الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فبدا بنوني حاجبيه معرفاً
…
من فوق صادي مقلتيه واقفلا
ثم استمد فمد أسفل صدعه
…
ألفاً ألفت به العذاب الاطولا
فأعجب له إذ هم ينقط نقطة
…
من فوق حاجبه فجاءت أسفلا
فتحققت في حاء حمرة خده
…
خالا فعم هواه قلبي المبتلى
قسماً بفاء فتور جيم جفونه
…
لأخالفن على هواه العذلا
وللشعراء من الأسلوب المذكور وقد جمع الحيوان والحروف بقوله:
أرسل فرعاً ولوى هاجري
…
صدغاً فأعيا بهما واصفه
فخلت ذا من خلفه حية
…
تسعى وهذا عقرباً واقفه
ذى ألف ليست بوصل وذى
…
واو ولكن ليست العاطفة
وقال آخر:
لا تقولي لا فمكتوب على
…
وجهك المشرق بالنور نعم
بحروف خلقت من قدرة
…
ما جرى قط عليها من قلم
نوتها الحاجب والعين بها
…
طرفك الفتان ثم الميم فم
نكتة.
اعلم أن الأساليب في هذا الباب دائرة التشبيه المجرد وبين جعل الحرف ونحوها من المشبه في العادة مشبهاً ومقابله في المحبوب مشبهاً به وفي كل ذلك أما أن تبقى الاداة أو تحذف وفي كل أما أن يرشح المعنى بأوصاف تزيده حسناً أولاً وأرفع الكل جعل الممدوح مسبهاً به محذوف الاداة مرشحاً بلطائف الأوصاف وقل سالكه وعكسه معلوم ولي من الفن الثاني.
بروحي أقي من خلتها حين أقبلت
…
على أثر حزن تنثر الدمع في الخد
قضينا من الكافور يمطر لؤلؤاً
…
من النرجس الوضاح في فرش الورد
ومنه وقد زدته على ما يلزمه التحسين الرد على أهل الأسلوب الأول.
شمس الضحى كجبينك الوضاح
…
أف لمن جعلوه كالمصباح
يا قدها ما الغصن لولا الميل مع
…
داعي الهوى كالغصن بالأرياح
أنا فيك سكران الفؤاد معذب
…
أبداً وإن أظهرت فعل الصاحي
فدع الملام وعذل من لم يستمع
…
قول النصيح وخلني يا صاح
ومما لم يعرج فيه على ذكر تشبيه بل أشعر فيه باجتباح المشبه به في العادة إلى المشبه ما قلت:
يهناك يا قلب من زارتك في السحر
…
ولم تحف ثم من واش ولا ضرر
حسناء لو لم تعاين نور طلعتها
…
شمس الضحى ما بدت يوماً على بشر
ووجهها لو رآه البدر واحتجبت
…
عنه ذكا لم تخف نقصاً على القمر
فصل
في خفقان القلب والتلوين عند اجتماع المحبين
أعلم أن مدار تلون البدن أما على الخلط أو شدة الحرارة أو ما تركب منهما والأول يلزم حالة واحدة أما البياض في البلغم أو الحمرة في الدم أو الصفرة في الصفراء أو السواد في السواد وما تركب بحسبه مع مراعاة الطواريء كقرب الشمس أو جبل أو سد جهة وهذا المبحث هو المعروف عند الأطباء بالألوان وعند العامة بالسحنة وموضع تحقيقه الطب والثاني يلزم السمرة وإن أغلب البلغم وأما الثالث فهو الذي تناط به أمثال هذه الأحكام وحاصل القول فيه أن الجلد شفاف يحكى ما تحته وأن الباعث إليه الاخلاط هو الحرارة فهي كالنار إن اشتدت صعدت ما لاقته وموضعها القلب ومحركاتها مختلفة ما بين غضب وحياء وقهر وغيرها أما إلى داخل دفعة أو تدريجياً أو إلى خارج كذلك أو إليهما وموضع بسطه الحكمة والذي يخصنا من ذلك هنا أن نقول أن استيلاء سلطان المحبة والعشق من المعشوق على العاشق أعظم استيلاء من سلطان القهر والعظمة والناموس السلطاني حتى قال بعض الحكماء لكل مرتبة من مراتب المحبة حد إلا محبة العشق فلا حد لها وقال بعضهم إن تعلق روح العاشق ببدنه كتعلق النار بالشمعة إلا أنه لا يطفئها كل هواء إذا تقرر هذا وجمع إلى ما قررناه من مراتب تحريك الحرارة ظهر علة اصفرار لون العاشق وارتعاد مفاصله وخفقان قلبه لأن الاستبشار بالاجتماع الموجب للفرح المنتج لحركة الحرارة إلى خارج لتؤثر الحمرة وصفاء اللون يعارضه لشدة الشفقة الخوف من نحو واش وسرعة تفريق واليأس الموجب لاخماد الحرارة أو جذبها إلى داخل المنتج لصفرة اللون أو الموت فجأة ومن ثم إذا أمن من ذلك لم يقع تغير كما قيل.
فلا تحسبن كل اجتماع مغيراً
…
فإن اجتماعي بالأمان أماني
وأما حمرة المعشوق فهي إما حياء وإما خجل وكل منهما باعث للحرارة إلى خارج ونتيجته احمرار الألوان وصفاؤها فأفضل الألوان الأحمر الصافي المشرق مطلقاً حتى في الثياب كالحلل والمشروب والمشموم كالورد والشقيق والحيوان كالخيل والمعادن كالذهب والياقوت إلى غير ذلك ومنه أهلك الرجال الأحمر أن يعني الخمر واللحم والنساء والاحامر الذهب والزعفران والخمر واللحم ولبعض الشعراء.
إن الأحامرة الثلاثة ضيعت
…
مالي وكنت بهن قدماً مولعا
الخمر واللحم السمين كذا الطلا
…
بالزعفران فلا أزال مروّعا
وقال المتنبي:
من للجآذر في زيّ الأعاريب
…
حمر الحلى والمطايا والجلابيب
وأحب ما يكون إليهم منه ما كان في الوجنات والشفاه قال أبو نواس.
يا قمر أبصرت في مأتم
…
تندب شجواً بين أتراب
تبكي فتذري الدر من نرجس
…
وتلطم الورد بعناب
وأما وصفهم الموت بالاحمرار والدمع الناشيء عن شدة الحرقة بالحمرة فليس طعناً فيهما بل مدح لأنهم أرادوا أنهما من المطالب التي لا تنال إلا بالمشاق والصعوبة ومن ألطف ما وصف به الدمع قول عماد الدين.
أرى العقد في ثغره محكماً
…
يرينا الصحاح من الجوهر
وتكملة الحسن إيضاحها
…
رويناه عن وجهك الأزهر
ومنثور دمعي غدا أحمرا
…
على آس عارضك الأخضر
وبعت رشادي بغيّ الهوى
…
لأجلك يا طلعة المشتري
ومن ألطف ما يعجبني في وصف المعشوق بالاحمرار والعاشق بالاصفرار قول ابن أبي الحديد من قصيدته التي أولها.
الصبر إلا عن فراقك يجمل
…
والصعب إلا من ملالك يسهل
يصفر وجهي حين أنظر حسنه
…
خوفاً ويدركه الحياء فيخجل
فكان ما بخدوده من خمرة
…
ظلت إليها من دمي تنتقل
وقال بعض المتأذبين لم يقع في هذا المعنى ألطف من البيتين المنسوبين إلى أبليس وهما:
وحمراء قبل المزج صفراء بعده
…
بدت بين ثوبي نرجس وشقائق
حكمت وجنة المعشوق صرفاً فسلطو
…
اعليها مزاجاً فاكتست لون عاشق
وقيل أنشدهما لابن دريد في النوم فاعترضه بأنهما من اللف والنشر المشوش فقال له وما هذه المشاحنة في هذا الوقت يا بغيض تنبيه قد توسع الناس في هذا المبحث فخرجوا منه إلى التفضيل بين السمر والبيض وخاضوا بسبب ذلك في كلام عريض فمن قائل بتفضيل السمر مطلقاً وقوم البيض وآخرون فصلوا فقالوا إن كلاً يميل عكس لونه وهذا تحكم وحكم على الطبائع والأمزجة بلا دليل والصحيح إن الميل أما بداعية الشهوة أو النفع ولا ضبط للأول لاختلافه باختلاف الأشخاص وأما الثاني فألقوا فيه أما بحسب معتدل المزاج فالروميات حينئذ في نحو الحجاز أنفع كما أن الحبشيات في نحو الروم أجود لأن حرارة الأبدان تختبيء في الأغوار زمن البرد بالعكس وأما بالعكس وأما بحسب المرضى فالسود للمبرودين أجود والبيض للمحرورين كذلك وعندي أن عكس هذا أجود لما سمعت من التعليل والصحيح أن الحبشة ألطف مما عداهم مزاجاً وأرق بشرة وأعدل حرارة فلذلك هن أوفق مطلقاً ولكنهن في معرض التغيير وموضع تحقيق ذلك في الطبيعيات وأما الحكم على المصريين بأنهم إلى السمر أميل فمن قبيل ما قررناه من التحكم ومن ألطف الأشعار المقولة في التفضيل قول علي بن الجهم.
وعائب للسمر من جهله
…
مفضل للبيض ذى محك
قولوا له عني أما تستحي
…
من جعلك الكافور كالمسك
وقال أبو جعفر الشطرنجي:
أشبهك المسك وأشبهته
…
قائمة في لونه قاعده
لا شك إذ لونكما واحد
…
أنكما من طينه واحده
وقلت في ذلك:
أرى السمر أشهى منظراً عند عارف
…
وأشرف مطلوباً سما في المطالب
فقل للذي قد فضل البيض جاهلاً
…
رويدك لا ترغب لغير مناسب
فكم بين قيراط من المسك قيمة
…
وقنطار ثلج بارد من مراتب
وقلت في عكس ذلك: