الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تعالى: «هم ينشرون» ان معناه لا ينشر إلا هم، وأما وجه تكراره هنا فهو انه كان أصل الكلام هم يوقنون بالآخرة ثم قدم المجرور على عامله عناية به فوقع فاصلا بين المبتدأ والخبر فأريد أن يلي المبتدأ خبره وقد حال المجرور بينهما فطري ذكره ليلية الخبر ولم يفت مقصود العناية بالجار والمجرور حيث بقي على حاله مقدما ولا يستنكر أن تعاد الكلمة مفصولة له وحدها بعد ما يوجب التطرية.
3-
التعبير بالاسمية والفعلية:
قلنا في مواطن من هذا الكتاب إن التعبير يكون أحيانا بالجملة الاسمية وأحيانا بالجملة الفعلية على أن ذلك ليس متروكا الى الاعتباط وإنما يعدل عن أحد التعبيرين لضرب من التأكيد والمبالغة والاستمرار والانقطاع، فإن الايمان والإيقان بالآخرة أمر ثابت مطلوب دوامه ولذلك أتى به جملة اسمية وجعل خبرها فعلا مضارعا فقال «وهم بالآخرة هم يوقنون» للدلالة على أن إيقانهم يستمر على سبيل التجدد أما إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مما يتكرر ويتجدد في أوقاتهما المعينة ولذلك أتى بهما فعلين فقال «الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة» .
الفوائد:
أورد الامام الزمخشري سؤالا في هذا الصدد بناء على قاعدته الاعتزالية وهو «فإن قلت: كيف أسند تزيين أعمالهم الى ذاته وقد أسنده الى الشيطان في قوله وزين لهم الشيطان أعمالهم. وقد أجاب بقوله: «قلت: بين الاسنادين فرق وذلك أن إسناده الى الشيطان حقيقة وإسناده الى الله عز وجل مجاز، وله طريقان في علم البيان أحدهما: أن يكون من المجاز الذي يسمى الاستعارة، والثاني أن
يكون من المجاز الحكمي، فالطريق الاول انه لما متعهم بطول العمر وسعة الرزق وجعلوا إنعام الله بذلك عليهم وإحسانه إليهم ذريعة إلى اتباع شهواتهم وبطرهم وإيثارهم الروح والترفه ونفارهم عما يلزمهم فيه من التكاليف الصعبة والمشاق المتعبة فكأنه زين لهم بذلك أعمالهم، واليه أشارت الملائكة صلوات الله عليهم في قوله «ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر» والطريق الثاني أن إمهاله الشيطان وتخليته حتى يزين لهم ملابسة ظاهرة للتزيين فأسند اليه لأن المجاز الحكمي يصححه بعض الملابسات. وقيل هي أعمال الخير التي وجب عليهم أن يعملوها زينها الله لهم فعمهوا عنها وضلوا، ويعزى الى الحسن.
وقد أجاب أهل السنة بأن هذا الجواب مبني على القاعدة الفاسدة في إيجاب رعاية الصلاح والأصلح وامتناع أن يخلق الله تعالى للعبد إلا ما هو مصلحة، فمن ثم جعل التزيين الى الله تعالى مجازا والى الشيطان حقيقة ولو عكس الجواب لفاز بالصواب، وتأمل ميله الى التأويل الآخر من أن المراد أعمال البر على بعده لأنه لا يعرض لقاعدته بالنقض، على أن التزيين قد ورد في الخير في قوله تعالى:«ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم» على أن غالب وروده في غير البر كقوله:
«زين للناس حب الشهوات» ، «زين للذين كفروا الحياة الدنيا» و «كذلك زين للمسرفين» ومما يبعد حمله على أعمال البر إضافة الأعمال إليهم في قوله: أعمالهم، وأعمال البر ليست مضافة إليهم لأنهم لم يعملوها قط فظاهر الاضافة يعطي ذلك، ألا ترى الى قوله تعالى:«ولما يدخل الايمان في قلوبكم» وقوله: «قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للايمان» فأطلق الايمان في المكانين عن إضافته إليهم لأنه لم يصدر منهم، وأضاف الإسلام الظاهر إليهم لأنه صدر منهم.