المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

ثم أمره الله سبحانه أن يجيب عنهم فقال: {قُلْ} لهم - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ١٢

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: ثم أمره الله سبحانه أن يجيب عنهم فقال: {قُلْ} لهم

ثم أمره الله سبحانه أن يجيب عنهم فقال: {قُلْ} لهم يا محمَّد في الجواب: {إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ} ؛ أي: إن نزول الآية غيب والله هو المختص بعلمه المستأثر به، لا علم لي ولا لكم، ولا لسائر مخلوقاته، فإن كان قدر إنزال آية عليّ .. فهو يعلم وقتها وينزلها فيه، ولا أعلم إلا ما أوحاه إليّ {فَانْتَظِرُوا} نزول ما اقترحتموه من الآيات {إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ} لنزولها. وقيل المعنى: انتظروا قضاء الله بيني وبينكم، بإظهار الحق على الباطل، أو انتظروا لما يفعل الله بكم، لاجترائكم على جحود الآيات القرآنية واقتراح غيرها. والآية بمعنى قوله:{قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (9)} . وقد جاء تفسير ما ينتظر وينتظرونه في قوله في آخر هذه السورة: {فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (102)} . وفي الآية الإنذار بما سيحل بهم من العذاب، بخذلانهم ونصر الرسل عليهم في الدنيا، وما وراءها من عذاب الآخرة.

‌21

- {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ} ؛ أي: وإذا أعطينا ورزقنا كفار مكة {رَحْمَةً} ؛ أي: نعمة وخصبًا ورخاء وسعة العيش {مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ} ؛ أي: من بعد فقر وقحط وشدة وبلاء، وضيق أصابهم، وذلك أن الله سبحانه وتعالى حبس عنهم المطر سبع سنين، حتى هلكوا من الجوع والقحط، ثم إن الله سبحانه وتعالى رحمهم، فأنزل عليهم المطر الكثير، حتى أخصبت البلاد، وعاش الناس بعد ذلك الضر، فلم يتعظوا بذلك، بل رجعوا إلى الفساد والكفر والمكر، وهو قوله سبحانه وتعالى:{إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ} وتدبير {في} إبطال {آيَاتِنَا} القرآنية والكونية واستهزاء وتكذيب لها، وإذا الأولى شرطية، وجوابها {إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ} وهي فجائية، يستفاد منها السرعة؛ لأن المعنى: أنهم فاجؤوا المكر وسارعوا فيه؛ أي: أوقعوه على جهة الفجاءة والسرعة.

والمعنى (1): وإذا رزقنا المشركين بالله فرجًا بعد كرب، ورخاء بعد شدة أصابتهم، بادروا إلى المكر وأسرعوا بالمفاجأة به في مقام الشكر، فإذا كانت

(1) المراغي.

ص: 182

الرحمة مطرًا أحيا الأرض، وأنبت الزرع، ودر به اللبن بعد جدب وقحط أهلك الحرث والنسل، نسبوا ذلك إلى الكواكب أو الأصنام، وإذا كانت نجاة من هلكة وأعوزهم معرفة عللها وأسبابها، عللوها بالمصادفات، وإذا كان سببها دعاء نبي أنكروا إكرام الله له وتأييده بها، كما فعل فرعون وقومه عقب آيات موسى، وكما فعل مشركو مكة إثر القحط الذي أصابهم بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رفع عنهم بدعائه، عليه الصلاة والسلام، فما زادهم ذلك إلا كفرًا وجحودًا.

روى البخاري ومسلم، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن قريشًا، لما استعصوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم قحط وجهد، حتى أكلوا العظام والميت، من الجهد، وحتى جعل أحدهم يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان، من الجوع، فأنزل الله تعالى:{فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11)} فجاء أبو سفيان، إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمَّد، إنك جئت تأمرنا بصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم، فدعا لهم، فكشف الله عنهم العذاب، ومطروا، فعادوا إلى حالهم ومكرهم الأول، يطعنون في آيات الله تعالى، ويعادون رسوله صلى الله عليه وسلم، ويكذبونه.

{قُلْ} لهم يا محمَّد {الِلَّهِ} سبحانه وتعالى {أَسْرَعُ} وأعجل منكم {مَكْرًا} ؛ أي: (1) عقوبة على مكركم، وأشد أخذًا، وأقدر على الجزاء، وأن عذابه في هلاككم أسرع إليكم مما يقع منكم في دفع الحق؛ أي: إن هؤلاء (2) الكفار لما قابلوا نعمة الله بالمكر، فالله تعالى قابل مكرهم بمكر أشد من ذلك، وهو إهلاكهم يوم بدر، وحصول الفضيحة والخزي في الدنيا، وعذاب شديد يوم القيامة. ومعنى الوصف بالأسرعية: أنه تعالى، قضى بعقابهم قبل تدبيرهم مكايدهم، والمكر من الله، إما الاستدراج، أو الجزاء على المكر، أي: إخفاء

(1) الخازن.

(2)

المراح.

ص: 183

الكيد. وتسمية (1) عقوبة الله مكرًا، من باب المشاكلة، كما قرر في مواطن من عبارات الكتاب العزيز.

والخلاصة: أي قل لهم: إنَّ الله أسرع منكم مكرًا، فهو قد دبر عقابكم، وهو موقعه بكم قبل أن تدبروا كيف تعملون، في إطفاء نور الإِسلام، وقد سبق في تدبيره لأمور العالم، وتقديره للجزاء على الأعمال قبل وقوعها أن يعاقبكم على مكركم في الدنيا قبل الآخرة، وهو عليم بما تفعلون، لا تخفى عليه خافية.

{إِنَّ رُسُلَنَا} الحفظة الذين يحفظون أعمالكم، ووكلهم الله تعالى بإحصاء أعمال الناس، وكتبها للحساب والمجازاة عليها في الآخرة {يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ} به أو يكتبون مكركم، ويعرض عليكم يوم القيامة ما في بواطنكم الخبيثة. وفي ذلك تنبيه، إلى أن ما دبروا، ليس بخاف عليه تعالى، وإلى أن انتقامه حاصل واقع بهم لا محالة، وفيه وعيد لهم شديد، وهذه الجملة تعليلية للجملة التي قبلها، فإن مكرهم إذا كان ظاهرًا لا يخفى، فعقوبة الله كائنة لا محالة. والمعنى: إن رسل الله، وهم الملائكة، يكتبون مكر الكفار، لا يخفى ذلك على الملائكة الذين هم الحفظة، فكيف يخفى على العليم الخبير؟.

وقرأ الحسن (2)، وابن أبي إسحاق وأبو عمرو {رسلنا} بالتخفيف. وقرأ الحسن وقتادة ومجاهد والأعرج، ورويت عن نافع ويعقوب في رواية، وأبو عمرو في رواية {يمكرون} بالتحتية على الغيبة، جريًا على ما سبق. وقرأ أبو رجاء وشيبة وأبو جعفر وابن أبي إسحاق وعيسى وطلحة والأعمش والجحدري وأيوب بن المتوكل وابن محيصن وشبل وأهل مكة والسبعة:{تمكرون} بالتاء الفوقية على الخطاب مبالغة لهم في الإعلام بحال مكرهم، والتفاتًا لقوله:{قُلِ اللَّهُ} ؛ أي: قل لهم، فناسب الخطاب. وفي قوله:{إِنَّ رُسُلَنَا} التفات أيضًا إذ لم يأت إن رسله. وقال أيوب بن المتوكل في مصحف أبي {يا أيها الناس إن الله

(1) الشوكاني.

(2)

البحر المحيط.

ص: 184