الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فمن الصنف الأول عبد الله بن أبي بكر الصديق عشق عاتكة فكلف بها حتى كاد أن يطير عقله، فلما تزوج بها أقام سنة لا يشتغل بسواها ثم قدم عليه تجارة من الشام فخرج ليتعاطى أمرها، فخيل له حين خرج أنه لم ينظر إلى عاتكة، فعاد في الأثر فجلس معها وترك التجارة، فلما كان يوم جمعة وهو معها إذ فاتته الصلاة وهو لا يدري وجاء أبوه فوجده عندها فقال له أجمعت، فقال وهل صلى الناس، فقال قد ألهتك عاتكة عن التجارة فلم نهتم في ذلك ولم نقل شيئاً وقد ألهتك عن الصلاة طلقها فطلقها طلقة واعتزلت ناحية، فلما كان الليل قلق قلقاً شديداً فأنشد:
أعاتك لا أنساك ما ذر شارق
…
وما ناح قمري الحمام المطوّق
لها منطق جزل ورأي ومنصب
…
وخلق سوى في حياء ومصدق
فلم أرى مثلي طلق اليوم مثلها
…
ولا مثلها في غير شيء يطلق
وكان أبو بكر على سطح يصلي فسمعه فرق له، فقال ارجعها، فقال قد أرجعتها، ثم أشرف على غلام له، فقال له أنت حر وأشهد أني أرجعت عاتكة ثم ضمها إليه وأعطاها حديقة على أن لا تتزوج بعده فلما قتل بالطائف رثته بأبيات منها:
وآليت لا تنفك عيني حزينة
…
عليك ولا ينفك جلدي أغبرا
فالله عيناً من رأى مثله فتى
…
أكرّ وأحمى في الهياج وأصبرا
إذا شرعت فيه الأسنة خاضها
…
إلى الموت حتى يترك الجون أشقرا
وتزوجها عمر بعد أن استفتى علياً في ذلك، فأفتى بأنها ترد الحديقة إلى أهله وتتزوج ففعلت فذكرها علي بقولها، وآليت لا تنفك البيت، ثم قال كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون، ثم تزوجت بعده بالزبير وبعده بالحسين بن علي، حتى قال ابن عمر من أراد الشهادة فليتزوج عاتكة وخطبها علي فقالت إني لأضن بك عن القتل وخطبها مروان بعد الحسين، فقالت ما كنت متخذة حموا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومنهم ما حكاه معبد المغني
قال بينما أنا جالس إذ طرق بابي فقلت للغلام أخرج فانظر من بالباب، فخرج وعاد مستأذناً، فأذنت فدخل غلام فوضع بين يدي ثلثمائة دينار وقال غن لي:
بالله يا طرفي الجاني على كبدي
…
لتطفئن بدمعي لوعة الحزن
لا لا أبو حنّ حتى يحجبوا سكني
…
فلا أراه ولو أدرجت في الكفن
فعملت لهما لحناً شجياً وغنيته به فأغمى عليه فنضحت عليه الماء، فلما أفاق جعل يقبل يدي ورجلي على أن أعيد الصوت فقلت أخشى أن تموت فقال من لي بذلك فغنيته الصوت فخر مغشياً عليه فلم أزل أنضجه بالورد والطيب حتى أفاق فوضعت الدنانير بين يديه، وقلت خذها وامض عني، فقال لك مثلها إن أعدته فشرهت عيني، فقلت له إن أقمت عندي وأكلت طعامي حتى تقوي نفسك وأخبرتني بقصتك أعدته ففعل وحدثني أنه خرج غب سماء وقد سال العقيق مع فتية إلى منتزه فإذا هم بنسوة بينهن فتاة قد فضحت الشمس بعينين لا يرتدان إلا باقتناص النفس فأوقعت به وعاد مسلوب العقل فأقام لا يعرف لها خبراً حتى كاد أن يقضي عليه فقالت له قرابته، لا بأس عليك إذا أربع الوقت خرجنا بك ولا نعود إلا بخبرها، قال فلما جاء الابان خرجنا إلى المنتزه، فإذا نحن والنسوة كفرسي رهان فقلت لبعض قرابتي قولوا لهذه الجارية لقد أحسن من قال:
رمتني بسهم أقصد القلب وانتنت
…
وقد غادرت جرحاً به وندوبا
فقالت الجارية قد أحسن من أجاب:
بنا مثل ما نشكو فصبراً لعلنا
…
نرى فرجاً يشفي السقام قريبا
فأمسكت عن الجواب وتبعتها حتى عرفت المنزل فكنا نجتمع ونتحادث إلى أن علم أهلها فحجبوها وخطبتها فامتنعوا محتجين بالشهرة فها أنا على ما ترى. قال معبد فغنيته الصوت، ومضى فلما حضرت مع جعفر غنيته إياه فطرب وسأل عنه فأخبرته القصة فأمرني بإحضاره فأحضرته إليه فطيب قلبه وذهب إلى الخليفة فحدثه بالحديث، فاستحضرتا جميعاً وطلب أن أغنيه الصوت فغنيته فطرب وكتب إلى عامله على الحجاز بإحضار الرجل وأهله، فلما حضروا أمهرها الخليفة وزوجها منه.
ومنهم رجل عذري دخل على معاوية في جمع، فلما أخذ كل مجلسه قام فأنشد:
معاوي يا ذا الحلم والفضل والعقل
…
وذا البر والاحسان والجود والبزل
أتيتك لما ضاق في الأرض مسلكي
…
وأنكرت مما قد أصيب به عقلي
ففرج كلاك الله عني فإنني
…
لقيت الذي لم يلقه أحد قبلي
وخذ لي هداك الله حقي من الذي
…
رماني بسهم كان أهونه قتلي
وكنت أرجى عدله إذا أتيته
…
فأكثر تردادي مع الحبس والكبل
فطلقتها من جهد ما قد أصابني
…
فهذا أمير المؤمنين من العدل
فاستدناه وقال له ما شأنك، قال تزوجت ابنة عمي وكانت من المبررات في الجمال والحياء، فأنفقت عليها إلى أن أملقت، فرفع أبوها القصة إلى ابن أم الحكم فضيق علي السجن والقيود حتى طلقت كارهاً، فأعطى أباها عشرة آلاف درهم وتزوج بها فأتيتك مستغيثاً بعدلك، فكتب معاوية إليه يغلظ عليه ويأمره بالتخلي عنها، ويقول في آخر الكتاب:
ركبت ذنباً عظيماً لست أعرفه
…
فاستغفر الله من جور أمرىء زاني
قد كنت تشبه صوفياً له كتب
…
من الفرائض أو آيات فرقان
حتى أتاني الفتى العذري منتحباً
…
يشكو إليّ بحق غير بهتان
أعطى الإله عهوداً لا أخيس بها
…
أولاً فبرئت من ديني وإيماني
إن أنت راجعتني فيما كتبت به
…
لأجعلنك لحماً بين عقبان
طلق سعاد وفارقها بمجتمع
…
واشهد على ذاك نصر أو ابن ظبيان
فما سمعت كما بلغت من عجب
…
ولا فعالك حقاً فعل إنسان
فلما وقف عليه، قال وددت لو خلي بيني وبينها سنة، ثم عرضني على السيف ثم طلقها فأخرجها، فلما وصلت إلى معاوية وقد تعجب الناس من حسنها، وقالوا هذه لا تصلح لأعرابي، إنما تكون لأمير المؤمنين فعجب بها ثم استنطقها، فإذ هي فتنة فقال له هل لك عوض عنها، قال نعم إذا بان رأسي عن بدني، ثم أنشد:
لا تجعلني والأمثال تضرب بي
…
كالمستجير من الرمضاء بالنار
أردد سعاد على حران مكتئب
…
يمسي ويصبح في همّ وتذكار
قد شفه قلق ما مثله قلق
…
وأشعر القلب منه أي أشعار
والله والله لا أنسى محبتها
…
حتى أغيب في رمس وأحجار
كيف السلو وقد هام الفؤاد بها
…
وأصبح القلب عنها غير صبار
فغضب معاوية من ذلك وخيرها بينه وبين ابن أم الحكم وبين ابن عمها، فأنشدت:
هذا وإن أصبح في اطمار
…
وكان في نقص من اليسار
أكبر عندي من أبي وجاري
…
وصاحب الدرهم والدينار
أخشى إذا غدرت حر النار
…
خل سبيلي ما به من عار
لعلنا نرجع للديار
…
وإن عسى نظفر بالأوطار
فقال خذها لا بارك الله لك فيها وأمر أن تقيم إلى تمام العدة، فلما انقضت دفعها إليه مع ناقة وعشرة آلاف دينار.
ومنهم ما حكاه في منازل الأحباب عن بعض الحمدونية، قال صحبت المتوكل إلى الشام، وكنت مغرماً بالفراديس لظرفها، فحين بلغناها قال المتوكل هل لك في أن تتصفح الكنائس والرياض فتتنزه فيها، فقلت نعم، فأخذ بيدي وجعلنا نستقري الأماكن ونشاهد ما فيها من العجائب، وحسن ثياب النصارى، حتى خلوت براهب الكنيسة فجعل الخليفة يسأله عن كل من يمر، حتى أقبلت جارية لم يرمق أحسن منها، وبيدها مجمرة تبخر فسأله عنها فقال هي ابنتي، قال ما اسمها قال شعانين، فقال لها المتوكل يا شعانين اسقني ماء، فقالت يا سيدي ليس هنا إلا ماء الغدران، وأنا لا أستنظفه لك ولو كانت حياتي ترويك لجدت بها، وأسرعت بكوز فضة فأومأ إلي أن أشربه فشربته، ثم قال لها إن هويتك تساعديني، فقالت أنا الآن بإمرتك وأما إذا صدق المحب في المحبة فما أخوفني من الطغيان أما سمعت قول الشاعر:
كنت لي في أوائل الأمر حباً
…
ثم لما ملكت صرت عدوّا
أين ذاك السرور عند التلاقي
…
صار مني تجنباً ونبوأ