المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وقد اختلف (1) في من القائل لفرعون بهذه المقالة، فقيل: - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ١٢

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: وقد اختلف (1) في من القائل لفرعون بهذه المقالة، فقيل:

وقد اختلف (1) في من القائل لفرعون بهذه المقالة، فقيل: هي من قول الله سبحانه، وقيل: من قول جبريل، وقيل: من قول ميكائيل، وقيل: من قول فرعون، قال ذلك في نفسه لنفسه. والظاهر (2) أن قوله:{آلْآنَ} إلى آخره من كلام الله تعالى، على لسان ملك، ويدل على هذا القول قوله سبحانه وتعالى:{فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} .

‌92

- {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} ؛ أي: فاليوم نجعلك على نجوة من الأرض ببدنك؛ أي: على مكان مرتفع من الأرض، ينظر إليك من كذب بهلاكك {لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً}؛ أي: لتكون عبرة لمن بعدك من الناس، يعتبرون بك فينزجرون عن معصية الله، والكفر به، والسعي في الأرض بالفساد، وهذا آخر مقول جبريل. ووجه (3) العبرة في ذلك أنه يكون شاهدًا على صدق وعد الله لرسله، ووعيده لأعدائهم، كطغاة مكة التي أنزلت هذه الآيات لإقامة حجج الله عليهم قبل غيرهم، والمعنى: ليعرفوا عبوديتك ويبطل دعوى ألوهيتك؛ لأن الإله لا يموت.

قال أهل التفسير (4): لما أغرق الله سبحانه وتعالى فرعون وقومه، وأخبر موسى قومه بهلاك فرعون وقومه قالت بنو إسرائيل: ما مات فرعون، وإنما قالوا ذلك لعظمته عندهم وما حصل في قلوبهم من الرعب لأجله، فأمر الله عز وجل البحر فألقى فرعون على الساحل أحمر قصيرًا، كأنه ثور، فرآه بنو إسرائيل فعرفوه، فمن ذلك الوقت، لا يقبل الماء الميت أبدًا، ولكن تحديد هذه البداية لا أصل له. ومعنى قوله:{بِبَدَنِكَ} يعني: نلقيك وأنت جسد لا روح فيه، وقيل: هذ الخطاب على سبيل التهكم والاستهزاء، كأنه قيل له: ننجيك، ولكن هذه النجاة، إنما تحصل لبدنك لا لروحك، وقيل: أراد بالبدن الدرع، وكان لفرعون درع من ذهب مرصع بالجواهر يعرف به، فلما رأوه في درعه ذلك عرفوه.

قرأ الجمهور (5): {نُنَجِّيكَ} بالتشديد من التنجية. وقرأ يعقوب: {ننجيك}

(1) الشوكاني.

(2)

البحر المحيط.

(3)

المراغي.

(4)

الخازن.

(5)

البحر المحيط.

ص: 352

مخففًا مضارع أنجى. وقرأ أبي وابن السميقع ويزيد البربري: {ننحيك} بالحاء المهملة من التنحية، وحكاها علقمة عن ابن مسعود.

ومعنى {نُنَجِّيكَ} بالجيم، نلقيك على نجوة من الأرض، وذلك أن بني إسرائيل لم يصدقوا أن فرعون غرق، وقالوا هو أعظم شأنًا من ذاك، فألقاه الله على نجوة من الأرض؛ أي: مكان مرتفع من الأرض حتى شاهدوه. وقيل، المعنى: نخرجك مما وقع فيه قومك من الرسوب في قعر البحر، ونجعلك طافيًا ليشاهدوك ميتًا بالغرق. ومعنى:{ننحيك} بالحاء المهملة نطرحك على ناحية من الأرض مما يلي البحر. قال كعب: رماه البحر إلى الساحل كأنه ثور. وقرأ أبو حنيفة {بأبدانك} . ورويت عن ابن مسعود أيضًا؛ أي: بدروعك، أو جعل كل جزء من البدن بدنًا كقولهم ثابت مفارقه. واختلف (1) المفسرون في معنى {بِبَدَنِكَ} فقيل معناه: بجسدك بعد سلب الروح، منه قاله مجاهد. وقيل معناه: بدرعك، قاله: صخر، والدرع يسمى بدنًا ومنه قول كعب:

تَرَى الأبْدَانَ فِيْهَا مُسْبَغَاتٌ

عَلَى الأَبْطَالِ وَالْيَلَبَ الْحَصِيْنَا

أراد بالأبدان الدروع. وقد ذكرنا أنه كان له درع من ذهب فعرف بدرعه.

وقيل: نلقيك عريانًا قاله: الزجاج. وقيل: ننجيك وحدك، قاله ابن قتيبة، ورجح القول بأن المراد بالبدن هنا، الجسد.

وقرأ ابن مسعود (2) وابن السميقع {بندائك} مكان ببدنك؛ أي: بدعائك بقولك: آمنت إلى آخره، لنجعلك آية مع ندائك الذي لا ينفع أو بما ناديت به في قومك كما حكاه عنه سبحانه {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ} {فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)} {يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي}. والمراد (3) بالآية في قوله:{لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} العلامة؛ أي: لتكون لمن خلفك، وبعدك من الناس، علامة يعرفون بها هلاكك، وأنك لست كما تدعي، ويندفع عنهم الشك

(1) زاد المسير والشوكاني.

(2)

البحر المحيط.

(3)

الشوكاني.

ص: 353