الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
للتحضيض، والتأكيد. ومعناه: إن ذلك ليس لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، وإنما الله سبحانه وتعالى، هو الذي يقبل التوبة ويردها، فاقصدوه بها اهـ كرخي. والقصد به، تهييجهم إلى التوبة والصدقة.
{و} ألم يعلموا {أنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى، {هُوَ التَّوَّابُ} أي: هو الذي يقبل التوبة إثر التوبة من المذنبين، الذين ينيبون إلى ربهم، وأنه تعالى، هو {الرَّحِيمُ} ، بالتائبين الذي يثيبهم على ما قدموا من عمل، ويمنعهم الخوف أن يصروا على ذنب، كما قال تعالى في وصف المتقين:{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} . وجاء في الحديث "ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة" رواه الترمذي. وهذه الجملة تأكيد لقوله: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} وتبشير لهم بأن الله هو التواب الرحيم. وروى الشيخان،
عن أبي هريرة، أن النبي، صلى الله عليه وسلم قال: "ما تصدق أحدكم بصدقة من كسب حلال طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله. والحديث تمثيل لحال الصدقة المقبولة عند الله تعالى. وفي مصحف (1) أبي وقراءة الحسن بخلاف عنه {أَلَمْ تَعْلَمُوا} بالتاء على الخطاب وهو إما خطاب للتائبين أو لجماعة من المؤمنين.
105
- {وَقُلِ} يا محمَّد لهؤلاء التائبين أو لجميع الناس، {اعْمَلُوا} ، ما شئتم من الأعمال الحسنة والسيئة {فَسَيَرَى اللَّهُ} سبحانه وتعالى:{عَمَلَكُمْ} خيرًا كان أو شرًّا؛ أي: فسيرى الله سبحانه وتعالى أعمالكم المستقبلة ويعلمها خيرًا كانت أو شرًّا كما يرى أعمالكم الماضية ويعلمها فالاستقبال بالنظر إلى الأعمال وإلا فعلم الله حاصل لا استقبال فيه. وفيه ترغيب عظيم للمطيعين، ووعيد شديد للمذنبين، فكأنه قال اجتهدوا في العمل في المستقبل، فإن الله تعالى يرى أعمالكم
(1) البحر المحيط.
ويجازيكم عليها، {و} يراه {رسوله} صلى الله عليه وسلم بإطلاع الله إياه على أعمالكم، كما أطلعه على أعمالكم الماضية بفضيحتكم عليها، {و} يراه {المؤمنون} بما قذف الله تعالى في قلوبهم. من محبة الصالحين وبغض المذنبين.
والمعنى (1): وقيل لهم أيها الرسول، اعملوا لدنياكم وآخرتكم لأنفسكم وأمتكم، فالعمل هو مناط السعادة، لا الاعتذار عن التقصير، ولا دعوى الجد والتشمير، وسيرى الله عملكم خيرًا كان أو شرًّا، فيجب عليكم أن تراقبوه في أعمالكم، وتتذكروا أنه عليم بمقاصدكم، ونياتكم، فجدير بمن يؤمن به، أن يتقيه في السر، والعلن، ويقف عند حدود شرعه، وسيراه رسوله والمؤمنون، ويزنونه بميزان الإيمان، الذي يفرق بين الإخلاص والنفاق، وهم شهداء الله على الناس. روى أحمد والبيهقي: أن النبي، صلى الله عليه وسلم قال:"لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماءٍ ليس لها باب ولا كوة .. لأخرج الله عمله للناس كائنًا ما كان".
وفي الآية: إيماء إلى أن مرضاة جماعة المؤمنين القائمين بحقوق الإيمان، تلي مرضاة الله ورسوله. وفي حديث أنس رضي الله عنه، قال:"مروا على النبي، صلى الله عليه وسلم بجنازة، فأثنوا عليها خيرًا، فقال، النبي، صلى الله عليه وسلم وجبت، ثم مروا بأخرى، فأثنوا عليها شرًّا، فقال: وجبت. فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما وجبت، قال: هذا أثنيتم عليه خيرًا، فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا، فوجبت له النار، أنتم شداء الله في الأرض"، متفق عليه. وقال ابن عباس: ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن.
ثم ذكر سبحانه وتعالى بوعيد شديد، فقال:{وَسَتُرَدُّونَ} أي: وسترجعون بعد الموت، {إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} أي: إلى الله الذي يعلم ما غاب عن عباده، وما شوهد لهم؛ أي إلى الله الذي يعلم ما تسرونه، وما تعلنونه، وما تخفونه، وما تبدونه، وفي تقديم الغيب على الشهادة، إشعار بسعة علمه تعالى، وأنه لا يخفى عليه شيء، ويساوي عنده كل معلوم. ثم ذكر سبحانه ما سيكون
(1) المراغي.