المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وخلاصة (1) ما قالوا: ربنا لا تسلطهم علينا فيفتنونا، ولا - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ١٢

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: وخلاصة (1) ما قالوا: ربنا لا تسلطهم علينا فيفتنونا، ولا

وخلاصة (1) ما قالوا: ربنا لا تسلطهم علينا فيفتنونا، ولا تفتنا بهم فنتولى عن اتباع نبينا، أو نضعف فيه، فرارًا من شدة ظلمهم لنا، ولا تفتنهم بنا فيزدادوا كفرًا وعنادًا وظلمًا بظهورهم علينا، ويظنوا أنهم على الحق ونحن على الباطل، وقد دلت التجارب على أن سوء حال المؤمنين، من ضعف أو فقر تجعلهم موضعًا لافتتان الكفار بهم، باعتقاد أنهم خير منهم، كما جاء في قوله:{وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ} .

‌87

- وقوله: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ

} الآية، لما أرسل (2) موسى أمر فرعون بمساجد بني إسرائيل فخربت كلها، ومنعوا من الصلاة فأمروا أن يتخذوا مساجد في بيوتهم ويصلون فيها خوفًا من فرعون، فذلك قوله:{أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا} ؛ أي: وقلنا لموسى وأخيه هارون اتخذا واجعلا لقومكما {بِمِصْرَ بُيُوتًا} ؛ أي: بيوتًا في مصر تكون مساكن وملاجىء، تعتصمون بها ومرجعًا ترجعون إليها للعبادة.

والمعنى: أن الله سبحانه وتعالى أوحى إلى موسى وأخيه أن يتخذا لقومهما مساكن، بأرض مصر، يتوطنون بها، ويعبدون الله فيها رغمًا عن أنف عدوهم فرعون، وهذا طمأنينة للقوم، فإنهم كانوا خائفين من فرعون. وقيل: مصر (3) في هذه الآية هي الإسكندرية، وقيل: هى مصر المعروفة لا الإسكندرية، ومصر من البحر إلى أسوان والإسكندرية من أرض مصر. وقرأ حفص في رواية هبيرة {تبويا} بالياء وهذا تسهيل غير قياسي، ولو جرى على القياس، لكان بين الهمزة والألف، ذكره أبو حيان.

{وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} ؛ أي: اجعلوها مستقبلة للقبلة لتصلوا فيها سرًّا، لئلا يصيبكم من الكفار معرة بسبب الصلاة، كما كان المؤمنون في أول الإِسلام بمكة على هذه الحالة، والمراد بالقبلة جهة بيت المقدس؛ لأنها قبلة اليهود إلى اليوم. وقيل: جهة الكعبة، وأنها قبلة موسى ومن معه {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} التي

(1) المراغي.

(2)

تفسير الواحدي.

(3)

الشوكاني.

ص: 327

أمركم الله بإقامتها في تلك البيوت، متجهين إلى جهة واحدة؛ لأن الاتحاد في الاتجاه يساعد على اتحاد القلوب؛ أي: أتموها بشروطها وأركانها المعلومة عندهم. {وَبَشِّرِ} يا موسى {الْمُؤْمِنِينَ} ؛ أي: بشر قومك الذين آمنوا بك بحفظ الله إياهم من فتنة فرعون وملئه الظالمين لهم، وتنجيتهم من ظلمهم أو بشرهم، بالنصر في الدنيا، وبالجنة في العقبى.

وإنما (1) جعل الخطاب في أول الكلام مع موسى وهارون، ثم جعله لهما ولقومهما في قوله:{وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} ثم أفرد موسى بالخطاب بعد ذلك في قوله: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} ؛ لأن اختيار المكان مفوض إلى الأنبياء، ثم جعل عامًّا في استقبال القبلة وإقامة الصلاة؛ لأن ذلك واجب على الجميع لا يختص بالأنبياء، ثم جعل خاصًّا بموسى؛ لأنه الأصل في الرسالة، وهارون تابع له، فكان ذلك تعظيمًا للبشارة وللمبشر بها. وقيل: إن الخطاب في {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} لنبينا محمَّد صلى الله عليه وسلم على طريقة الالتفات والاعتراض والأول أولى.

وعبارة المراغي هنا: وإنما خص موسى بالتبشير؛ لأن بشارة الأمة وظيفة صاحب الشريعة وأشرك معه هارون في أمر قومهما بالتبوؤ؛ لأنه مما يتولاه الرؤساء بتشاور بينهم، فهو تدبير عملي يقوم به هو ووزيره المساعد على تنفيذه، انتهت.

الإعراب

{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} .

{وَاتْلُ} {الواو} : استئنافية {اتْلُ} : فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد. {عَلَيْهِمْ} ، متعلق به {نَبَأَ نُوحٍ} ، مفعول به ومضاف إليه، والجملة مستأنفة {إِذْ} ؛ ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بـ {نَبَأَ}. {قَالَ}: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على {نُوحٍ} والجملة في محل الجر مضاف إليه

(1) الشوكاني.

ص: 328

لـ {إِذْ} {لِقَوْمِهِ} : جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ {قَالَ} .

{يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ} .

{يَا قَوْمِ} : إلى قوله: {فَكَذَّبُوهُ} مقول محكي، وإن شئت قلت يا: حرف نداء {قوم} : منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول {قَالَ}. {إِنْ}: حرف شرط. {كَانَ} في محل الجزم بـ {إنْ} على كونها شأنية واسمها ضمير مستتر فيها، تقديره: هو، يعود إلى الشأن، أو زائدة لزيادتها بين أداة الشرط وفعله. {كَبُرَ}: فعل ماض في محل الجزم بـ {إنْ} على كونه فعل شرط لها. {عَلَيْكُمْ} متعلق به {مَقَامِي} فاعل {كَبُرَ} . {وَتَذْكِيرِي} معطوف عليه {بِآيَاتِ اللَّهِ} جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ {تَذْكِيرِي} {فَعَلَى اللَّهِ} الفاء: رابطة لجواب {إنْ} الشرطية {عَلَى اللَّهِ} جار ومجرور متعلق بـ {تَوَكَّلْتُ} {تَوَكَّلْتُ} : فعل وفاعل في محل الجزم بـ {إنْ} على كونه جواب الشرط، ويجوز أن تكون جملة {تَوَكَّلْتُ} معترضة، فيكون الجواب جملة {أجمعوا} وهذا أولى؛ لأنه لا يصح أن يكون توكلت جوابًا؛ لأنه لا يحسن ترتبه على الشرط، إذ هو متوكل على الله دائمًا، وجملة {إنْ} الشرطية في محل النصب مقول: قال، على كونها جواب النداء {فَأَجْمِعُوا} الفاء: رابطة أو عاطفة {أجمعوا أمركم} : فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الجزم معطوفة على الجواب، أو هي جواب الشرط {وَشُرَكَاءَكُمْ}: منصوب على كونه مفعولًا معه ولا يصح كونه معطوفًا على {أَمْرَكُمْ} ؛ لأن الشركاء ذوات لا يتسلط عليه {أجمعوا} إلا بقلة ويصح نصبه بإضمار فعل لائق، نحو: واستعينوا شركاءكم أو {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ} واجمعوا شركاءكم، بهمزة الوصل على حد علفتها تبنًا، وماءً باردًا، أو يقدر مضاف في المعطوف، والتقدير: فأجمعوا أمركم وأمر شركائكم {ثُمَّ} : حرف عطف. {لَا} : ناهية {يَكُنْ} : فعل مضارع ناقص معطوف على {أجمعوا} : على كونه جواب الشرط {أَمْرُكُمْ} : اسم {يَكُنْ} . {عَلَيْكُمْ} متعلق بـ {غُمَّةً} {غُمَّةً} خبر يكن منصوب {ثُمَّ اقْضُوا} فعل وفاعل في محل الجزم بـ {إنْ}

ص: 329

الشرطية معطوف على قوله {لَا يَكُنْ} ؛ لأن العطف كان هنا بحرف مرتب {إِلَيَّ} جار ومجرور متعلق بـ {اقْضُوا} {وَلَا تُنْظِرُونِ} {الواو} : عاطفة {لَا} : ناهية {تُنْظِرُونِ} : فعل وفاعل مجزوم بـ {لَا} : الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والنون نون الوقاية؛ لأنها تقي الكسرة عن الفعل، وياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بكسرة نون الوقاية، في محل النصب مفعول به، وجملة {وَلَا تُنْظِرُونِ} في محل الجزم معطوفة على جملة قوله:{ثُمَّ اقْضُوا} على كونها جواب الشرط.

{فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} .

{فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ} : الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم ما قلته لكم، وأردتم بيان شأني فيما إذا توليتم .. فأقول لكم {إن}: حرف شرط. {تَوَلَّيْتُمْ} : فعل وفاعل في محل الجزم بـ {إن} على كونه فعل شرط لها. {فَمَا} الفاء رابطة لجواب {إن} الشرطية وجوبًا، لكون الجواب مقرونًا بـ {ما} النافية {ما} نافية {سَأَلْتُكُمْ} فعل وفاعل ومفعول أول في محل الجزم بـ {إن} على كونه جوابًا لها. {مِنْ أَجْر}: مفعول ثانٍ لـ {سأل} و {مِن} : زائدة، أو يقال: جواب {إنْ} الشرطية محذوف، تقديره: فإن توليتم، فلا ضير عليّ؛ لأني ما سألتكم عليه من أجر، والفاء في {سَأَلْتُكُمْ} تعليل للجواب المحذوف وجملة {إنْ} الشرطية في محل النصب مقول لجواب {إذَا} المقدرة وجملة {إذَا} المقدرة مستأنفة على كونها مقول، قال. {إِنْ أَجْرِيَ} {إنْ} نافية {أجري}: مبتدأ ومضاف إليه. {إِلَّا} أداة استثناء مفرغ. {عَلَى اللَّهِ} : جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب مقول قال {وَأُمِرْتُ} فعل ونائب فاعل، والجملة في محل النصب مقول قال {أَنْ أَكُونَ} {أَنْ}: حرف نصب {أَكُونَ} : منصوب بها واسمها ضمير يعود على {نُوحٍ} . {مِنَ الْمُسْلِمِينَ} جار ومجرور خبر {كَانَ} وجملة {أَنْ} المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: وأمرت بكوني من المسلمين، والجار

ص: 330

المحذوف متعلق بـ {أَكُونَ} .

{فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ} .

{فَكَذَّبُوهُ} : الفاء: عاطفة {كذبوه} فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في محل الجر معطوفة على جملة {قَالَ} على كونها مضافًا لـ {إذْ} {فَنَجَّيْنَاهُ} الفاء، عاطفة {نجيناه}: فعل وفاعل ومفعول معطوف على {كَذَّبُواْ} {وَمَنْ مَعَهُ} الواو: عاطفة {مَنْ} : اسم موصول في محل النصب، معطوف على مفعول {نجيناه} {مَعَهُ}: ظرف ومضاف إليه صلة من الموصولة {فِي الْفُلْكِ} جار ومجرور متعلق بـ {نجيناه} {وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ} فعل وفاعل ومفعولان معطوف على {نجيناه} {وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ} : فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة أيضًا على جملة {فَنَجَّيْنَاهُ} {كَذَّبوُاْ} فعل وفاعل صلة الموصول {بِآيَاتِنَا} جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق به {فَانْظُرْ} الفاء عاطفة {انظر}: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة معطوفة على جملة {أَغْرَقْنَا} {كَيْفَ} اسم استفهام في محل النصب خبر {كَانَ} مقدم عليها، معلق للنظر عن العمل فيما بعده {كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ}: فعل ناقص واسمه، ومضاف إليه، وجملة {كَانَ} في محل النصب سادة مسد مفعول انظر علقت عنها باسم الاستفهام.

{ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ} .

{ثُمَّ} : حرف عطف {بَعَثْنَا} فعل وفاعل معطوف على قوله: {فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ} {مِنْ بَعْدِهِ} : جار ومجرور متعلق بـ {بَعَثْنَا {رُسُلًا} مفعول به {إِلَى قَوْمِهِمْ} جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ {بَعَثْنَا} {فَجَاءُوهُمْ}: فعل وفاعل ومفعول معطوف على {بَعَثْنَا} {بِالْبَيِّنَاتِ} : متعلق بـ {جَاءُ} {فَمَا كَانُوا} الفاء: عاطفة {ما} : نافية. {كَانُوا} : فعل ناقص واسمه {لِيُؤْمِنُوا} اللام: حرف جر وجحود {يؤمنوا} : فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد لام الجحود.

ص: 331

{بِمَا} : جار ومجرور متعلق بـ {يُؤْمِنُوا} {كَذَّبُوا} فعل وفاعل صلة لـ {مَا} أو صفة لها. {بِهِ} متعلق بـ {كَذَّبُوا} وهو العائد على {مَا} الموصولة {مِنْ قَبْلُ} : جار ومجرور متعلق بـ {كَذَّبُوا} أيضًا وجملة {يُؤْمِنُوا} صلة أن المضمرة أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام، على مذهب البصريين، الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر {كَانَ} تقديره: فما كانوا مريدين للإيمان بما كذبوا به من قبل، وجملة {كَانَ} معطوفة على جملة {جاؤوا} وأما على مذهب الكوفيين فلام الجحود زائدة، والتقدير: فما كانوا مؤمنين بما كذبوا به من قبل {كَذَلِكَ} : جار وجرور صفة لمصدر محذوف. {نَطْبَعُ} فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على الله {عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ} متعلق به، والتقدير: نطبع على قلب كل معتد طبعًا مثل طبعنا على هؤلاء، والجملة الفعلية مستأنفة.

{ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ} .

{ثُمَّ بَعَثْنَا} : فعل وفاعل {مِنْ بَعْدِهِمْ} جار ومجرور متعلق به {مُوسَى وَهَارُونَ} مفعول به ومعطوف عليه {إِلَى فِرْعَوْنَ} : متعلق به أيضًا. {وَمَلَئِهِ} : معطوف على {فِرْعَوْنَ} {بآياتنا} : جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بمحذوف حال من {مُوسَى وَهَارُونَ}؛ أي: حالة كونهما مؤيدين بآياتنا، وجملة {بَعَثْنَا}: معطوفة على {بَعَثْنَا} الأول عطف قصة على قصة، وهذا من قبيل ذكر الخاص بعد العام، لما في الخاص من الغرابة، كما ذكره "أبو السعود"{فَاسْتَكْبَرُوا} فعل وفاعل معطوف على محذوف مرتب عليه، تقديره: فأتياهم فبلغاهم الرسالة، فاستكبروا عن اتباعها، فالجملة المحذوفة معطوفة على جملة {بَعَثْنَا} {وَكَانُوا}: فعل ناقص واسمه معطوف على {استكبروا} {قَوْمًا} : خبرها {مُجْرِمِينَ} صفة له.

{فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ} .

{فَلَمَّا} الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أنهم استكبروا عن آياتنا، وأردت بيان كيفية استكبارهم ..

ص: 332

فأقول لك {لما} : حرف شرط غير جازم {جَاءَهُمُ الْحَقُّ} : فعل ومفعول وفاعل {مِنْ عِنْدِنَا} : جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ {جاء} أو حال من {الْحَقِّ} {قَالُوا} : فعل وفاعل جواب {لما} وجملة {لما} مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة {إِنَّ هَذَا} مقول محكي لـ {قَالُوا} ، وإن شئت، قلت {إِنَّ هَذَا} ناصب واسمه {لَسِحْرٌ}؛ خبره. {مُبِينٌ}: صفة سحر وجملة {إنَّ} في محل النصب مقول قالوا.

{قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ} .

{قَالَ مُوسَى} : فعل وفاعل والجملة مستأنفة. {أَتَقُولُونَ} إلى آخر الآية، مقول محكي، وإن شئت. قلت {أَتَقُولُونَ} الهمزة: للاستفهام الإنكاري {تقولون} : فعل وفاعل {لِلْحَقِّ} جار ومجرور متعلق به؛ أي: في شأن الحق ولأجله {لَمَّا} ظرف بمعنى حين متعلق بـ {تقولون} {جَاءَكُمْ} : فعل ومفعول وفاعله، ضمير يعود على {الْحَقِّ} والجملة الفعلية في محل الجر، مضاف إليه لـ {لَمَّا} ومقول {تقولون} محذوف، تقديره أتقولون للحق لما جاءكم إنه سحر. وقوله:{أَسِحْرٌ هَذَا} ؛ من كلام موسى، والهمزة فيه للاستفهام الإنكاري. {سحر} خبر مقدم {هَذَا}: مبتدأ مؤخر والجملة مستأنفة من جهة موسى، عليه السلام، تكذيبًا لقولهم وتوبيخًا إثر توبيخ، وتجهيلًا بعد تجهيل، كما ذكره "أبو السعود" {وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ}: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول لـ {قَالَ مُوسَى} .

{قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا} .

{قَالُوا} : فعل وفاعل والجملة مستأنفة {أَجِئْتَنَا

} إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: الهمزة للاستفهام الإنكاري. {جئتنا} : فعل وفاعل ومفعول والجملة في محل النصب مقول {قَالُوا} {لِتَلْفِتَنَا} : اللام حرف جر وتعليل {تلفت} فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على {مُوسَى}. {نَا}: ضمير المتكلمين في محل النصب مفعول به، والجملة في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: للفتك وصرفك إيانا عن الحق

ص: 333

الجار والمجرور متعلق بـ {جئتنا} .

{عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ} .

{عَمَّا} : جار ومجرور متعلق بـ {تلفتنا} {وَجَدْنَا} فعل وفاعل {عَلَيْهِ} متعلق به وهو في محل المفعول الثاني. {آبَاءَنَا} مفعول أول، أو وجد هنا بمعنى أصاب يتعدى لمفعول واحد {وَتَكُونَ}: فعل مضارع ناقص معطوف على {تلفت} {لَكُمَا} : جار ومجرور خبر {تَكُونَ} مقدم على اسمها. {الْكِبْرِيَاءُ} اسم تكون مؤخر. {فِي الْأَرْضِ} : جار ومجرور متعلق بـ {الْكِبْرِيَاءُ} أو بـ {تَكُونَ} . {وَمَا} {الواو} : عاطفة {ما} حجازية {نَحْنُ} : في محل الرفع اسمها {لَكُمَا} متعلق {بِمُؤْمِنِينَ} {مؤمنين} خبر {ما} الحجازية والباء: زائدة، والجملة في محل النصب معطوفة على ما قبلها على كونها مقولًا لـ {قَالُوا} .

{وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ} .

{وَقَالَ فِرْعَوْنُ} فعل وفاعل والجملة مستأنفة {ائْتُونِي

} إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت:{ائْتُونِي} : فعل وفاعل ومفعول به. {بِكُلِّ سَاحِرٍ} : جار ومجرور ومضاف إليه متعلق به. {عَلِيمٍ} : صفة {سَاحِرٍ} والجملة الفعلية في محل النصب مقول لـ {قَالَ} .

{فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ} .

{فَلَمَّا} الفاء: عاطفة على محذوف، تقديره: فأتوا بالسحرة {فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ} {لما} : حرف شرط غير جازم {جَاءَ السَّحَرَةُ} : فعل وفاعل فعل شرط لـ {لما} {قَالَ} : فعل ماض. {لَهُمْ} متعلق به {مُوسَى} فاعل، والجملة جواب {لما} وجملة {لمّا} من فعل شرطها وجوابها معطوفة على تلك الجملة المحذوفة {أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ} مقول محكي، وإن شئت قلت:{أَلْقُوا مَا} فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول {قَالَ} {أَنْتُمْ مُلْقُونَ} مبتدأ وخبر، والجملة صلة {مَا} الموصولة والعائد محذوف، تقديره: ما أنتم ملقونه.

ص: 334

{فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (82)} .

{فَلَمَّا} : الفاء: عاطفة على محذوف؛ تقديره: فألقى السحرة ما عندهم {لما} : حرف شرط. {أَلْقَوْا} : فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ {لما} {قَالَ مُوسَى} فعل وفاعل والجملة جواب {لما} وجملة {لما} معطوفة على تلك الجملة المحذوفة {مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ} إلى آخر الآيتين مقول محكي، وإن شئت، قلت:{مَا} : اسم موصول في محل الرفع مبتدأ {جِئْتُمْ} : فعل وفاعل {بِهِ} : متعلق به، والجملة صلة الموصول {السِّحْرُ}: خبر المبتدأ والجملة الاسمية في محل النصب مقول {قَالَ} وفي المقام أوجه أخر من الإعراب، تركناها خوف الإطالة {إِنَّ اللَّهَ} . ناصب واسمه {سَيُبْطِلُهُ} فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على {اللَّهَ} والجملة في محل الرفع خبر {إِنَّ} وجملة {إِنَّ} في محل النصب مقول {قَالَ} . {إِنَّ اللَّهَ} ناصب واسمه. {لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على {اللَّهَ} وجملة {إِنَّ} في محل النصب مقول {قَالَ} مسوقة لتعليل ما قبلها. {وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ}: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول {قَالَ} على كونها معطوفة على قوله {سَيُبْطِلُهُ} {بِكَلِمَاتِهِ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ {يحق} {وَلَوْ كَرِهَ} {الواو} عاطفة على محذوف، تقديره: ويحق الله الحق لو لم يكره المجرمون {وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} {لو} : حرف شرط {كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} : فعل وفاعل فعل شرط لـ {لو} وجوابها محذوف، تقديره: ولو كره المجرمون يحق الله الحق بكلماته، وجملة {لو} الشرطية معطوفة على تلك الجملة المحذوفة.

{فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ} .

{فَمَا آمَنَ} الفاء: عاطفة على محذوف، تقديره: فألقى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون، كما ذكره في "الفتوحات" {ما}: نافية {آمَنَ} : فعل ماض {لِمُوسَى} : متعلق به {إِلَّا} : أداة استثناء مفرغ {ذُرِّيَّةٌ} فاعل {مِنْ قَوْمِهِ} : جار

ص: 335

ومجرور صفة لـ {ذُرِّيَّةٌ} والجملة مستأنفة {عَلَى خَوْفٍ} : على حرف جر، بمعنى اللام التعليلية {خَوْفٍ} مجرور بها الجار والمجرور متعلق بـ {آمَنَ} {مِنْ فِرْعَوْنَ} متعلق بخوف. {وَمَلَئِهِمْ} معطوف على {فِرْعَوْنَ} {أَنْ يَفْتِنَهُمْ}: ناصب وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على فرعون، والجملة في تأويل مصدر مجرور على كونه بدل اشتمال من فرعون؛ أي: من فتنتهم {وَإِنَّ فِرْعَوْنَ} : ناصب واسمه {لَعَالٍ} اللام: حرف ابتداء {عال} : خبر {إنَّ} مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة، للتخلص من التقاء الساكنين؛ لأن أصله لعالي، استثقلت الضمة على الياء ثم حذفت، فالتقى ساكنان، وهما الياء والتنوين، ثم حذفت الياء لبقاء دالها فصار لعال. {فِي الْأَرْضِ}: متعلق بـ {عال} وجملة {إِنَّ} : معطوفة على جملة قوله: {فَمَا آمَنَ} عطف علة على معلول {وَإِنَّهُ} : ناصب واسمه. {لَمِنَ} اللام: حرف ابتداء {لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ} : جار ومجرور خبر {إِنَّ} والجملة معطوفة على جملة {إِنَّ} الأولى.

{وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84)} .

{وَقالَ} : الواو: استئنافية {قال موسى} فعل وفاعل، والجملة مستأنفة {يَا قَوْمِ

} إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت:{يَا قَوْمِ} : منادى مضاف وجملة النداء في محل النصب مقول {قال} {إنْ} : حرف شرط. {كُنْتُمْ} فعل ناقص واسمه في محل الجزم على كونه فعل شرط لها. {آمَنْتُمْ} فعل وفاعل {بِاللَّهِ} : متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب خبر {كَانَ} {فَعَلَيْهِ} {الفاء}: رابطة لجواب {إنْ} الشرطية {عَلَيْهِ} متعلق بـ {تَوَكَّلُوا} {تَوَكَّلُوا} فعل وفاعل في محل الجزم بـ {إنْ} على كونه جوابًا لها، وجملة {إنْ} الشرطية في محل النصب مقول {قال} على كونها جواب النداء. {إِنْ كُنْتُمْ} {إن}: حرف شرط {كُنْتُمْ} : فعل ناقص واسمه في محل الجزم بـ {إنْ} على كونه فعل شرط لها {مُسْلِمِينَ} خبر {كَانَ} وجواب {إنْ} الشرطية معلوم مما قبلها، تقديره: إن كنتم مسلمين، فعليه توكلوا، وجملة {إنْ} الشرطية في محل النصب مقول {قال} .

ص: 336

{فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85)} .

{فَقَالُوا} : الفاء: حرف عطف وتفريع {قالوا} : فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله:{وَقَالَ مُوسَى} {عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا

} إلى آخر الآيتين: مقول محكي، وإن شئت، قلت: على الله متعلق بـ {تَوَكَّلْنَا} {تَوَكَّلْنَا} فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول {قالوا} {رَبَّنَا}: منادى مضاف، وجملة النداء مقول {قالوا} {لَا تَجْعَلْنَا} فعل ومفعولان، وفاعله ضمير يعود على {اللَّهِ} {لِلْقَوْمِ} متعلق بـ {فِتْنَةً} {الظَّالِمِينَ} صفة {لِلْقَوْمِ} وجملة {تَجْعَلْنَا} في محل النصب مقول {قالوا} على كونها جواب النداء.

{وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (86)} .

{وَنَجِّنَا} : فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على {اللَّهِ} والجملة معطوفة على جملة {لَا تَجْعَلْنَا} {بِرَحْمَتِكَ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ {نجنا} وكذا يتعلق به الجار والمجرور في قوله: {مِنَ الْقَوْمِ} {الْكَافِرِينَ} : صفة لـ {الْقَوْمِ} .

{وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} .

{وَأَوْحَيْنَا} فعل وفاعل، والجملة مستأنفة {إِلَى مُوسَى}: متعلق به {وَأَخِيهِ} معطوف على موسى {أَنْ} : إما مفسرة لوجود ضابطها، وهو أن يتقدمها جملة فيها معنى القول دون حروفه، وإما مصدرية {تَبَوَّآ}: فعل أمر وفاعل مبني على حذف النون أمر من تفعل مثل قوله تعالى: {أن اصنع الفلك} أو فعل أمر في محل النصب بأن المصدرية مبني على حذف النون {لِقَوْمِكُمَا} متعلق بـ {تبوءا} وهو في محل المفعول الأول والأقرب كون اللام زائدة في المفعول {بِمِصْرَ} : متعلق بـ {تَبَوَّآ} أو حال من ضمير {تبوءا} أو حال من {بُيُوتًا} . {بُيُوتًا} ، مفعول ثانٍ لـ {تبوءا} وجملة {تبوءا} صلة {أَنْ} المصدرية {أَنْ} مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية {لأوحينا} تقديره: وأوحينا إلى موسى وأخيه التبوؤ لقومهما بمصر بيوتا {وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} : فعل وفاعل ومفعولان

ص: 337

والجملة معطوفة على جملة {تبوءا} {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} : فعل وفاعل ومفعول معطوف على {تبوءا} . {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} ؛ فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على {موسى} والجملة معطوفة على جملة {تبوءا} .

التصريف ومفردات اللغة

{نَبَأَ نُوحٍ} ؛ أي: بعض نبأه مع قومه، إذ المذكور ليس جميع خبره، بل بعضه وتقدم أن اسمه عبد الغفار، وأن نوحًا لقبه. والنبأ: هو الخبر الذي له خطر وشأن. {مَقَامِي} والمقام: بفتح الميم، مكان القيام، وبضمها مكان الإقامة، أو الإقامة نفسها، والأول: من قام الثلاثي، والثاني: من أقام الرباعي، وفي "زاده"، والمقام إما اسم لمكان القيام، أو مصدر له، فعلى الأول يكون كناية عن النفس؛ لأن المكان من لوازمه، وعلى كونه مصدرًا، إما أن يراد به طول قيامه بينهم، أو قيامه على الدعوة والتذكير؛ لأنه مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، اهـ {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ} أمر من الإجماع والإجماع: العزيمة على الأمر عزمًا لا تردد فيه، كما قال شاعرهم:

أَجْمَعُوْا أَمْرَهُمْ بِلَيْلٍ فَلَمَّا

أَصْبَحُوْا أَصْبَحَتْ لَهُمْ ضَوْضَاءُ

فأجمع الرباعي يتعدى بنفسه وبعلى، فيقال: أجمع أمره وأجمع عليه، والمعنى على كلا الوجهين: العزم والتصميم؛ أي: عزم أمره وصمم عليه. وفي "السمين" قرأ العامة: فأجمعوا أمرًا، من أجمع، بقطع الهمزة، يقال: أجمع في المعاني، وجمع في الأعيان، فيقال: أجمعت أمري، وجمعت الجيش هذا هو الأكثر {ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ}؛ أي: أدوا إليّ ذلك الأمر الذي تريدون بي، فالقضاء هنا، من قولهم: قضى دينه، إذا أداه. وقيل معناه: أسرعوا به إليّ، وأبرزوه، ولام القضاء واو؛ لأنه من قضا يقضو، اهـ "سمين".

{غُمَّةً} والغمة: الستر واللبس، يقال: إنه لفي غمة من أمره إذا لم يهتد له، والإنظار: التأخير والإمهال. {فِي الْفُلْكِ} تقدم أن الفلك يستعمل مفردًا وجمعًا، والمراد هنا المفرد {خَلَائِفَ} يخلفون الذين هلكوا بالغرق، جمع خليفة، كصحائف وصحيفة {نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ} الطبع على القلوب هو عدم

ص: 338

قبولها شيئًا غير ما رسخ فيها، واستحوذ عليها. والمعتدين جمع معتد، والمعتدي: المتجاوز حدود الحق والعدل، اتباعًا لهوى النفس وشهواتها.

{فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} تقدم أن الملأ أشراف الناس الذين يملؤون العيون بالمهابة، والمجالس بأجرامهم والاقتصار عليهم؛ لأنهم المتبوعون، وغيرهم من بقية قوم فرعون تبع لهم، هكذا قرره بعض المفسرين، وقرر بعضهم أن المراد بالملأ هنا، مطلق القوم، من استعمال الخاص في العام. {فَاسْتَكْبَرُوا} من باب استفعل والاستكبار ادعاء الكبر من غير استحقاق {لِتَلْفِتَنَا} اللفت والفتل أخوان، اهـ "أبو السعود"، وكلاهما من باب ضرب، ففي "المصباح" لفته لفتًا، من باب ضرب، صرفه إلى ذات اليمين أو الشمال، ومنه يقال: لفته عن رأيه إذا صرفته اهـ وفي "السمين" اللفت: اللي والصرف، لفته عن كذا؛ أي: صرفه ولواه عنه. وقال الأزهري: لفت الشيء وفتله: لواه، وهذا من المقلوب، قلت: ولا يدعى فيه قلب حتى يرجح أحد اللفظين في الاستعمال على الآخر. {وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ} والكبرياء، مصدر على وزن فعلياء، ومعناها: العظمة، وسمى الملك كبرياء؛ لأنه أكبر ما يطلب من أمور الدنيا، قاله الزجاج، وقيل: سمي بذلك؛ لأن الملك يتكبر.

{ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ} وقرىء سحار، والسحار، صيغة مبالغة؛ أي: كثير السحر كثير العلم بعمله وأنواعه، {إِلَّا ذُرِّيَّةٌ} الذرية في اللغة، صغار الأولاد وتستعمل في الصغار والكبار عرفًا، والذرية اسم يقع على القليل من القوم. قال ابن عباس: الذرية القليل، وقيل، المراد به: التصغير وقلة العدد {فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} الفتنة والفتون: الابتلاء والاختبار الشديد، للحمل على الفعل أو الترك والمراد به هنا: الاضطهاد والتعذيب {أن تبوءا} ؛ أي: أن اتخذا لقومكما بيوتًا بمصر، يقال: تبوأ الدار، اتخذها مباءة ومسكنًا، يبوء ويرجع إليها كلما فارقها لحاجة، ويقال: بوأت زيدًا مكانًا، وبوأت لزيد مكانًا، والمبوأ: المنزل الملزوم ومثه بوأه الله منزلًا؛ أي ألزمه إياه وأسكنه فيه، ومنها الحديث "من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار". ومنه قول الراجز:

ص: 339

نَحْنُ بَنُوْ عَدْنَانَ لَيْسَ شَكُّ

تَبَوَّأ الْمَجْدُ بِنَا وَالْمُلْكُ

{قِبْلَةً} والقبلة ما يقابل الإنسان ويكون تلقاء وجهه، ومنه قبلة الصلاة؛ لأن المصلي يقابلها، وهي تقابله.

البلاغة

وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة، وضروبًا من الفصاحة والبيان والبديع:

فمنها: الإسناد المجازي في قوله: {إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي} ؛ لأن حق الإسناد أن يكون للذات نظير ثقل عليّ ظله، كما في "الصاوي".

ومنها: تقديم المعمول على عامله لإفادة الحصر في قوله: {فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ} .

ومنها: الاعتراض بين الشرط وجوابه بقوله: {فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ} إن قلنا الجواب جملة {فأجمعوا} كما قاله الأكثرون.

ومنها: الاستعارة المكنية في قوله: {ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ} إذا كان من قضى دينه إذا أداه، فالهلاك مشبه بالدين على طريقة الاستعارة المكنية والقضاء تخييل، أو فيه تضمين واستعارة مكنية إذا كان من قضى، بمعنى حكم، والتقدير: احكموا بما تؤدونه إليّ.

ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: {وَلَا تُنْظِرُونِ} ؛ لأن الإنظار حقيقة في إمهال دين المعسر، مجاز في تأخير الإهلاك.

ومنها: تأخير الإغراق عن ذكر الإنجاء والاستخلاف في قوله: {فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} لإظهار كمال العناية بشأن المقدم، ولتعجيل المسرة للسامعين وللإيذان بسبق الرحمة، التي هي من مقتضيات الربوبية على الغضب، الذي هو من مستتبعات جرائم المجرمين، ذكره "أبو السعود".

ص: 340

ومنها: ذكر الخاص بعد العام في قوله: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ} لما في الخاص من الغرابة.

ومنها: الإبهام في قوله: {أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ} إفادةً لتحقيره وعدم المبالاة به.

ومنها: الإظهار في موضع الإضمار في قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} للتسجيل عليهم بالإفساد والإشعار بعلة الحكم وحق العبارة أن الله لا يصلح عملكم كما في "الكرخي".

ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: {وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ} .

ومنها: الطباق بين قوله: {إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ} وقوله: {وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ} فكأنه قال إن الله يبطل الباطل ويحق الحق.

ومنها: إطلاق العام وإرادة الخاص في قوله: {لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ} ؛ لأن المراد بها أرض مصر.

ومنها: الحذف في عدة مواضع.

والله سبحانه وتعالى أعلم

* * *

ص: 341

قال الله سبحانه جلَّ وعلا:

{وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (89) وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92) وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93) فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (94) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (95) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (97) فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (98) وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (100) قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (101) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (102) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (103)} .

المناسبة

قوله تعالى: {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ

} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما (1) أبان جبروت فرعون

(1) المراغي.

ص: 342

وملئه وخوف بني إسرائيل من بطشهم، وأنهم امتنعوا لأجل ذلك عن الإيمان إلا قليلًا من شبانهم .. استجابوا لدعوة موسى بعد حث لهم وتحريض على الإيمان، وطلب موسى من بني إسرائيل أن يتخذوا بيوتًا لهم بمصر، يقيمون فيها مراسم دينهم، ثم بشرهم بالفوز والغلبة والنصر .. قفى على ذلك بدعوة موسى على فرعون وقومه مع ذكر السبب الذي دعاه إلى ذلك، وهو: الجحود والعناد لدعوته لما أوتوه، من بسطة النعمة التي أبطرتهم، فتركوا الدين وراءهم ظهريًّا.

وعبارة أبي حيان: مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنه لما بالغ (1) موسى عليه السلام في إظهار المعجزات، وهم مصرون على العناد، واشتد أذاهم عليه، وعلى من آمن معه، وهم لا يزيدون على عرض الآيات إلا كفرًا وعلى الإنذار إلا استكبارًا، وعلم بالتجربة وطول الصحبة، أنه لا يجيء منهم إلا الغي والضلال، أو علم ذلك بوحي من الله تعالى .. دعا الله تعالى عليهم بما علم أنه لا يكون غيره، كما تقول: لعن الله إبليس وأخزى الكفرة، كما دعا نوح على قومه حين أوحى إليه، أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، وقدم بين يدي الدعاء ما آتاهم الله تعالى، من النعمة في الدنيا، وكان ذلك سببًا للإيمان به، ولشكر نعمه، فجعلوا ذلك سببًا لجحوده ولكفر نعمه انتهت.

قوله تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا

} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر (2) ما دار من الحوار بين موسى وفرعون، وذكر ما أتى به موسى من الحجج والبينات الدالة على صدقه، وغلبه لسحرة فرعون، ولم يزده ذلك إلا كبرًا وعتوًا فدعا عليه بالطمس على الأموال، والشد على القلوب، وذكر استجابة الله دعوته .. قفى على ذلك بذكر خاتمة القصة: وهو ما كان من تأييد الله لموسى وأخيه، على ضعفهما وقوة فرعون وقومه، إذ كانت دولته أقوى دول العالم في عصره.

قوله تعالى: {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ

}

(1) البحر المحيط.

(2)

المراغي.

ص: 343

الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر (1) ما جرى لفرعون وأتباعه من الهلاك، ذكر ما أحسن به لبني إسرائيل، وما امتن به عليهم، إذ كان بنو إسرائيل قد أخرجوا من مساكنهم خائفين من فرعون، فذكر تعالى أنه اختار لهم من الأماكن أحسنها، والظاهر أن بني إسرائيل هم الذين كانوا آمنوا بموسى، ونجوا من الغرق، وسياق الآيات لشهد لهم.

وعبارة المراغي هنا: مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر خاتمة فرعون (2) وجنوده .. قفى على ذلك بذكر عاقبة بني إسرائيل، وفي هذا عبرة لمكذبي محمَّد، صلى الله عليه وسلم، والجاحدين من قومه المغترين بقوتهم وكثرتهم وثروتهم، فقد كان فرعون وقومه أكثر منهم عددًا، وأشد قوة، وأوفر ثروة، وقد جعل الله سننه في المكذبين واحدةً، ففكروا أيها المكذبون في عاقبة أمركم، وتدبروا مليًّا خوف أن يحل بكم مثل ما حل بهم، وها هو ذا أهلك أكثر زعمائهم، وجعل العاقبة لأتباعه المؤمنين، وأعطاهم أعظم ملك في العالمين.

قوله تعالى: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ

} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما قص (3) قصص الأنبياء السالفين، وما لا قوه من أقوامهم، من العناد والجحود والاستكبار والعتو، وفي كل حال كان النصر حليف المؤمنين، والخذلان نصيب الظالمين .. أردف ذلك بذكر صدقه فيما قال: ووعد وأوعد، وكون ذلك سنّة الله في المكذبين قبل، وسيكون ذلك فيهم من بعد، وليس في هذا سبيل للافتراء والشك، وقد ساق ذلك بطريق التلطف في الأسلوب، فوجه الكلام إلى الرسول، صلى الله عليه وسلم، والمراد قومه، فجاء على نحو قولهم: إياك أعني واسمعي يا جارة، وقد جاء مثل هذا في قوله تعالى:{لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} وقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} .

(1) البحر المحيط.

(2)

المراغي.

(3)

المراغي.

ص: 344