المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الله فتمسه النار". أخرجه البخاري. وعن أبي مسعود الأنصاري البدري، قال: - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ١٢

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: الله فتمسه النار". أخرجه البخاري. وعن أبي مسعود الأنصاري البدري، قال:

الله فتمسه النار". أخرجه البخاري.

وعن أبي مسعود الأنصاري البدري، قال: جاء رجل بناقة مخطومة إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال:"هذه في سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لك بها يوم القيامة سبع مئة ناقة كلها مخطومة" أخرجه مسلم.

وعن خريم بن فاتك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أنفق نفقة في سبيل الله،

كتب الله له سبع مئة ضعف" أخرجه الترمذي والنسائي.

‌122

- واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى (1): {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} . فذهب جماعة: إلى أنه من بقية أحكام الجهاد؛ لأنه سبحانه لما بالغ في الأمر بالجهاد، والانتداب إلى الغزو كان المسلمون إذا بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سرية إلى الكفار، ينفرون جميعًا، ويتركون المدينة خاليةً، فأخبرهم الله سبحانه بأنه ما كان لهم ذلك؛ أي: أن ينفروا جميعًا. وذهب آخرون: إلى أن هذه الآية، ليست من بقية أحكام الجهاد، وهي حكم مستقل بنفسه في مشروعية الخروج لطلب العلم، والنفقة في الدين، جعله الله سبحانه متصلًا بما دل على وجوب الخروج للجهاد، فيكون السفر نوعين:

الأول: سفر الجهاد.

والثاني: السفر لطلب العلم، ولا شك أن وجوب الخروج لطلب العلم إنما يكون إذا لم يجد الطالب من يتعلم منه في الحضر من غير سفر، والفقه هو العلم بالأحكام الشرعية، وبما يتوصل به إلى العلم بها، من لغة ونحو وصرف وبيان، وأصول؛ أي: وما كان ينبغي أن يفعل المؤمنون النفر والخروج للجهاد جميعًا، ويتركوا المدينة خالية، ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، منفرد وحده؛ لأن ذلك يخل بأمر المعاش {فَلَوْلَا نَفَرَ}؛ أي: فهلا خرج للجهاد، {مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ}؛ أي: من كل قبيلة منهم، {طَائِفَةٌ}؛ أي: جماعة ليقوموا بواجب الجهاد، وبقيت طائفة أخرى منهم، في المدينة مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ}؛ أي: لتتعلم

(1) الشوكاني.

ص: 101

تلك الباقية أحكام دينهم من النبي، صلى الله عليه وسلم، {وَلِيُنْذِرُوا} ويبشروا، {قَوْمَهُمْ} الذين خرجوا للجهاد بما تعلموا من النبي، صلى الله عليه وسلم، {إِذَا رَجَعُوا}؛ أي: إذا رجع الخارجون من الغزو، {إِلَيْهِمْ}؛ أي: إلى الباقين في المدينة، {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}؛ أي: لكي يحذر الخارجون بسبب تعليمهم إياهم، ويخافوا عقاب الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.

فالمعنى (1): ما ينبغي ولا يجوز للمؤمنين أن ينفروا جميعًا، ويتركوا النبي، صلى الله عليه وسلم، وحده، بل يجب أن ينقسموا قسمين: طائفة تكون مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وطائفة تنفر إلى الجهاد؛ لأن ذلك هو المناسب للوقت إذ كانت الحاجة داعية إلى هذا الانقسام، قسم للجهاد، وقسم لتعلم العلم والفقه في الدين؛ لأن أحكام الشريعة كانت تتجدد شيئًا بعد شيء، والماكثون يحفظون ما تجدد، فإذا قدم الغزاة علموهم ما تجدد في غيبتهم.

وفي قوله: {وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ} إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون غرض المتعلم الاستقامة وتبليغ الشريعة لا الترفع على العباد، والتبسط في البلاد، كما هو دأب أبناء الزمان، اهـ "أبو السعود".

والخلاصة: وما كان من شأن المؤمنين، ولا مما يطلب منهم أن ينفروا جميعًا في كل سرية تخرج للجهاد، فإنه فرض كفاية متى قام به بعض سقط عن الباقين، لا فرض على كل شخص، وإنما يجب ذلك إذا خرج الرسول واستنفرهم للجهاد. فهلا خرج، ونفر من كل فرقة كبيرة منهم، كأهل بلد، أو قبيلة طائفة وجماعة منهم، وتبقى طائفة أخرى للتفقه في الدين، بأن يتكلف الباقون في المدينة الفقاهة في الدين، بما يتجدد نزوله على الرسول، صلى الله عليه وسلم من الآيات، وما يكون منه صلى الله عليه وسلم، من بيانها بالقول والعمل، فيعرف الحكم مع حكمته ويوضح المجمل بالعمل به، ولينذروا قومهم الذين نفروا للقاء العدو إذا رجعوا إليهم؛ أي: ليجعلوا أهم قصد لهم من الفقاهة إرشاد هؤلاء وتعليمهم، وإنذارهم عاقبة

(1) الفتوحات.

ص: 102

الجهل، وترك العمل بما علموا رجاء أن يخافوا الله ويحذروا عاقبة عصيانه، وأن يكون جميع المؤمنين علماء بدينهم قادرين على نشر دعوته، والحجاج عنه وبيان أسراره للناس، لا أن يوجهوا أنظارهم إلى الرياسات والمناصب العالية، والترفع عن سواد الناس وكسب المال والتشبه بالظلمة والجبارين في ملابسهم ومراكبهم، ومنافسة بعضهم بعضًا.

وفي الآية، إشارة إلى وجوب التفقه في الدين، والاستعداد لتعليمه في مواطن الإقامة، وتفقيه الناس فيه بالمقدار الذي تصلح به حالهم، فلا يجهلون الأحكام الدينية العامة التي يجب على كل مؤمن أن يتعرفها، والناصبون أنفسهم لهذا التفقه على هذا القصد، لهم عند الله تعالى من سامي المراتب ما لا يقل في الدرجة عن المجاهد بالمال، والنفس في سبيل إعلاء كلمة الله، والذود عن الدين والملة، بل هم أفضل منهم في غير الحال التي يكون الدفاع فيها واجبًا عينيًّا على كل شخص.

فصل في ذكر الأحاديث الدالة على فضل التفقه في الدين

وعن معاوية بن أبي سفيان، قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول:"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم، ويعطي الله، ولم يزل أمر هذه الأمة مستقيمًا حتى تقوم الساعة، وحتى يأتي أمر الله" متفق عليه.

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تجدون الناس خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإِسلام إذا فقهوا" متفق عليه. وعن ابن عباس، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال:"فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد" أخرجه الترمذي.

وعن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم" أخرجه الترمذي. وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم:"من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهل الله له به طريقًا إلى الجنة" أخرجه الترمذي.

وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع" أخرجه الترمذي.

ص: 103