الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَالْجَرَادُ مِنْ الْمَيْتَةِ، فَكَيْفَ وَلَيْسَتْ بِمَيْتَةٍ؟ فَإِنَّهَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْأُمِّ وَالذَّكَاةُ قَدْ أَتَتْ عَلَى جَمِيعِ أَجْزَائِهَا، فَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يُفْرِدَ كُلَّ جُزْءٍ مِنْهَا بِذَكَاةٍ، وَالْجَنِينُ تَابِعٌ لِلْأُمِّ جُزْءٌ مِنْهَا؛ فَهَذَا هُوَ مُقْتَضَى الْأُصُولِ الصَّحِيحَةِ، وَلَوْ لَمْ تَرِدْ السُّنَّةُ بِالْإِبَاحَةِ، فَكَيْفَ وَقَدْ وَرَدَتْ بِالْإِبَاحَةِ الْمُوَافِقَةِ لِلْقِيَاسِ وَالْأُصُولِ؟ فَإِنْ قِيلَ: فَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ» وَالْمُرَادُ التَّشْبِيهُ، أَيْ ذَكَاتُهُ كَذَكَاةِ أُمِّهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُبَاحُ إلَّا بِذَكَاةٍ تُشْبِهُ ذَكَاةَ الْأُمِّ.
قِيلَ: هَذَا السُّؤَالُ شَقِيقُ قَوْلِ الْقَائِلِ: " " كَلِمَةٌ تَكْفِي الْعَاقِلَ " فَلَوْ تَأَمَّلْتُمْ الْحَدِيثَ لَمْ تَسْتَحْسِنُوا إيرَادَ هَذَا السُّؤَالِ؛ فَإِنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ هَكَذَا: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: «قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَنْحَرُ النَّاقَةَ وَنَذْبَحُ الْبَقَرَةَ وَالشَّاةَ وَفِي بَطْنِهَا الْجَنِينُ أَنُلْقِيهِ أَمْ نَأْكُلُهُ؟ قَالَ: كُلُوهُ إنْ شِئْتُمْ؛ فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ» فَأَبَاحَ لَهُمْ أَكْلَهُ مُعَلِّلًا بِأَنَّ ذَكَاةَ الْأُمِّ ذَكَاةٌ لَهُ؛ فَقَدْ اتَّفَقَ النَّصُّ وَالْأَصْلُ وَالْقِيَاسُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
[رَدُّ السَّنَةِ الصَّحِيحَةِ فِي إشْعَارِ الْهَدْيِ]
[إشْعَارُ الْهَدْيِ]
الْمِثَالُ الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ: رَدُّ السَّنَةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ الْمُحْكَمَةِ فِي إشْعَارِ الْهَدْيِ، بِأَنَّهَا خِلَافُ الْأُصُولِ؛ إذْ الْإِشْعَارُ مُثْلَةٌ، وَلَعَمْرُ اللَّهِ إنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ خِلَافُ الْأُصُولِ الْبَاطِلَةِ، وَمَا ضَرَّهَا ذَلِكَ شَيْئًا، وَالْمُثْلَةُ الْمُحَرَّمَةُ هِيَ الْعُدْوَانُ الَّذِي لَا يَكُونُ عُقُوبَةً وَلَا تَعْظِيمًا لِشَعَائِرِ اللَّهِ؛ فَأَمَّا شَقُّ صَفْحَةِ سَنَامِ الْبَعِيرِ الْمُسْتَحَبُّ أَوْ الْوَاجِبُ ذَبْحُهُ لِيَسِيلَ دَمُهُ قَلِيلًا فَيَظْهَرَ شِعَارُ الْإِسْلَامِ وَإِقَامَةُ هَذِهِ السُّنَّةِ الَّتِي هِيَ مِنْ أَحَبِّ الْأَشْيَاءِ إلَى اللَّهِ فَعَلَى وَفْقِ الْأُصُولِ، وَأَيُّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ حَرَّمَ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ خِلَافًا لِلْأُصُولِ؟ وَقِيَاسُ الْإِشْعَارِ عَلَى الْمُثْلَةِ الْمُحَرَّمَةِ مِنْ أَفْسَدِ قِيَاسٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ؛ فَإِنَّهُ قِيَاسُ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ عَلَى مَا يَبْغُضُهُ وَيَسْخَطُهُ وَيَنْهَى عَنْهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي حِكْمَةِ الْإِشْعَارِ إلَّا تَعْظِيمُ شَعَائِرِ اللَّهِ وَإِظْهَارُهَا وَعِلْمُ النَّاسِ بِأَنَّ هَذِهِ قَرَابِينُ اللَّهِ عز وجل تُسَاقُ إلَى بَيْتِهِ تُذْبَحُ لَهُ وَيُتَقَرَّبُ بِهَا إلَيْهِ عِنْدَ بَيْتِهِ كَمَا يُتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِالصَّلَاةِ إلَى بَيْتِهِ عَكْسَ مَا عَلَيْهِ أَعْدَاؤُهُ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ يَذْبَحُونَ لِأَرْبَابِهِمْ وَيُصَلُّونَ لَهَا؛ فَشَرَعَ لِأَوْلِيَائِهِ وَأَهْلِ تَوْحِيدِهِ أَنْ يَكُونَ نُسُكُهُمْ وَصَلَاتُهُمْ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَأَنْ يُظْهِرُوا شَعَائِرَ تَوْحِيدِهِ غَايَةَ الْإِظْهَارِ لِيُعْلُوا دِينَهُ عَلَى كُلِّ دِينٍ؛ فَهَذِهِ هِيَ الْأُصُولُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي جَاءَتْ السُّنَّةُ بِالْإِشْعَارِ عَلَى وَفْقِهَا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
[رَدُّ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ فِي مَنْ اطَّلَعَ عَلَى قَوْمٍ فَأَتْلَفُوا عَيْنَهُ]
[لَا دِيَةَ لِمَنْ اطَّلَعَ عَلَى قَوْمٍ فَأَتْلَفُوا عَيْنَهُ]
الْمِثَالُ الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ: رَدُّ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ الْمُحْكَمَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ
«لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْك بِغَيْرِ إذْنٍ فَخَذَفْته بِحَصَاةٍ فَفَقَأَتْ عَيْنَهُ مَا كَانَ عَلَيْك جُنَاحٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ:«مَنْ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَئُوا عَيْنَهُ» وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: «اطَّلَعَ رَجُلٌ مِنْ جُحْرٍ فِي حُجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَمَعَهُ مِدْرًى يَحُكُّ بِهَا رَأْسَهُ، فَقَالَ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّك تَنْظُرُ لَطَعَنْت بِهِ فِي عَيْنِك، إنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ النَّظَرِ» وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ: " أَنَّ رَجُلًا «اطَّلَعَ مِنْ بَعْضِ حُجَرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَامَ إلَيْهِ بِمِشْقَصٍ، أَوْ بِمَشَاقِصَ.
قَالَ: وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَخْتِلُهُ لِيَطْعَنَهُ» ، وَفِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«مَنْ اطَّلَعَ عَلَى قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَرَمَوْهُ فَأَصَابُوا عَيْنَهُ فَلَا دِيَةَ لَهُ وَلَا قِصَاصَ» فَرُدَّتْ هَذِهِ السُّنَنُ بِأَنَّهَا خِلَافُ الْأُصُولِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ إنَّمَا أَبَاحَ قَلْعَ الْعَيْنِ بِالْعَيْنِ، لَا بِجِنَايَةِ النَّظَرِ، وَلِهَذَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ بِلِسَانِهِ لَمْ يُقْطَعْ، وَلَوْ اسْتَمَعَ عَلَيْهِ بِإِذْنِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْطَعَ أُذُنَهُ، فَيُقَالُ: بَلْ هَذِهِ السُّنَنُ مِنْ أَعْظَمِ الْأُصُولِ؛ فَمَا خَالَفَهُمَا فَهُوَ خِلَافُ الْأُصُولِ، وَقَوْلُكُمْ:" إنَّمَا شَرَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَخْذَ الْعَيْنِ بِالْعَيْنِ " فَهَذَا حَقٌّ فِي الْقِصَاصِ، وَأَمَّا الْعُضْوُ الْجَانِي الْمُتَعَدِّي الَّذِي لَا يُمْكِنُ دَفْعُ ضَرَرِهِ وَعُدْوَانِهِ إلَّا بِرَمْيِهِ، فَإِنَّ الْآيَةَ لَا تَتَنَاوَلُهُ نَفْيًا وَلَا إثْبَاتًا، وَالسُّنَّةُ جَاءَتْ بِبَيَانِ حُكْمِهِ بَيَانًا ابْتِدَائِيًّا لِمَا سَكَتَ عَنْهُ الْقُرْآنُ، لَا مُخَالِفًا لِمَا حَكَمَ بِهِ الْقُرْآنُ، وَهَذَا اسْمٌ آخَرُ غَيْرُ فَقْءِ الْعَيْنِ قِصَاصًا، وَغَيْرُ دَفْعِ الصَّائِلِ الَّذِي يُدْفَعُ بِالْأَسْهَلِ فَالْأَسْهَلِ؛ إذْ الْمَقْصُودُ دَفْعُ ضَرَرِ صِيَالِهِ، فَإِذَا انْدَفَعَ بِالْعَصَا لَمْ يُدْفَعْ بِالسَّيْفِ.
وَأَمَّا هَذَا الْمُتَعَدِّي بِالنَّظَرِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِفَاءِ وَالْخَتْلِ؛ فَهُوَ قِسْمٌ آخَرُ غَيْرُ الْجَانِي وَغَيْرُ الصَّائِلِ الَّذِي لَمْ يَتَحَقَّقْ عُدْوَانُهُ، وَلَا يَقَعُ هَذَا غَالِبًا إلَّا عَلَى وَجْهِ الِاخْتِفَاءِ وَعَدَمِ مُشَاهَدَةِ غَيْرِ النَّاظِرِ إلَيْهِ؛ فَلَوْ كُلِّفَ الْمَنْظُورُ إلَيْهِ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى جِنَايَتِهِ لَتَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَمَرَ بِدَفْعِهِ بِالْأَسْهَلِ فَالْأَسْهَلِ ذَهَبَتْ جِنَايَةُ عُدْوَانِهِ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ وَإِلَى حَرِيمِهِ هَدَرًا، وَالشَّرِيعَةُ الْكَامِلَةُ تَأْبَى هَذَا وَهَذَا؛ فَكَانَ أَحْسَنَ مَا يُمْكِنُ وَأَصْلَحَهُ وَأَكَفَّهُ لَنَا وَلِلْجَانِي مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ الَّتِي لَا مُعَارِضَ لَهَا وَلَا دَافِعَ لِصِحَّتِهَا مِنْ حَذْفِ مَا هُنَالِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ بَصَرٌ عَادَ لَمْ يَضُرَّ خَذْفُ الْحَصَاةِ، وَإِنْ كَانَ هُنَالِكَ بَصَرٌ عَادَ لَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ؛ فَهُوَ الَّذِي عَرَّضَهُ صَاحِبُهُ لِلتَّلَفِ، فَأَدْنَاهُ إلَى الْهَلَاكِ، وَالْخَاذِفُ لَيْسَ بِظَالِمٍ لَهُ، وَالنَّاظِرُ خَائِنٌ ظَالِمٌ، وَالشَّرِيعَةُ أَكْمَلُ وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ تُضَيِّعَ حَقَّ هَذَا الَّذِي قَدْ هُتِكَتْ حُرْمَتُهُ وَتُحِيلَهُ فِي الِانْتِصَارِ عَلَى التَّعْزِيرِ بَعْدَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ؛ فَحُكْمُ اللَّهِ فِيهِ بِمَا شَرَعَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ، {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] .