المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

يدفع الكفار عن هذه الطلبات الساقطة، والسؤالات الباردة. قال الزجاج: - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ١٢

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: يدفع الكفار عن هذه الطلبات الساقطة، والسؤالات الباردة. قال الزجاج:

يدفع الكفار عن هذه الطلبات الساقطة، والسؤالات الباردة. قال الزجاج: سألوه إسقاط ما فيه، من ذكر البعث والنشور. وقيل: سألوه أن يسقط ما فيه من عيب آلهتهم، وتسفيه أحلامهم. وقيل: سألوه أن يحول الوعيد وعدًا والحرام حلالًا، والحلال حرامًا. ثم أمره أن يؤكد ما أجاب به عليهم، من أنه ما صح ولا استقام أن يبدله، من تلقاء نفسه بقوله:{إِنْ أَتَّبِعُ} ؛ أي: ما أتبع شيئًا من الأشياء {إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} في القرآن، أو في غيره من عند الله سبحانه وتعالى، من غير تبديل ولا تحريف ولا تصحيف، فقصر حاله صلى الله عليه وسلم على اتباع ما يوحى إليه؛ أي: ما علي إلا البلاغ، فإن بدل الله سبحانه منه شيئًا بنسخه، بلغت عنه ما أراد وإلا فلا. ثم أمره الله تعالى أن يقول لهم تكميلًا للجواب عليهم، وتعليلًا للسابق منه:{إِنِّي أَخَافُ} ؛ أي: لأني أخاف {إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي} وخالفت ما أوحي إليّ بفعل ما تطلبون على تقدير إمكانه {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} ؛ أي: شديد عذابه، وهو يوم القيامة؛ أي إني أخاف إن فعلت أي عصيان، عذاب يوم عظيم الشأن، ألا وهو يوم القيامة، فكيف بي إذا عصيته، بتبديل كلامه اتباعًا لأهوائكم. ثم أكد الله سبحانه وتعالى كون هذا القرآن من عند الله تعالى، وأنه صلى الله عليه وسلم إنما يبلغ إليهم منه ما أمره الله بتبليغه، لا يقدر على غير ذلك فقال:

‌16

- {قُلْ} يا محمَّد، لهؤلاء الذين طلبوا منك تبديل القرآن وتغييره، إن هذا القرآن المتلو عليكم، هو بمشيئة الله تعالى وإرادته و {لَوْ شَاءَ اللَّهُ} سبحانه وتعالى عدم تلاوتي لهذا القرآن عليكم، بأن لم ينزله عليّ، ولم يأمرني بتلاوته عليكم {مَا تَلَوْتُهُ} وقرأته عليكم {وَلَا أَدْرَاكُمْ} الله سبحانه وتعالى {بِهِ}؛ أي: بهذا القرآن؛ أي: لو شاء الله ما تلوته عليكم، وما أعلمكم الله به بواسطتي، فالأمر كله منوط بمشيئة الله، ليس لي في ذلك شيء. وقوله:{وَلَا أَدْرَاكُمْ} معطوف على ما تلوته؛ أي: ولو شاء الله ما أدراكم بالقرآن؛ أي: ما أعلمكم به على لساني، يقال: دريت الشيء، وأدراني الله به؛ أي: علمته، وأعلمني الله به؛ أي: قل لهم (1) يا محمَّد: لو شاء الله أن لا أتلو عليكم هذا القرآن، ما تلوته عليكم، فإنما أتلوه عليكم بأمره، وتنفيذ

(1) المراغي.

ص: 173

مشيئته، ولو شاء الله أن لا يعلمكم به، بإرسالي إليكم، لما أرسلني، ولما أدراكم به، ولكنه شاء أن يمن عليكم بهذا العلم النافع، لتهتدوا به، وتكونوا بهدايته خلائف في الأرض، وهذا لن يكون بكتاب آخر كما قال:{وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} . فهو قد أنزله عالمًا بأن فيه كل ما يحتاج إليه البشر، من الهداية وأسباب السعادة.

وقرأ الجمهور (1): {وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ} فـ {لا} مؤكدة وموضحة، بأن الفعل منفي، لكونه معطوفًا على منفي من أدراه، يدريه، بمعنى: أعلمه يعلمه. وقرأ ابن كثير وقنبل والبزيّ {ولأدراكم} بلام دخلت على فعل مثبت، معطوف على منفي، والمعنى: ولأعلمكم به من غير طريقي، وعلى لسان غيري، ولكنه يمن على من يشاء من عباده، فخصني بهذه الكرامة، ورآني لها أهلًا دون الناس. وقرأ ابن عباس وابن سيرين والحسن وأبو رجاء وابن أبي عبلة وشيبة بن نصاح:{ولا أدرأتكم} بهمزة ساكنة، وتاء بعدها، ثم كاف؛ أي: ولا أجعلكم بتلاوته عليكم خصماء، تدرؤونني بالجدال، وتكذبونني، من الدرء، بمعنى: الدفع يقال: درأته دفعته، كما قال تعالى؛ {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ} ودرأته، جعلته دارئًا؛ أي: خصمًا. وقرأ شهر بن حوشب والأعمش {ولا أنذرتكم به} بالنون، والذال من الإنذار، وكذا هي في مصحف ابن مسعود. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم:{ولا أدريكم} بالإمالة.

وقوله: {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ} تعليل لكون ذلك بمشيئة الله تعالى، ولم يكن من النبي، صلى الله عليه وسلم إلا التبليغ، أي: فقد مكثت بين ظهرانيكم عمرًا طويلًا، وهو أربعون سنة، من قبل تلاوة هذا القرآن عليكم، لم أقل عليكم سورةً من مثله. ولا آية تشبه آياته، لا في العلم والهداية، ولا في البيان والبراعة، تعرفونني بالصدق والأمانة، ولست ممن يقرأ ولا ممن يكتب. والهمزة في قوله:{أَفَلَا تَعْقِلُونَ} للتقريع (2) والتوبيخ داخلة على محذوف، تقديره: أعميتم عن الحق

(1) البحر المحيط وزاد المسير وغيرهما.

(2)

الشوكاني.

ص: 174

فلا تعقلون؛ أي: فلا تجرون على ما يقتضيه العقل من عدم تكذيبي، لما عرفتم من العادة المستمرة إلى المدة الطويلة، بالصدق والأمانة مني، وعدم قراءتي للكتب المنزلة على الرسل، وتعلمي لما عند أهلها من العلم، ولا طلبي لشيء من هذا الشأن، ولا حرصي عليه، ثم جئت بهذا الكتاب، الذي عجزتم عن الإتيان بسورة منه، وقصرتم عن معارضته، وأنتم العرب المشهود لهم بكمال الفصاحة، المعترف لهم، بأنهم البالغون فيها إلى مبلغ لا يتعلق به غيركم؛ أي (1): أفلا تعقلون أن من عاش أربعين سنة، لم يقرأ كتابًا، ولم يلقن من أحد علمًا، ولم يتقلد دينًا ولم يمارس أساليب البيان، وأفانين الكلام، من شعر ونثر وخطابة وفخر وعلم وحكمة، لا يمكنه أن يأتي بمثل هذا القرآن المعجز لكم ولجميع الدارسين لكتب الأديان، فكيف تقترحون علي، أن آتي بقرآن غيره؟ وقد كان أكثر أنبياء بني إسرائيل، قبل نبوتهم على شيء من العلم، كما قال تعالى في موسى:{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} وقال في يحيى: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} .

والخلاصة (2): أن كفار مكة، شاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه، وعلموا أحواله، وأنه كان أميًّا لم يقرأ كتابا، ولا تعلم من أحد، وذلك مدة أربعين سنة، ثم بعدها جاءكم بكتاب عظيم الشأن، مشتمل على نفائس العلوم والأحكام والآداب ومكارم الأخلاق، فكل من له عقل عليم، وفهم ثابت، يعلم أن هذا القرآن من عند الله تعالى، لا من عند نفسه.

وقرأ الحسن والأعمش (3): {عمرا} بضم العين وسكون الميم. قال أبو عبيدة وفي العمر ثلاث لغات، عمر، بضم فسكون، وعمر بضمتين، وعمر بفتح فسكون.

(1) المراغي.

(2)

الصاوي.

(3)

زاد المسير.

ص: 175

فصل في ذكر الأحاديث الواردة في عمر النبي صلى الله عليه وسلم

وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ابن أربعين سنة، فمكث ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة، فهاجر إلى المدينة، فمكث بها عشر سنين، ثم توفي، صلى الله عليه وسلم. متفق عليه. وفي رواية، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أقام بمكة ثلاث عشرة سنة، يوحى إليه، وتوفي وهو وابن ثلاث وستين سنة. وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة خمس عشرة سنة، يسمع الصوت ويرى الضوء سبع سنين، ولا يرى شيئًا، وثمان سنين يوحى إليه، وأقام بالمدينة عشرًا وتوفي وهو ابن خمس وستين سنة. أخرجاه في "الصحيحين".

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: توفي رسول الله، صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين سنة. متفق عليه. وعن أنس رضي الله عنه قال: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ابن ثلاث وستين سنة، وأبو بكر وهو ابن ثلاث وستين سنة، وعمر وهو ابن ثلاث وستين سنة. أخرجه مسلم. وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن رضي الله عنه قال: سمعت أنس بن مالك يصف رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كان ربعة من القوم، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، أزهر اللون، ليس بالأبيض الأمهق، ولا بالآدم، ليس بجعد قطط، ولا سبط رجل، أنزل عليه الوحي وهو ابن أربعين سنة، فلبث بمكة عشر سنين ينزل عليه الوحي، وبالمدينة عشرًا، وتوفاه الله على رأس ستين سنة، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء. متفق عليه.

وقال النووي رحمه الله: ورد في عمره صلى الله عليه وسلم ثلاث روايات:

أحدها: أنه صلى الله عليه وسلم توفي وهو ابن ستين سنة.

والثانية: خمس وستون سنة.

والثالثة: ثلاث وستون سنة، وهي أصحها وأشهرها، رواها مسلم، من حديث أنس وعائشة وابن عباس، واتفق العلماء، على أن أصحها رواية، ثلاث وستين، وحملوا الباقي عليها، فرواية ستين سنة اقتصر فيها على العقود، وترك الكسر، ورواية الخمس متأولة أيضًا، بأنها حصل فيها اشتباه.

قوله: يسمع الصوت، أي: صوت الهاتف من الملائكة، ويرى الضوء؛

ص: 176