ أَخْذَ كَسْبِ عَبْدِهِ الْمَدْيُونِ إذَا لَمْ يُعْطِ الْعَبْدَ بِإِزَاءِ مَا أَخَذَ عِوَضًا يَعْدِلُهُ فَأَمَّا إذَا أُعْطِيَ بِإِزَاءِ مَا أَخَذَ عِوَضًا يَعْدِلُهُ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ ذَلِكَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا مِنْ كَسْبِهِ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ جَازَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِعِوَضٍ يَعْدِلُهُ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا نَقُولُ: غَلَّةُ الْمِثْلِ أَخَذَهَا بِعِوَضٍ، وَهُوَ مَا تُرِكَ عَلَى الْعَبْدِ مِنْ الِاسْتِخْدَامِ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْمَوْلَى أَنْ يَسْتَخْدِمَ عَبْدَهُ الْمَدْيُونَ فَإِذَا أَخَذَ مِنْهُ غَلَّةَ الْمِثْلِ فَقَدْ تَرَكَ عَلَيْهِ الْخِدْمَةَ فَكَانَ آخِذًا مَا أَخَذَ بِعِوَضٍ يَعْدِلُهُ فَصَحَّ أَخْذُهُ بِخِلَافِ مَا زَادَ عَلَى غَلَّةِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَإِنَّمَا كَانَ لِلْمَوْلَى اسْتِخْدَامُ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ لِلْغُرَمَاءِ فِي هَذَا الْعَبْدِ حَقٌّ فَلِلْمَوْلَى فِيهِ مِلْكٌ فَإِذَا كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ اثْنَيْنِ لَا يَبْطُلُ حَقُّ الْمَوْلَى فَإِذَا كَانَ مُجَرَّدُ حَقٍّ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَبْطُلَ حَقُّ الْمَوْلَى فِي الْخِدْمَةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ سُوقِهِ)، وَهَذَا فِي الْحَجْرِ الْقَصْدِيِّ أَمَّا إذَا ثَبَتَ الْحَجْرُ ضِمْنًا فَلَا يُشْتَرَطُ عِلْمُ أَهْلِ سُوقِهِ كَمَا فِي عَزْلِ الْوَكِيلِ حُكْمًا إذَا بَاعَ الْمَأْذُونَ أَوْ وَهَبَهُ مِنْ رَجُلٍ فَقَبَضَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ يَنْحَجِرُ حُكْمًا، وَلَا يُشْتَرَطُ عِلْمُ أَحَدٍ. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ حَجَرَ عَلَيْهِ بِحَضْرَةِ الْأَقَلِّ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ: فَإِذَا بَاعَ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَاشْتَرَى فَلَحِقَهُ دَيْنٌ أَوْ لَمْ يَلْحَقْهُ ثُمَّ أَرَادَ مَوْلَاهُ أَنْ يَحْجُرَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ يَكُونُ الْحَجْرُ إلَّا فِي أَهْلِ سُوقِهِ، وَلَوْ حَجَرَ عَلَيْهِ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ بَاعَ الْعَبْدُ أَوْ اشْتَرَى وَهُوَ قَدْ عَلِمَ بِذَلِكَ فَبَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ جَائِزٌ
مِنْهُمْ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ جَازَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا صَارَ مَأْذُونًا لَهُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ صَارَ مَأْذُونًا لَهُ فِي حَقِّ مَنْ عَلِمَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ لَا يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ عَلَى مَا بَيَّنَّا أَوْ نَقُولُ إنَّ الْحَجْرَ لَا يَتَجَزَّأُ كَمَا لَا يَتَجَزَّأُ الْإِذْنُ؛ لِأَنَّهُ ضِدَّهُ فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ فَتَرَجَّحَ جَانِبُ الْكَثْرَةِ فَيَكُونُ الْحُكْمُ لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَكْثَرَ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ لَا سِيَّمَا فِي مَوْضِعِ الِاشْتِهَارِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْأَكْثَرِ يَحْصُلُ الِاشْتِهَارُ حَتَّى يَسْتَوْعِبَ الْكُلَّ وَلِهَذَا اكْتَفَى بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ إلَى الْأَكْثَرِ حَتَّى لَا يُعْذَرَ أَحَدٌ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْجَهْلِ بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ بَلْ يَلْزَمُهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِهَا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَمْ تَبْلُغْهُ كَدَارِ الْحَرْبِ، وَيَبْقَى الْعَبْدُ مَأْذُونًا لَهُ إلَى أَنْ يَعْلَمَ بِالْحَجْرِ كَمَا يَبْقَى الْوَكِيلُ عَلَى وَكَالَتِهِ حَتَّى يَبْلُغَهُ الْعَزْلُ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ انْحَجَرَ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ لَتَضَرَّرَ بِتَصَرُّفِهِ بَعْدَ الْحَجْرِ وَبِلُزُومِ قَضَاءِ مَا لَزِمَهُ بِهِ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ مِنْ خَالِصِ مَالِهِ، وَهُوَ لَمْ يَرْضَ بِهِ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْحَجْرُ شَائِعًا فِيمَا إذَا كَانَ الْإِذْنُ شَائِعًا، أَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالْإِذْنِ إلَّا الْعَبْدُ ثُمَّ حَجَرَ عَلَيْهِ بِعِلْمِ الْعَبْدِ صَارَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ لِعَدَمِ الْإِضْرَارِ بِأَحَدٍ.
قَالَ رحمه الله: (وَبِمَوْتِ سَيِّدِهِ وَجُنُونِهِ وَلُحُوقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا) أَيْ يَصِيرُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ عَلِمَ الْعَبْدُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ غَيْرُ لَازِمٍ، وَمَا لَا يَكُونُ لَازِمًا مِنْ التَّصَرُّفِ يُعْطَى لِدَوَامِهِ حُكْمَ الِابْتِدَاءِ كَأَنَّهُ يَأْذَنُ لَهُ ابْتِدَاءً فِي كُلِّ سَاعَةٍ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْفَسْخِ وَالْحَجْرِ عَلَيْهِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ فَتَرْكُهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ كَإِنْشَاءِ الْإِذْنِ فِيهِ فَيُشْتَرَطُ قِيَامُ الْأَهْلِيَّةِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ كَمَا يُشْتَرَطُ فِي الِابْتِدَاءِ، وَقَدْ زَالَتْ الْأَهْلِيَّةُ بِالْمَوْتِ وَالْجُنُونِ، وَكَذَا بِاللِّحَاقِ؛ لِأَنَّهُ مَوْتٌ حُكْمًا حَتَّى يُعْتَقَ مُدَبَّرُوهُ وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ وَيُقْسَمُ مَالُهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ فَصَارَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ فِي ضِمْنِ بُطْلَانِ الْأَهْلِيَّةِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ عِلْمُهُ، وَلَا عِلْمُ أَهْلِ سُوقِهِ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ حُكْمِيٌّ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعِلْمُ كَانْعِزَالِ الْوَكِيلِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَبِافْتِرَاقِ الشَّرِيكَيْنِ، وَكَمَا إذَا أَخْرَجَهُ الْمَوْلَى عَنْ مِلْكِهِ، وَكَالشَّرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ تَبْطُلُ بِمِلْكِ أَحَدِهِمَا مَا لَا تَصِحُّ فِيهِ الشَّرِكَةُ وَتَصِيرُ عِنَانًا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَمْلِكُ إبْطَالَهَا، وَالْمُرَادُ بِالْجُنُونِ الْمُطْبِقُ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْوَكَالَةِ وَالِاخْتِلَافَ فِيهِ.
قَالَ رحمه الله: (وَبِالْإِبَاقِ) أَيْ وَبِالْإِبَاقِ أَيْضًا يَصِيرُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ حُكْمًا حَتَّى لَا يُشْتَرَطَ أَنْ يَعْلَمَ أَهْلُ سُوقِهِ كَمَا فِي الْجُنُونِ، وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يَكُونُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِالْإِبَاقِ؛ لِأَنَّ الْإِبَاقَ لَا يُنَافِي ابْتِدَاءً الْإِذْنَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا أَذِنَ لِعَبْدِهِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ الْآبِقِ صَحَّ وَجَازَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَّجِرَ إذَا بَلَغَهُ فَلَأَنْ لَا يَمْنَعَ بَقَاءَهُ، وَهُوَ دُونَهُ أَوْلَى فَصَارَ كَمَا إذَا غَصَبَ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الْإِذْنِ بِاعْتِبَارِ مِلْكِ الْمَوْلَى، وَقِيَامِ رَأْيِهِ، وَلَمْ يَخْتَلَّ ذَلِكَ بِإِبَاقِهِ فَكَيْفَ يَصِيرُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إذَا جُنَّ الْمَوْلَى، وَأَخَوَاتُهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَلَنَا أَنَّ الْمَوْلَى لَمْ يَرْضَ بِتَصَرُّفِ عَبْدِهِ الْمُتَمَرِّدِ الْخَارِجِ عَنْ طَاعَتِهِ عَادَةً فَكَانَ حَجْرًا عَلَيْهِ دَلَالَةً وَالْحَجْرُ مِمَّا يَثْبُتُ بِالدَّلَالَةِ كَالْإِذْنِ، وَالْإِبَاقُ يَمْنَعُ الِابْتِدَاءَ عِنْدَنَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْمَعْرُوفُ بِخُوَاهَرْ زَادَهْ فَلَنَا أَنْ نَمْنَعَ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: كَمَا يَبْقَى الْوَكِيلُ عَلَى، وَكَالَتِهِ إلَخْ)، وَلَوْ خَرَجَ الْعَبْدُ إلَى بَلَدٍ لِلتِّجَارَةِ فَأَتَى الْمَوْلَى أَهْلُ سُوقِهِ فَأَشْهَدَهُمْ أَنَّهُ قَدْ حَجَرَ عَلَيْهِ، وَالْعَبْدُ لَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ حَجْرًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِذْنِ وَالْحَجْرِ هُوَ الْعَبْدُ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ حُكْمُهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ تَبَعًا، وَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ فِي حَقِّهِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ فَكَذَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْعَزْلِ فِي حَقِّهِ وَحُكْمُ الْعَزْلِ يَقِفُ عَلَى الْعِلْمِ، وَإِذَا بَاعَ بَعْدَ ذَلِكَ أَهْلَ سُوقِهِ أَوْ غَيْرَهُمْ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْإِذْنِ قَائِمٌ، وَإِنْ عَلِمَ الْعَبْدُ بِذَلِكَ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَهُوَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ صَحِيحٌ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَنْفُذْ لِعَدَمِ الْعِلْمِ حَتَّى لَا يُؤَدِّيَ إلَى الْغُرُورِ فَيَنْفُذُ إذَا عَلِمَ بِمَنْزِلَةِ عَزْلِ الْوَكِيلِ، وَمَا اشْتَرَى، وَمَا بَاعَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ بِهِ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَجْرِ مَقْصُورٌ عَلَى الْعِلْمِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ.
وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ: وَإِذَا أَشْهَدَ الْمَوْلَى أَهْلَ السُّوقِ أَنَّهُ قَدْ حَجَرَ عَلَى عَبْدِهِ، وَأَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولًا أَوْ كَتَبَ إلَيْهِ كِتَابًا فَبَلَغَهُ الْكِتَابُ أَوْ أَخْبَرَهُ الرَّسُولُ فَهُوَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ قَدْ وَقَعَ بِهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الرَّسُولِ كَقَوْلِ الْمُرْسِلِ، وَكَذَلِكَ الْكِتَابُ مِنْ الْغَائِبِ كَالْخِطَابِ مِنْ الْحَاضِرِ وَسَوَاءٌ كَانَ الرَّسُولُ عَدْلًا أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ يَنْقُلُ كَلَامَ الْمُرْسِلِ، وَلَوْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ رَجُلٌ لَمْ يُرْسِلْهُ مَوْلَاهُ لَمْ يَكُنْ حَجْرًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى يُخْبِرَهُ رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ عَدْلٌ يَعْرِفُهُ الْعَبْدُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إنْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ أَوْ صَبِيٌّ أَوْ عَبْدٌ صَارَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ حَقًّا، وَإِذَا أَذِنَ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ فَاشْتَرَى وَبَاعَ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِإِذْنِ الْمَوْلَى، وَلَمْ يَعْلَمُ بِهِ أَحَدٌ فَهُوَ لَيْسَ بِمَأْذُونٍ، وَلَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ لَا يُسَمَّى إذْنًا بِدُونِ الْعِلْمِ فَلَوْ أَمَرَ الْمَوْلَى قَوْمًا أَنْ يُبَايِعُوهُ فَبَايَعُوهُ وَالْعَبْدُ لَا يَعْلَمُ بِالْإِذْنِ كَانَ شِرَاؤُهُ وَبَيْعُهُ جَائِزًا هَذَا رِوَايَةُ الْمَأْذُونِ، وَفِي رِوَايَةِ الزِّيَادَاتِ لَا يَجُوزُ، وَقَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي بَابِ بَيْعِ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ مِنْ زِيَادَاتِهِ رَجُلٌ قَالَ لِرَجُلٍ بِعْ عَبْدِي هَذَا مِنْ ابْنِي فُلَانٍ بِكَذَا فَذَهَبَ فَبَاعَهُ فَإِنْ أَخْبَرَ الِابْنَ بِذَلِكَ صَارَ مَأْذُونًا وَصَحَّ الْبَيْعُ، وَإِنْ لَمْ يُخْبِرْهُ حَتَّى بَاعَهُ مِنْهُ لَمْ يَصِحَّ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ اذْهَبْ فَاشْتَرِ عَبْدَ ابْنِي مِنْهُ بِكَذَا، وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ فِي مَوْضِعِ كَذَا، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ يَصِحُّ. اهـ أَتْقَانِيٌّ.
وَكَتَبَ أَيْضًا مَا نَصُّهُ: وَإِذَا أَذِنَ الْمَوْلَى لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ فَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ أَحَدٌ وَلَمْ يَبِعْ، وَلَمْ يَشْتَرِ حَتَّى حَجَرَ عَلَيْهِ بِعِلْمٍ مِنْهُ غَيْرَ مُحْضَرٍ مِنْ أَهْلِ سُوقِهِ فَهُوَ حَجْرٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا إذْنٌ خَاصٌّ وَرَدَ عَلَيْهِ حَجْرٌ خَاصٌّ فَعَمِلَ فِيهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّا لَوْ قُلْنَا بِإِعْمَالِهِ فِيهِ لَا يُؤَدِّي إلَى الْغُرُورِ بِأَحَدٍ، وَلَوْ عَلِمُوا بِذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ حَجَرْت كَانَ الْحَجْرُ بَاطِلًا حَتَّى يَحْجُرَ فِي أَهْلِ سُوقِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ عَامًّا، وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَحَدٌ غَيْرُ الْعَبْدِ ثُمَّ حَجَرَ عَلَيْهِ، وَالْعَبْدُ لَا يَعْلَمُ بِهِ فَاشْتَرَى وَبَاعَ كَانَ مَأْذُونًا وَالْحَجْرُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَجْرِ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا بِالْإِذْنِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَلَئِنْ سَلَّمْنَا إلَخْ) وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا جَوَّزُوا ابْتِدَاءً الْإِذْنَ لِلْآبِقِ، وَلَمْ يُجَوِّزُوا بَقَاءَ الْإِذْنِ فِيهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَاءُ الدِّينِ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِي وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
فَالدَّلَالَةُ سَاقِطَةُ الْعِبْرَةِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِخِلَافِهَا.
وَأَمَّا الْغَصْبُ فَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى يَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِهِ بِأَنْ كَانَ الْغَاصِبُ مُقِرًّا بِالْغَصْبِ أَوْ كَانَ لِلْمَالِكِ بَيِّنَةٌ يُمْكِنُهُ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنْ يَدِ الْغَاصِبِ وَيَنْتَزِعَ كَسْبَهُ فَيَجُوزَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ ابْتِدَاءً فَكَذَا بَقَاءً دَلَالَةً، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِهِ بِأَنْ كَانَ الْغَاصِبُ جَاحِدًا، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمَالِكِ بَيِّنَةٌ يَمْتَنِعُ الْإِذْنُ ابْتِدَاءً فَكَذَا بَقَاءً لِعَدَمِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَلَوْ عَادَ مِنْ الْإِبَاقِ فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْإِذْنَ لَا يَعُودُ.
قَالَ رحمه الله: (وَالِاسْتِيلَادِ) أَيْ الْأَمَةُ الْمَأْذُونُ لَهَا تَصِيرُ مَحْجُورًا عَلَيْهَا بِاسْتِيلَادِهَا الْمَوْلَى، وَقَالَ زُفَرُ رحمه الله لَا تَصِيرُ مَحْجُورًا عَلَيْهَا، وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى إذَا أَذِنَ لِأُمِّ وَلَدِهِ ابْتِدَاءً يَجُوزُ فَكَذَا بَقَاءً. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِتَحْصِينِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، وَأَنَّهُ لَا يَرْضَى بِخُرُوجِهَا وَاخْتِلَاطِهَا بِالرِّجَالِ فِي الْمُعَامَلَةِ وَالتِّجَارَةِ وَدَلِيلُ الْحَجْرِ كَصَرِيحِهِ كَمَا قُلْنَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَذِنَ لِأُمِّ وَلَدِهِ صَرِيحًا؛ لِأَنَّ الصَّرِيحَ يَفُوقُ الدَّلَالَةَ فَكَانَ أَوْلَى بِالْأَخْذِ بِهِ وَنَظِيرُهُ إذَا قَدَّمَ مَائِدَةً لِإِنْسَانٍ يَكُونُ إذْنًا مِنْهُ بِالْأَكْلِ حَتَّى حَلَّ لَهُ التَّنَاوُلُ ثُمَّ إذَا نَهَاهُ صَرِيحًا عَنْ الْأَكْلِ لَا تُعْتَبَرُ الدَّلَالَةُ.
قَالَ رحمه الله: (لَا بِالتَّدْبِيرِ) يَعْنِي الْمَأْذُونَ لَهَا لَا تَصِيرُ مَحْجُورًا عَلَيْهَا بِالتَّدْبِيرِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِتَحْصِينِ الْمُدَبَّرَةِ فَلَمْ يُوجَدْ دَلِيلُ الْحَجْرِ فَبَقِيَتْ عَلَى مَا كَانَتْ إذْ لَا تَنَافِي بَيْنَ حُكْمَيْ التَّدْبِيرِ وَالْإِذْنِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ التَّدْبِيرِ انْعِقَادُ حَقِّ الْحُرِّيَّةِ فِي الْحَالِ وَحَقِيقَةُ الْحُرِّيَّةِ فِي الْمَآلِ وَحُكْمُ الْإِذْنِ فَكُّ الْحَجْرِ وَحَقُّ الْحُرِّيَّةِ لَا يَمْنَعُ فِكَاكَ الْحَجْرِ. قَالَ رحمه الله (وَضَمِنَ بِهِمَا قِيمَتَهُمَا لِلْغُرَمَاءِ) أَيْ ضَمِنَ الْمَوْلَى بِالِاسْتِيلَادِ وَالتَّدْبِيرِ قِيمَتَهُمَا؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ بِالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ مَحَلًّا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ بِفِعْلِهِ امْتَنَعَ بَيْعُهُمَا وَبِالْبَيْعِ يُقْضَى حَقُّهُمْ.
قَالَ رحمه الله (وَإِنْ أَقَرَّ بِمَا فِي يَدِهِ بَعْدَ حَجْرِهِ صَحَّ)، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله سَوَاءٌ أَقَرَّ بِأَنَّهُ أَمَانَةٌ عِنْدَهُ أَوْ غَصْبٌ أَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ فَيَقْضِيهِ مِنْهُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ، وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ الْمُصَحِّحَ لِإِقْرَارِهِ هُوَ الْإِذْنُ، وَقَدْ زَالَ بِالْحَجْرِ وَيَدُهُ عَلَى أَكْسَابِهِ قَدْ بَطَلَتْ بِالْحَجْرِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فَصَارَ كَمَا إذَا أَخَذَهُ الْمَوْلَى مِنْ يَدِهِ بَعْدَ حَجْرِهِ عَلَيْهِ قَبْلَ إقْرَارِهِ أَوْ ثَبَتَ حَجْرُهُ بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ أَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ لِمَا فِي يَدِهِ قَبْلَ الْحَجْرِ فَأَقَرَّ بَعْدَ الْحَجْرِ بِدَيْنٍ آخَرَ أَوْ كَانَ الَّذِي فِي يَدِهِ مِنْ الْمَالِ حَصَّلَهُ بَعْدَ الْحَجْرِ بِالِاحْتِطَابِ وَنَحْوِهِ وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ فِي حَقِّ رَقَبَتِهِ بَعْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ حَتَّى لَا تُبَاعُ رَقَبَتُهُ بِالدَّيْنِ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا عَدَمُ أَخْذِ الْمَوْلَى مَا أَوْدَعَهُ عَبْدَهُ الْغَائِبَ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَنْعَ الْمَوْلَى مِنْ أَخْذِهِ هُنَاكَ فِيمَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ كَسْبُ الْعَبْدِ حَتَّى إذَا عَلِمَ أَنَّهُ كَسْبُهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ.
وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْمُصَحِّحَ لِلْإِقْرَارِ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ هُوَ الْيَدُ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ فِيمَا أَخَذَهُ الْمَوْلَى، وَالْيَدُ بَاقِيَةٌ حَقِيقَةً وَشَرْطُ بُطْلَانِهَا بِالْحَجْرِ حُكْمًا فَرَاغُ مَا فِي يَدِهِ مِنْ الْأَكْسَابِ عَنْ حَاجَتِهِ، وَإِقْرَارُهُ دَلِيلٌ عَلَى تَحَقُّقِهَا بِخِلَافِ مَا إذَا انْتَزَعَهُ الْمَوْلَى مِنْ يَدِهِ قَبْلَ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ قَدْ زَالَتْ عَنْهُ وَيَدُ الْمَوْلَى ثَابِتَةٌ فِيهِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا فَلَا تَبْطُلُ بِإِقْرَارِهِ وَبِخِلَافِ إقْرَارِهِ بَعْدَمَا بَاعَهُ الْمَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ بِالدُّخُولِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ صَارَ كَعَيْنِ آخَرَ لِمَا عُرِفَ أَنَّ تَبَدُّلَ الْمِلْكِ كَتَبَدُّلِ الْعَيْنِ فَصَارَ إقْرَارُهُ كَإِقْرَارِ عَبْدٍ آخَرَ فَلَا يُقْبَلُ فِيمَا فِي يَدِهِ كَمَا لَا يُقْبَلُ فِيمَا أَخْرَجَهُ مِنْ يَدِهِ وَبِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ لِمَا فِي يَدِهِ وَقْتَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ أَصْحَابِ الدُّيُونِ تَعَلَّقَ بِمَا فِي يَدِهِ فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ فِي إبْطَالِ حَقِّهِمْ فَيُقَدَّمُونَ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ كَالْمَرِيضِ يُقِرُّ بِدَيْنٍ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فِي صِحَّتِهِ فَإِنَّ إقْرَارَهُ لَا يُقْبَلُ فِي حَقِّ غُرَمَائِهِ فَيُقَدَّمُونَ عَلَيْهِ وَبِخِلَافِ مَا اكْتَسَبَهُ بَعْدَ الْحَجْرِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ لِمَا أَنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِكَسْبِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَبِخِلَافِ رَقَبَتِهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي يَدِهِ؛ وَلِأَنَّ مِلْكَ الْمَوْلَى فِي الرَّقَبَةِ ثَابِتٌ حَتَّى يَنْفُذَ فِيهَا إعْتَاقُهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ فَلَا يَمْلِكُ إبْطَالَهُ بِخِلَافِ مَا فِي يَدِهِ مِنْ الْأَكْسَابِ فَإِنَّ الْمَوْلَى لَا يَمْلِكُهُ إذَا اسْتَغْرَقَهُ الدَّيْنُ وَيَدُ الْعَبْدِ فِيهِ ثَابِتَةٌ حَقِيقَةً، وَلَوْ ارْتَفَعَتْ لَارْتَفَعَتْ حُكْمًا لِلْحَجْرِ.
وَشَرْطُ ارْتِفَاعِهِ بِالْحَجْرِ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَوْلَى مَمْنُوعٌ عَنْ إبْطَالِ يَدِ الْعَبْدِ مَا دَامَ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَتَّى يُوَفِّيَهُ، وَلَمَّا كَانَ شَرْطُ وِلَايَةِ إبْطَالِ يَدِ الْعَبْدِ عَدَمَ الدَّيْنِ لَا يُحْكَمُ بِنَفَاذِ الْحَجْرِ فِي حَقِّ زَوَالِ يَدِ الْعَبْدِ عَمَّا فِي يَدِهِ مَا لَمْ يَثْبُتْ عَدَمُ الدَّيْنِ بِدَلِيلِهِ، وَلَا يُكْتَفَى بِثُبُوتِ عَدَمِ الدَّيْنِ لِعَدَمِ دَلِيلِ وُجُودِهِ كَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ لَمْ أَدْخُلْ الدَّارَ الْيَوْمَ فَأَنْتَ حُرٌّ فَمَضَى الْيَوْمُ لَمْ يُعْتَقْ إذَا ادَّعَى الْمَوْلَى الدُّخُولَ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ عَدَمَ الدُّخُولِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: فَيَجُوزُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ إلَخْ) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَاءُ الدِّينِ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِي فَإِنْ بَايَعَهُ رَجُل ثُمَّ اخْتَلَفَا فَقَالَ الْمَوْلَى كَانَ آبِقًا، وَقَالَ الَّذِي بَايَعَهُ لَمْ يَكُنْ آبِقًا لَمْ يُصَدَّقْ الْمَوْلَى عَلَى إبَاقِهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ لِأَنَّهُ يَدَّعِي الْحَجْرَ بَعْدَ الْإِذْنِ؛ وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ يَشْهَدُ لِلْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْعَبِيدِ الِانْقِيَادُ وَالطَّاعَةُ دُونَ التَّمَرُّدِ فَإِنْ أَقَامَ الْمَوْلَى الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ أَبَقَ مِنْهُ إلَى مَوْضِعِ كَذَا، وَأَقَامَ الَّذِي بَايَعَهُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْمَوْلَى أَرْسَلَهُ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِيَشْتَرِيَ فِيهِ وَيَبِيعَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الَّذِي بَايَعَ الْعَبْدَ أَيْضًا.
وَالْقِيَاسُ أَنْ تَكُونَ الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةَ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُدَّعِي أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْآخَرِ، وَلَكِنْ نَقُولُ بِأَنَّ بَيِّنَةَ الَّذِي بَايَعَ الْعَبْدَ أَكْثَرَ إثْبَاتًا؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ طَاعَةَ الْعَبْدِ، وَكَوْنَهُ مَأْذُونًا ظَاهِرًا، وَفِي الْحَقِيقَةِ غَرَضُهُ إثْبَاتُ اسْتِحْقَاقِ رَقَبَتِهِ بِالدَّيْنِ وَالْمَوْلَى يُثْبِتُ الْإِبَاقَ ظَاهِرًا، وَفِي الْحَقِيقَةِ غَرَضُهُ نَفْيُ الِاسْتِحْقَاقِ وَالْبَيِّنَاتُ حُجَّةٌ لِلْمُدَّعِينَ فَكَانَ قَبُولُ بَيِّنَةِ مَنْ هُوَ مُدَّعٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَوْلَى. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْإِذْنَ لَا يَعُودُ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ زَالَ وِلَايَةُ الْبَيْعِ بِالْإِبَاقِ فَيُعْتَبَرُ بِمَا لَوْ زَالَ وِلَايَةُ الْبَيْعِ بِزَوَالِهِ عَنْ مِلْكِهِ، وَلَوْ زَالَ وِلَايَةُ بَيْعِ الْمَوْلَى بِزَوَالِ مِلْكِهِ ثُمَّ عَادَ الْعَبْدُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ لَا يَعُودُ مَأْذُونًا فَكَذَا هَذَا. اهـ أَتْقَانِيٌّ
وَهُوَ ثَابِتٌ لِعَدَمِ دَلِيلِ الدُّخُولِ؛ لِأَنَّ عَدَمَهُ لَمَّا جُعِلَ شَرْطًا لِثُبُوتِ الْعِتْقِ لَمْ يَنْفُذْ الْعِتْقُ بِالْعَدَمِ الثَّابِتِ لِعَدَمِ دَلِيلِ الْوُجُودِ فَكَذَا هَذَا، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُهُ الْفُقَهَاءُ الظَّاهِرُ لَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِحْقَاقِ وَيَصْلُحُ لِلدَّفْعِ، وَهُوَ اسْتِصْحَابُ الْحَالِ، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْحَجْرُ بِمِثْلِ هَذَا الْعَدَمِ فِي حَقِّ مَا فِي يَدِهِ بَقِيَ الْإِذْنُ عَلَى حَالِهِ فِي حَقِّهِ كَأَنَّهُ لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ.
قَالَ رحمه الله: (وَلَا يَمْلِكُ سَيِّدُهُ مَا فِي يَدِهِ لَوْ أَحَاطَ دَيْنُهُ بِمَالِهِ وَرَقَبَتِهِ فَبَطَلَ تَحْرِيرُهُ عَبْدًا مِنْ كَسْبِهِ)، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله، وَقَالَا يَمْلِكُ مَا فِي يَدِهِ مِنْ كَسْبِهِ وَيَنْفُذُ عِتْقُهُ فِي عَبْدِهِ وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ لِلْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْمَأْذُونَ لَهُ فَيَمْلِكُ كَسْبَهُ بِالضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ سَبَبٌ لِمِلْكِ كَسْبِ الرَّقَبَةِ؛ لِأَنَّ الرَّقَبَةَ أَصْلٌ، وَكَسْبَهُ فَرْعٌ وَاسْتِغْرَاقُهُمَا بِالدَّيْنِ لَا يُوجِبُ خُرُوجَ الْمَأْذُونِ لَهُ عَنْ مِلْكِهِ حَتَّى لَوْ أَعْتَقَهُ نَفَذَ عِتْقُهُ فِيهِ، وَمَلَكَ وَطْءَ الْمَأْذُونِ لَهَا فَكَذَا كَسْبُهُ الَّذِي فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ أَصْلَهُ فَيَكُونُ مِثْلَهُ وَتَعَلُّقُ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِهِ اسْتِيفَاءٌ لَا يُوجِبُ خَلَلًا فِي مِلْكِهِ، وَلَوْ أَوْجَبَ لَمَا حَلَّ وَطْءُ الْمَأْذُونِ لَهَا إذْ الْوَطْءُ لَا يَحِلُّ بِدُونِ كَمَالِ الْمِلْكِ بِخِلَافِ الْوَارِثِ إذَا أَعْتَقَ عَبْدًا فِي التَّرِكَةِ، وَهِيَ كُلُّهَا مَشْغُولَةٌ بِالدَّيْنِ حَيْثُ لَا يَنْفُذَ الْعِتْقُ؛ لِأَنَّ انْتِقَالَ الْمِلْكِ إلَى الْوَارِثِ عِنْدَ اسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ نَظَرًا لَهُ وَلِهَذَا يُقَدَّمُ فِي الْإِرْثِ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ؛ لِأَنَّ الصَّرْفَ إلَى الْأَقْرَبِ أَنْفَعُ لَهُ فَإِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ كَانَ النَّظَرُ لَهُ فِي الصَّرْفِ إلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ دُونَ النَّقْلِ إلَى الْوَرَثَةِ فَلَا يَمْلِكُونَهُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه أَنَّ مِلْكَ الْمَوْلَى إنَّمَا يَثْبُتُ فِي كَسْبِ الْعَبْدِ التَّاجِرِ خِلَافَهُ عَنْهُ عِنْدَ فَرَاغِهِ عَنْ حَاجَتِهِ كَمِلْكِ الْوَارِثِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ وَالْمُحِيطُ بِهِ الدَّيْنُ مَشْغُولٌ بِحَاجَتِهِ فَلَا يَخْلُفُهُ فِيهِ
وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ فَلَا يُعْتَقُ بِإِعْتَاقِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ ابْنُ آدَمَ بِخِلَافِ رَقَبَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَا يَخْلُفُهُ فِي مِلْكِ رَقَبَتِهِ بَلْ كَانَ مَالِكًا لَهُ مِنْ قَبْلِ الْإِذْنِ فَبَقِيَ مِلْكُهُ بَعْدَ الدَّيْنِ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَهُوَ نَظِيرُ الْمُكَاتَبِ فَإِنَّ الْمَوْلَى يَمْلِكُ رَقَبَتَهُ حَتَّى يُعْتَقَ بِإِعْتَاقِهِ، وَلَا يَمْلِكُ مَا فِي يَدِهِ مِنْ أَكْسَابِهِ حَتَّى لَا يَنْفُذَ إعْتَاقُهُ فِيهِ فَإِذَا نَفَذَ عِتْقُهُ فِي رَقَبَةِ الْمَأْذُونِ لَهُ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا فِيهِ وَفِي كَسْبِهِ يَغْرَمُ الْمَوْلَى لِلْغُرَمَاءِ قِيمَتَهُ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ بِالْإِعْتَاقِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّهُمْ، وَكَذَا لَوْ أَتْلَفَ الْمَوْلَى مَا فِي يَدِهِ مِنْ الْعَبِيدِ يَضْمَنُ لِمَا ذَكَرْنَا لَكِنْ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ لِلْحَالِ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، وَإِنَّمَا ضَمِنَهُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ، وَعِنْدَهُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ جِنَايَةٍ لِعَدَمِ مِلْكِهِ
وَلَوْ اشْتَرَى ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ الْمَوْلَى لَمْ يُعْتَقْ عِنْدَهُ لِعَدَمِ الْمِلْكِ، وَعِنْدَهُمَا يُعْتَقُ، وَلَوْ اسْتَوْلَدَ جَارِيَةَ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ لَهُ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَيَضْمَنُ قِيمَتَهَا، وَلَا يَضْمَنُ عُقْرَهَا، وَلَا قِيمَةَ وَلَدِهَا، وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا مِلْكُهُ بَاقٍ حَقِيقَةً، وَعِنْدَهُ صَادَفَ حَقَّ الْمِلْكِ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ لِلْمَوْلَى أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَلَوْ أَعْتَقَهَا الْمَوْلَى، وَعَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ ثُمَّ وَطِئَهَا فَوَلَدَتْ عَتَقَتْ بِالِاسْتِيلَادِ، وَعَلَيْهِ الْعُقْرُ لَهَا وَيَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنْهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ تَوَقَّفَ عِنْدَهُ عَلَى أَنْ يَنْفُذَ عِنْدَ تَمَلُّكِ الْجَارِيَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَضَى دَيْنَ الْغُرَمَاءِ أَوْ أَبْرَأَ الْغُرَمَاءُ الْعَبْدَ عَنْ دُيُونِهِمْ حَتَّى مَلَكَ الْجَارِيَةَ نَفَذَ عِتْقُهُ
فَكَذَا إذَا مَلَكَ الْجَارِيَةَ بِالِاسْتِيلَادِ ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ قَالَ رحمه الله (وَإِنْ لَمْ يَحُطَّ صَحَّ) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَحُطَّ الدَّيْنَ بِرَقَبَتِهِ وَبِمَا فِي يَدِهِ جَازَ عِتْقُهُ، وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ أَمَّا عِنْدَهُمَا فَظَاهِرٌ، وَكَذَا عِنْدَهُ فِي قَوْلِهِ الْآخَرِ، وَفِي قَوْلِهِ الْأَوَّلِ لَا يَمْلِكُ فَلَا يَصِحُّ إعْتَاقُهُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ مُتَعَلِّقٌ بِكَسْبِهِ، وَفِي حَقِّ التَّعَلُّقِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ كَمَا فِي الرَّهْنِ وَجْهُ قَوْلِهِ الْآخَرِ أَنَّ الشَّرْطَ هُوَ الْفَرَاغُ وَبَعْضُهُ فَارِغٌ وَبَعْضُهُ مَشْغُولٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَمْنَعَ الْمِلْكَ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّ شَرْطَ عَدَمِ الْمِلْكِ لَمْ يُوجَدْ فِي الْكُلِّ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَمْنَعَ بِقَدْرِهِ؛ لِأَنَّ الْبَعْضَ لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ فِي الْكُلِّ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ قَلِيلِ دَيْنٍ، وَلَوْ جَعَلَ الْقَلِيلَ مَانِعًا لَانْسَدَّ بَابَ الِانْتِفَاعِ بِكَسْبِ عَبْدِهِ فَيَخْتَلُّ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْإِذْنِ، وَأَصْلُهُ أَنَّ اسْتِغْرَاقَ التَّرِكَةِ بِالدَّيْنِ يَمْنَعُ مِلْكَ الْوَارِثِ فِي التَّرِكَةِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ فَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله الْأَوَّلِ كَذَلِكَ، وَفِي قَوْلِهِ الْآخَرِ يَمْلِكُ الْوَارِثُ جَمِيعَ التَّرِكَةِ عَلَى مَا يَجِيءُ تَقْرِيرُهُ مِنْ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ رحمه الله: (وَلَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ مِنْ سَيِّدِهِ إلَّا بِمِثْلِ الْقِيمَةِ)؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي الْبَيْعِ لَهُ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ فَيَجُوزُ وَبِأَقَلَّ مِنْهُ فِيهِ تُهْمَةٌ فَلَا يَجُوزُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ تَعَلَّقَ بِالْمَالِيَّةِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُبْطِلَ حَقَّهُمْ بِخِلَافِ مَا إذَا
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
( قَوْلُهُ: وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ لِلْغُرَمَاءِ) أَيْ إنْ كَانَ الْمَوْلَى مُوسِرًا، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَلِلْغُرَمَاءِ أَنْ يُضَمِّنُوا الْعَبْدَ الْمُعْتَقَ، وَيَرْجِعُ هُوَ بِذَلِكَ عَلَى الْمَوْلَى وَبِهِ صَرَّحَ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: عَلَى مَا يَجِيءُ تَقْرِيرُهُ مِنْ بَعْدُ) أَيْ فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ. اهـ. تَقَدَّمَ فِي آخِرِ كِتَابِ الصُّلْحِ. اهـ. (قَوْلُهُ: فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُبْطِلَ حَقَّهُمْ) اعْلَمْ أَنَّ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ الْمَدْيُونَ إذَا بَاعَ مِنْ مَوْلَاهُ شَيْئًا بِمِثْلِ قِيمَتِهِ جَازَ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ مُفِيدٌ أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلِأَنَّهُ يُفِيدُ مِلْكَ الرَّقَبَةِ وَالتَّصَرُّفَ فِي الْكَسْبِ؛ لِأَنَّ دَيْنَ الْعَبْدِ يَمْنَعُ مِلْكَ الْمَوْلَى فِي الْكَسْبِ، وَالْبَيْعُ أَفَادَ الْمِلْكَ فِيهِ. وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فَلِأَنَّهُ يَسْتَفِيدُ مِلْكَ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفَ فِي كَسْبِ الْعَبْدِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ لِلْعَبْدِ عَلَى مَوْلَاهُ دَيْنٌ؛ لِأَنَّهُ مُفِيدٌ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ كَمَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لَهُ فِي كَسْبِهِ، وَلِهَذَا لَوْ اسْتَهْلَكَ الْمَوْلَى شَيْئًا مِنْ كَسْبِ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ الْمَدْيُونِ يُضَمِّنُهُ لِلْعَبْدِ فَصَارَ كَبَيْعِ الْمُضَارِبِ مَالَ الْمُضَارَبَةِ مِنْ رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ التَّصَرُّفَ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ حَيْثُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ مَوْلَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُفِيدٍ؛ لِأَنَّهُ مَوْلَاهُ يَمْلِكُ، وَلَاءَهُ رَقَبَةً وَتَصَرُّفًا هَذَا إذَا بَاعَهُ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ أَمَّا إذَا بَاعَهُ مِنْ مَوْلَاهُ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ بِأَنْ حَابَى فِي الثَّمَنِ هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا أَطْلَقَ الْقُدُورِيُّ الْجَوَابَ فِي مُخْتَصَرِهِ بِلَا ذِكْرِ الْخِلَافِ فَقَالَ: وَإِنْ بَاعَهُ بِنُقْصَانٍ لَمْ يَجُزْ، وَقَالَ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَالْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي الشُّفْعَةِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْلَاهُ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ كَالْحُرِّ بَيَانُهُ أَنَّ الْمَوْلَى إذَا بَاعَ دَارًا بِجَنْبِ دَارٍ
حَابَى الْأَجْنَبِيَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِيهِ وَبِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ الْمَرِيضُ عَيْنًا مِنْ وَارِثِهِ بِمِثْلِ قِيمَتِهَا حَيْثُ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله؛ لِأَنَّ الْمَرِيضَ مَمْنُوعٌ عَنْ إيثَارِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ بِالْعَيْنِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ لَهُمْ أَغْرَاضٌ فِي الْعَيْنِ فَلَا يَمْلِكُ إيثَارَ بَعْضِ الْوَرَثَةِ بِهَا، وَفِي حَقِّ غَيْرِهِمْ مَمْنُوعٌ عَنْ إبْطَالِ الْمَالِيَّةِ حَتَّى كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ جَمِيعَ مَالِهِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ وَبِأَقَلَّ مِنْهُ إلَى ثُلُثَيْ الْقِيمَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُحَابِيَ بِقَدْرِ الثُّلُثِ كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَبَرَّعَ بِهِ وَبَعْدَ مَوْتِ الْمَرِيضِ الْغُرَمَاءُ أَحَقُّ بِالْمَالِيَّةِ وَالْوَرَثَةُ أَحَقُّ بِالْعَيْنِ حَتَّى كَانَ لَهُمْ أَنْ يَسْتَخْلِصُوهَا بِالْقِيمَةِ
وَكَذَا لِبَعْضِهِمْ إذَا سَلَّمَ الْبَعْضَ، وَهَذَا الْحَقُّ لَهُمْ فِي التَّرِكَةِ كَحَقِّ الْمَوْلَى فِي مَالِ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ لَهُ الْمَدْيُونِ حَتَّى كَانَ لَهُ اسْتِخْلَاصُهُ بِالْقِيمَةِ وَحَقُّ الْغُرَمَاءِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ لَمْ يَتَعَلَّقْ إلَّا بِالْمَالِيَّةِ حَتَّى لَا يَكُونَ لَهُمْ الِاسْتِخْلَاصُ بِالْقِيمَةِ أَصْلًا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: إنْ بَاعَهُ مِنْ الْمَوْلَى جَازَ الْبَيْعُ فَاحِشًا كَانَ الْغَبْنُ أَوْ يَسِيرًا، وَلَكِنْ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يُزِيلَ الْغَبْنَ وَبَيْنَ أَنْ يُنْقِضَ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّ فِي الْمُحَابَاةِ إبْطَالَ حَقِّ الْغُرَمَاءِ فِي الْمَالِيَّةِ فَيَتَضَرَّرُونَ بِهِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ بِالْغَبْنِ الْيَسِيرِ حَيْثُ يَجُوزُ عِنْدَهُمَا، وَلَا يُؤْمَرُ الْمُشْتَرِي بِإِزَالَتِهِ وَالْمَوْلَى يُؤْمَرُ بِإِزَالَتِهِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ بِالْيَسِيرِ مِنْ الْغَبْنِ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ التَّبَرُّعِ وَالْبَيْعِ لِدُخُولِهِ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ فَاعْتَبَرْنَاهُ تَبَرُّعًا فِي الْبَيْعِ مِنْ الْمَوْلَى لِلتُّهْمَةِ غَيْرَ تَبَرُّعٍ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ لِانْعِدَامِهَا وَبِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ بِالْكَثِيرِ مِنْ الْمُحَابَاةِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ أَصْلًا عِنْدَهُمَا، وَمِنْ الْمَوْلَى يَجُوزُ وَيُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ الْمُحَابَاةِ؛ لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ لَا تَجُوزُ مِنْ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ عَلَى أَصْلِهِمَا إلَّا بِإِذْنِ الْمَوْلَى، وَلَا إذْنَ فِي الْبَيْعِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ، وَهُوَ آذِنٌ فِيمَا يَشْتَرِيهِ بِنَفْسِهِ غَيْرَ أَنَّ إزَالَةَ الْمُحَابَاةِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه قِيلَ يَفْسُدُ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ رَدَّ هَذَا الْبَيْعِ لِلتُّهْمَةِ فَأَشْبَهَ بَيْعَ الْمَرِيضِ مِنْ وَارِثِهِ بِخِلَافِ بَيْعِهِ لَهُ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ حَيْثُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِيهِ بِخِلَافِ بَيْعِ الْمَرِيضِ مِنْ وَارِثِهِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ عِنْدَهُ حَيْثُ لَا يَجُوزُ لِمَا ذَكَرْنَا
وَالْأَصَحُّ أَنَّ قَوْلَهُ كَقَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى بِسَبِيلٍ مِنْ تَخْلِيصِ كَسْبِهِ لِنَفْسِهِ بِالْقِيمَةِ دُونَ الْبَيْعِ فَلَأَنْ يَكُونَ لَهُ ذَلِكَ بِالْبَيْعِ أَوْلَى فَصَارَ تَصَرُّفُهُ مَعَ مَوْلَاهُ كَتَصَرُّفِ الْمَرِيضِ الْمَدِينِ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ، وَالْغَبْنُ الْفَاحِشُ وَالْيَسِيرُ سَوَاءٌ عِنْدَهُ كَقَوْلِهِمَا.
قَالَ رحمه الله: (وَإِنْ بَاعَ سَيِّدُهُ مِنْهُ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ أَوْ أَقَلَّ صَحَّ)؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى أَجْنَبِيٌّ عَنْ كَسْبِهِ عِنْدَهُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَالْكَلَامُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ كَسْبَهُ فَيَخْرُجُ الْمَبِيعُ عَنْ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
الْعَبْدِ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ كَانَ لِمَوْلَاهُ وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ مَنْ بَاعَ أَوْ بِيعَ لَهُ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَخَذَ الدَّارَ بِالشُّفْعَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ الْعَبْدُ دَارًا وَالْمَوْلَى شَفِيعُهَا إنْ كَانَ الْعَبْدُ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ بِيعَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَهُ الشُّفْعَةُ، وَلَوْ اشْتَرَى الْعَبْدُ دَارًا وَالْمَوْلَى شَفِيعُهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَالدَّارُ لِلْمَوْلَى وَلَا حَاجَةَ إلَى الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالشُّفْعَةِ.
وَلَوْ أَنَّ الْمَوْلَى بَاعَ دَارًا مِنْ الْعَبْدِ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَا يَكُونُ بَيْعًا، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ إنْ كَانَ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ أَوْ أَقَلَّ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا شُفْعَةَ فِيهِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: الْمَوْلَى بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَبْطَلَ الزِّيَادَةَ وَيَجُوزُ الْبَيْعُ وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ بِمَا سَلَّمَ لِلْعَبْدِ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّ الْبَيْعَ فَلَا شُفْعَةَ لِلشَّفِيعِ إلَّا أَنْ يَأْخُذَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ. وَإِنْ كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ فَبَاعَ دَارًا مِنْ الْمَوْلَى إنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ بِمِثْلِهَا جَازَ وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ الدَّارَ بِالشُّفْعَةِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا شُفْعَةَ فِيهَا، وَعِنْدَهُمَا الْمُحَابَاةُ لَا تَجُوزُ وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ الدَّارَ بِالْقِيمَةِ إنْ شَاءَ إلَى هُنَا لَفْظُ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ. اهـ أَتْقَانِيٌّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. (قَوْلُهُ: حَتَّى كَانَ لَهُمْ أَنْ يَسْتَخْلِصُوهَا بِالْقِيمَةِ) سَيَأْتِي فِي آخِرِ كِتَابِ الْوَصِيَّةِ قُبَيْلَ كِتَابِ الْخُنْثَى أَنَّ لِلْوَارِثِ أَنْ يَسْتَخْلِصَ التَّرِكَةَ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ فَرَاجِعْهُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَكِنْ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يُزِيلَ الْغَبْنَ) أَيْ الْفَاحِشَ وَالْيَسِيرَ أَيْضًا. اهـ. (قَوْلُهُ: وَبَيْنَ أَنْ يَنْقُضَ الْبَيْعَ) فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَالْبَيْعُ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ بَلَغَ الْمَوْلَى الثَّمَنُ إلَى تَمَامِ الْقِيمَةِ. اهـ غَايَةٌ. (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ بَيْعِ الْمَرِيضِ مِنْ وَارِثِهِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ عِنْدَهُ إلَخْ) قَالَ فِي الْمُخْتَلَفِ، وَهُوَ نَظِيرُ اخْتِلَافِهِمْ فِي بَيْعِ الْمَرِيضِ عَيْنًا مِنْ وَارِثِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ أَصْلًا، وَعِنْدَهُمَا لَا تَجُوز الْمُحَابَاةُ وَالْجَامِعُ التُّهْمَةُ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي حُكْمٍ، وَهُوَ أَنَّ الْبَيْعَ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ هَهُنَا يَجُوزُ، وَفِي الْمَرِيضِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْإِيثَارِ بِالْعَيْنِ فِيهِ تُهْمَةٌ وَالتُّهْمَةُ هَهُنَا فِي النُّقْصَانِ، وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَاءُ الدِّينِ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِي: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَصِحُّ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى بِسَبِيلٍ مِنْ تَخْلِيصِ كَسْبِهِ لِنَفْسِهِ بِالْقِيمَةِ بِدُونِ الْبَيْعِ فَلَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالْبَيْعِ أَوْلَى، وَلَوْ كَانَ الْمَوْلَى أَخَذَهُ وَاسْتَهْلَكَهُ فَعَلَيْهِ الثَّمَنُ وَتَمَامُ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى مُخَيَّرٌ بَيْنَ تَتْمِيمِ الْقِيمَةِ وَبَيْنَ نَقْضِ الْبَيْعِ فَمَتَى اسْتَهْلَكَهُ تَعَذَّرَ نَقْضُهُ فَلَزِمَهُ تَتْمِيمُ الْقِيمَةِ. اهـ غَايَةٌ.
قَالَ الْكَاكِيُّ رحمه الله: وَفِي الْكَافِي فِي هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا قَوْلُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَإِنْ بَاعَهُ بِنُقْصَانٍ لَمْ يَجُزْ عِنْدَهُ وَيَجُوزُ عِنْدَهُمَا وَيُخَيَّرُ الْمَوْلَى إلَخْ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ قَوْلَهُ كَقَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى بِسَبِيلٍ مِنْ تَخْلِيصِ كَسْبِهِ لِنَفْسِهِ بِالْقِيمَةِ بِدُونِ الْبَيْعِ فَلَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالْبَيْعِ أَوْلَى وَصَارَ الْعَبْدُ فِي تَصَرُّفِهِ مَعَ مَوْلَاهُ كَالْمَرِيضِ الْمَدْيُونِ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ، وَفِي الْمَبْسُوطِ لَمْ يَجُزْ عِنْدَهُمَا أَيْضًا كَالْمَرِيضِ الْمَدْيُونِ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ وَالْأَصَحُّ أَنَّ هَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَعَ الْمَوْلَى كَالْمَرِيضِ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ، وَهَكَذَا ذَكَرَهُ فِي مَبْسُوطِ الْإِسْبِيجَابِيِّ، وَفِي النِّهَايَةِ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، وَإِنْ بَاعَهُ بِنُقْصَانٍ لَمْ يَجُزْ عِنْدَهُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إنْ بَاعَهُ بِنُقْصَانٍ يَجُوزُ الْبَيْعُ وَيُخَيَّرُ الْمَوْلَى إلَخْ وَقَعَ عَلَى غَيْرِ الْأَصَحِّ. اهـ.
مِلْكِهِ فَيَصِحُّ كَمَا فِي الْأَجْنَبِيِّ، وَعِنْدَهُمَا جَوَازُ الْبَيْعِ يَعْتَمِدُ الْفَائِدَةَ، وَقَدْ وُجِدَتْ فَإِنَّ الْمَوْلَى يَسْتَحِقُّ أَخْذَ الثَّمَنِ وَالْعَبْدَ الْمَبِيعَ فَثَبَتَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا قَبْلَ ذَلِكَ فَأَفَادَ.
قَالَ رحمه الله: (وَيَبْطُلُ الثَّمَنُ لَوْ سُلِّمَ قَبْلَ قَبْضِهِ) أَيْ لَوْ سَلَّمَ الْمَوْلَى الْمَبِيعَ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ بَطَلَ الثَّمَنُ فَلَا يُطَالَب الْعَبْدُ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ بِتَسْلِيمِهِ الْمَبِيعَ سَقَطَ حَقُّهُ فِي الْحَبْسِ، وَلَا يَجِبُ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنٌ فَخَرَجَ مَجَّانًا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ عَرَضًا حَيْثُ يَكُونُ الْمَوْلَى أَحَقَّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ بِالْعَقْدِ فَمَلَكَهُ بِهِ عَبْدُهُ، وَعِنْدَهُمَا تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِعَيْنِهِ فَكَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ إذْ هُوَ لَيْسَ بِدَيْنٍ يَجِبُ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَيْنُ مِلْكِهِ فِي يَدِ عَبْدِهِ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ.
كَمَا لَوْ غَصَبَ الْعَبْدُ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ أَوْ أَوْدَعَ مَالَهُ عِنْدَ عَبْدِهِ أَوْ قَبَضَ الْمَبِيعَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى وَبِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ الْعَبْدُ مِنْ سَيِّدِهِ فَسَلَّمَ إلَيْهِ الْمَبِيعَ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ حَيْثُ لَا يَسْقُطُ الثَّمَنُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ لِلْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ الْمَدْيُونِ دَيْنٌ عَلَى مَوْلَاهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اسْتَهْلَكَ الْمَوْلَى شَيْئًا مِنْ أَكْسَابِ عَبْدِهِ الْمَدْيُونِ ضَمِنَ لِلْعَبْدِ هَذَا جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله أَنَّ لِلْمَوْلَى أَنْ يَسْتَرِدَّ الْمَبِيعَ إنْ كَانَ قَائِمًا فِي يَدِ الْعَبْدِ وَيَحْبِسَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ مِنْ الْعَيْنِ إلَّا بِشَرْطِ أَنْ يُسَلَّمَ لَهُ الثَّمَنُ، وَلَمْ يُسَلَّمْ فَبَقِيَ حَقُّهُ فِي الْعَيْنِ عَلَى حَالِهِ فَيَتَمَكَّنُ مِنْ اسْتِرْدَادِهِ مَا بَقِيَ الْعَيْنُ قَائِمًا فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَيْنُ الْمَمْلُوكَةُ لِلْمَوْلَى فِي يَدِ عَبْدِهِ فَكَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِلْكُ الْيَدِ فِيهِ، وَأَمَّا بَعْدَ اسْتِهْلَاكِهِ فَقَدْ صَارَ دَيْنًا فَلَا يُمْكِنُ إيجَابُهُ عَلَى عَبْدِهِ.
قَالَ رحمه الله: (وَلَهُ حَبْسُ الْمَبِيعِ بِالثَّمَنِ) أَيْ لِلْمَوْلَى حَبْسُ الْمَبِيعِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ مِنْ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يُزِيلُ مِلْكَ الْيَدِ مَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ الثَّمَنُ فَيَبْقَى مِلْكُ الْيَدِ لِلْمَوْلَى عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ وَلِهَذَا كَانَ أَخَصَّ بِهِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ؛ وَلِأَنَّ لِلدَّيْنِ تَعَلُّقًا بِالْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُقَابِلُهَا وَيَسْلَمُ بِسَلَامَتِهَا فَكَانَ لَهُ شَبَهٌ بِالْعَيْنِ الْمُقَابِلِ لَهُ فَيَكُونُ لِلْمَوْلَى حَقٌّ فِيهِ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِالْعَيْنِ وَلِهَذَا يَسْتَوْجِبُ بَدَلَ الْكِتَابَةِ عَلَى الْمُكَاتَبِ لِمَا أَنَّهُ مُقَابَلٌ بِرَقَبَتِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنٌ بِخِلَافِ مَا إذَا سَلَّمَ الْمَوْلَى الْمَبِيعَ أَوَّلًا حَيْثُ يَسْقُطُ دَيْنُهُ لِذَهَابِ تَعَلُّقِ حَقِّهِ بِالْعَيْنِ فَيَصِيرُ الثَّمَنُ دَيْنًا مُطْلَقًا فَيَسْقُطُ، وَلَوْ بَاعَ الْمَوْلَى شَيْئًا مِنْ الْعَبْدِ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ يُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ الْمُحَابَاةِ أَوْ نَقْضِ الْبَيْعِ قَلِيلَةً كَانَتْ الْمُحَابَاةُ أَوْ كَثِيرَةً؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الْغُرَمَاءِ كَمَا بَيَّنَّا فِي جَانِبِ الْعَبْدِ بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَى مِنْ غَيْرِ الْمَوْلَى حَيْثُ يَجُوزُ بِالْيَسِيرِ مِنْ الْمُحَابَاةِ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَهُ يَجُوزُ مُطْلَقًا وَالْمَعْنَى قَدْ بَيَّنَّاهُ، وَقَوْلُهُ يُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ الْمُحَابَاةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ يَقَعُ جَائِزًا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ هَذَا كُلُّهُ فِيمَا إذَا كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا تَجُوزُ مُبَايَعَتُهُ مَعَ الْمَوْلَى لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ مَالُهُ، وَلَا حَقَّ فِيهِ لِغَيْرِهِ.
قَالَ رحمه الله: (وَصَحَّ إعْتَاقُهُ) أَيْ جَازَ إعْتَاقُ الْمَوْلَى عَبْدَهُ الْمَأْذُونَ لَهُ الْمُسْتَغْرَقَ بِالدَّيْنِ، وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ لِقِيَامِ مِلْكِهِ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَكْسَابِهِ بَعْدَ الِاسْتِغْرَاقِ بِالدَّيْنِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ. قَالَ رحمه الله (وَضَمِنَ قِيمَتَهُ لِغُرَمَائِهِ) أَيْ الْمَوْلَى ضَمِنَ قِيمَةَ الْمُعْتَقِ لِغُرَمَائِهِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّهُمْ بَيْعًا وَاسْتِيفَاءً مِنْ ثَمَنِهِ، وَلَا وَجْهَ لِرَدِّ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ فَأَوْجَبْنَا الضَّمَانَ عَلَيْهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْغُرَمَاءِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمَأْذُونُ لَهُ مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ حَيْثُ لَا يَجِبُ الضَّمَانُ بِإِعْتَاقِهِمَا لِلْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِرَقَبَتِهِمَا اسْتِيفَاءً بِالْبَيْعِ فَلَمْ يَكُنْ الْمَوْلَى مُتْلِفًا حَقَّهُمْ فَلَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ أَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ ضَمِنَ الدَّيْنَ لَا غَيْرُ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُمْ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ ضَمِنَ قِيمَتَهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ تَعَلَّقَ بِمَالِيَّتِهِ فَيَضْمَنُهَا كَمَا إذَا أَعْتَقَ الرَّاهِنُ الْمَرْهُونَ بِخِلَافِ ضَمَانِ الْجِنَايَةِ عَلَى الْعَبْدِ حَيْثُ لَا يَبْلُغُ بِهِ دِيَةَ الْحُرِّ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ هُنَاكَ بَدَلُ الْآدَمِيِّ مِنْ وَجْهٍ فَلَا يَبْلُغُ بِهِ دِيَةَ الْحُرِّ، وَكَذَا هُنَا لَا يَخْتَلِفُ بَيْنَ مَا إذَا عَلِمَ الْمَوْلَى بِالدَّيْنِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِمَنْزِلَةِ إتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ لِمَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّهُمْ بِخِلَافِ إعْتَاقِ الْعَبْدِ الْجَانِي حَيْثُ يَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى جَمِيعُ الْأَرْشِ إنْ كَانَ إعْتَاقُهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهَا عَلَى الْمَوْلَى، وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: أَوْ قَبَضَ الْمَبِيعَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى)، وَهَذَا يَتَأَتَّى عَلَى قَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ عِنْدَهُمَا. اهـ مِنْ خَطِّ الشَّارِحِ. (قَوْلُهُ: وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ لِلْمَوْلَى) أَنْ يَأْخُذَ الثَّمَنَ وَفِي رِوَايَةٍ إلَخْ. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ بَاعَ الْمَوْلَى شَيْئًا مِنْ الْعَبْدِ إلَخْ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: وَلَوْ بَاعَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ يُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ الْمُحَابَاةِ أَوْ بِنَقْضِ الْبَيْعِ كَمَا بَيَّنَّا فِي جَانِبِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الْغُرَمَاءِ. اهـ. (قَوْلُهُ: كَمَا بَيَّنَّا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ وَيُخَيَّرُ الْمَوْلَى بَيْنَ إزَالَةِ الْمُحَابَاةِ إلَخْ فَصَاحِبُ الْكِتَابِ أَطْلَقَ لَفْظَ الْمُحَابَاةِ هُنَا مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ، وَهَذَا وَقَعَ عَلَى اخْتِيَارِ صَاحِبِ الْمَبْسُوطِ مِنْ الْأَصَحِّ كَمَا قَرَّرْنَا أَمَّا عَلَى اخْتِيَارِ صَاحِبِ الْكِتَابِ، وَهُوَ رِوَايَةُ مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ هَذَا الْبَيْعُ لَا يَجُوزُ أَصْلًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَا يَرِدُ التَّخْيِيرُ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ الْبَيْعُ مَعَ التَّخْيِيرِ، وَفِي الْكَافِي وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ فَاسِدًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ كَمَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَصَحَّ إعْتَاقُهُ) قَالَ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ الْمَوْلَى إذَا أَعْتَقَ عَبْدَهُ الْمَدْيُونَ جَازَ عِتْقُهُ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ بَاقٍ فِيهِ، وَالْغُرَمَاءُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءُوا اتَّبَعُوا الْعَبْدَ بِالدَّيْنِ، وَإِنْ شَاءُوا اتَّبَعُوا الْمَوْلَى بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ، وَمِنْ الدَّيْنِ سَوَاءً كَانَ عَالِمًا بِالدَّيْنِ أَوْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا. اهـ أَتْقَانِيٌّ رحمه الله. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهَا عَلَى الْمَوْلَى) أَيْ؛ لِأَنَّهُ عَاقِلَتَهُ إلَّا أَنَّهُ كَانَ يَتَخَلَّصُ مِنْهُ بِالدَّفْعِ فَبِالْعِتْقِ أَبْطَلَ حَقَّ الدَّفْعِ فَصَارَ مُخْتَارًا لِلدِّيَةِ إنْ كَانَ عَالِمًا فَأَمَّا فِي الدَّيْنِ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُبَاعُ فِيهِ وَالْمَوْلَى أَبْطَلَ حَقَّ الْبَيْعِ وَلَوْ بِيعَ لَا يَكُونُ إلَّا قَدْرُ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْتَرِي فِي الظَّاهِرِ بِأَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ فَلِذَلِكَ لَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَوْ اخْتَارُوا اتِّبَاعَ الْمَوْلَى لَا يَكُونُ إبْرَاءً لِلْعَبْدِ، وَلَوْ اخْتَارُوا اتِّبَاعَ الْعَبْدِ لَا يَكُونُ فِي
الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ فَيَكُونُ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ بِالْإِعْتَاقِ عَالِمًا، وَلَا كَذَلِكَ هُنَا؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ بِاعْتِبَارِ تَفْوِيتِ حَقِّهِمْ كَإِتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ، وَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بَيْنَ الْعِلْمِ وَعَدَمِهِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْجَانِي مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ يَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى قِيمَتُهُ لِعَجْزِهِ عَنْ دَفْعِهِ بِفِعْلِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِيرَ مُخْتَارًا، وَهُنَا لَا يَجِبُ لِمَا بَيَّنَّا.
قَالَ رحمه الله: (وَطُولِبَ بِمَا بَقِيَ لِغُرَمَائِهِ بَعْدَ عِتْقِهِ) أَيْ لِغُرَمَائِهِ أَنْ يُطَالِبُوهُ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ إنْ بَقِيَ مِنْ دِينِهِمْ شَيْءٌ، وَلَمْ تَفِ بِهِ الْقِيمَةُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ مُسْتَقِرٌّ فِي ذِمَّتِهِ لِوُجُودِ سَبَبِهِ، وَعَدَمِ مَا يُسْقِطُهُ وَالْمَوْلَى لَا يَلْزَمُهُ إلَّا قَدْرُ مَا أَتْلَفَ فَبَقِيَ الْبَاقِي عَلَيْهِ كَمَا كَانَ فَيُرْجَعُ بِهِ عَلَيْهِ وَلِهَذَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَتْبَعُوا الْعَبْدَ بِالْكُلِّ وَيُبْرِئُوا الْمَوْلَى عَنْهُ؛ لِأَنَّ دَيْنَهُمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا اخْتَارُوا اتِّبَاعَ أَحَدِهِمَا لَا يَبْرَأُ الْآخَرُ كَالْكَفِيلِ مَعَ الْمَكْفُولِ عَنْهُ بِخِلَافِ الْغَاصِبِ مَعَ غَاصِبِ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ الضَّمَانُ وَاجِبٌ لَهُ عَلَى أَحَدِهِمَا فَإِذَا اخْتَارَ تَضْمِينَ أَحَدِهِمَا بَرِئَ الْآخَرُ ضَرُورَةً، وَهُنَا وَجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَيْنٌ عَلَى حِدَةٍ، وَلَوْ أَعْتَقَهُ الْمَوْلَى بِإِذْنِ الْغُرَمَاءِ فَلَهُمْ أَنْ يُضَمِّنُوا مَوْلَاهُ الْقِيمَةَ، وَلَيْسَ هَذَا كَإِعْتَاقِ الرَّاهِنِ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، وَهُوَ مُعْسِرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنْ الرَّهْنِ بِإِذْنِهِ وَالْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ لَا يَبْرَأُ مِنْ الدَّيْنِ بِإِذْنِ الْغَرِيمِ ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ.
قَالَ رحمه الله: (وَإِنْ بَاعَهُ سَيِّدُهُ وَغَيَّبَهُ الْمُشْتَرِي ضَمَّنَ الْغُرَمَاءُ الْبَائِعَ قِيمَتَهُ)؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِبَيْعِهِ وَتَسْلِيمِهِ إلَى الْمُشْتَرِي. قَالَ رحمه الله: (وَإِنْ رُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ رَجَعَ بِقِيمَتِهِ وَحَقِّ الْغُرَمَاءِ فِي الْعَبْدِ) أَيْ إذَا رَدَّ الْمُشْتَرِي الْعَبْدَ عَلَى الْبَائِعِ بِالْعَيْبِ بَعْدَمَا ضَمَّنَهُ الْغُرَمَاءُ قِيمَتَهُ رَجَعَ الْمَوْلَى بِقِيمَتِهِ عَلَى الْغُرَمَاءِ، وَكَانَ حَقُّ الْغُرَمَاءِ فِي الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الضَّمَانِ قَدْ زَالَ، وَهُوَ الْبَيْعُ وَالتَّسْلِيمُ فَصَارَ كَالْغَاصِبِ إذَا بَاعَ وَسَلَّمَ وَضَمِنَ الْقِيمَةَ ثُمَّ رُدَّ عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْمَغْصُوبَ عَلَى الْمَالِكِ وَيَرْجِعَ عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ الَّتِي دَفَعَهَا إلَيْهِ هَذَا إذَا رَدَّهُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقَبْضِ مُطْلَقًا أَوْ بَعْدَهُ بِقَضَاءٍ؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَكَذَا إذَا رَدَّهُ عَلَيْهِ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ أَوْ الشَّرْطِ، وَإِنْ رَدَّهُ بِعَيْبٍ بَعْدَ الْقَبْضِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ فَلَا سَبِيلَ لِلْغُرَمَاءِ عَلَى الْعَبْدِ، وَلَا لِلْمَوْلَى عَلَى الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ بِالتَّرَاضِي إقَالَةٌ، وَهِيَ بَيْعٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا، وَإِنْ فَضَلَ مِنْ دَيْنِهِمْ شَيْءٌ رَجَعُوا بِهِ عَلَى الْعَبْدِ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ.
قَالَ رحمه الله: (أَوْ مُشْتَرِيَهُ) أَيْ أَوْ ضَمَّنُوا مُشْتَرِيَهُ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْبَائِعِ فَتَقْدِيرُهُ، وَإِنْ بَاعَهُ سَيِّدُهُ وَغَيَّبَهُ الْمُشْتَرِي ضَمَّنَ الْغُرَمَاءُ الْبَائِعَ، وَهُوَ الْمَوْلَى قِيمَتَهُ أَوْ ضَمَّنُوا مُشْتَرِي الْعَبْدِ قِيمَتَهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَعَدٍّ فِي حَقِّ الْغُرَمَاءِ، الْبَائِعُ بِمَا ذَكَرْنَا، وَالْمُشْتَرِي بِالشِّرَاءِ وَالْقَبْضِ وَالتَّغْيِيبِ. قَالَ رحمه الله:(أَوْ أَجَازُوا الْبَيْعَ، وَأَخَذُوا الثَّمَنَ) أَيْ الْغُرَمَاءُ إنْ شَاءُوا أَجَازُوا الْبَيْعَ، وَأَخَذُوا ثَمَنَ الْعَبْدِ، وَلَا يُضَمِّنُوا أَحَدًا الْقِيمَةَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ وَالْإِجَازَةُ اللَّاحِقَةُ كَالْإِذْنِ السَّابِقِ كَمَا إذَا بَاعَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ ثُمَّ أَجَازَ الْمُرْتَهِنُ الْبَيْعَ بِخِلَافِ مَا إذَا كَفَلَ عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ثُمَّ أَجَازَ؛ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ غَيْرَ مُوجِبَةٍ لِلرُّجُوعِ، وَلَمْ يَتَوَقَّفْ نَفَاذُ الْكَفَالَةِ وَلُزُومُهَا عَلَى الْإِجَازَةِ بَلْ نَفَذَتْ عَلَى الْكَفِيلِ غَيْرَ مُوجِبَةٍ لِلرُّجُوعِ فَلَا تَنْقَلِبُ مُوجِبَةً لَهُ، وَلَا كَذَلِكَ مَا نَحْنُ فِيهِ فَحَاصِلُهُ أَنَّ الْغُرَمَاءَ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ إجَازَةِ الْبَيْعِ وَتَضْمِينِ أَيِّهِمَا شَاءُوا ثُمَّ إنْ ضَمَّنُوا الْمُشْتَرِيَ رَجَعَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الْقِيمَةِ مِنْهُ كَأَخْذِ الْعَيْنِ، وَإِنْ ضَمَّنُوا الْبَائِعَ سَلَّمَ الْمَبِيعَ لِلْمُشْتَرِي وَتَمَّ الْبَيْعُ لِزَوَالِ الْمَانِعِ، وَأَيُّهُمَا اخْتَارُوا تَضْمِينَهُ بَرِئَ الْآخَرُ حَتَّى لَا يَرْجِعُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ تُوِيَتْ الْقِيمَةُ عِنْدَ الَّذِي اخْتَارُوهُ؛ لِأَنَّ الْمُخَيَّرَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
ذَلِكَ إبْرَاءٌ لِلْمَوْلَى بِخِلَافِ الْغَاصِبِ وَغَاصِبِ الْغَاصِبِ إذَا اخْتَارَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ تَضْمِينَ أَحَدِهِمَا انْقَطَعَ حَقُّهُ مِنْ الْآخَرِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ هُنَاكَ وَجَبَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ فَإِذَا ضَمِنَ أَحَدُهُمَا فَقَدْ مَلَكَهُ فَبَعْدَ التَّمْلِيكِ لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ عَنْهُ، وَأَمَّا هَهُنَا الدَّيْنُ وَجَبَ عَلَى الْعَبْدِ إلَّا أَنَّهُ وَجَبَ عَلَى الْمَوْلَى عَلَى سَبِيلِ الْكَفَالَةِ إذْ لَيْسَ فِي هَذَا التَّضْمِينِ تَمْلِيكُ الدَّيْنِ مِنْ الْمَوْلَى فَثَبَتَ أَنَّهُ كَالْكَفِيلِ، وَمَنْ طَالَبَ الْكَفِيلَ أَوْ الْمَكْفُولَ عَنْهُ لَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ إبْرَاءٌ عَنْ الْآخَرِ فَلِذَلِكَ افْتَرَقَا، وَلَوْ اخْتَارَ بَعْضُهُمْ اتِّبَاعَ الْعَبْدِ وَبَعْضُهُمْ اتِّبَاعَ السَّيِّدِ فَاَلَّذِي يَتْبَعُ الْعَبْدَ يَأْخُذُهُ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ عَلَيْهِ وَاَلَّذِي يَتْبَعُ الْمَوْلَى يَأْخُذُ مِنْهُ جَمِيعَ حَقِّهِ إذَا كَانَ حَقُّهُ مِثْلَ الْقِيمَةِ، وَمَا يَأْخُذُونَ مِنْ الْمَوْلَى يَكُونُ بَيْنَهُمْ بِالشَّرِكَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَصْلُ الدَّيْنِ بِالشَّرِكَةِ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ حَقُّهُمْ فِي الْقِيمَةِ فَصَارَ كَالْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمْ، وَمَا يَأْخُذُهُ مِنْ الْعَبْدِ لَا يَكُونُ بَيْنَهُمْ بِالشَّرِكَةِ إلَّا إذَا كَانَ أَصْلُ الدَّيْنِ بِالشَّرِكَةِ هَذَا إذَا أَعْتَقَهُ، وَلَوْ لَمْ يُعْتِقْهُ، وَلَكِنْ دَبَّرَهُ فَالْغُرَمَاءُ أَيْضًا بِالْخِيَارِ إنْ شَاءُوا اتَّبَعُوا الْمُدَبَّرَ بِدَيْنِهِمْ فَيَسْتَسْعَوْنَهُ فِي الدَّيْنِ، وَإِنْ شَاءُوا اتَّبَعُوا الْمَوْلَى بِقَدْرِ قِيمَتِهِ، وَفِي اخْتِيَارِ أَحَدِهِمَا إبْرَاءٌ لِلْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ يَكُونُ كَسْبُهُ لِلْمَوْلَى فَلَمْ يَكُنْ تَحْتَ التَّضْمِينِ تَمْلِيكٌ فَلِذَلِكَ افْتَرَقَا.
وَفَرْقٌ آخَرُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْعِتْقِ، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَا يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ الْمُدَبَّرِ يَكُونُ بَيْنَهُمْ بِالشَّرِكَةِ، وَفِي الْعَتَاقِ لَا يَكُونُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ هَذَا كَسْبُ الْعَبْدِ وَالْعَبْدُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ غَرِيمًا دُونَ غَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَمَّا الْعَبْدُ إذَا أُعْتِقَ صَارَ حُرًّا فَلَهُ أَنْ يَقْضِيَ غَرِيمًا دُونَ غَرِيمٍ. (قَوْلُهُ: فَيَكُونُ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ بِالْإِعْتَاقِ عَالِمًا) أَيْ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ إلَّا قَدْرُ الْقِيمَةِ لَا غَيْرُ. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: فَصَارَ كَالْغَاصِبِ إذَا بَاعَ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ قَالُوا هَذَا كَالْغَاصِبِ إذَا بَاعَ وَضَمِنَ أَنَّهُ يَنْفُذُ الْبَيْعُ حَتَّى لَوْ رُدَّ عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ سُلِّمَ لَهُ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا ضَمِنَ قِيمَتَهُ سَلِيمًا، وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْعَيْبِ ثَبَتَ حَقُّ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَاسْتِرْدَادِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ انْعَقَدَ بَيْنَهُمَا حُكْمُ الْبَيْعِ، وَكَذَلِكَ هَهُنَا. اهـ.
(قَوْلُهُ: هَذَا إذَا رَدَّهُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقَبْضِ) الْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِيمَا إذَا غَيَّبَهُ الْمُشْتَرِي بَعْدَ قَبْضِهِ فَكَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُهُ: رَدَّهُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الرَّازِيّ فِي شَرْحِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ أَجَازَ) أَيْ الْمَكْفُولُ عَنْهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: فَحَاصِلُهُ أَنَّ الْغُرَمَاءَ مُخَيَّرُونَ إلَخْ)، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَتْنًا وَشَرْحًا. اهـ.
بَيْنَ شَيْئَيْنِ إذَا اخْتَارَ أَحَدَهُمَا تَعَيَّنَ حَقُّهُ فِيهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ الْآخَرَ، وَلَوْ ظَهَرَ الْعَبْدُ بَعْدَمَا اخْتَارُوا تَضْمِينَ أَحَدِهِمَا لَيْسَ لَهُمْ عَلَيْهِ سَبِيلٌ إنْ كَانَ الْقَاضِي قَضَى لَهُمْ بِالْقِيمَةِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِإِبَاءِ يَمِينٍ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ تَحَوَّلَ إلَى الْقِيمَةِ بِالْقَضَاءِ، وَإِنْ قَضَى بِالْقِيمَةِ بِقَوْلِ الْخَصْمِ مَعَ يَمِينِهِ، وَقَدْ ادَّعَى الْغُرَمَاءُ أَكْثَرَ مِنْهُ فَهُمْ بِالْخِيَارِ فِيهِ إنْ شَاءُوا رَضَوْا بِالْقِيمَةِ، وَإِنْ شَاءُوا رَدُّوهَا، وَأَخَذُوا الْعَبْدَ فَبِيعَ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمْ كَمَالُ حَقِّهِمْ بِزَعْمِهِمْ، وَهُوَ نَظِيرُ الْمَغْصُوبِ فِي ذَلِكَ كَذَا ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ، وَعَزَاهُ إلَى الْمَبْسُوطِ قَالَ الرَّاجِي عَفْوَ رَبِّهِ: الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ فِي الْمَغْصُوبِ مَشْرُوطٌ بِأَنْ تَظْهَرَ الْعَيْنُ، وَقِيمَتُهَا أَكْثَرُ مِمَّا ضَمِنَ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ هُنَا ذَلِكَ، وَإِنَّمَا شُرِطَ أَنْ يَدَّعِيَ الْغُرَمَاءُ أَكْثَرَ مِمَّا ضَمِنَ، وَأَنَّ كَمَالَ حَقِّهِمْ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمْ بِزَعْمِهِمْ وَبَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ كَثِيرٌ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى قَدْ تَكُونُ غَيْرَ مُطَابِقٍ فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ قِيمَتُهُ مِثْلَ مَا ضَمِنَ أَوْ أَقَلَّ فَلَا يَثْبُتُ لَهُمْ الْخِيَارُ فِيهِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لَهُمْ الْخِيَارُ إذَا ظَهَرَ، وَقِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِمَّا ضَمِنَ فَلَا يَكُونُ الْمَذْكُورُ هُنَا مُخَلَّصًا.
قَالَ رحمه الله: (وَإِنْ بَاعَهُ سَيِّدُهُ، وَأَعْلَمَ بِالدَّيْنِ فَلِلْغُرَمَاءِ رَدُّ الْبَيْع)؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ تَعَلَّقَ بِهِ، وَهُوَ حَقُّ الِاسْتِسْعَاءِ أَوْ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ رَقَبَتِهِ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا فَائِدَةٌ فَالْأَوَّلُ تَامٌّ مُؤَخَّرٌ وَالثَّانِي نَاقِصٌ مُعَجَّلٌ وَبِالْبَيْعِ تَفُوتُ هَذِهِ الْخِيَرَةُ فَكَانَ لَهُمْ رَدُّهُ، وَفَائِدَةُ الْإِعْلَامِ بِالدَّيْنِ سُقُوطُ خِيَارِ الْمُشْتَرِي فِي الرَّدِّ بِعَيْبِ الدَّيْنِ حَتَّى يَلْزَمَ الْبَيْعُ فِي حَقِّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَازِمًا فِي حَقِّ الْغُرَمَاءِ هَذَا إذَا كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا، وَكَانَ الْبَيْعُ مِنْ غَيْرِ طَلَبِ الْغُرَمَاءِ وَالثَّمَنُ لَا يَفِي بِدَيْنِهِمْ فَأَمَّا إذَا كَانَ دَيْنُهُمْ مُؤَجَّلًا فَالْبَيْعُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مِلْكَهُ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ مُتَأَخِّرٌ بِخِلَافِ الرَّهْنِ بِالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّ لِلْمُرْتَهِنِ مِلْكَ الْيَدِ فِيهِ فَلَا يَقْدِرُ الْمَوْلَى عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَلَا يَدَ لِلْغُرَمَاءِ فِي الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ، وَلَا فِي كَسْبِهِ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ حَقُّهُمْ بِمَالِيَّتِهِ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ مِنْهُ، وَذَلِكَ مُتَأَخِّرٌ إلَى مَا بَعْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ، وَكَذَا إذَا كَانَ الْبَيْعُ بِطَلَبِهِمْ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ لِأَجْلِهِمْ، وَإِذْنِهِمْ فِي الْبَيْعِ بِمَنْزِلَةِ بَيْعِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ فَلَا يُنْقَضُ، وَكَذَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ يَفِي بِدَيْنِهِمْ وَدَفَعَهُ إلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ قَدْ وَصَلَ إلَيْهِمْ فَيَنْفُذُ الْبَيْعُ لِزَوَالِ الْمَانِعِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ قَالُوا تَأْوِيلُهُ إذَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمْ الثَّمَنُ فَإِنْ وَصَلَ، وَلَا مُحَابَاةَ فِي الْبَيْعِ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَرُدُّوهُ لِوُصُولِ حَقِّهِمْ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُمْ لَا يَكُونُ لَهُمْ خِيَارُ الْفَسْخِ عِنْدَ وُصُولِ الثَّمَنِ إلَيْهِمْ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَيْعِ مُحَابَاةٌ، وَإِنْ لَمْ يَفِ الثَّمَنُ بِحَقِّهِمْ، وَإِنْ كَانَ فِي الْبَيْعِ مُحَابَاةٌ ثَبَتَ لَهُمْ خِيَارُ الْفَسْخِ، وَإِنْ وَفَّى الثَّمَنُ بِحَقِّهِمْ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَهُمْ خِيَارُ الْفَسْخِ إذَا لَمْ يَفِ الثَّمَنُ بِحَقِّهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُحَابَاةٌ لِأَجْلِ الِاسْتِسْعَاءِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ بِنَفْسِهِ قُبَيْلَهُ، وَلَا خِيَارَ لَهُمْ إنْ وَفَّى الثَّمَنُ بِحَقِّهِمْ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مُحَابَاةٌ لِوُصُولِ حَقِّهِمْ إلَيْهِمْ، وَلَوْ قَالَ تَأْوِيلُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا بَاعَهُ بِثَمَنٍ لَا يَفِي بِدَيْنِهِمْ اسْتَقَامَ وَزَالَ الْإِشْكَالُ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ إذَا لَمْ يَفِ بِدَيْنِهِمْ لَهُمْ نَقْضُ الْبَيْعِ كَيْفَمَا كَانَ، وَإِذَا وَفَّى لَيْسَ لَهُمْ نَقْضُهُ كَيْفَمَا كَانَ، وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ تَأْجِيلِ الدَّيْنِ وَطَلَبِهِمْ الْبَيْعَ وَوَفَاءِ الثَّمَنِ بِالدَّيْنِ فَالْبَيْعُ مَوْقُوفٌ حَتَّى يَجُوزَ بِإِجَازَةِ الْغُرَمَاءِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ رحمه الله فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ بَاطِلٌ وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ سَيَبْطُلُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ مَوْقُوفٌ وَلِلْغُرَمَاءِ حَقُّ إبْطَالِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ فَاسِدٌ بِدَلِيلِ مَا قَالَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ إذَا أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْقَبْضِ أَوْ دَبَّرَهُ صَحَّ ذَلِكَ وَتَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ. قَالَ رحمه الله: (وَإِنْ غَابَ الْبَائِعُ فَالْمُشْتَرِي لَيْسَ بِخَصْمٍ لَهُمْ) أَيْ لَوْ بَاعَ الْمَوْلَى عَبْدَهُ الْمَدِينَ، وَقَبَضَهُ الْمُشْتَرِي ثُمَّ غَابَ الْبَائِعُ لَا يَكُونُ الْمُشْتَرِي خَصْمًا لِلْغُرَمَاءِ إذَا أَنْكَرَ الْمُشْتَرِي الدَّيْنَ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رحمه الله يَكُونُ الْمُشْتَرِي خَصْمًا وَيُقْضَى لَهُمْ بِدَيْنِهِمْ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا اشْتَرَى دَارًا وَوَهَبَهَا وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ ثُمَّ غَابَ الْمُشْتَرِي الْوَاهِبُ ثُمَّ حَضَرَ الشَّفِيعُ فَإِنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ لَا يَكُونُ خَصْمًا عِنْدَهُمَا خِلَافًا لَهُ، وَعَنْهُمَا مِثْلُ قَوْلِهِ فِي الشُّفْعَةِ هُوَ يَقُولُ أَنَّ ذَا الْيَدِ يَدَّعِي الْمِلْكَ لِنَفْسِهِ فِي الْعَيْنِ فَيَكُونُ خَصْمًا لِكُلِّ مَنْ يُنَازِعُهُ فِيهَا كَمَا لَوْ ادَّعَوْا مِلْكَ الْعَبْدِ؛ لِأَنْفُسِهِمْ أَوْ ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ رَهْنٌ عِنْدَهُ، وَلَهُمَا أَنَّ الدَّعْوَى تَتَضَمَّنُ فَسْخَ الْعَقْدِ، وَهُوَ قَائِمٌ بِالْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فَيَكُونُ الْفَسْخُ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ، وَالْحَاضِرُ لَيْسَ بِخَصْمٍ عَنْهُ؛ وَلِأَنَّا لَوْ جَعَلْنَاهُ خَصْمًا لَا يُفِيدُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا يُجْعَلَ خَصْمًا فِي الِانْتِهَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
( قَوْلُهُ: فَبِيعَ لَهُمْ) لَا يَتَعَيَّنُ الْبَيْعُ لَهُمْ بَلْ الْخِيَارُ لَهُمْ إنْ شَاءُوا بَاعُوهُ، وَإِنْ شَاءُوا اسْتَسْعَوْهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَقِيمَتُهَا أَكْثَرُ مِمَّا ضَمِنَ) لِمَا أَحَالَهُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْغَصْبِ كَانَ الشَّرْطُ فِيهَا شَرْطًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا. اهـ. (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لَهُمْ الْخِيَارُ إلَخْ) لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا يُشْتَرَطُ فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهُمْ أَنْ تَكُونَ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِمَّا ضَمِنَ بَلْ لَهُمْ أَنْ يَرُدُّوا مَا أَخَذُوا، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَ مَا ضَمِنَ أَوْ أَقَلَّ؛ لِأَنَّ لَهُمْ فِيهِ فَائِدَةً، وَهُوَ حَقُّ اسْتِسْعَائِهِ بِجَمِيعِ دَيْنِهِ، وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ. اهـ. نَقَلْته مِنْ خَطِّ قَارِئِ الْهِدَايَةِ
إذَا أَثْبَتُوا الدَّيْنَ لَا يُمْكِنُ بَيْعُهُ بِدَيْنِهِمْ؛ لِأَنَّهُ يَعُودُ إلَى مِلْكِ الْبَائِعِ، وَهُوَ غَائِبٌ
وَفِي بَيْعِهِ قَضَاءٌ عَلَى الْغَائِبِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ بِخِلَافِ مَا إذَا ادَّعَوْا الْمِلْكَ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْيَدِ يَظْهَرُ فِي الِانْتِهَاءِ أَنَّهُ كَانَ غَاصِبًا مِنْهُمْ وَالْغَاصِبُ يَكُونُ خَصْمًا لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَبِخِلَافِ دَعْوَى الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ فِيهِ فَائِدَةً إذْ الرَّهْنُ لَا يُبَاعُ، وَلَوْ صَدَّقَهُمْ الْمُشْتَرِي فِي الدَّيْنِ كَانَ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَرُدُّوا الْبَيْعَ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ فَيُفْسَخُ بَيْعُهُ إذَا لَمْ يَفِ الثَّمَنُ بِدُيُونِهِمْ، وَلَوْ كَانَ الْبَائِعُ حَاضِرًا وَالْمُشْتَرِي غَائِبًا فَلَا خُصُومَةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْبَائِعِ بِالْإِجْمَاعِ حَتَّى يَحْضُرَ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ وَالْيَدَ لِلْمُشْتَرِي، وَلَا يُمْكِنُ إبْطَالُهُمَا، وَهُوَ غَائِبٌ فَمَا لَمْ يَبْطُلْ مِلْكُهُ لَا تَكُونُ الرَّقَبَةُ مَحَلًّا لِحَقِّهِمْ لَكِنْ لَهُمْ أَنْ يُضَمِّنُوا الْبَائِعَ قِيمَتَهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُفَوِّتًا حَقَّهُمْ بِالْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ فَإِذَا ضَمَّنُوهُ الْقِيمَةَ جَازَ الْبَيْعُ فِيهِ، وَكَانَ الثَّمَنُ لِلْبَائِعِ، وَإِنْ اخْتَارُوا إجَازَةَ الْبَيْعِ أَخَذُوا الثَّمَنَ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ اللَّاحِقَةَ بِمَنْزِلَةِ الْإِذْنِ السَّابِقِ ثُمَّ الْمَوْلَى بِبَيْعِ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ لَهُ الْمَدْيُونِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالدَّيْنِ لَمْ يُجْعَلْ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ بِالْقِيمَةِ وَبِبَيْعِ الْعَبْدِ الْجَانِي بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْجِنَايَةِ جُعِلَ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ بِالْأَرْشِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ هُنَا عَلَى الْعَبْدِ بِحَيْثُ لَا يَبْرَأُ بِالْعِتْقِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى شَيْءٌ، وَلَوْ اخْتَارَ الْمَوْلَى الْفِدَاءَ صَرِيحًا بِأَنْ قَالَ أَنَا أَقْضِي دَيْنَهُ كَانَ عِدَةً مِنْهُ تَبَرُّعًا فَلَا يَلْزَمُهُ بِخِلَافِ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّ مُوجِبَهَا عَلَى الْمَوْلَى خَاصَّةً دُونَ الْعَبْدِ فَإِذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الدَّفْعُ بِتَصَرُّفِهِ تَعَيَّنَ الْأَرْشُ عَلَيْهِ وَبَقِيَ وَاجِبًا عَلَيْهِ عَلَى حَالِهِ.
قَالَ رحمه الله: (وَمَنْ قَدِمَ مِصْرًا، وَقَالَ أَنَا عَبْدُ زَيْدٍ فَاشْتَرَى وَبَاعَ لَزِمَهُ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ التِّجَارَةِ، وَلَا يُبَاعُ حَتَّى يَحْضُرَ سَيِّدُهُ) أَيْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْإِذْنِ فِي حَقِّ كَسْبِهِ حَتَّى يَقْضِيَ دَيْنَهُ مِنْ كَسْبِهِ. وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يُخْبِرَ أَنَّ مَوْلَاهُ أَذِنَ لَهُ فَيُصَدَّقُ اسْتِحْسَانًا عَدْلًا كَانَ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يُصَدَّقَ إلَّا بِحُجَّةٍ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» ، وَكَذَا الْقِيَاسُ أَنْ تُشْتَرَطَ الْعَدَالَةُ فِي الْمُخْبِرِ؛ لِأَنَّ جَانِبَ الصِّدْقِ بِهَا يَتَرَجَّحُ. وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ النَّاسَ يُعَامِلُوهُ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَإِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ حُجَّةٌ يُخَصُّ بِهِ الْأَثَرُ وَيُتْرَكُ بِهِ الْقِيَاسُ؛ وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ ضَرُورَةً وَبَلْوَى فَإِنَّ الْإِذْنَ لَا بُدَّ مِنْهُ لِصِحَّةِ تَصَرُّفِهِ، وَإِقَامَةُ الْحُجَّةِ عِنْدَ كُلِّ عَقْدٍ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَمَا ضَاقَ عَلَى النَّاسِ أَمْرُهُ اتَّسَعَ حُكْمُهُ، وَمَا عَمَّتْ بَلِيَّتُهُ سَقَطَتْ قَضِيَّتُهُ، وَكَذَا عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ دَعْوَى الْوَكَالَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْبِضَاعَةِ، وَمَا أَشْبَهَهَا وَالثَّانِي أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ، وَلَا يُخْبِرُ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَالْقِيَاسُ فِيهِ أَنْ لَا يَثْبُتَ الْإِذْنُ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ مُحْتَمَلٌ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَثْبُتُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ؛ لِأَنَّ عَقْلَهُ وَدِينَهُ يَمْنَعَانِهِ عَنْ ارْتِكَابِ الْمُحَرَّمِ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ لِوُجُوبِ حَمْلِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الصَّلَاحِ مَا أَمْكَنَ فَالْعَمَلُ بِالدَّلِيلِ الظَّاهِرِ هُوَ الْأَصْلُ فِي الْمُعَامَلَاتِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْعِبَادِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِخْبَارُ أَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ بَلْ يُكْتَفَى بِظَاهِرِ حَالِهِ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ بِظَاهِرِ حَالِهِ صَحَّتْ تَصَرُّفَاتُهُ حَتَّى يَظْهَرَ خِلَافُ ذَلِكَ، وَلَزِمَتْهُ الدُّيُونُ فَيُسْتَوْفَى مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَفِ الْكَسْبُ بِالدَّيْنِ لَا تُبَاعُ رَقَبَتُهُ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمَوْلَى فِي الرَّقَبَةِ ثَابِتٌ فَلَا يَصْدُقُ إقْرَارُهُ عَلَى مَوْلَاهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ أَنْ يُبَاعَ بِهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُدَبَّرَ وَأُمَّ الْوَلَدِ لَا يُبَاعَانِ بِالدَّيْنِ بِخِلَافِ الْكَسْبِ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَا يَمْلِكُهُ مَا دَامَ مَشْغُولًا بِحَاجَةِ الْعَبْدِ، وَإِنَّمَا يَخْلُفُهُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: وَلَا يُبَاعُ حَتَّى يَحْضُرَ سَيِّدُهُ) سَاقِطٌ مِنْ خَطِّ الشَّارِحِ. (قَوْلُهُ: وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يُصَدَّقَ) أَيْ الْعَبْدُ وَلَا يَثْبُتُ الْإِذْنُ بِقَوْلِهِ حَتَّى لَا يَحِلَّ لِلْبَائِعِ الْمُبَايَعَةُ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى مَوْلَاهُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ إقْرَارِهِ يَلْزَمُ مَوْلَاهُ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يُصَدَّقُ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ هَذَا خَبَرٌ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ فِي الْمُعَامَلَاتِ مَقْبُولٌ أَلَا تَرَى أَنَّ وَاحِدًا إذَا قَالَ أَنَا وَكِيلُ فُلَانٍ أَوْ مُضَارِبُ فُلَانٍ، وَلَيْسَ ثَمَّةَ أَحَدٌ يُكَذِّبُهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ: لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يُصَدَّقُ، وَلَا يُكَذَّبُ فَكَذَا هُنَا؛ لِأَنَّ فِي التِّجَارَةِ مَنْفَعَةً لِمَوْلَاهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَأْذُونٌ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ الْحَجْرُ؛ وَلِأَنَّ لِلنَّاسِ حَاجَةً إلَى قَبُولِ قَوْلِ الْآحَادِ فِي هَذَا الْبَابِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَبْعَثُ عَبْدَهُ إلَى الْآفَاقِ لِيَتَّجِرَ أَوْ يَبْعَثَ مُضَارِبَهُ أَوْ وَكِيلَهُ فَلَوْ قُلْنَا: إنَّ قَوْلَهُمْ لَا يُقْبَلُ لَضَاقَ الْأَمْرُ عَلَى النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَحْتَاجُ الْعَبْدُ أَنْ يَسْتَصْحِبَ مَوْلَاهُ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَأَطْرَافَ النَّهَارِ أَوْ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ يَشْهَدَانِ عَلَى الْإِذْنِ، وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ وَالْمُضَارِبُ، وَمَا ضَاقَ أَمْرُهُ اتَّسَعَ حُكْمُهُ. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ مُحْتَمَلٌ) أَيْ فَلَا يَثْبُتُ الْإِذْنُ بِالشَّكِّ. اهـ. وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَأْذُونٌ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَحْجُورٌ. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَلَزِمَتْهُ الدُّيُونُ إلَخْ) ثُمَّ إذَا لَحِقَهُ دَيْنٌ كَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يُبَاعَ مَا فِي يَدِهِ حَتَّى يَحْضُرَ مَوْلَاهُ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يُبَاعُ وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ مَا فِي يَدِهِ لِمَوْلَاهُ فَيَكُونُ فِي بَيْعِهِ قَضَاءٌ عَلَى مَوْلَاهُ، وَهُوَ غَائِبٌ فَلَا يَجُوزُ؛ وَلِهَذَا لَا تُبَاعُ رَقَبَتُهُ.
وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ مَا فِي يَدِهِ مِنْ تِجَارَتِهِ، وَالْعَبْدُ فِي تِجَارَتِهِ كَالْحُرِّ فَإِذَا قُبِلَ قَوْلُهُ فِي التِّجَارَةِ قُبِلَ فِيمَا هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِهَا، وَلَيْسَ الْكَسْبُ كَالرَّقَبَةِ لَيْسَتْ مِنْ تِجَارَتِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَالُ الْمَوْلَى فِي يَدِ الْمَوْلَى، كَذَا ذَكَرَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَالْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِي، وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ: وَلَوْ أَنَّ الْغُرَمَاءَ أَقَامُوا الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْعَبْدَ مَأْذُونٌ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، وَالْعَبْدُ يَجْحَدُ وَالْمَوْلَى غَائِبٌ فَإِنَّهُ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُمْ حَتَّى لَا تُبَاعُ وَرَقَبَةُ الْعَبْدِ بِالدَّيْنِ لِأَنَّ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ قَامَتْ عَلَى غَائِبٍ، وَلَيْسَ عَنْهُ خَصْمٌ حَاضِرٌ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ فِي حَقِّ رَقَبَتِهِ لَا يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنْ الْمَوْلَى لِمَنْ يَدَّعِي حَقًّا فِي رَقَبَتِهِ، وَإِنْ أَقَرَّ الْعَبْدُ بِالدَّيْنِ فَبَاعَ الْقَاضِي أَكْسَابَهُ، وَقَضَى دَيْنَ الْغُرَمَاءِ ثُمَّ جَاءَ الْمَوْلَى، وَأَنْكَرَ الْإِذْنَ كَلَّفَ الْقَاضِي الْغُرَمَاءَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْإِذْنِ فَإِنْ أَقَامُوهَا، وَإِلَّا رَدُّوا عَلَى الْمَوْلَى جَمِيعَ مَا قَبَضُوا مِنْ ثَمَنِ أَكْسَابِ الْعَبْدِ فَلَا تُنْقَضُ الْبُيُوعُ الَّتِي جَرَتْ مِنْ الْقَاضِي فِي كَسْبِهِ؛ لِأَنَّ لِلْقَاضِي وِلَايَةَ بَيْعِ مَالِ الْغَائِبِ، وَتُؤَخَّرُ حُقُوقُ الْغُرَمَاءِ إلَى أَنْ يُعْتَقَ الْعَبْدُ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ لَمْ يَثْبُتْ لَمَّا أَنْكَرَ الْمَوْلَى فَكَانَ مَحْجُورًا وَالْمَحْجُورُ لَا يُؤَاخَذُ بِضَمَانِ الْأَقْوَالِ لِلْحَالِ، وَإِنَّمَا يَتْبَعُ بَعْدَ الْعِتْقِ. اهـ أَتْقَانِيٌّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
فِي الْفَاضِلِ عَنْ حَاجَتِهِ. قَالَ رحمه الله: (فَإِنْ حَضَرُوا أَقَرَّ بِإِذْنِهِ بِيعَ، وَإِلَّا فَلَا) أَيْ لَوْ حَضَرَ الْمَوْلَى فَأَقَرَّ بِالْإِذْنِ بِيعَ بِالدَّيْنِ لِظُهُورِ الدَّيْنِ فِي حَقِّهِ بِإِقْرَارِهِ، وَإِنْ قَالَ هُوَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ لِتَمَسُّكِهِ بِالظَّاهِرِ فَلَا يُبَاعُ إلَّا إذَا أَثْبَتَ الْغُرَمَاءُ الْإِذْنَ مِنْهُ بِالْبَيِّنَةِ فَحِينَئِذٍ يُبَاعُ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ عِيَانًا إذْ هِيَ مُبَيِّنَةٌ كَاسْمِهَا.
قَالَ رحمه الله: (وَإِنْ أَذِنَ لِلصَّبِيِّ أَوْ الْمَعْتُوهِ الَّذِي يَعْقِلُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاء وَلِيُّهُ فَهُوَ فِي الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ كَالْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ) يَعْنِي فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحْكَامِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَتَقَيَّدُ بِنَوْعٍ مِنْ التِّجَارَةِ دُونَ نَوْعٍ وَيَكُونُ مَأْذُونًا لَهُ بِسُكُوتِ الْوَلِيِّ حِينَ مَا يَرَاهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي وَيَصِحُّ إقْرَارُهُ بِمَا فِي يَدِهِ مِنْ كَسْبِهِ وَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي الْعَبْدِ وَالْمُرَادُ بِكَوْنِهِ يَعْقِلُ الْبَيْعَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْبَيْعَ سَالِبٌ لِلْمِلْكِ وَالشِّرَاءَ جَالِبٌ لَهُ، وَأَنْ يَقْصِدَ بِهِ الرِّبْحَ وَيَعْرِفَ الْغَبْنَ الْيَسِيرَ مِنْ الْفَاحِشِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: رحمه الله لَا تَنْفُذُ تَصَرُّفَاتُهُ، وَأَصْلُ الْخِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فِي أَنَّ عِبَارَتَهُ صَالِحَةٌ لِلْعُقُودِ الشَّرْعِيَّةِ عِنْدَنَا فِيمَا هُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ أَوْ النَّفْعِ الْمَحْضِ، وَعِنْدَهُ غَيْرُ صَالِحَةٍ لِلْعُقُودِ حَتَّى لَوْ تَوَكَّلَ بِالتَّصَرُّفِ جَازَ، وَعِنْدَهُ لَا يَجُوزُ لَهُ قَوْله تَعَالَى {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء: 5] وقَوْله تَعَالَى {حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6] شَرَطَ الْبُلُوغَ وَالرُّشْدَ لِلدَّفْعِ إلَيْهِمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَنَهَى عَنْ الدَّفْعِ إلَى السُّفَهَاءِ فِي الْأُولَى، وَهُمَا سَفِيهَانِ، وَلَيْسَا بِبَالِغَيْنِ؛ وَلِأَنَّهُمَا مَحْجُورٌ عَلَيْهِمَا لِأَجْلِ أَنْفُسِهِمَا شَرْعًا، وَعِلَّةُ الْحَجْرِ قَائِمَةٌ بِهِمَا فَلَا تَزُولُ بِالْإِذْنِ بِخِلَافِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِحَقِّ غَيْرِهِ، وَهُوَ الْمَوْلَى، وَقَدْ زَالَ بِالْإِذْنِ؛ وَلِأَنَّهُمَا مُوَلًّى عَلَيْهِمَا فِي هَذَا التَّصَرُّفِ حَتَّى يَمْلِكَهُ الْوَلِيُّ وَيَمْلِكُ حَجْرَهُمَا فَلَا يَصْلُحَانِ أَنْ يَكُونَا وَلِيَّيْنِ لِلتَّنَافِي؛ لِأَنَّ كَوْنَهُمَا مُولَيًا عَلَيْهِمَا سَبَبُهُ الْعَجْزُ، وَكَوْنُهُمَا وَلِيَّيْنِ سَبَبُهُ الْقُدْرَةُ، وَالْعَجْزُ وَالْقُدْرَةُ لَا يَجْتَمِعَانِ فَصَارَ كَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالْوَصِيَّةِ.
وَاخْتِيَارُ الصَّبِيِّ أَحَدَ أَبَوَيْهِ عَلَى أَصْلِهِ؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ لَا يَتَوَلَّى هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فَلَا يَكُونُ مُولَيًا عَلَيْهِ فِيهَا فَلَا تَنَافِي فَتَصِحُّ مِنْهُ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً لِعَدَمِ إمْكَانِ تَحْصِيلِهِ مِنْ جِهَةِ الْوَلِيِّ فَقُلْنَا بِصِحَّتِهَا مِنْهُ كَيْ لَا تَفُوتَهُ هَذِهِ الْمَصَالِحُ بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَلَنَا قَوْله تَعَالَى:{وَابْتَلُوا الْيَتَامَى} [النساء: 6] أُمِرْنَا بِالِابْتِلَاءِ، وَهُوَ الِامْتِحَانُ وَالِاخْتِبَارُ هَلْ هُوَ رَشِيدٌ أَمْ لَا، وَذَلِكَ بِأَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الصَّغِيرَ أَهْلٌ لِلتَّصَرُّفِ، وَأَنَّ تَصَرُّفَهُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْيَتِيمَ حَقِيقَةً اسْمٌ لِلصَّغِيرِ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام لَا يُتْمَ بَعْدَ الِاحْتِلَامِ وقَوْله تَعَالَى:{وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 2]، وَهَذَا أَمْرٌ بِدَفْعِ أَمْوَالِهِمْ إلَيْهِمْ فَلَوْلَا أَنَّ تَصَرُّفَهُ مُعْتَبَرٌ شَرْعًا لَمَا أَمَرَ بِدَفْعِهِ إلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ إلَيْهِمْ تَمْكِينٌ لَهُمْ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ؛ وَلِأَنَّ التَّصَرُّفَ الْمَشْرُوعَ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ مُضَافًا إلَى مَحَلِّهِ عَنْ وِلَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِنَفَاذِهِ كَالْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ، وَلَا خَفَاءَ فِي شَرْعِيَّةِ التَّصَرُّفِ وَالْمَحَلِّيَّةِ.
وَكَذَا فِي الْأَهْلِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْأَهْلِيَّةَ لِلتَّصَرُّفِ بِالتَّكَلُّمِ عَنْ تَمْيِيزٍ وَبَيَانٍ لَا عَنْ تَلْقِينٍ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ، وَالْكَلَامُ فِي مِثْلِهِ فَتَثْبُتُ الْوِلَايَةُ صَوْنًا لِكَلَامِهِ عَنْ الْإِلْغَاءِ، وَالْحَجْرُ عَلَيْهِ لِعَدَمِ هِدَايَتِهِ إلَى التَّصَرُّفِ لَا لِذَاتِهِ وَبِإِذْنِ الْوَلِيِّ يُسْتَدَلُّ عَلَى ثُبُوتِ هِدَايَتِهِ إلَى التَّصَرُّفِ إذْ لَا يَأْذَنُ لَهُ ظَاهِرًا إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ هِدَايَتِهِ وَبَقَاءُ وِلَايَةِ الْوَلِيِّ لِأَجْلِ النَّظَرِ لَهُ لِتَتَّسِعَ لَهُ طُرُقُ التَّحْصِيلِ فَيَحْصُلُ بِطَرِيقَيْنِ بِمُبَاشَرَتِهِ، وَمُبَاشَرَةِ الْوَلِيِّ وَيُمَكَّنُ الْوَلِيُّ مِنْ حَجْرِهِ لِاحْتِمَالِ تَبَدُّلِ حَالِهِ، وَمَتَى جَعَلْنَاهُ وَلِيًّا بِاعْتِبَارِ الْأَهْلِيَّةِ لَمْ نَجْعَلْهُ مُولَيًا عَلَيْهِ، وَمَتَى جَعَلْنَاهُ مُولَيًا عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ قُصُورِ الْوِلَايَةِ لَمْ تَجْعَلْهُ وَلِيًّا فِيهِ فَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَعْرِفُ الْمَصَالِحَ وَيَبْعُدُ مِنْ الْمَضَارِّ، وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِلنَّظَرِ، وَمَصُونٌ عَنْ الضَّرَرِ، وَفِي اعْتِبَارِ كَلَامِهِ ذَلِكَ، وَفِي عَدَمِ اعْتِبَارِهِ إهْدَارُ آدَمِيَّتِهِ، وَإِلْحَاقُهُ بِالْبَهَائِمِ، وَهُوَ ضَرَرٌ مَحْضٌ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ؛ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ مَحْضٌ فَلَمْ يُؤَهَّلْ لَهُ، وَلَا يَمْلِكُهُ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْوَلِيُّ وَالنَّافِعُ الْمَحْضُ كَقَبُولِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ يُؤَهَّلُ لَهُ قَبْلَ الْإِذْنِ وَيَمْلِكُهُ وَالْمُتَرَدِّدُ بَيْنَهُمَا كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْإِجَارَةِ وَنَحْوِهَا يُؤَهَّلُ لَهُ بَعْدَ الْإِذْنِ وَيَمْلِكُهُ، وَلَا يَمْلِكُهُ قَبْلَهُ لِلِاحْتِمَالِ مَعَ أَنَّهُ أَهْلٌ لِلتَّصَرُّفِ لِمَا ذَكَرْنَا حَتَّى لَوْ بَاشَرَهُ قَبْلَ الْإِذْنِ يَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَةِ الْوَلِيِّ حَتَّى إذَا رَأَى فِيهِ مَصْلَحَةً أَجَازَهُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْبَالِغَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ عَاقِلٌ مُمَيِّزٌ وَيُشْبِهُ الْمَجْنُونَ وَالطِّفْلَ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ الْخِطَابُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَإِنْ أَذِنَ لِلصَّبِيِّ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ إذْنِ الْعَبْدِ شَرَعَ مِنْ بَيَانِ إذْنِ الصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ وَالْمَعْتُوهِ، وَقَدَّمَ الْأَوَّلَ لِكَثْرَةِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ بِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ؛ وَلِأَنَّ إذْنَ الْعَبْدِ صَحِيحٌ اتِّفَاقًا بِخِلَافِ إذْنِ الصَّبِيِّ فَإِنَّ فِيهِ خِلَافَ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْخِلَافِ فَقَدَّمَ الْمُجْمَعَ لِكَوْنِهِ أَصْلًا. اهـ.
(قَوْلُهُ: دُونَ نَوْعٍ) فَإِذَا أَذِنَ لَهُ فِي نَوْعٍ مِنْ التِّجَارَةِ يَكُونُ مَأْذُونًا فِي الْأَنْوَاعِ كُلِّهَا. اهـ أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَيَكُونُ مَأْذُونًا لَهُ بِسُكُوتِ الْوَلِيِّ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ هَذَا فِي الْأَبِ وَالْجَدِّ وَالْوَصِيِّ لَا فِي الْقَاضِي أَلَا تَرَى إلَى مَا ذَكَرَ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى أَنَّ الْقَاضِي إذَا رَأَى الصَّغِيرَ أَوْ الْمَعْتُوهَ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي فَسَكَتَ لَا يَكُونُ مَأْذُونًا فِي التِّجَارَةِ وَنَقَلَهُ عَنْ مَأْذُونِ خُوَاهَرْ زَادَهْ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَيَعْرِفُ الْغَبْنَ الْيَسِيرَ مِنْ الْفَاحِشِ)، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنْ يَعْرِفَ نَفْسَ الْعِبَارَةِ فَإِنَّهُ مَا مِنْ صَبِيٍّ لُقِّنَ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ إلَّا وَيَتَلَقَّنُهُمَا كَذَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ إذْنُ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ بَاطِلٌ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذْنُ الْعَبْدِ الصَّغِيرِ وَكِتَابَتُهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: أَنَّهُ يُقَرِّبُ الْمَصَالِحَ وَيَبْعُدُ) وَاَلَّذِي بِخَطِّ الشَّارِحِ أَنَّهُ يَعْرِفُ الْمَصَالِحَ وَيَبْعُدُ. اهـ. (قَوْلُهُ: كَقَبُولِ الْهِبَةِ) أَيْ وَالْإِسْلَامِ. اهـ.
وَفِي عَقْلِهِ قُصُورٌ وَلِلْغَيْرِ عَلَيْهِ وِلَايَةٌ فَأَلْحَقْنَاهُ بِالْبَالِغِ فِي التَّصَرُّفِ النَّافِعِ وَبِالْمَجْنُونِ فِي الضَّارِّ، وَفِي الْمُتَرَدِّدِ بِالْمَجْنُونِ قَبْلَ الْإِذْنِ وَبِالْبَالِغِ بَعْدَهُ، وَلَا يُقَالُ قَدْ يَقَعُ الْبَيْعُ أَيْضًا نَفْعًا مَحْضًا بِأَنْ بَاعَ شَيْئًا بِأَضْعَافِ قِيمَتِهِ فَإِذَا وَقَعَ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَنْفُذَ بِغَيْرِ إجَازَةِ الْوَلِيِّ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِأَصْلِ وَضْعِهِ دُونَ مَا يَعْرِضُ لَهُ بِاتِّفَاقِ الْحَالِ.
وَالْبَيْعُ فِي أَصْلِ وَضْعِهِ مُتَرَدِّدٌ بِخِلَافِ الْهِبَةِ؛ لِأَنَّهَا ضَرَرٌ مَحْضٌ، وَقَبُولُهَا نَفْعٌ مَحْضٌ، وَلَا مَدْخَلَ لِلْوَلِيِّ فِيهِمَا، وَالْمَنْهِيُّ عَنْ الدَّفْعِ فِي الْآيَةِ أَمْوَالُنَا، وَكَلَامُنَا وَقَعَ فِي أَمْوَالِهِمْ وَالْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ الدَّفْعُ إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ عِنْدَ الْبُلُوغِ، وَعِنْدَ إينَاسِ الرُّشْدِ مِنْهُمْ، وَذَلِكَ لَا يَنْفِي الدَّفْعَ فِي غَيْرِ تِلْكَ الْحَالَةِ لِمَا عُرِفَ أَنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لَا يَنْفِي الْحُكْمَ عَمَّا عَدَاهُ عَلَى أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ سَفِيهٌ بَلْ هُوَ رَشِيدٌ؛ لِأَنَّ كَلَامَنَا فِيمَنْ عُلِمَ رُشْدُهُ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ النَّهْيُ وَالْمُرَادُ بِالْوَلِيِّ وَلِيٌّ لَهُ تَصَرُّفٌ فِي الْمَالِ، وَهُوَ أَبُوهُ ثُمَّ وَصِيُّ الْأَبِ ثُمَّ جَدُّهُ أَبُو أَبِيهِ ثُمَّ وَصِيُّ جَدِّهِ ثُمَّ الْوَالِي ثُمَّ الْقَاضِي أَوْ وَصِيُّ الْقَاضِي.
وَأَمَّا مَا عَدَا الْأُصُولَ مِنْ الْعَصَبَةِ كَالْعَمِّ وَالْأَخِ أَوْ غَيْرِهِمْ كَالْأُمِّ وَوَصِيِّهَا وَصَاحِبِ الشُّرْطَةِ، وَلَا يَصِحُّ إذْنُهُمْ لَهُ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَتَصَرَّفُوا فِي مَالِهِ تِجَارَةً فَكَذَا لَا يَمْلِكُونَ الْإِذْنَ لَهُ فِيهَا وَالْأَوَّلُونَ يَمْلِكُونَ التَّصَرُّفَ فِي مَالِهِ فَكَذَا يَمْلِكُونَ الْإِذْنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، وَكَذَا لِلصَّبِيِّ أَوْ الْمَعْتُوهِ أَنْ يَأْذَنَ لِعَبْدِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي التِّجَارَةِ تِجَارَةٌ مَعْنًى، وَلَيْسَ لِابْنِ الْمَعْتُوهِ أَنْ يَأْذَنَ لِأَبِيهِ الْمَعْتُوهِ، وَلَا أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَالِهِ، وَكَذَا إذَا كَانَ الْأَبُ مَجْنُونًا؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الْقَرِيبِ لَا تَثْبُتُ إلَّا إذَا كَانَ الْمُتَصَرِّفُ كَامِلَ الرَّأْيِ وَافِرَ الشَّفَقَةِ، وَلَيْسَ لِلِابْنِ وُفُورُ الشَّفَقَةِ فَلَا يَمْلِكُهُ بِخِلَافِ الْأَبِ وَالْجَدِّ فَإِنَّهُمَا وَافِرَا الشَّفَقَةِ كَامِلَا الرَّأْيِ فَيَمْلِكَانِهِ وَوَصِيُّهُمَا قَائِمٌ مَقَامَهُمَا فَيَكُونُ مُعْتَبَرًا بِهِمَا فَيَمْلِكُ الْإِذْنَ لِلصَّغِيرِ وَالْمَعْتُوهِ الَّذِي بَلَغَ مَعْتُوهًا وَلِعَبْدِهِمَا كَمَا يَمْلِكَانِهِ، وَإِنْ بَلَغَ رَشِيدًا ثُمَّ عَتِهَ كَانَ الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَلْخِيّ رحمه الله يَقُولُ لَا يَصِحُّ الْإِذْنُ لَهُ قِيَاسًا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله وَيَصِحُّ اسْتِحْسَانًا، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ رحمه الله
وَلَيْسَ لِلصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ الْمَأْذُونِ لَهُمَا أَنْ يَتَزَوَّجَا، وَلَا يُزَوِّجَا مَمَالِيكَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ التِّجَارَةِ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُمَا الْوَلِيُّ بِالتَّزَوُّجِ أَوْ بِتَزْوِيجِ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ يَمْلِكُ ذَلِكَ فَيَمْلِكُ تَفْوِيضَهُ إلَيْهِمَا، وَلَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَ الْعَبْدِ فَلَا يَمْلِكُ تَفْوِيضَهُ إلَيْهِمَا بِخِلَافِ الْمَوْلَى فَإِنَّهُ يَمْلِكُ تَزْوِيجَ عَبْدِ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ فَيَمْلِكُ الْعَبْدَ أَيْضًا إذَا فُوِّضَ إلَيْهِ صَرِيحًا، وَإِنْ كَانَ لَا يَمْلِكُهُ عِنْدَ إطْلَاقِ الْإِذْنِ فَحَاصِلُهُ أَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَعْتُوهَ الْمَأْذُونَ لَهُمَا كَالْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحْكَامِ إلَّا أَنَّ الْوَلِيَّ لَا يُمْنَعُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِمَا، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِمَا دَيْنٌ، وَلَا يَقْبَلُ إقْرَارَهُ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا دَيْنٌ بِخِلَافِ الْمَوْلَى وَالْفَرْقُ أَنَّ إقْرَارَ الْوَلِيِّ عَلَيْهِمَا شَهَادَةٌ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى غَيْرِهِ فَلَا يُقْبَلُ وَدَيْنُهُمَا غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِمَالِهِمَا، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهُمَا حُرَّانِ فَكَانَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بَعْدَ الدَّيْنِ كَمَا كَانَ لَهُ قَبْلَهُ فَإِنْ قِيلَ إذَا لَمْ يَمْلِكْ الْوَلِيُّ الْإِقْرَارَ عَلَيْهِمَا فَكَيْفَ يَمْلِكَانِهِ وَوِلَايَتُهُمَا مُسْتَفَادَةٌ مِنْهُ قُلْنَا لَمَّا انْفَكَّ الْحَجْرُ عَنْهُمَا صَارَ كَمَا إذَا انْفَكَّ بِالْبُلُوغِ فَيُقْبَلُ إقْرَارُهُمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا بِخِلَافِ الْوَلِيِّ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى غَيْرِهِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: وَصَاحِبُ الشُّرْطَةِ لَا يَصِحُّ إلَخْ)، وَإِذْنُ أَمِيرِ الشُّرْطَةِ وَلَمْ يُوَلَّ الْقَضَاءَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُقِيمَ لِأَمْرٍ خَاصٍّ فَلَا يَلِي التَّصَرُّفَاتِ عَلَى النَّاسِ وَالشُّرْطَةُ خِيَارُ الْجُنْدِ، وَالْجَمْعُ شُرَطٌ وَصَاحِبُ الشُّرْطَةِ يُرَادُ بِهِ أَمِيرُ الْبَلْدَةِ، وَإِنَّمَا سُمُّوا الشُّرَطَ؛ لِأَنَّهُمْ أَشْرَطُوا أَيْ أَعْلَمُوا؛ لِأَنْفُسِهِمْ عَلَامَةً يُعْرَفُونَ بِهَا. اهـ أَتْقَانِيٌّ مَعَ حَذْفٍ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَ الْعَبْدِ) فِي الْهِدَايَةِ، وَلَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَ عَبْدِهِ وَلَا كِتَابَتَهُ قَالَ السَّيِّدُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَمْلِكْهَا مَعَ أَنَّ الْأَبَ وَالْوَصِيَّ يَمْلِكَانِهَا؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُمَا مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ النَّظَرِ فَيَتَحَقَّقُ فِي الْكِتَابَةِ النَّظَرُ، وَأَمَّا تَصَرُّفُ الصَّبِيِّ بَعْدَ الْإِذْنِ مُقَيَّدٌ بِالتِّجَارَةِ، وَالْكِتَابَةُ لَيْسَتْ بِتِجَارَةٍ. اهـ. وَفِي الْهِدَايَةِ، وَلَا يُزَوِّجُ عَبْدَهُ قَالَ السَّيِّدُ فِيهِ إجْمَاعٌ، وَفِي تَزْوِيجِ أَمَتِهِ خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَهُ. اهـ. وَفِي شَرْحِ الْأَتْقَانِيِّ إنَّمَا قُيِّدَ بِالْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ يَمْلِكُ تَزْوِيجَ أَمَتِهِ مِنْ عَبْدِ غَيْرِهِ أَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ، وَلَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَ أَمَتِهِ مِنْ عَبْدِ نَفْسِهِ وَبِهِ صَرَّحَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ. اهـ.
(فَرْعٌ) وَلَوْ أَذِنَ الْمَعْتُوهُ الَّذِي يَعْقِلُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ فِي التِّجَارَةِ لِابْنِهِ كَانَ بَاطِلًا؛ لِأَنَّهُ مُوَلَّى عَلَيْهِ فَلَا يَلِي غَيْرَهُ، كَذَا فِي شَرْحِ الْكَافِي، وَمَوْتُ الْأَبِ أَوْ وَصِيِّهِ حَجْرٌ عَلَى الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِوِلَايَتِهِمَا وَرَأْيِهِمَا، وَقَدْ زَالَتْ وِلَايَتُهُمَا وَرَأْيُهُمَا بِمَوْتِهِمَا، وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي أَذِنَ لِلصَّبِيِّ أَوْ الْمَعْتُوهِ فِي التِّجَارَةِ ثُمَّ عُزِلَ الْقَاضِي لَا يَتَصَرَّفُ بِوِلَايَةِ نَفْسِهِ بَلْ يَتَصَرَّفُ بِوِلَايَةِ الْخَلِيفَةِ أَوْ وُلَاةِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَائِمٌ أَلَا تَرَى أَنَّ إذْنَهُ بِمَنْزِلَةِ الْحُكْمِ مِنْهُ وَسَائِرُ أَحْكَامِهِ لَا تَبْطُلُ بِمَوْتِهِ، وَعَزْلُهُ فَكَذَلِكَ هَذَا، وَقَالَ خُوَاهَرْ زَادَهْ فِي مَبْسُوطِهِ إذَا كَانَ لِلصَّبِيِّ أَوْ الْمَعْتُوهِ أَبٌ أَوْ وَصِيٌّ أَوْ جَدٌّ أَبُو الْأَبِ فَرَأَى الْقَاضِي أَنْ يَأْذَنَ لِلصَّبِيِّ أَوْ لِلْمَعْتُوهِ فِي التِّجَارَةِ فَأَذِنَ لَهُ، وَأَبَى أَبُوهُ فَإِذْنُهُ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَتْ وِلَايَةُ الْقَاضِي عَلَى الصَّغِيرِ مُؤَخَّرَةً عَنْ وِلَايَةِ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي التِّجَارَةِ حَقُّ الصَّبِيِّ قَبْلَ الْوَلِيِّ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَهْتَدِي بِذَلِكَ إلَى التِّجَارَاتِ فَإِذَا طَلَبَ مِنْ الْأَبِ، وَأَبَى صَارَ الْأَبُ عَاضِلًا لَهُ فَانْتَقَلَتْ الْوِلَايَةُ إلَى الْقَاضِي كَالْوَلِيِّ فِي بَابِ النِّكَاحِ إذَا عَضَلَ انْتَقَلَتْ الْوِلَايَةُ بِسَبَبِ الْعَضَلِ إلَى الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْإِنْكَاحَ مِنْ الْكُفْءِ حَقُّ الْمَرْأَةِ قَبْلَ الْوَلِيِّ فَإِذَا امْتَنَعَ الْوَلِيُّ مِنْ الْإِيفَاءِ انْتَقَلَتْ الْوِلَايَةُ إلَى الْقَاضِي فَكَذَا هَذَا فَإِنْ حَجَرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ فَحَجْرُهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ فَسْخُ الْإِذْنِ، وَالْإِذْنُ صَحَّ مِنْ الْقَاضِي فَلَا يَبْطُلُ بِحَجْرِ غَيْرِ الْقَاضِي، وَإِنْ حَجَرَ عَلَيْهِ هَذَا الْقَاضِي بَعْدَمَا عُزِلَ لَا يَعْمَلُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِحُّ مِنْهُ الْحَجْرُ بِوِلَايَةِ الْقَضَاءِ فَإِذَا لَمْ يَبْقَ لَهُ وِلَايَةُ الْقَضَاءِ لَمْ يَبْقَ لَهُ وِلَايَةُ الْحَجْرِ، وَإِنْ حَجَرَ الْقَاضِي الَّذِي قَامَ مَقَامَهُ عَمِلَ حَجْرُهُ؛ لِأَنَّ