المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب [في الإيداع] - تحبير المختصر وهو الشرح الوسط لبهرام على مختصر خليل - جـ ٤

[بهرام الدميري]

الفصل: ‌باب [في الإيداع]

‌باب [في الإيداع]

(المتن)

بَابٌ الإِيدَاعُ تَوْكِيلٌ بِحِفْظِ مَال وَضُمِنَ بسُقُوطِ شَيْءٍ عَلَيْهَا؛ لَا إِنِ انْكَسَرَتْ فِي نَقْلِ مِثْلِهَا، وَبِخَلْطِهَا، إِلَّا كَقَمْحٍ بِمِثْلِهِ، أَوْ دَرَاهِمَ بمثلها لِلإِحْرَازِ، ثُمَّ إِنْ تَلِفَ بَعْضُهُ فَبَيْنَكُمَا، إِلَّا أَنْ يَتَمَيَّزَ، وَبِانْتِفَاعِهِ بِهَا، أَوْ سَفَرِهِ؛ إِنْ قَدَرَ عَلَى أَمِينٍ؛ إِلَّا أَنْ تُرَدَّ سَالِمَةً. وَحَرُمَ سَلَفُ مُقَوَّمٍ وَمُعْدِمٍ، وَكُرِهَ النَّقْدُ وَالْمِثْلِيُّ كَالتِّجَارَةِ، وَالرِّبْحُ لَهُ، وَبَرِئَ، إِنْ رَدَّ غَيْرَ الْمُحَرَّمِ إِلَّا بِإِذْنٍ، أَوْ يَقُولَ: إِنِ احْتَجْتَ فَخُذْ، وَضَمِنَ الْمَأْخُوذَ فَقَطْ، أَوْ بِقَفْل بِنَهْيٍ، أوْ بِوَضْعٍ بِنُحَاسٍ فِي أَمْرِهِ بِفَخَّارٍ، لَا إِنْ زَادَ قُفْلًا، أَوْ عَكَسَ فِي الْفَخَّارِ، أوْ أَمَرَ بِرَبْطٍ بِكُمٍّ فَأَخَذَهَا بِالْيَدِ، كَجَيْبِهِ عَلَى الْمُخْتَارِ،

(الشرح)

(الإِيدَاعُ تَوْكِيلٌ بِحِفْظِ مَالِ) لما كان المودِع والمودَع يُشترط فيهما ما يشترط في الوكالة من كمال التصرف، نبه على ذلك بقوله:(تَوْكِيلٌ) فدل ذلك على أن من جاز له أن (1) يوَّكل أو يتوكل (2) جاز له أن يودِع ويودَع إلا أن هذا معترض بالمأذون، فإن له قبول الوديعة وليس له أن يتوكل إلا بإذن سيده، وذكر (3) أن الإيداع توكيل في حفظ المال، ولعله يريد في الاصطلاح (4)، وإلا فهو أعم منه كإيداع الأب ولده عند من يحفظه، والأمة المتواضعة عند أمين، وكلامه أيضا يتناول الإجارة على (5) حراسة (6) المال.

قوله: (وَضُمِنَ بِسُقُوطِ شَيْءٍ عَلَيْهَا) يريد: أن الوديعة وإن كانت من الأمانات التي الأصل فيها عدم الضمان فقد يعرض لها ما ينقلها عن ذلك الأصل، وذلك في مواضع منها ما ذكره هنا، وهو (7) أن تكون رصاصًا (8) أو فخارًا أو نحوهما مما يفسد بسقوطه أو

(1) قوله: (أن) ساقط من (ن).

(2)

في (ن 4): (يوكَل).

(3)

في (ن 3): (ذلك).

(4)

قوله: (في الاصطلاح) يقابله في (ن): (الاصطلاحي).

(5)

في (ن): (و).

(6)

قوله: (على حراسة) يقابله في (ن 3): (وحراسة).

(7)

في (ن): (وهي).

(8)

في (ن) و (ن 3): (زجاجًا).

ص: 343

بسقوط شيء عليه، فإن المودع يضمنها إذا سقط من يده عليها شيء فأفسدها؛ لأن ذلك كجناية الخطأ، وهو في أموال الناس كالعمد.

قوله: (لا إِنِ انْكَسَرَتْ فِي نَقْلِ مِثْلِهَا) أي: فإنه لا (1) يضمنها حينئذ؛ لأنه مأذون له في ذلك، فلو لم ينقلها نقل مثلها، فإنه يضمنها.

قوله: (وَبِخَلطِهَا) أي: ومما يضمن معه أيضا الوديعة إذا خلطها بشيء له أو لغيره.

قوله (2): (إِلا كَقَمْحٍ بِمِثْلِهِ، أو دَرَاهِم بمثلها (3)) أي: أما إذا خلط شيئًا بمثله كحنطة بمثلها أو دنانير أو دراهم بمثلها أو نحو ذلك مما هو مماثل في الجنس والصفة، فإنه لا يضمن، وهو المشهور، وفي (4) الثمانية عن عبد الملك أنه يضمن (5)، واحترز باقوله:(بمثله) مما إذا خالطه بما يخالفه صفة كالمحمولة والسمراء، فإنه يضمنه بلا خلاف.

قوله: (لِلإِحْرَازِ) هو قيد في سقوط الضمان، ونص عليه في المدونة (6).

قوله: (ثُمَّ إِنْ تَلِفَ بَعْضُهُ فَبَيْنَكُمَا، إِلا أَنْ يَتَمَيَّزَ) أي: فإن خلط الدنانير والدراهم بمثلها أو القمح بمثله ثم ضاع منه شيء فإن التالف يقسم على المالين ويتحاصّان فيما بقي، قال في المدونة: لأن دراهمك لا تعرف من دراهمه (7)، ولو عرفت بعينها كانت مصيبة كل واحد من ربها ولا يغيرها الخلط (8)، وهذا معنى قوله:(إلا أن يتميز) ونحوه في النوادر وغيرها.

قوله: (وَبِانْتِفَاعِهِ بِهَا) أي: وكذا يضمنها (9) إذا انتفع بها بأن يستعملها فتلفت بسبب ذلك، سواء كانت دابة فيركبها أو يحمل عليها شيئًا فتعطب أو غير ذلك.

(1) قوله: (لا) ساقط من (ن 5).

(2)

قوله: (أي: ومما يضمن

بشيء له أو لغيره قوله) ساقط من (ن 3).

(3)

في (ن 3) و (ن 4): (بِدَنَانِيرَ).

(4)

في (ن 3) و (ن 4) و (ن 5): (وقيل في).

(5)

في (ن 3): (لا يضمن). وانظر: التوضيح: 6/ 468.

(6)

انظر: المدونة: 4/ 435.

(7)

قوله: (من دراهمه) ساقط من (ن 3).

(8)

انظر: التهذيب: 6/ 293.

(9)

في (ن): (يضمن).

ص: 344

قوله: (أَوْ سَفَرِهِ، إِنْ قَدَرَ عَلَى أَمِينٍ) أي: وكذا يضمنها (1) إذا سافر بها من غير عذر بأن يكون قادرًا على إيداعها عند أمين فيأخذها معه فتضيع قبل الرد، وسواء كان (2) سفر نقلة أو تجارة أو زيارة ونحوه في الكافي (3)، واحترز بقوله:(إِنْ قَدَرَ عَلَى أَمِينٍ) مما إذا لم يجد أمينًا يودعها عنده وخشي عليها إذا تركها أن تضيع فإنه لا يضمن، وقد نص عليه اللخمي (4).

قوله: (إِلا أَنْ تُرَدَّ سَالِمَةً) أي: إلا أن ترد إلى مكانها سالمة فتهلك بعد ذلك، فإن المودع لا يضمنها حينئذ لعدم سبب الضمان.

قوله: (وَحَرُمَ سَلَفُ مُقَوَّمٍ (5)) أي: سواء كان المودع مليًا أو معدمًا وهو (6) مما لا خلاف فيه لأنه من باب شراء الشيء بإذن (7) ربه.

قوله: (ومعدم) أي سواء (8) كانت الوديعة من المقومات أو من المثليات وهو مما اتفق عليه؛ لأن ربها يتضرر بعدم الوفاء.

قوله: (وكره النقد والمثلي) يريد: للملي لما (9) علمت أن المعدم (10) يحرم سلفه مطلقًا، والكراهة في النقد مذهب المدونة، في كتاب الوديعة واللقطة (11) منها أن ذلك ممنوع، وفي العتبية إن أشهد على السلف جاز وإلا كره، وقال عبد الملك: إن كانت مربوطة أو مختومة (12) لم يجز وإلا جاز (13)، وأخذ بعض الأشياخ الكراهة في المثلي من

(1) في (ن): (يضمن).

(2)

زاد بعده في (ن): (في).

(3)

انظر: الكافي: 2/ 804.

(4)

انظر: التبصرة، للخمي، ص:5983.

(5)

زاد بعده في (ن): (كالحيوان).

(6)

في (ن): (وهذا).

(7)

في (ن): (بغير إذن).

(8)

قوله: (كان المودع مليًا

بإذن ربه. قوله: "ومعدم" أي سواء) ساقط من (ن 3) و (ن 4).

(9)

في (ن): (كما).

(10)

قوله: (للملي لما علمت أن المعدم) يقابله في (ن 3): (أن المثلي مما علمت أن المقوم).

(11)

قوله: (في كتاب الوديعة واللقطة) يقابله في (ن) و (ن 4): (وفي كتاب الوديعة وفي كتاب اللقطة).

(12)

في (ن) و (ن 3) و (ن 4): (محبوسة).

(13)

انظر: عقد الجواهر: 2/ 518.

ص: 345

المدونة (1)، وعلى قول عبد الملك (2) لا يجوز، ولابن المواز (3) فيمن استودع حنطة فباعها لنفسه كان لصاحبها أخذ الثمن إن شاء، ومنهم من أخذ الجواز من المدونة.

قوله: (كَالتِّجَارَةِ (4) وَالرِّبْحُ لَهُ) أي: وكذا تكره (5) التجارة بالوديعة (6) بغير إذن ربها، فإن تجر فربح كان الربح له، وقاله في المدونة، ومثله في النوادر وغيرها (7)، وزاد في المدونة: وليس عليه أن يتصدق بالربح (8).

قوله: (وَبَرِئَ إِنْ رَدَّ غَيْرَ المُحَرَّمِ) أي: فإن تسلف ما لا يحرم تسلفه كالنقد والمثلى للملي (9)، ثم ردّ ذلك إلى موضعه فضاع فإنه يبرأ ولا ضمان عليه فيه، وأخذ بهذا القول ابن القاسم وأشهب وأصبغ وابن عبد الحكم، ورواه يحيى وغيره (10) عن مالك، وهو المشهور، وقاله في المدونة، وعن مالك أيضا إن ردها بإشهاد برئ وإلا فلا، وأخذ به ابن وهب، وقال أيضا لا يبرأ وإن أشهد وهو قول أهل المدينة ورواه عنه المصريون (11) وعن عبد الملك إن كانت مربوطة أو مختومة لم يبرأ (12) إلا إذا ردها إلى ربها وإن تسلف بعضها ضمن جميعها، وإن كانت منثورة (13) لم يضمن إلا ما تسلفه إن تلفت؛ لأنه لم يتعد إلا فيه وهو مصدق في رده، ولو تلفت بعد ردها لم يضمن شيئًا (14).

(1) انظر: التوضيح: 6/ 470.

(2)

قوله: (عبد الملك) يقابله في (ن 3): (مالك).

(3)

قوله: (ولابن المواز) يقابله في (ن) و (ن 4): (ولابن القاسم)، وفي (ن 3):(وعن ابن المواز).

(4)

في (ن): (والتجارة).

(5)

في (ن 3): (تحرم).

(6)

قوله: (بالوديعة) ساقط من (ن).

(7)

انظر: تهذيب المدونة: 6/ 303، بلفظ:"ومن أودعته مالًا فتجر فيه فالربح له، وليس عليه أن يتصدق بالربح".

(8)

انظر: المدونة: 1/ 158 و 6/ 303.

(9)

قوله: (للملي) ساقط من (ن 3).

(10)

قوله: (وغيره) ساقط من (ن).

(11)

انظر تفصيل هذه الأقوال في النوادر والزيادات: 10/ 433.

(12)

قوله: (وإن أشهد وهو قول أهل المدينة

إن كانت مربوطة أو مختومة لم يبرأ) ساقط من (ن 4).

(13)

في (ن): (منشورة).

(14)

انظر: عقد الجواهر: 1/ 518.

ص: 346

قوله: (إِلا بِإِذْنٍ، أَوْ يَقُولَ: إِنِ احْتَجْتَ فَخُذْ) أي: إلا أن يستأذن المودع رب الوديعة في السلف منها، فيأذن له أو يقول له عند الإيداع أو بعده: إن احتجت إلى شيء منها فخذ (1)، فإنه يسقط (2) عنه الضمان حينئذ. اللخمي وصاحب البيان: وهذا مما لا يحتلف فيه؛ لأنه سلف (3) من المالك، فصارت كسائر الديون (4).

قوله: (وَضَمِنَ المَأْخُوذَ فَقَطْ) هذا كقول ابن المواز: ومن استودع كيسًا فتسلف منه عشرة دنانير ثم سُرق فلا يضمن إلا ما أخذ، وزاد: ولو قال: رددت فيه ما أخذت قبل أن يذهب صُدق مع يمينه، وقاله أشهب ولم يذكر في المدونة يمينًا، وعن محمد أيضا: وإن تسلف بغير بينة صُدق وإلا لم يصدق إلا ببينة على الرد (5).

قوله: (وَبِقَفْلٍ بِنَهْيٍ) أي: هذا أيضا متعلق بقوله: (ضَمِنَ) والباء في (بِنَهْيٍ) للمصاحبة، والمعنى أن المودع يضمن الوديعة بسبب قفل مصاحب للنهي، أي: بأن يقول له ربُها لا تقفل عليها فخالفه وقفل، وقال (6) ابن عبد الحكم في النوادر: ومن أودع رجلا وديعة وقال له اجعلها في تابوتك، ولا تقفل عليها، فجعلها فيه وقفل عليها وتلفت (7)، فإنه يضمنها؛ لأن السارق إذا رأى التابوت مقفولًا كان أطمع (8)، ومال اللخمي إلى عدم الضمان؛ لأن السارق يطمع في الصندوق وإن لم يكن عليه قفل ولم يكن لزيادة الأطماع وجه، كما لو قال له: اقفل بقفل واحد، فقفل بقفلين (9).

ابن عبد الحكم: ولو قال: اجعلها في التابوت ولم يزد: لم يضمن إن قفل عليها (10)،

(1) قوله: (أي: إلا أن يستأذن المودع

إن احتجت إلى شيء منها فخذ) ساقط من (ن 3).

(2)

قوله: (فإنه يسقط) يقابله في (ن 5): (فإنه لا يسقط).

(3)

قوله: (لأنه سلف) يقابله في (ن): (لأن السلف).

(4)

انظر: التبصرة، للخمي، ص: 5991، والبيان والتحصيل: 8/ 223.

(5)

انظر تفصيل هذه الأقوال في النوادر والزيادات: 10/ 433.

(6)

في (ن): (وقد قال).

(7)

قوله: (وتلفت) ساقط من (ن 4).

(8)

انظر: النوادر والزيادات: 10/ 431.

(9)

انظر: التبصرة، للخمي، ص:5979.

(10)

انظر: النوادر والزيادات: 10/ 431، بلفظ:"اجعلها في التابوت ولم يقل غير ذلك لم يضمن إن أقفل عليها".

ص: 347

ومن هذا احترز بقوله: (بِنَهْيٍ) أي: فلو قفله بغير نهي فلا يضمن (1).

قوله: (أو بوضِعٍ بِنُحَاسٍ فِي أَمْرِهِ بِفَخَارٍ) الباء في الموضعين للظرفية، وفي قوله (بِوَضْعٍ) للسببية، والمعنى أن المودع يضمن الوديعة بسبب وضعها في وعاء من النحاس، إذا أمره ربها أن يضعها في وعاء من الفخار؛ لأن في ذلك إغراء للسارق، وقد نص عليه ابن عبد الحكم (2).

قوله: (لا إِنْ زَادَ قُفْلًا) أي: فإنه لا يضمن، وقد نص عليه غير واحد، وقال ابن عبد الحكم: ولو قال له: اجعلها في سطل نحاس فجعلها في قِدر فخار فضاعت لم يضمن (3)، وإليه أشار بقوله:(أَوْ عَكَسَ فِي الفَخَّارِ).

قوله: (أَوْ أَمَرَ بِرَبْطٍ بِكُمٍّ فَأَخَذَ باليَدِ) أي: وكذا لا يضمن إذا قال له ضعها في كُمك فأخذها في يده وضاعت لأن اليد أَحفظ من الكم. ابن شاس: إلا أن يريد بجعلها في الكم إخفاءها عن غاصب (4) فيضمن بجعلها في يده.

قوله: (كَجَيْبِهِ عَلَى المُخْتَارِ) أي: وكذا لا يضمن إذا قال له اجعلها في كمك فجعلها في جيبه، وهو اختيار اللخمي (5)، وهو ظاهر لا سيما إذا كان كجيب أهل المغرب، وقيل: يضمنها بناء على أن الكم أحفظ.

(المتن)

وَبِنِسْيَانِهَا فِي مَوْضِعِ إِيدَاعِهَا، وَبِدُخُولِهِ الْحَمَّامَ بِهَا، وَبِخُرُوجِهِ بِهَا يَظُنُّهَا لَهُ فَتَلِفَتْ؛ لَا إِنْ نَسِيَهَا فِي كُمِّهِ فَوَقَعَتْ، وَلَا إِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ الضَّمَانَ، وَبِإِيدَاعِهَا وَإِنْ بِسَفَرٍ لِغَيْرِ زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةٍ اعْتِيدَتا بِذَلِكَ إِلَّا لِعَوْرَةٍ حَدَثَتْ، أَوْ لِسَفَرٍ عِنْدَ عَجْزِ الرَّدِّ، وَإِنْ أُودِعَ بِسَفَرٍ. وَوَجَبَ الإِشْهَادُ بِالْعُذْرِ، وَبَرِئَ إِنْ رَجَعَتْ سَالِمَةً، وَعَلَيْهِ اسْتِرْجَاعُهَا إِنْ نَوَى الإِيَابَ، وَبِبَعْثِهِ بِهَا، وَبِإنْزَائِهِ عَلَيْهَا فَمُتْنَ، وَإِنْ مِنَ الْوِلَادَةِ كَأَمَةٍ زَوَّجَهَا فَمَاتَتْ مِنَ الْوِلَادَةِ، وَبِجَحْدِهَا ثَمَّ فِي قَبُولِ بَيِّنَةِ الرَّدِّ خِلافٌ.

(الشرح)

(1) قوله: (يضمن) ساقط من (ن).

(2)

انظر: النوادر والزيادات: 10/ 431.

(3)

انظر: النوادر والزيادات: 10/ 431.

(4)

في (ن 4): (صاحبها).

(5)

انظر: التبصرة، للخمي، ص: 5979 و 5980.

ص: 348

قوله: (وَبِنِسْيَانِهَا فِي مَوْضِعٍ إِيدَاعِهَا، وَبِدُخُولِه الحَمَّامَ بِهَا، وَبِخُرُوجِه بِهَا (1) يَظُنُّهَا لَهُ فَتَلِفَتْ، لا إِنْ نَسِيَهَا فِي كُمِّهِ فَوَقَعَتْ) هذا معطوف على المواضع (2) الموجبة للضمان، وكان الأحسن لو عطفه بـ"أو" ليناسب ما قبله، وبعض ذلك منصوص عليه في النوادر، وقال فيها: عن عبد الملك ومطرف: ومن عنده وديعة فأخذها يومًا وأدخلها في كمه وخرج بها يظنها دراهمه فسقطت فإنه يضمن، وإن نسيها في موضع دفعت إليه فيه وقام ضمنها، وهذه جناية منه، وليس ذلك كسقوطها من كمه أو يده في غير نسيان لأخذها، هذا لا ضمان عليه، وقاله أصبغ، وقال سحنون في كتاب (3) آخر: وإن صرها في كمه مع نفقته، ثم دخل الحمام فضاعت ثيابه بما فيها فإنه ضامن (4)، وأما إن نسيها في كمه فضاعت فإنه لا يضمن وإليه أشار بقوله:(لا إن نسيها في كمه فوقعت)(5).

قوله: (وَلا إِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ الضَّمَانَ) هو معطوف على قوله: (لا (6) إن نسيها في كمه) أي: وكذا لا يضمن إذا اشترط عليه المودع الضمان (7)؛ لأنها أمانة، والأصل فيها عدم الضمان.

قوله: (وَبِإِيدَاعِهَا وَإِنْ بِسَفَرٍ) أي: ومما يوجب ضمان الوديعة إيداعها عند غيره؛ لأن ربها لم يرضَ إلا بأمانته، وسواء أودعها في السفر أو (8) الحضر إلا أن يودعها لعذر كما سيذكره، وهذا كقوله (9) في المدونة: وإذا أودعت مسافرًا مالًا في سفره فأودعه فضاع ضمن (10). اللخمي: وقال ابن القاسم وأشهب: إلا أن يضطره لصوص فيسلمها لمن ينجو بها (11).

(1) قوله: (وَبِخُرُوجِه بِهَا) ساقط من (ن).

(2)

في (ن 3) و (ن 4) و (ن 5): (الموانع).

(3)

في (ن 3) و (ن 4) و (ن 5): (كتابات).

(4)

انظر تفصيل هذه الأقوال النوادر والزيادات: 10/ 430.

(5)

قوله: (وأما إن نسيها في كمه

"لا إن نسيها في كمه فوقعت") ساقط من (ن) و (ن 4).

(6)

قوله: (لا) ساقط من (ن).

(7)

في (ن): (ضمان الوديعة).

(8)

في (ن): (في).

(9)

قوله: (وهذا كقوله) يقابله في (ن): (لقوله).

(10)

انظر: التهذيب: 6/ 293.

(11)

انظر: التبصرة، للخمي، ص:5983.

ص: 349

قوله: (لِغَيْرِ زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةٍ اعْتِيدَتا بِذَلِكَ) هو شرط في الضمان مع الإيداع، واحترز بقوله (اعْتِيدَتا (1)) أي: بالإيداع مما إذا كانت الزوجة والأمة غير معتادتين بذلك (2)، مثل أن يودع بفور التزويج أو الشراء فإنه يضمن، وأما إذا كانتا معتادتين بذلك فلا ضمان (3). وقال أشهب: يضمن في الأمة دون الزوجة، ولم يقع في كلام (4) مالك التقييد بالاعتياد، بل نص على نفي الضمان مطلقًا، إلا أن ابن القاسم قيد كلامه بذلك، وحمله أكثر الأشياخ على أنه تفسير (5) لقول مالك، وهو ظاهر الكتاب، وحمله بعضهم على الخلاف.

قوله: (إِلا لِعَوْرَةٍ حَدَثَتْ، أَوْ لِسَفَرٍ عِنْدَ عَجْزِ الرَّدِّ، وَإِنْ أُودِعَ بِسَفَرٍ) أي: فإن كان إنما أودع لعذر فلا ضمان عليه، كما إذا خاف عورة منزله فأودعها أو أراد سفرًا وعجز عن رد الوديعة إلى ربها ونحوه في المدونة، وقيد أشهب نفي الضمان بعورة المنزل بما إذا أحدث (6) ذلك أو زاد على ما (7) علمه رب الوديعة، قال: وإن استودع وهو في خراب يخاف عليها فأودعها لغيره في أعمر منه، فإن كان ربها (8) علم بخراب مكانه وخوفه ولم يزد خرابه إلى ما هو أخوف منه فالمودع ضامن، وإن زاد خراب موضعه وخوفه على ما كان فلا شيء عليه في إيداعه لغيره، ولهذا قال: لعورة حدثت، فدل على أنها لو كانت موجودة حين الإيداع ولم تزد لضمن كما قال أشهب، وكلامه تقييد لقول ابن القاسم (9)، وذكر عبد الحق واللخمي (10) معنى قول أشهب تقييدًا للمدونة، ولم يعزواه

(1) زاد بعده في (ن): (بذلك).

(2)

قوله: (بذلك) ساقط من (ن).

(3)

في (ن): (يضمن).

(4)

في (ن): (قول).

(5)

في (ن 3): (تقييد).

(6)

في (ن) و (ن 3) و (ن 4): (حدث).

(7)

قوله: (ما) ساقط من (ن).

(8)

زاد بعده في (ن): (قد).

(9)

انظر: النوادر والزيادات: 10/ 430.

(10)

انظر: التبصرة، للخمي، ص:5981.

ص: 350

لأشهب، وقوله (1)(عند عجز الرد) تنبيها منه على أنه إذا أمكنه ردها إلى ربه (2) فسافر (3) بها فضاعت فإنه يضمنها، وسواء أودع في سفر أو حضر كما ذكر.

قوله: (وَوَجَبَ الإِشْهَادُ بِالعُذْرِ) أي: إذا أودع لعورة المنزل أو لسفره عند عجز الرد، فإنه يجب عليه أنَّ يشهد بينة على ذلك العذر، وفي المدونة أنه إذا بين (4) الوجه الذي لأجله أودع فلا ضمان عليه، ولا يصدق أنه خاف عورة منزله أو (5) أراد سفرًا فأودعها لذلك (6)، وخرج اللخمي فيها خلافًا، وقال: ومحمل قول ابن القاسم أنه يصدق ربها (7) إذا ثبت الخوف أو السفر على أن المودع صدقة في قبضها، وقال: أنها ضاعت، وأما إن كذبه وقال: لم تدفع إلى شيئا فلا يصدق (8)، وقال أبو محمد: إذا علم بسفره أو عورة منزله وأودعها بغير بينة وأنكرها المودع لا ضمان عليه (9).

قوله: (وَبَرِئَ، إِنْ رَجَعَتْ سَالِمَةً) أي: فإن سافر بالوديعة حيث لا يجوز له السفر بها، ثم رجعت معه سالمة فإنه يبرأ من ضمانها إن ضاعت بعد ذلك.

قوله: (وَعَلَيْهِ اسْتِرْجَاعُهَا إِنْ نَوَى الإِيَابَ) يريد: أنه إذا أودع الوديعة لعذر السفر، وكان سفره على وجه العودة، فإنه يجب عليه إذا عاد (10) أن يأخذها ليحفظها لربها؛ لأنه التزم حفظها له حتى يدفعها له. اللخمي: فلا يسقط عنه إلا القدر (11) الذي سافر فيه، ثم قال: وإن كان سفره على وجه الانتقال، ثم عاد كان له أن يأخذها وليس ذلك

(1) في (ن) و (ن 4) و (ن 5): (وقال).

(2)

قوله (ربها) ساقط من (ن 3) و (ن 4) و (ن 5).

(3)

في (ن): (ثم سافر).

(4)

في (ن): (تبين).

(5)

في (ن): (و).

(6)

انظر: التهذيب: 6/ 292.

(7)

زاد بعده في (ن 4): (في الإيداع).

(8)

قوله: (على أن المودع صدقه في قبضها، ويقال: أنها ضاعت

فلا يصدق). زيادة من (ن 4)، انظر: التبصرة، للخمي، ص:5982.

(9)

انظر تفصيل هذه الأقوال في: التوضيح: 6/ 460 و 461.

(10)

قوله: (فإنه يجب عليه إذا عاد) يقابله في (ن): (فإن عليه).

(11)

في (ن 3): (العذر)، وفي (ن 4):(لعذر).

ص: 351

بواجب عليه (1)، وهو مفهوم من قوله:(إِنْ نَوَى الإِيَابَ) أي: الرجعة، يريد: فإن لم ينوها فلا يجب استرجاعها عليه.

قوله: (وَبِبَعْثِه لها) أي: ومما يوجب الضمان للوديعة بعثها مع غيره فتهلك، وهذا كقول ابن وهب في النوادر في المودع يبعث الوديعة إلى ربها فيأخذها اللصوص فإنه ضامن وربها مصدق، إن ادعى أنه لم يأمره (2) بذلك (3).

قوله: (وَبِإِنْزَائِهِ عَلَيْهَا فَمُتْنَ، وَإِنْ مِنَ الوِلادَةِ كَأَمَةٍ زَوَّجَهَا (4) فَمَاتَتْ مِنَ الوِلادَةِ) يريد: أن من استودع نوقًا أو خيلًا أو شيئًا من الحيوانات فأنزى عليها أو كن جواري فزوجهن فمتن من الولادة أو متن تحت الفحل فإنه يضمن ذلك، وقاله ابن القاسم في المدونة وغيرها (5)، ونقل اللخمي عن مالك نفي الضمان إن متن من الولادة (6)، وقال أشهب: لا ضمان عليه في شيء من ذلك (7).

قوله: (وَبِجَحْدِهَا) يريد: أنه إذا طلب منه الوديعة فأنكرها، وقال: لم تودع عندي شيء فإنه يضمنها، وانظر هذا مع قول ابن شاس، ومهما جحد فالقول قوله، فلا بد (8) أن يحمل قوله هنا على أن يكون رب الوديعة أقام بعد إنكار المودع الوديعة (9) بينة على أنه أودعه ذلك، ولا إشكال حينئذ في ضمانه، إن لم يدع (10) شيئًا.

قوله: (ثُمَّ فِي قَبُولِ بَيِّنَةِ الرَّدِّ خِلافٌ) أي: فإن قال بعد ذلك رددتها وأقام بينة على ذلك، فاختلف هل تقبل بينته لأنه أمين، كما في عامل القراض يجحده، ثم يقيم بينة على

(1) انظر: التبصرة، للخمي، ص:5983.

(2)

قوله: (إن ادعى أنه لم يأمره) يقابله في (ن) و (ن 4): (وإن ادعى أنه أمره).

(3)

انظر: النوادر والزيادات: 1/ 426.

(4)

في (ن): (زوجتها).

(5)

انظر: المدونة: 4/ 443، والنوادر والزيادات: 10/ 447.

(6)

انظر: التبصرة، للخمي، ص:6009.

(7)

انظر: النوادر والزيادات.10/ 447.

(8)

قوله: (فلا بد) يقابله في (ن) و (ن 4): (إلا).

(9)

قوله: (الوديعة) ساقط من (ن).

(10)

في (ن): (يودع).

ص: 352

رده، فإنها تنفعه (1). ابن زرقون: وهو المشهور، أو لا تقبل؛ لأنه كذبها حين جحد أصل الوديعة، وهو قول ابن القاسم وأشهب ومطرف وعبد الملك وأصبغ (2).

ابن شاس: وهو المشهور. اللخمي: والأول أحسن (3).

(المتن)

وَبِمَوْتِهِ وَلَمْ يُوصِ، وَلَمْ تُوجَدْ؛ إِلَّا لِكَعَشْرِ سِنِينَ، وَأَخَذَهَا، إِنْ ثَبَتَتْ بِكِتَابَةٍ عَلَيْهَا أَنَّهَا لَهُ إِن ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ خَطُّهُ، أَوْ خَطُّ الْمَيِّتِ، وَبِسَعْيِهِ بِهَا لِمُصَادِرٍ، وَبِمَوْتِ الْمُرْسَلِ مَعَهُ لِبَلَدٍ، إِنْ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ، وَبِكَلُبْسِ الثَّوْبِ، وَرُكُوبِ الدَّابَّةِ. وَالْقَوْلُ لَهُ أَنَّهُ رَدَّهَا سَالِمَةً، إِنْ أَقَرَّ بِالْفِعْلِ، وَإِنْ أَكْرَاهَا لِمَكَّةَ وَرَجَعَتْ بِحَالِهَا، إِلَّا أَنَّهُ حَبَسَهَا عَنْ أَسْوَاقِهَا فَلَكَ قِيمَتُهَا يَوْمَ كِرَائِهِ. وَلَا كِرَاءَ، أَوْ أَخْذُهُ وَأَخْذُهَا،

(الشرح)

قوله: (وَبِمَوْتِهِ وَلَمْ يُوصِ، وَلَمْ توجَدْ، إِلا لِكَعَشْرِ سِنِينَ) يريد: بضمان (4) الميت كون الوديعة تؤخذ من ماله، ومعناه إذا مات وعنده وديعة ولم يوص بها ولم توجد في تركته فإنها تؤخذ من تركته؛ لأنه يحمل على أنه تسلفها، قال مالك: إلا أن يتقادم الأمر كعشر سنين فإنه يحمل على أنه ردها، قال: والسنة يسير، فإن قال عند موته: هي في موضع كذا (5) فلم توجد فيه فهي من صاحبها؛ كأن (6) الميت يقول: لم أتسلفها، واختار اللخمي أن تحمل العين على السلف، وكذلك المكيل والموزون والعروض (7) على غير السلف (8).

قوله: (وَأَخَذَهَا إِنْ ثَبَتَتْ بِكِتَابَةٍ عَلَيْهَا أَنَّهَا لَهُ إِن ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ خَطُّهُ، أَوْ خَطُّ المَيِّتِ)

(1) في (ن 3): (شفعة).

(2)

انظر: النوادر والزيادات: 10/ 440.

(3)

انظر: التبصرة، للخمي، ص:6003.

(4)

في (ن): (فضمان).

(5)

قوله: (كذا) ساقط من (ن).

(6)

في (ن) و (ن 4): (لأن).

(7)

في (ن): (والعرض).

(8)

قوله: (على غير السلف) يقابله في (ن) و (ن 3) و (ن 5): (على التلف). وانظر: التبصرة، للخمي، ص:6000.

ص: 353

يعني: إذا وجد مكتوبًا على الوديعة أنها لفلان وثبت أن ذلك خط (1) المودع أو خط الميت فإنه يأخذها، وقال ابن القاسم إذا وجد عليها خط الميت، فإنه يأخذها (2) وقال أصبغ: وكذلك لو وجد خط صاحب المال (3)، قال: وهذا على قول من قال (4) يقضى له بالخط، ولابن دحون أنه لا يقضى لربها (5) لاحتمال أن يكون بعض الورثة أخرجها له، وكتب عليها اسم المذكور ويأخذ على (6) ذلك جعلًا (7)، ولابن القاسم في العتبية: إذا لم يوص بها ووجد (8) مكتوبًا عليها أنها لفلان، وفيها: كذا ولا بينة على إيداعه (9) فلا شيء له إلا ببينة أو بإقرار الميت ولعله صانع أهل الميت (10)، ورواه عنه أبو زيد (11).

قوله: (وَبِسَعْيِهِ بِهَا لِمُصَادِر) أي: وكذلك يضمن الوديعة إذا سعى بها للمصادر (12)؛ لأنه تسبب في هلاكها (13)، ومصادر بكسر الدال اسم فاعل، ويصح بالفتح على أنه اسم مفعول، والأول أصحح؛ لأن الظالم هو الذي تسلط على هلاكها وأخذها.

قوله: (وَبِمَوْتِ المُرْسَلِ مَعَهُ لِبَلَدٍ، إِنْ لَمْ يَصِل إِلَيْهِ) هذه مسألة المدونة، وفصّل فيها كما أشار إليه هنا بين موت الرسول قبل وصوله إلى بلد رب المال أو بعده، وأنه إن مات قبل وصوله فهي في تركته، وإن مات بعد ذلك وزعم المرسل إليه أنه لم يدفع إليه شيئا فلا شيء على الرسول، وهذا مفهوم من قوله:(إِنْ لَمْ يَصِل) وذهب في كتاب محمد إلى

(1) قوله: (خط) ساقط من (ن).

(2)

قوله: (فإنه يأخذها) زيادة من (ن 3). وانظر: النوادر والزيادات: 10/ 453.

(3)

في (ن 4): (الوديعة). وانظر: النوادر والزيادات: 10/ 453.

(4)

قوله: (قال) زيادة من (ن 3).

(5)

في (ن): (له بها).

(6)

قوله: (على) ساقط من (ن).

(7)

انظر: البيان والتحصيل: 15/ 296.

(8)

في (ن): (ووجدت).

(9)

في (ن): (إيداعها).

(10)

في (ن): (البيت).

(11)

انظر: النوادر والزيادات: 10/ 453.

(12)

في (ن): (لمصادر).

(13)

في (ن 3) و (ن 4) و (ن 5): (لهلاكها).

ص: 354

عكس هذه التفرقة، وقال أشهب: ذلك في تركة الرسول في الصورتين، وأشار ابن عبد السلام إلى تخريج نفي الضمان مطلقًا من مسألة ما إذا مات المودع ولم يوص بها ولم توجد في تركته (1)، وهو ظاهر قوله:(وَبكَلُبْسُ الثَّوْبِ، وَرُكُوبُ الدَّابَّةِ) لو ذكر هذا بعد قوله: (وبانْتِفَاعِهِ بِهَا) لكان أحسن، بل لو أسقطه لاستغنى عنه بما تقدم؛ لأن الانتفاع يعم (2) السلف واللبس والركوب وغيره، ومراده أن المودع إذا لبس الثوب أو ركب الدابة فتلف بسبب ذلك فإنه يضمن لتعديه.

قوله: (وَالقَوْلُ لَهُ أنّه رَدَّهَا سَالِمَةً، إِنْ أَقَرَّ بالفِعْلِ) أي والقول للمودع ان ادعى أنه ردها بحالها يريد مع يمينه إن كان هو الذي أقر بالفعل، إذا لم يعرف ذلك إلا بقوله بخلاف ما إذا قامت عليه بينة ثم ادعى أنه ردها سالمة، فإنه لا يصدق وهو قول محمد. وقال: هو قول أصحابنا (3). وقيل: لا يبرأ إلا (4) بردها إلى صاحبها (5) ولو أقر (6) بالفعل وقيل: إن ردها بحالها بإشهاد برئ وإلا فلا، وقيل: يصدق وإن لم يشهد إذ لا يعرف إلا منه.

قوله: (وَإِنْ أَكْرَاهَا لِمَكَّةَ وَرَجَعَتْ بِحَالِهَا إِلا أنَّهُ حَبَسَهَا عَنْ أَسْوَاقِهَا فَلَكَ قِيمَتُهَا يَوْمَ كِرَائِهِ وَلا كِرَاءَ أَوْ أَخْذُهُ وَأَخْذُهَا) أي: فإن أكرى الدابة الوديعة (7) لمكة من غير إذن (8) مالكها ثم رجعت سالمة بحالها التي كانت عليها إلا أنه حبسها عن أسواقها، ومنع ربها منها، فإن ربها يخير بين أن يأخذ قيمتها يوم أكراها؛ لأنه تعدى عليها، ولا كراء لربها (9)، وإن شاء أخذ الكراء مع الدابة، وكلامه ظاهر التصور (10)، ونحوه في المدونة (11).

(1) انظر تفصيل هذه الأقوال في التوضيح: 6/ 466 و 467.

(2)

في (ن): (يعد).

(3)

انظر: النوادر والزيادات: 10/ 435، والتوضيح: 6/ 469.

(4)

قوله: (إلا) ساقط من (ن 3).

(5)

في (ن 3) و (ن 4) و (ن 5): (أصحابها).

(6)

زاد بعده في (ن): (هو).

(7)

قوله: (الوديعة) زيادة من (ن 5).

(8)

قوله: (إذن) زيادة من (ن 4).

(9)

قوله: (ولا كراء لربها) يقابله في (ن 3): (ولا إكراء له).

(10)

قوله: (التصور) ساقط من (ن).

(11)

انظر: المدونة: 3/ 489.

ص: 355

(المتن)

وَبِدَفْعِهَا مُدَّعِيًا أَنَّكَ أَمَرْته بِهِ، وَحَلَفْتَ وَإِلَّا حَلَفَ وَبَرِئَ، إِلَّا بِبَيِّنَةٍ عَلَى الآمِرِ، وَرَجَعَ. عَلَى الْقَابِضِ، وَإِنْ بَعَثْتَ إِلَيْهِ بِمَالٍ، فَقَالَ: تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَيَّ وَأَنْكَرْتَ: فَالرَّسُولُ شَاهِدٌ، وَهَلْ مُطْلَقًا؟ أَوْ إِنْ كَانَ الْمَالُ بِيَدِهِ؟ تَأْوِيلَانِ. وَبِدَعْوَى الرَّدِّ عَلَى وَارِثِكَ، أَوِ الْمُرْسَلِ إِلَيْهِ الْمُنْكِرِ كَعَلَيْكَ؛ إِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِهِ مَقْصُودَةٌ لَا بِدَعْوَى التَّلَفِ، أَوْ عَدَمِ الْعِلْمِ بِالرَّدِّ أَوِ الضَّيَاعِ، وَحَلَفَ الْمُتَّهَمُ وَلَمْ يُفِدْهُ شَرْطُ نَفْيِهَا، فَإِنْ نكلَ حَلَفْتَ، وَلَا إِنْ شَرَطَ الدَّفْعَ لِلْمُرْسَلِ إِلَيْهِ بِلَا بَيِّنَةٍ،

(الشرح)

قوله: (وَبِدَفْعِهَا مُدَّعِيًا أَنَّكَ أَمَرْتَهُ بِهِ، وَحَلَفْتَ وَإِلا حَلَفَ وَبَرِئَ، إِلا بِبَيِّنَةٍ عَلَى الآمِرِ، وَرَجَعَ عَلَى القَابِضِ) ابن يونس: ومن المدونة عن ابن القاسم: ومن أودعته وديعة فادعى أنك أمرته بدفعها إلى فلان ففعل، وأنكرت أنت أن تكون أمرته فهو ضامن إلا أن تقوم بينة أنك أمرته بذلك (1)، قال سحنون: ويحلف ربها، فإن نكل حلف المودع وروى (2) ابن القاسم في المودع يأتيه من يزعم أن ربها أمره بأخذها فصدقه ودفعها إليه فضاعت (3) منه فالدافع ضامن لها، ثم له أن يرجع على الذي قبضها فيأخذها منه (4)، وقال أشهب: لربها أخذها ممن شاء، ثم لا رجوع لمن أخذها منه على الآخر؛ لأن الدافع صدق الرسول أنه مأمور بأخذها، فلا يرجع عليه إن غرمها (5).

قوله: (وَإِنْ بَعَثْتَ إِلَيْهِ بِمَالٍ، فَقَالَ: تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَيَّ وَأَنْكَرْتَ فَالرَّسُولُ شَاهِدٌ) قال في المدونة: يحلف (6) المبعوث إليه، ويكون المال صدقة، قيل: كيف يحلف ولم يحضر؟ قال: كما يحلف الصبي إذا كبر مع شاهده في دين أبيه (7)، وقال أشهب (8): لا تجوز شهادة الرسول؛ لأنه يدفع عن نفسه الضمان (9). أبو محمد: يريد أشهب: أن المتصدق عليه

(1) انظر: المدونة: 4/ 442.

(2)

في (ن) و (ن 4) و (ن 5): (وبرئ).

(3)

في (ن 3) و (ن 4) و (ن 5): (وضاعت).

(4)

انظر: النوادر والزيادات: 10/ 449.

(5)

انظر: النوادر والزيادات: 10/ 449.

(6)

زاد بعده في (ن 4): (معه).

(7)

انظر: المدونة: 6/ 299.

(8)

قوله: (أشهب) ساقط من (ن 3).

(9)

انظر: النوادر والزيادات: 10/ 445.

ص: 356

عديم، وقد أتلف المال، ولا بينة للرسول على الدفع (1)، فأما إذا كان له بينة (2) وهو ملي حاضر (3) فشهادة الرسول جائزة مع يمين المشهود له، وكذلك إن قامت للرسول بينة بالدفع في عُدم المشهود له (4). ابن يونس (5): وعلى هذا التأويل يكون قول أشهب وفاقًا لقول ابن (6) القاسم، وكذلك علل محمد قول ابن القاسم (7) وعلل غيره قول أشهب أنه إنما لم تجز شهادته؛ لأنه دفعها دفعًا لم يؤمر به، وذلك لأن الآمر إنما أمره أن يدفعها (8) على وجه الإيداع فدفع (9) على وجه التمليك فلا تجوز شهادته، ولا يؤاخذ الآمر يعني بما (10) أقر به من الدفع. قال و (11) ابن القاسم: إنما أجاز شهادته؛ لأنه أذن له بالدفع فدفع والمال حاضر لم يستهلك بدفعه على باب التمليك شيئًا (12)، إلى هذا وما قبله أشار بقوله:(وَهَل مُطْلَقًا؟ أو إِنْ كَانَ المَالُ بِيَدِهِ تَأْوِيلانِ).

قوله: (وَبِدَعْوَى الرَّدِّ عَلَى وَارِثِكَ) يريد: أن المودع إذا ادعى الرد على وارث رب الوديعة بعد موته، فلا يقبل ويضمنها؛ لأن الوارث لم يأتمنه عليها.

قوله: (أَوِ المُرْسَلِ إِلَيْهِ المُنْكِرِ) يشير إلى قوله في المدونة: ومن بعثت معه (13) بمال ليدفعه إلى رجل صدقة أو صلة أو سلفًا أو (14) ثمن مبيع (15) أو ليبتاع لك به سلعة،

(1) في (ن): (الدافع).

(2)

قوله: (إذا كان له بينة) ساقط من (ن).

(3)

قوله: (به) زيادة من (ن 3) و (ن 4) و (ن 5).

(4)

انظر: النوادر والزيادات: 10/ 445.

(5)

في (ن 4): (اللخمي).

(6)

قوله: (لقول ابن) يقابله في (ن): (لابن).

(7)

قوله: (محمد قول ابن القاسم) يقابله في (ن 3): (أبو محمد قول أشهب).

(8)

في (ن): (يدفع).

(9)

قوله: (على وجه الإيداع فدفع) ساقط من (ن 5).

(10)

قوله: (يعني بما) يقابله في (ن): (بغير ما).

(11)

قوله: (و) ساقط من (ن).

(12)

فوله: (شيئًا) ساقط من (ن 3).

(13)

في (ن 3) و (ن 5): (إليه).

(14)

زاد بعده في (ن): (من).

(15)

في (ن): (بيع).

ص: 357

فقال: قد دفعته إليه، فكذبه الرجل لم يبرأ الرسول إلا ببينة (1).

قوله: (كَعَلَيْكَ، إِنْ كَانَتْ لَكَ بَيِّنَةٌ به (2) مَقْصُودَةٌ) أي: وهكذا (3) لا يقبل قوله إن ادعى أنه رده (4) على صاحب الوديعة، وهو الراد بالخطاب هنا إن كانت له بينة بالدفع مقصودة للتوثق، قال في المقدمات: لأنه إنما ائتمنه على حفظها ولم يأتمنه على ردها فيصدق في الضياع لا في الرد، وهو قول مالك وجميع أصحابه (5)، وقيل: يصدق في الرد أيضا. ابن رشد (6): وهو الذي يأتي على قول أصبغ في الشيء المستأجر يقبضه ببينة، ثم يدعي رده، قال:(7) لأنه إذا صدق في الشيء المستأجر فأحرى الوديعة التي قبضها لمنفعة صاحبها (8)، أما لو دفع إليه الوديعة بغير بيّنة فلا إشكال أنه يصدق، وكذلك لو حضرت وهو يدفع إليه الوديعة إلا أنها لم تكن مقصودة التوثق. اللخمي: وكذلك لو كان الإشهاد خوف الموت ليأخذها من تركته، أو يقول المودع أخاف أن تقول هي سلف فاشهد لي أنها وديعة، ونحو ذلك مما يعلم أنه لم يقصد به التوثق (9).

قوله: (لا بدَعْوَى التَّلَفِ) أي: فإنه لا ضمان عليه حينئذ، ظاهره: ولو قبضها ببينة؛ لأنه مأمون (10) على حفظها على كل حال. ابن رشد (11): فيصدق في الضياع والتلف الذي ائتمنه عليه.

قوله: (أَوْ عَدَمَ العِلمِ بِالرَّدِّ أوِ الضَّيَاعِ) هذا كقول أصبغ في الوديعة يطلبها ربها، فيقول المودع: لا أدري أضاعت مني أو رددتها إليك أنه لا ضمان عليه (12)؛ لأنه ذكر

(1) انظر: تهذيب المدونة: 6/ 296.

(2)

قوله: (به) زيادة من (ن 5).

(3)

في (ن): (وكذلك).

(4)

في (ن 3) و (ن 4) و (ن 5): (ردها).

(5)

انظر: المقدمات الممهدات: 1/ 121.

(6)

في (ن 4): (ابن شاس).

(7)

من هنا يبدأ سقط بمقدار لوحة من (ن 5).

(8)

انظر: المقدمات الممهدات: 1/ 122.

(9)

انظر: التبصرة، للخمي، ص:6003.

(10)

في (ن 3) و (ن 4) و (ن 5): (مأمور).

(11)

في (ن 4): (ابن شاس).

(12)

قوله: (عليه) زيادة من (ن).

ص: 358

أمرين مصدق فيهما إلا أن يأخذها ببينة فلا يبرأ إلا ببينة وإلا ضمن (1).

قوله: (وَحَلَفَ المُتَّهَمُ) سواء اتهم في دعوى الرد أو التلف، ولا خلاف أنه يحلف في دعوى الرد، وأما دعوى التلف فالمشهور أنه يحلف، وقيل: لا يحلف (2).

قوله: (وَلَمْ يُفِدْه (3) شَرْطُ نَفْيِهَا) يريد: أن المودع لا يفيده إذا شرط على رب الوديعة نفي اليمين في دعوى التلف أو الرد أو غير ذلك، بل يحلف لرب (4) الوديعة إن كان متهمًا.

قوله: (فَإِنْ نَكَلَ حَلَفْتَ) أي: فإن نكل المتهم حلف رب الوديعة، يريد: ويغرم له الوديعة، وهو المشهور، وقيل: لا يمين على ربها؛ بناء على أن يمين التهمة لا ترد، وقيل: يغرم بلا يمين.

قوله: (وَلا إِنْ شَرَطَ الدَّفْعَ لِلمُرْسِلِ إِلَيْهِ بِلا بَيِّنَةٍ) هو معطوف على قوله: (لا بِدَعْوَى التَّلَفِ) ومعناه ما قال في المدونة: إن من دفع مالًا لرجل ليوصله لغيره فشرط الرسول على الدافع أنه يسلم المال إلى المرسل إليه بلا بينة، فإنه لا ضمان على الرسول، وزاد فيها: وإن لم تقم للرسول بينة بالدفع إذا ثبت هذا الشرط.

(المتن)

وَبِقَوْلِهِ تَلِفَتْ قَبْلَ أَنْ تَلْقَانِي، بَعْدَ مَنْعِهِ دَفْعَهَا: كَقَوْلِهِ بَعْدَهُ بِلَا عُذْرٍ، لَا إِنْ قَالَ: لَا أَدْرِي مَتَى تَلِفَتْ، وَبِمَنْعِهَا حَتَّى يَأْتِيَ الْحَاكِمَ إِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، لَا إِنْ قَالَ: ضَاعَتْ مُنْذُ سِنِينَ وَكنْتُ أَرْجُوهَا. وَلَوْ حَضَرَ صَاحِبُهَا كَالْقِرَاضِ، وَلَيْسَ لَهُ الأَخْذُ مِنْهَا لِمَنْ ظَلَمَهُ بِمِثْلِهَا.

(الشرح)

قوله: (وَبِقَوْلِهِ: تَلِفَتْ قَبْلَ أَنْ تَلقَانِي بَعْدَ مَنْعِهِ دفعها (5)) هو معطوف على قوله: (وَبِدَعْوَى الرَّدِّ عَلَى وَارِثِكَ) وما بعده من الأمور التي يضمن فيها الوديعة، ومعناه ما قال أصبغ في العتبية عن ابن القاسم فيمن له وديعة عند رجل فطلبه بها فاعتذر له (6)

(1) انظر: النوادر والزيادات: 10/ 440.

(2)

قوله: (يحلف) ساقط من (ن).

(3)

في (ن 4): (ولم يفد).

(4)

في (ن 3) و (ن 4) و (ن 5): (رب).

(5)

في (ن 4): (منها).

(6)

قوله: (له) ساقط من (ن).

ص: 359

بشغل فلم يقبل عذره فتشاحّا، فحلف ألا يعطيها له تلك الليلة، فلما كان من الغد قال: ذهبت قبل أن تلقاني فإنه يضمنها؛ لأنه أقر بها (1)، يريد: لأنه لما لقيه، وقال له بعد أن طلبها: إني مشغول دل على أنها كانت موجودة عنده حين صدر ذلك منه (2)، وإلا لو قال (3) له من أول وهلة ذهبت لم يضمن (4)؛ إذ هو مصدق في ضياعها، ابن رشد (5): لا خلاف في ذلك.

قوله: (كَقَوْلِهِ بَعْدَهُ بِلا عُذْرٍ) أي: وكذا يكون ضامنًا إذا قال له: تلفت بعد أن لقيتني، ولم يكن له عذر حين امتناعه من دفعها عند الطلب.

قوله: (لا إِنْ قَالَ: لا أَدْرِي مَتَى تَلِفَتْ) أي: فإن كانت المسألة بحالها إلا أنه قال: لا أدري متى تلفت، هل قبل أن تلقاني أو بعد ذلك، فلا ضمان عليه، وقاله ابن القاسم، وزاد: ويكون القول قوله مع يمينه.

قوله: (وَبِمَنْعِها (6) حَتَّى يَأْتِيَ الحَاكِمَ إِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ) يريد: أن رب الوديعة إذا طلبها فامتنع المودع من دفعها حتى يأتي الحاكم يدفعها بحضرته فضاعت بعده (7) فإنه يضمن (8)؛ لأن إمساكها (9) ظلم لربها (10) فهو كالمتسبب في ضياعها، أما لو دفعها أولًا ببينة (11) فلا يضمنها المودع حينئذ؛ لأنه معذور، وهو قول ابن القاسم، وقال ابن عبد الحكم: لا ضمان عليه إن قبضها بغير بينة؛ لأنه يقول: خفت سفهه وأذاه. ابن دحون:

(1) انظر: النوادر والزيادات: 10/ 438.

(2)

قوله: (حين صدر ذلك منه) يقابله في (ن 3): (حينئذ).

(3)

قوله: (لو قال) يقابله في (ن): (لقال).

(4)

قوله: (لم يضمن) ساقط من (ن) و (ن 3).

(5)

في (ن 4): (ابن شاس).

(6)

في (ن 4): (وَبِمَنْعِه).

(7)

في (ن): (بعد ذلك الطلب).

(8)

قوله: (فإنه يضمن) ساقط من (ن 3)، وفي (ن):(فإنه يضمنها).

(9)

في (ن): (إمساكه إياها).

(10)

(قوله: (بربها) زيادة من (ن 3).

(11)

(قوله: (أولًا ببينة) ساقط من (ن 3).

ص: 360

هو ضامن، وإن قبضها بإشهاد؛ إذ هو متعد في منع أدائه (1) إلا بالسلطان، وكان له أن يشهد عليه بالرد كما أشهد هو عليه بالقبض، وحكئ هذه الأقوال الثلاثة صاحب البيان (2) والحاكم في كلامه هنا (3)، يصح أن بفرأ (4) بفتح الميم وضمها.

قوله: (لا إِنْ قَالَ ضَاعَتْ مُنْذُ سِنِينَ، وَكُنْتُ أَرْجُوهَا، وَلَوْ حَضَرَ صَاحِبُهَا كَالقِرَاضِ) هذا معنى قول صاحب الجواهر عن ابن القاسم فيمن طلبت منه الوديعة، فقال: ضاعت منذ سنين إلا أني كنت أرجوها أو أطلبها ولم (5) يذكر هذا، وصاحبها حاضر فهو مصدق ولا ضمان عليه، وكذلك القراض، ثم قال: وقال أصبغ: هو ضامن إذا لم يعرف منه طلبها (6)، ولا ذكر لصاحبها ولا لغيره، ولا سيما وحضور (7) ربها آكد، وكل هذا سواء إذا طال ذلك ولم يكن له ذكر، وقال محمد بن عبد الحكم: أصحابنا يقولون: إن سمع منه قبل ذلك الوقت الذي سألها (8) فيه قُبل قوله (9)، وإن لم يسمع منه ذلك إلا في "ذلك الوقت لم يقبل (10)، قال: وأنا (11) أرى أن يحلف، ولا شيء عليه (12).

قوله: (وَلَوْ حَضَرَ صَاحِبُهَا) هو مبالغة في تصديقه، ولو كان صاحب الوديعة حاضرًا معه في البلد أو غيرها (13).

قوله: (وَلَيْسَ لَهُ الأَخْذُ مِنْهَا لَمِنْ ظَلَمَهُ بِمِثْلِهَا) يريد: أن من جحد شخصًا وديعة له

(1) في (ن 3): (أدائها).

(2)

انظر: البيان والتحصيل: 15/ 314.

(3)

هنا نهاية السقط من (ن 5).

(4)

في (ن 3) و (ن 4) و (ن 5): (يقال).

(5)

زاد بعده في (ن): (يكن).

(6)

قوله: (إذا لم يعرف منه طلبها) يقابله في (ن 3): (إذ لم يوف طالبها).

(7)

قوله: (ولا سماع وحضور) يقابله في (ن 4): (ولا سيما حضور).

(8)

في (ن 4): (يطلبها)، وفي (ن):(يسألها).

(9)

قوله: (قوله) ساقط من (ن 4)، وفي (ن):(منه).

(10)

زاد بعده في (ن): (منه).

(11)

قوله: (أنا) ساقط من (ن).

(12)

انظر تفصيل هذه الأقوال في النوادر والزيادات: 10/ 439.

(13)

قوله: (قوله: "وَلَوْ حَضَرَ صَاحِبُهَا"

أو غيرها) ساقط من (ن 3).

ص: 361

عنده أو ظلمه فيها ثم إنه استودعه وديعة فليس له (1) أن يأخذ منها شيئًا، وقاله مالك، وذهب ابن عبد الحكم إلى الجواز، وإن كان عليه دين لقوله تعالى:(فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم)(2) ولحديث هند الأتي، وعن مالك: لا آمره بذلك، وإنما آمره بطاعة الله تعالى، وقال (3): وإن أردت أن تفعل فأنت أعلم به، فظاهره كراهة ذلك، وعن مالك أيضا: أنه يأخذ إن لم يكن عليه دين، فإن كان عليه دين أخذ بقدر ما يجب له في المحاصة، وزاد ابن نافع عنه: أن يحلف (4) إن أمن أن يحلف كاذبًا، يريد: كما إذا قال (5) له: أتحلف (6) ما له عندك شيء (7)، وقال عبد الملك: أرى أن يستعمل الحيلة بكل ما يقدر عليه حتى يأخذ حقه (8)، وحكى عنه في المقدمات الاستحباب، قال: وأظهر الأقوال (9) إباحة الأخذ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام أباح لهند لما شكت إليه أن زوجها أبا سفيان لا يعطيها من الطعام ما يكفيها وولدها، فقال لها:"خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"(10)، واختاره الباجي (11).

(المتن)

وَلَا أُجْرَةُ حِفْظِهَا، بِخِلَافِ مَحَلِّهَا، وَلِكُلٍّ تَرْكُهَا، وَإِنْ أَوْدَعَ صَبِيًّا، أَوْ سَفِيهًا، أَوْ أَقْرَضَهُ أَوْ بَاعَهُ فَأَتْلَفَ لَمْ يَضْمَنْ وَإِنْ بِإِذْنِ أَهْلِهِ، وَتَعَلَّقَتْ بِذِمَّةِ الْمَأذُونِ عَاجِلًا، وَبِذِمَّةِ غَيْرِهِ إِذَا عَتَقَ، إِنْ لَمْ يُسْقِطْهُ السَّيِّدُ. وَإِنْ قَالَ: هِيَ لِأَحَدِكُمَا وَنَسِيتُهُ تَحَالَفَا، وَقُسِمَتْ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ أَوْدَعَ اثْنَيْنِ جُعِلَ بِيَدِ أعدلهما.

(الشرح)

(1) قوله: (له) زيادة من (ن).

(2)

انظر: التوضيح: 6/ 484.

(3)

قوله: (قال) ساقط من (ن 5).

(4)

قوله: (أن يحلف) زيادة من (ن).

(5)

في (ن): (قيل).

(6)

في (ن): (أن يحلف).

(7)

في (ن): (حق). وانظر: المقدمات الممهدات: 1/ 120.

(8)

انظر: التوضيح: 6/ 483.

(9)

في (ن): (الأقاويل).

(10)

انظر: المقدمات الممهدات: 1/ 120 و 121، والبيان والتحصيل: 18/ 493.

(11)

انظر: المنتقى: 5/ 438.

ص: 362

قوله: (وَلا أُجْرَةُ حِفْظِهَا، بِخِلافِ مَحَلِّهَا) أي: وليس له أيضا أخذ (1) أجرة حفظه الوديعة، يريد: لأن العادة جرت بذلك، فكأنهما دخلا على إسقاطها، ولهذا أسقطت، قال في المقدمات: وإن كانت مما تشغل منزله فطلب أجرة الموضع الذي كانت فيه فله ذلك (2)، وإليه أشار بقوله:(بخلاف محلها)، وقيده ابن عبد السلام بمن كانت عادته أخذ الأجرة على ذلك.

قوله: (وَلِكُلٍّ تَرْكُهَا) يريد: أن الوديعة غير لازمة، ولكل (3) من المودَع والمودِع تركها، بمعنى أن لربها أن يستردها، ولآخذها أن يردها لربها، يريد: إلا أن يكون الآخذ بأجرة فإنها تعود إجارة، وهي لازمة.

قوله: (وَإِنْ أَوْدَعَ صَبِيًّا، أَوْ سَفِيهًا أَوْ أَقْرَضَهُ، أَوْ بَاعَهُ فَأَتْلَفَ، لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ بِإِذْنِ أَهْلِه) يريد: أن كلًّا من السفيه والصبي لا ضمان عليهما فيما أتلفا من وديعة أو قراض أو مبيع، لأن رب ذلك سلطه عليه مع علمه أنه ليس من أهل الضمان قال في المدونة عن ابن القاسم: ومن أودع صبيًا وديعة بإذن أهله أو بغير إذنهم فضاعت لم يضمن، ومن باع (4) له (5) سلعة فأتلفها فليس له اتباعه بثمن ولا قيمة (6)، وقيده اللخمي بما إذا لم يصرف ذلك فيما لا بد له منه وله مال، فيرجع عليه بالأقل مأمون من ماله أو التألف (7)، قال: وإن ذهب ذلك المال وأفاد غيره لم يتبعه (8).

قوله: (وَتَعَلَّقَتْ بِذِمَّةِ المَأْذُونِ لَهُ (9) عَاجِلًا، وَبِذِمَّةِ غَيْرِهِ إِذَا عَتَقَ، إِنْ لَمْ يُسْقِطْهُ السَّيِّدُ) يريد: أن العبد المأذون له في التجارة إذا تعدى على وديعة تحت يده فإنها تتعلق بذمته عاجلًا، أي: فتؤخذ منه الآن كالحر، وقال أشهب: يستأنى بها قليلًا ولا تتعلق برقبته،

(1) قوله: (أخذ) زيادة من (ن 3).

(2)

انظر: المقدمات الممهدات: 1/ 126.

(3)

زاد بعده في (ن): (واحد).

(4)

في (ن): (باعه).

(5)

قوله: (له) ساقط من (ن).

(6)

انظر: تهذيب المدونة: 6/ 297.

(7)

في (ن) و (ن 3): (أو اتلف)، وفي (ن 5):(أو تلف).

(8)

انظر: التبصرة، للخمي، ص:6011.

(9)

قوله: (لَهُ) ساقط من (ن).

ص: 363

وأما غير المأذون فإنها تتعلق بذمته (1)، قال في المدونة: لأن الذي أودعه متطوع بالإيداع، وليس للسيد أن يفسخ ذلك عنه، ولا يكون (2) ذلك مما بيده من مال السيد (3)، قال فيها: وإن أودعت عبدًا محجورًا عليه وديعة فأتلفها فهي في ذمته إن عتق يوما ما (4) إلا أن يفسخها عنه السيد في الرق، انتهى وإلية أشار بقوله وبذمة غيره إذا عتق إن لم يسقطه السيد (5). وإنما كان له إسقاط ذلك عنه؛ لأنه مما يعيبه فيسقط عنه في رقّه وبعد عتقه، وقال بعض أصحابنا: إن استهلكها فهي جناية في رقبته كسائر الجنايات (6)، وقال أشهب: إن كان مثله يستودع فهي في ذمته رق أو عتق وإلا فلا شيء عليه في رقه، رده عنه سيده أم لا، حتى يلي نفسه بالعتق؛ أي: فيتبع بذلك (7).

قوله: (وَإِنْ قَالَ: هِيَ لأَحَدِكُمَا وَنَسِيتُهُ، تَحَالَفَا، وَقُسِمَتْ بَيْنَهُمَا (8)) يريد: أن من بيده وديعة فادّعاها رجلان، وقال هو: أعلم أنها لأحدكما إلا أني نسيت عينه فإنهما يتحالفان وتقسم بينهما نصفين. عيسى عن ابن القاسم: ومن نكل منهما فلا شيء له، وهي كلها للذي حلف، وقيل: إذا حلف أحدهما أخذها وغرم للآخر مثلها، ومن نكل منهما (9) فلا شيء له، وهي للآخر (10) الذي حلف، فإن نكلا قسمت بينهما (11).

قوله: (وَإِنْ أَوْدَعَ اثْنَيْنِ جُعِلَ بيَدِ أعدلهما) هذا مثل قوله في المدونة: ومن أودع رجلين وديعة فليكن ذلك عند أعدَلهما (12) كالمال في يد الوصيين (13)، وقال سحنون في

(1) قوله: (وأما غير المأذون فإنها تتعلق بذمته) ساقط من (ن) و (ن 4).

(2)

قوله: (ولا يكون) يقابله في (ن 4): (ويكون).

(3)

في (ن 5): (البعيد).

(4)

قوله: (ما) زيادة من (ن).

(5)

قوله: (وإليه أشار بقوله وبذمة غيره إذا عتق إن لم يسقطه السيد) زيادة من (ن).

(6)

انظر: تهذيب المدونة: 6/ 298. وعقد الجواهر: 2/ 517.

(7)

انظر: عقد الجواهر: 2/ 517.

(8)

قوله: (بينهما) زيادة من (ن).

(9)

قوله: (منهما) زيادة من (ن).

(10)

قوله: (للآخر) ساقط من (ن).

(11)

انظر: البيان والتحصيل: 10/ 449.

(12)

في (ن 3): (أحدهما).

(13)

انظر: تهذيب المدونة: 6/ 300.

ص: 364

الوديعة: لا تكون عند (1) أحدهما ولا تنزع منهما بخلاف الوصيين (2). قلت: وهو الظاهر، لأن رب الوديعة لم يرض بأمانة أحدهما منفردا، ولو أراد ذلك لم يظهر الآخر على الوديعة.

* * *

(1) في (ن 3): (إلا في يد).

(2)

انظر: النوادر والزيادات: 10/ 431؛ بلفظ: في المودعين لا يكون عند أعدلهما. ولا ينزع منهما، بخلاف الوصيين.

ص: 365