الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإني لاستغشى وما بي نعسة
…
لعل خيالاً منك يلقي خياليا
هي السحر إلا أن السحر رقية
…
وإني لا ألقي لها الدهر راقيا
إذا نحن أدلجنا وأنت أمامنا
…
كفى المطايانا بذكراك هاديا
ذكت نار شوقي في فؤادي فأصبحت
…
لها وهج مستضرم في فؤاديا
ألا أيها الركب اليمانون عرّجوا
…
علينا فقد أمسى هوانا يمانيا
أسائلكم هل سال نعمان بعدنا
…
وحب إلينا بطن نعمان واديا
ألا يا حمامي بطن نعمان هجتما
…
عليّ الهوى لما تغنيتما ليا
وأبكيتماني وسط صحبي ولم أكن
…
أبالي دموع العين لو كنت خاليا
ويا أيها القمريتان تجاذبا
…
بلحنيكما ثم اسجعا علانيا
فإن أنتما استطربتما أو أردتما
…
لحاقاً بأطلال الغضى فاتبعانيا
ألا ليت شعري ما للعلى وما ليا
…
وما للضبا من بعد شيب علانيا
ألا أيها الواشي بليلى ألا ترى
…
إلى من تشها أو لمن أنت واشيا
لئن ظعن الأحباب يا أم مالك
…
فما ظعن الحب الذي في فؤاديا
فيا رب إذ صيرت ليلى هي المنى
…
فزنى بعينيها كما زنتها ليا
وإلا فغضا إلي وأهلها
…
فإني بليلى قد لقيت الدواهيا
على مثل ليلى يقتل المرء نفسه
…
وإن كنت من ليلى على اليأس طاويا
خليليّ إن ضنوا بليلى فقرّبا
…
إلى النعش والأكفان واستغفرا ليا
أخبار عروة بن حزام وصاحبته عفرا
هو عروة بن حزام بن مالك بن حزام بن ضبة بن عبد بن عدرة شاعر لبيب حاذق متمكن في العشق. قيل أنه أول عاشق مات بالهجر من المخضرمين أو من العذريين ولشدة مقاساته في العشق ضرب به المثل بين العرب والمولدين قال المجنون عجبت لعروة العذري البيت، وقال أبو عيينة:
فما وجد النهدي إذا مات حسرة
…
عشية بانت من حبائله هند
ولا عروة العذري إذ طال وجده
…
بعفراء حتى شف مهجته الوجد
كوجدي غداة البين عند التقائها
…
وقد طار عنها بين أترابها البرد
وقال آخر:
وقبلك مات من وجد بهند
…
أخو نهد وصاحبه جميل
وعروة والمرقش هام دهراً
…
بأسماء فلم يغن العويل
قتيل الجريح من قبل الغواني
…
فلا قود ولا يودي قتيل
وقال جرير:
هل أنت شافية قلباً يهيم بكم
…
لم يلق عروة من عفراء ما وجدا
ما في فؤادي من داء يخامره
…
إلا التي لو رآها راهب سجدا
إنّ الشفاء وإن ضفنت بنائله
…
قرع البشام الذي تجلو به البردا
إن غير ذلك. وعفراء هي بنت هصر أخي حزام كلاهما ابنا مالك من بطن من العذريين، يقال له نهد قال في تسريح النواظر إن سبب عشقه لها، أن أباه حزاماً توفي ولعروة من العمر أربع سنين وكفله هصر أبو عفراء، فانتشئا جميعاً فكان يألفها وتألفه. فلما بلغ الحلم، سأل عروة عمه تزويجها فوعده ذلك ثم أخرجه إلى الشام بعير له. وجاء ابن أخ له يقال له اثالة بن سعيد بن مالك يريد الحاج فنزل بعمه هصر فبينما هو جالس يوماً تجاه البيت إذ خرجت عفراء حاسرة عن وجهها ومعصميها تحمل أدواة سمن وعليها ازار خز أخضر.
فلما رآها وقعت من قلبه بمكانة عظيمة فخطبها من عمه فزوجه بها. وإن عروة أقبل مع البعير وقد حمل أثالة عفراء على جمل أحمر فعرفها من البعد، وأخبر أصحابه، فلما التقيا وعرف الأمر بهت لا يحير جواباً حتى افترق القوم فأنشد:
وإني لتعروني لذكراك رعدة
…
لها بين جلدي والعظام دبيب
فما هو إلا أن رآها فجاءة
…
فأبهت حتى ما يكاد يجيب
فقلت لعرّاف اليمامة داوني
…
فإنك إن أبرأتني لطبيب
فما بي من حمى ولا مس جنة
…
ولكنّ عمي الحميريّ كذوب
عشية لا عفراء منك بعيدة
…
فتسلو ولا عفراء منك قريب
بنا من جوى الأحزان والبعد لوعة
…
تكاد له نفس الشفيق تذوب
ولكنما أبقى حشاشة مقول
…
على ما به عود هناك صليب
وما عجبي موت المحبين في الهوى
…
ولكن بقاء العاشقين عجيب
وقيل أنه لم ينشد في ذلك الموقف سوى البيتين الأولين، وأما قوله: فقلت لعراف اليمامة إلى قوله وما عفراء منك قريب. فإنه أنشده حين أتى به إلى الطبيب وسبب ذلك أنه حين وصل الحي أخذه الهذيان والقلق وأقام أياماً لا يتناول قوتاً حتى شفت عظامه ولم يخبر بسره أحداً، وأنه حمل ليلة إلى فضاء ليتنزه به، فسمع رجلاً يقول لوالده على أي ناقة حملت الشعب، يعني قرب الماء، فقال على العفراء، فأغمي عليه ساعة ثم قام مخبولاً وكان باليمامة عراف يعني كاهناً له قرين من الجن يعرفه الأخبار ودواء بعض الأدواء وكان يقال له رياح بن راشد وكنيته أبو كحلاء مولى لبني يشكر فحملوه إليه فلما رآه أخذ يعالجه بأنواع العلاج والرقي والصب عليه وأصل ذلك أن العرب كانت إذا تخليت بشخص سحراً جعلت على رأسه طبقاً فيه ماء ثم أذابت الرصاص وسكبته في ذلك الماء ودفنته في فضاء من الأرض فيزول عن الشخص ما به، وإن الكاهن فعل بعروة ذلك مراراً فلما ينجع، أخبرهم أن ما به ليس إلا من العشق.
وقيل أنه عرف ذلك من يوم قدومهم به، فلما أحس باليأس أنشد: فقلت لعراف اليمامة الأبيات فحمل إلى عراف آخر بنجد ففعل به مثل ذلك فأنشد الأبيات الآتية في نونيته وهي قوله جعلت لعراف اليمامة. وأما قوله بنا من جوى الأحزان ويروي وبي من جوى الأحزان فعلى الأصح كما في النزهة أنه من هذا الشعر.
وقيل أنشده حين حمل إلى ابن عباس ليدعو له بمكة وقد سلف أن صاحب القصة غيره وإن صحح ابن عساكر خلافه، ولما أيس من الشفاء تمرض بين أهله زماناً حتى شاع انتحاله في العرب مثلاً. وإن ابن أبي عتيق مر به فرأى أمه تلاطف غلاماً كالخيال فسألها عن شأنه، فقالت هو عروة فسألها نضوا الغطاء عنه، فلما شاهده قضي عجباً ثم استنشده فأنشد جعلت لعراف اليمامة حكمه الأبيات ولما علم الضجر من أهله، قال لهم احتملوني إلى البلقاء فإني أرجو الشفاء.
فلما حل بها وجعل يسارق عفراء النظر في مظان مرورها، عاودته الصحة. فأقام كذلك إلى أن لقيه شخص من عذرة فسلم عليه. فلما أمسى دخل على زوج عفراء فقال له متى قدم هذا الكلب عليكم فقد فضحكم بكثرة ما يتشبب بكم فقال من قال عروة قال أنت أحق بما وصفته به والله ما علمت بقدومه وكان زوج عفراء موصوفاً بالسيادة ومحاسن الأخلاق في قومه. فلما أصبح جعل يتصفح الأمكنة حتى لقي عروة فعاتبه وأقسم بالمحرجات أنه لا ينزل إلا عنده فوعده ذلك، فذهب مطمئناً وأن عروة عزم أن لا يبيت الليل، وقد علم به فخرج فعاوده المرض فتوفي بوادي القرى، دون منازل قومه.
وقيل وصلها لرواية ابن العاص، قال استعملني عمر رضي الله عنه في جباية صدقات العذريين فبينما أنا يوماً بإزاء بيت إذ نظرت امرأة عند كسر البيت وإلى جانبها شخص لم تبق إلا رسومه فجلست أنظر إليه فتموج ساعة ثم خفق خفقة فارق الحياة فقلت لها من الرجل قالت عروة فقلت كأنه قضى فقالت نعم، ولما بلغ عفراء وفاته قالت لزوجها قد تعلم ما بينك وبيني وبين الرجل من الرحم وما عنده من الوجد وإن ذلك على الحسن الجميل فهل تأذن لي أن أخرج إلى قبره فأندبه فقد بلغني أنه قضي، قال ذلك إليك فخرجت حتى أتت قبره فتمرغت عليه وبكت طويلاً ثم أنشدت:
ألا أيها الركب المحثون ويحكم
…
بحق نعيتم عروة بن حزام
فإن كان حقاً ما تقولون فاعلموا
…
بأن قد نعيتم بدر كل ظلام
فلا لقي الفتيان بعدك راحة
…
ولا رجعوا من غيبة بسلام
ولا وضعت انثى تماماً بمثله
…
ولا فرحت من بعده بغلام
ولا لابلغتم حيث وجهتم له
…
وغصتم لذات كل طعام
وفي كتاب النزهة لابن داود أن ركباً شاهدوا موته، فلما قدموا الحي أنشد رجل منهم عند بيت عروة:
ألا أيها القصر المغفل أهله
…
بحق نعينا عروة بن حزام
فجاوبته عفراء ألا أيها الركب هكذا بيتاً فبيتاً إلى أربعة والباقي لعفراء وهذا غير صحيح لأن القبر في طريقها قبل منازلهم. وفي هذه الرواية بدل قوله فلا لقي الفتيان، فلا هنىء الفتيان بعدك غادة. والأول ألطف وبدل فلا وضعت انثى. فقال للحبالى لا يرجين غائباً وفيه إضافة غير مناسبة إذ لا مناسبة بين الحمل والغيبة إلا بتأويل لا يليق بفصاحة العرب، ولما فرغت من شعرها ألق نفسها على القبر فحركت فوجدت ميتة وما قيل من أنها منعت المجيء إلى قبره ومن أنه كان في عهد عثمان أو معاوية وأن الذي شهده الحاكي أحدهما ومن أن عمر قال لو أدركتها لجمعت بينهما غير صحيح الرواية كما في النزهة نعم حمل قول عمر على الرؤية وتمسك من قال أن عفراء لم تزر قبره بقولها:
عداني أن أزورك يا خليلي
…
معاشر كلهم واش حسود
أشاعوا ما علمت من الدواهي
…
وعابونا وما فيهم رشيد
فأما إذ تويت اليوم لحداً
…
فدور الناس كلهم اللحود
فلا طابت لي الدنيا فراقاً
…
لبعدك لا يطيب لي العديد
ولما قضت دفنت إلى جانبه فنبت من القبرين شجرتان حتى إذا صارتا على حد قامة التفتا فكانت المارة تنظر إليهما ولا يعرفان من أي ضرب من النبات وكثيراً ما أنشدت فيهما الناس فمن ذلك قول الشهاب محمود:
بالله يا سرحة الوادي إذا خطرت
…
تلك المعاطف حيث الرند والغار
فعانقيهم عن الصب الكئيب فما
…
على معانقة الأغصان انكار
وقول صاحب الأصل:
غصنان من دوحة طال ائتلافهما
…
فيها فجالت صروف الدهر فافترقا
فصار ذا في يد تحويه ليس له
…
منها براح وهذا في الغلاة لقا
حتى إذا ذويا يوماً وضمهما
…
بعد التفرق بطن الأرض واتفقا
حنا على العهد في أرجائها فحنا
…
كل على ألفه في الترب واعتنقا
قلت وبين هذين خلاف في اللفظ والمعنى ويحتمل رجوعه إلى خصوص وعموم مطلق فإن الأول أرق وأعذب وألطف ولكنه قاصر عن المراد وغير دال على خصوص المقام وفيه التكرار الذي عدته البلاغة عيباً فإن الرند والغار مترادفان وفيه عيب خفي إلا على الناقد فإنه لم يجعل المتعانقين المتحابين بل أمر السرحة يعني الشجرة أن تعانق تلك المعاطف يعني معاطف المعشوقة نيابة عن العاشق وعلل ذلك بالانكار على تعانق المتحابين وقد تظافرت كلمات المحبين باستسهال الذم في قضاء الوطر.
وأما الثاني فقد تضمن حكاية الحال مع حسن الاستعارة المكنية ودل على المقام ولكنه غير رقيق ولا خال عن السماجة. وتوفي عروة بن حزام على ما ذكر الذهبي في تاريخه في غلافة عثمان سنة ثلاثين من الهجرة ورأيت في كتاب مجهول التأليف أن وفاته كانت لعشر يقين من شوال سنة ثمان وعشرين ومن محاسن شعره قصيدته التي على حرف النون فقد ضمنها حكاية حاله بألفاظ رقيقة ومعان أنيقة وهي هذه:
خليل من عليا هلال بن عامر
…
بصنعاء عوجا اليوم وانتظراني
ولا تزهدا في الأجر عندي واجعلا
…
فإنكما بي اليوم مبتليان
ألم تعلما أن ليس بالمرج كله
…
أخ وصديق خالص فذراني
أفي كل يوم أنت رام بلادها
…
بعيني إنساناً هما غرقان
وعيناي ما وافيت نشر فتنظرا
…
بما فيهما إلا هما تكفان
ألا فاحملاني بارك الله فيكما
…
إلى حاضر البلقاء ثم دعاني
على جسرة الأصلاب ناجية السرى
…
تقطع عرض البيد بالوخدان
ألماً على عفراء إنكما غدا
…
بشحط النوى والبين مفترقان
فيا واشي عفراء ويحكما بمن
…
وما والي من جئتما نشيان
بمن لو أراه غائباً لفديته
…
ومن لو رآني عائباً لفداني
فيا واشي عفرا دعاني ونظرة
…
تقر بها عيناي ثم زماني
أغركما مني قميص لبسته
…
جديداً وبرد أيمنة زهياني
متى تكشفا عني القميص تبينا
…
بي الضرر من عفراء يا فتيان
إذا تريا لحماً قليلاً وأعظماً
…
بلين وقلباً دائم الرجفان
على كبدي من حب عفراء قرحة
…
وعينان من وجدي بها تكفان
فعفراء أرجى الناس عندي مودة
…
وعفراء عني المعرض المتواني
أحب ابنة العذري حباً وإن نأت
…
ودانيت فيها غير ما متداني
إذا رام قلبي هجرها حول دونه
…
شفيعان من قلبي لها جدلان
إذا قلت قالا بلى ثم أصبحا
…
جميعاً على الرأي الذي يريان
فيا رب أنت المستعان على الذي
…
تحملت من عفراء منذ زمان
فيا ليت كل اثنين بينهما هوى
…
من الناس والانعام يلتقيان
فيقضي حبيب من حبيب لبانة
…
ويرعاها ربي فلا يريان
فيا ليت محيانا جميعاً وليتنا
…
إذا نحن متنا ضمنا كفنان
ويا ليت أنا الدهر في غير ريبة
…
خليان نرعى القصر مؤتلفان
هواي أمامي ليس خلفي معرج
…
وشوق قلوصي في الغدو يماني
هواي عراقي وثنى زمامها
…
لبرق إذا لاح النجوم يماني
متى تجمعي شوقي وشوقك تطلعي
…
ومالك بالعبء الثقيل يدان
يقول لي الأصحاب إذ يعدلونني
…
أشوق عراقي وأنت يماني
تحملت من عفراء ما ليس لي به
…
ولا للجبال الراسيات يدان
كأن قطاة علقت بجناحها
…
على كبدي من شدة الخفقان
جعلت لعرّاف اليمامة حكمه
…
وعراف نجد إن هما شفيان
فقالا نعم تشفى من الداء كله
…
وقاما مع العوّاد يبتدران
نعم وبلى قالا متى كنت هكذا
…
ليستخبراني قلت منذ زمان
فما تركا من رقية يعلمانها
…
ولا سلوة إلا وقد سقياني
وما شفيا الداء الذي بي كله
…
ولا ادّخر نصحاً ولا ألواني
فقالا شفاك الله والله ما لنا
…
بما حملت منك الضلوع يدان
فرحت من العراف تسقط عمتي
…
عن الرأس ما التائها ببنان
معي صاحباً صدق إذا ملت ميلة
…
وكانا بجنبي سرعة عدلاني
فيا عم إذا العذر لا زلت مبتلى
…
حليفاً لهم لازم وهوان
غدرت وكان الغدر منك سجية
…
فألزمت قلبي دائم الخفقان
وأورثتني غماً وكرباً وحسرة
…
وأورثت عيني دائم الهملان
فلا زلت ذا شوق إلى هويته
…
وقلبك مقسوماً بكل مكان
وإني لأهوى الحشر إذ قيل إنني
…
وعفراء يوم الحشر ملتقيان
ألا يا غرابي دمنة الدار بيننا
…
أبالهجر من عفراء تنتحبان
فإن كان حقاً ما تقولان فاذهبا
…
بلحمي إلى وكريكما فكلاني
كلاني أكلا لم ير الناس مثله
…
ولا تهضما جنبي وازدرداني
ولا تعلمان الناس ما كان قصتي
…
ولا يأكلنّ الطير ما تذراني
ألا لعن الله الوشاة وقولهم
…
فلانة أضحت خلة لفلان
إذا ما جلسنا مجلساً نستلذه
…
تواشوا بنا حتى أمل مكاني
تكنفني الواشون من كل جانب
…
ولو كان واش واحد لكفاني
ولو كان واش باليمامة أرضه
…
أحاذره من شؤمه لأتاني
يكلفني عمي ثمانين ناقة
…
ومالي والرحمن غير ثمان
فوالله ما حدّثت سرك صاحباً
…
ضحى وقلوصانا بنا تخدان
ضحينا ومستنا جنوب ضعيفة
…
نسيم لرياها بنا خفقان
تحملت زفرات الضحى فأطقتها
…
ومالي بزفرات العشيّ يدان
فيا عم لا سقيت من ذي قرابة
…
بلالاً فقد زلت بك القدمان
ومنيتني عفراء حتى رجوتها
…
وشاع الذي منيت كل مكاني
فوالله لولا حب عفراء ما التقى
…
عليّ رواقاً بيتك الخلقان
رواقان خفاقان لا خير فيهما
…
إذا هبت الأرواح يصطفقان
ولم أتبع الأظعان في رونق الض
…
حى ورحلي على نهاضة الخديان
لعفراء إذ في الدهر والناس غرة
…
إذا خلقان بالصبي يسراني
لادنو من بيضاء خفاقة الحشى
…
بنية ذي قارورة شنآن
كان وشاحيها إذا ما ارتدتهما
…
وقامت عناناً مهرة سلسان
وليس بأبدان لها ملتقاها
…
ومتناهماً رخوان يضطربان
وتحتيهما حقفان قد أذقتني
…
وحزن ألح العين بالهملان
وعينان ما وافيت نشراً فتن
…
ظراً بمأقيها الا هما تكفان
فهل حاد يا عفراء إن خفت فوتها
…
عليّ إذا ناديت مرعويان
ضروبان للتالي القطوف إذا ولى
…
بسيحان من يعصي به حذران
فما لكما من حاديين كسيتما
…
سرابيل مغلاه من القطران
وما لكما من حاديين رميتما
…
بحمى وطاعون ألا تقفان
فويلي على عفراء ويلاً كأنه
…
على الكبد والأحشاء حدّ سنان
ألا حبذا من حب عفراء ملتقى
…
نعم وإلا لا حيث يلتقيان
لو أن أشد الناس وجداً ومثله
…
من الجن بعد الانس يلتقيان
ويشتكيان الوجد ثمة اشتكي
…
لا ضعف وجدي فوق ما يجدان
فقد تركتني ما أعى لمحدّث
…
حديثاً وإن ناجيته ونجاني
وقد تركت عفراء قلبي كأنه
…
جناح غراب دائم الخفقان
قوله خليلي، خطاب بالنداء محذوف الأداة وليس بشرط أن يكونا وجوديين، فقد جرت عادة العرب بذلك، حتى قيل إنهم وإن خاطبوا الواحد جعلوا الصيغة لاثنين، أما ليجري مجرى التأكيد أو أنهم يطلبون التعظيم أو أنهما أقل الرفقة.
وقوله إلى حاضر البلقاء يريد المكان الذي كانت به كما سبق في الحكاية ويروي إلى حاضر الروحاء موضع بالبلقاء من طرف حوران وقوله حسرة الاصلاب صفة مشبهة كناية عن العجلة التي لم تدعه يشد كور الناقة ويروي نواخة السرى وموارة أي عجلة تبلغ المآرب وقوله بمن لو أراه البيت كناية عن الاتحاد وشدة المحبة حتى لم يقع تأثير بينهما من نقل شيء وقوله متى تكشفا.
روى بدله متى ترفعا، والأول أبلغ لاخصيته ولزوم رؤية البدن منه، وقوله إذا تريا جواب متى وروى بدله تعرفاً، والأول ألطف. وقوله كأن قطاة البيت قد أخذه المجنون حيث قال:
قطاة غرها شرك فباتت
البيت وهذا من السرقات العامة التي تتفاوت بحسن الاختلاس والتظرف ومعنى هذا أنه شبه كبده في شدة خفقاته من هياج نار العشق بقطاة علقت بجناح واحد وجعلت ترفرف بالآخر طلب الخلاص.
وأما المجنون فقد تظرف ثم بالغ لأنه جعل القلب هو القطاة بعينها وجعل المعلق هو الشرك واعلم أن ابن الأثير ألف كتاباً بأسماء أعمدة المعاني للمنثور والمنظوم ذكر فيه من اقترح معنى ومن سرق منه وزاد عليه فقال في هذا الموضع أن المجنون تظرف حيث أسند الخفقان إلى القلب والتعليق إلى الشرك وأما أنا فأقول إن قول عروة أبلغ لأن الكبد ليس من شأنه الحركة ولا الخفقان كما هو دأب القلب فإسناد الخفقان الناشىء عن العشق إليه أبلغ ولأن حركته تستلزم حركة القلب دون العكس ولا يساوي هذا المعنى كون محل التعقل ومسكن المحبوب كما في كلماتهم إذا الملحوظ حينئذ الروح الحيواني قوله عراف اليمامة قد سبقت قصته والعراف في الأصل الكاهن واستعمله هنا على الطبيب لاتحادهما لغة وما الثأتها يعني ما رددتها وهي كناية عن شدة المرض، وعمه المدعو عليه هو أبو عفراء وقد عرفت عذرهن وقوله فلو أن واش باليمامة قد استعاره المجنون حيث قال:
ولو أن واش باليمامة داره
…
وداري بأعلى حضرموت أتانيا
وهي سرقة شنيعة مذمومة وهو هنا أظرف وأبلغ من حيث الايهام لأن قوله أحاذره من شؤمه يحتمل أن يكون بأقصى فارس وهذا هو اللائق بالمبالغة. وأما حضرموت واليمامة فكلاهما في إقليم واحد فلا يعظم مجيء الواشي.