المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

عند الحساب، ويراد بهذا التفريق تقطيع ما كان بينهم في - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ١٢

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: عند الحساب، ويراد بهذا التفريق تقطيع ما كان بينهم في

عند الحساب، ويراد بهذا التفريق تقطيع ما كان بينهم في الدنيا من صلات وروابط، وبيان خيبة ما كان للمشركين في الشركاء من آمال وتبرُّؤ المعبودين من العابدين وعبادتهم، كما قال:{وقال شركاؤهم} الذين عبدوهم، وجعلوهم شركاء لله سبحانه وتعالى، أي: قال المعبودون للعابدين {مَا كُنْتُمْ} أيها المدعون لعبادتنا {إِيَّانَا تَعْبُدُونَ} ؛ أي: ما كنتم تخصوننا بالعبادة، وإنما كنتم تعبدون أهواءكم وشياطينكم التي أغوتكم، فإنها الآمرة لكم بالإشراك، وتتخذون تماثيلنا هياكل لمنافعكم وأغراضكم، والمعبود الحق: هو الذي يعبد وحده؛ لأنه صاحب السلطان الأعلى على الخلق، وبيده الضر والنفع. وقدم المفعول هنا للفاصلة لا للحصر، إذ ليس الغرض أن المنفي عبادة الأصنام المقصورة عليها فقط، بل مطلق عبادتها، سواء كانت مقصورة عليها أم لا، اهـ "فتوحات".

‌29

- {فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} ؛ أي: فكفى الله سبحانه وتعالى شهيدًا وحكمًا بيننا، وبينكم، فهو العليم بحالنا وحالكم {إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ}؛ أي: إنا كنا عن عبادتكم إيانا {لَغَافِلِينَ} ؛ أي: لجاهلين لا نعلمها ولا نرضى بها؛ لأن العبادة لا تليق بنا، بل لله سبحانه وتعالى وحده.

والمعنى: وقد قال شركاؤهم الذين عبدوهم وجعلوهم شركاء لله سبحانه: ما كنتم إيانا تعبدون، وإنما عبدتم هواكم وضلالكم وشياطينكم، الذين أغووكم وإنما أضاف الشركاء إليهم، مع أنهم جعلوهم شركاء لله سبحانه، لكونهم جعلوا لهم نصيبًا من أموالهم، فهم شركاؤهم في أموالهم من هذه الحيثية. وقيل: لكونهم شركاءهم في هذا الخطاب، وهذا الجحد من الشركاء، وإن كان مخالفًا لما قد وقع من المشركين من عبادتهم، فمعناه إنكار عبادتهم إياهم عن أمرهم لهم بالعبادة.

‌30

- {هُنَالِكَ} ؛ أي: في ذلك الموقف، أو في ذلك الوقت على (1) معنى استعارة إطلاق اسم المكان على الزمان؛ أي: في ذلك المقام، والموقف الذي

(1) الخازن.

ص: 217

يقتضى الحيرة والدهش {تبلو} بالتاء (1)، فالباء على القراءة المشهورة؛ أي: تذوق {كُلُّ نَفْسٍ} سعيدة أو شقية {مَا أَسْلَفَتْ} ؛ أي: جزاء ما قدمت من عمل، فتعلم نفعه، أو ضره.

وقرأ حمزة والكسائي وزيد بن علي: {تتلو} بتاءين؛ أي: تقرأ كل نفس في صحيفة أعمالها ما قدمت من خير أو شر، أو تتبع ما أسلفت؛ لأن عملها هو الذي يهديها إلى طريق الجنة، أو إلى طريق النار. وقرأ عاصم:{نبلو كل نفس} بالنون فالباء ونصب كل؛ أي: نختبر كل نفس بسبب اختبار ما أسلفت من العمل السيء؛ أي: نفعل بها فعل المختبر، أو المعنى: نصيب بالبلاء الذي هو العذاب كل نفس عاصية، بسبب ما أسلفت من الشر. وقوله:{وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ} معطوف على فزيلنا بينهم، والضمير فيه عائد إلى الذين أشركوا؛ أي: أعرض الذين أشركوا عن المولى الباطل، ورجعوا إلى المولى الحق؛ أي: الصادق الربوبية دون ما اتخذوه من المعبودات الباطلة، وأقروا بألوهيته ووحدانيته بعد أن كانوا في الدنيا يعبدون غيره، وردوا إلى حكمه؛ أي: ردوا إلى جزائه وما أعدَّ لهم من عقابه، ومولاهم ربهم والحق صفة له؛ أي: الصادق الربوبية دون ما اتخذوه من المعبودات الباطلة.

وقرأ يحيى بن وثاب (2): {وردوا} بكسر الراء، لما سكن للإدغام .. نقل حركة الدال إلى الراء بعد سلب حركتها. وقرىء {الحق} بالنصب على المدح. نحو: الحمد لله أهل الحمد. {وَضَلَّ عَنْهُمْ} ؛ أي: ضاع وغاب عنهم في الموقف، فلا ينافي قوله تعالى:{إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} {مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} ؛ أي: ما كانوا يدعون من أن معبوداتهم آلهة، وأنها تشفع لهم.

وحاصل معنى الآية (3): أي في موقف الحساب تختبر كل نفس من عابدة

(1) المراح.

(2)

البحر المحيط.

(3)

المراغي.

ص: 218