الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقرأ (1) الحِرْمِيَّان وابنُ عامر وحفص {لَرَءُوفٌ} مهموزًا على وزن فَعُول بالمد، حيث وقع في القرآن. قال الشاعر:
نُطِيْعَ رَسُوَلَنَا وَنُطِيْعُ رَبًّا
…
هُوَ الرَّحْمَنُ كَانَ بِنَا رَؤُوْفَا
وقرأ باقي السبعة: {لرؤف} مهموزًا بالقصر على وزن فعل. وقرأ أبو جعفر ابن القعقاع: {لروف} مثقّلًا بغير همز. و {الرءوف} : كثير الرأفة، وهي أشد من الرحمة (2)، وقيل: الرأفة أخص من الرحمة، وقيل: الرأفة الرحمة، وقيل في الفرق بين الرأفة والرحمة: أن الرأفة: مبالغة في رحمة خاصة، وهي دفع المكروه، وإزالة الضرر، وأما الرحمة: فإنها اسم جامع يدخل فيه ذلك المعنى، ويدخل فيه أيضًا جميع الإفضال والإنعام، فذكر الله الرأفة أولًا؛ بمعنى أنه لا يضيع أعمالهم، ثم ذكر الرحمة ثانيًا؛ لأنها أعم وأشمل.
144
- {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} قال القرطبي في "تفسيره": قال العلماء: هذه الآية مقدمة في النزول على قوله: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ} و {قد} هنا للتحقيق، أو للتكثير؛ أي: حقًّا نرى تحول وجهك إلى السماء، وتردد نظرك في السماء طالبًا قبلة غير التي أنت مستقبلها، أو كثيرًا نرى تصرف نظرك في جهة السماء انتظارًا وتطلعًا للوحي؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يترجى من ربه أن يحوله إلى الكعبة؛ لأنها قبلة إبراهيم أبيه، وأَدْعَى للعرب إلى الإيمان؛ لأنها مفخرة لهم، ولمخالفة اليهود، فكان ينتظر نزول جبريل بالوحي بالتحويل، وذلك يدل على كمال أدبه حيث انتظر ولم يسأل {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا}؛ أي: فلَنحولنك في الصلاة إلى قِبْلةٍ تحبها وتهواها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها في قلبك {فَوَلِّ وَجْهَكَ} ؛ أي: فاصرف جملة بدنك {شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} ؛ أي: تلقاء الكعبة، وفي حرف (3) عبد الله شذوذًا:{فول وجهك تلقاء المسجد الحرام} ؛ أي: استقبل عينها بصدرك في الصلاة إن كنت قريبًا، واستقبل جهتها
(1) البحر المحيط.
(2)
الخازن.
(3)
حرف: قراءة.
إن كنت بعيدًا. وإنما ذكر المسجد دون الكعبة لأنه صلى الله عليه وسلم كان في المدينة. والبعيد يكفيه مراعاة الجهة، فإن في استقبال عينها حرجًا عليه بخلاف القريب، وقد حكى القرطبي الإجماع على أن استقبال عين الكعبة فرض على المعاين، وعلى أن غير المعاين يستقبل الناحية. والمراد بالمسجد الحرام هنا: الكعبة كما هو في أكثر الروايات، وقال آخرون: المراد بالمسجد الحرام: جميع المسجد الحرام، وقال آخرون: المراد به الحرم كله.
وقال القرطبي: روى ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي".
{وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ} ؛ أي: وفي أي موضع كنتم فيه يا أمة محمد، من بر أو بحر، مشرق أو مغرب، {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ}؛ أي: فاصرفوا، وحولوا وجوهكم في الصلاة جهة المسجد الحرام الذي هو بمعنى الكعبة. خص (1) الرسول أولًا بالخطاب تعظيمًا له، وإيجابًا لرغبته، ثم عمم تصريحًا بعموم الحكم، وتأكيدًا لأمر القبلة، وتحضيضًا للأمة على المتابعة.
وقال (2) ابن كثير: أمر تعالى باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض شرقًا وغربًا، وشمالًا وجنوبًا، ولا يستثنى من هذا شيء سوى النافلة في حال السفر، فإنه يصليها حيث ما توجه قالبه، وقلبُه نحو الكعبة، وكذا في حال المسايفة في القتال يصلي على كل حال، وكذا مَنْ جَهِلَ جهة القبلة يصلي باجتهاده وإن كان مخطئًا في نفس الأمر؛ لأن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها. انتهى.
وأخرج الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت دعا في نواحيه كلها، ولم يصل حتى خرج منه، ولما خرج ركع ركعتين قبل الكعبة، وقال:"هذه القبلة؛ يعني: أن أمر القبلة قد استقر على هذا البيت، فلا ينسخ بعد اليوم، فصلوا إلى الكعبة أبدًا، فهي قبلتكم".
(1) بيضاوي.
(2)
ابن كثير.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آتٍ فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل القبلة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة) متفق عليه.
{وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا} من قبلكم؛ يعني: أحبار اليهود، وعلماء النصارى {لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ}؛ أي: أن التولي والتحويل إلى الكعبة هو {الْحَقُّ} ؛ أي: الأمر الثابت {مِنْ رَبِّهِمْ} لمعاينتهم لما هو مسطور في كتبهم من أنه صلى الله عليه وسلم يصلي إلى القبلتين، ولكن يكتمونه {وَمَا اللَّهُ} سبحانه وتعالى:{بِغَافِلٍ} ؛ أي: بساه {عَمَّا يَعْمَلُونَ} قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي:{تَعْمَلُونَ} بالتاء إما خطابًا للمؤمنين؛ أي: وما الله بساه عما تعملون أيها المسلمون من امتثال أمر القبلة. وقال (1) ابن عباس رضي الله عنهما: يريد: أنكم - يا معشر المؤمنين - تطلبون مرضاتي، وما أنا بغافل عن ثوابكم وجزائكم، فأنا أثيبكم على طاعتكم أفضل الثواب، وأجزيكم أحسن الجزاء. وإما خطابًا لأهل الكتاب؛ أي: وما الله بغافل عما تكتمون - يا أهل الكتاب - خبر الرسول، وخبر القبلة. وقرأ الباقون:{يَعْمَلُونَ} بالياء على أنه راجع لأهل الكتاب؛ يعني: وما أنا بساه عما يفعل هؤلاء اليهود والنصارى، فأنا أجازيهم عليه في الدنيا والآخرة، فهو على هذا القول وعلى القول الثاني: وعد للكافرين، وتهديد لهم بالعقاب على الجحود والإباء، وعلى القول الأول: وعد للمؤمنين بالثواب على القبول والأداء.
الإعراب
{سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} .
سَيَقُولُ: {السين} : حرف تنفيس واستقبال، {يقول السفهاء}: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. {مِنَ النَّاسِ}: جار ومجرور، حال من {السُّفَهَاءُ} . {مَا وَلَّاهُمْ
…
}: مقول محكي، وإن شئت قلت:{مَاَ} : استفهامية في محل الرفع
(1) خازن.
مبتدأ، {وَلَّاهُمْ}: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على {مَاَ} ، {عَنْ قِبْلَتِهِمُ} جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بولّى، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل النصب مقول لـ {سَيَقُولُ} ، {الَّتِي}: اسم موصول في محل الجر، صفة للقبلة. {كَانُوا}: فعل ناقص واسمه. {عَلَيْهَا} جار ومجرور، خبر (كان)، وجملة (كان) صلة الموصول، والعائد ضمير {عَلَيْهَا} .
{قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} .
{قُلْ} : فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد صلى الله عليه وسلم، والجملة مستأنفة. {لِلَّهِ الْمَشْرِقُ} إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت:{لِلَّهِ} : جار ومجرور خبر مقدم. {الْمَشْرِقُ} : مبتدأ مؤخر، {وَالْمَغْرِبُ}: معطوف عليه، والجملة الإسمية في محل النصب مقول لـ {قُلْ}. {يَهْدِي}: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب حال من لفظ الجلالة. (مَن: اسم موصول في محل النصب مفعول {يَهْدِي} ، {يَشَاءُ}: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة صلة {مَن} الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: يشاء هدايته. {إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} : جار ومجرور، صفة متعلق بـ {يَهْدِي} .
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} .
{وَكَذَلِكَ} {الواو} استئنافية. {كذلك} : جار ومجرور، صفة لمصدر محذوف. {جَعَلْنَاكُمْ}: فعل وفاعل ومفعول أول. {أُمَّةً} . مفعول ثان. {وَسَطًا} : صفة لـ {أُمَّةً} ، والتقدير: وجعلناكم أمة وسطًا جعلًا كائنًا كجَعْلِنا إياكم على صراط مستقيم؛ لأن معنى {يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} يجعل من يشاء على صراط مستقيم.
{لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} .
{لِتَكُونُوا} : (اللام): لام كي. {تكونوا} : فعل ناقص، واسمه منصوب بأن مضمرة بعد لام كي. {شُهَدَاءَ}: خبر {تكونوا} . {عَلَى النَّاسِ} : جار ومجرور متعلق بـ {شُهَدَاءَ} ، وجملة (تكونوا): صلة {أن} المضمرة، {أن} مع صلتها في
تأويل مصدر مجرور بلام كي، والجار والمجرور متعلق بـ (جعلنا)، والتقدير: جعلناكم أمة وسطًا لكونكم شهداء على الناس. {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} {وَيَكُونَ} {الواو} عاطفة. {يكون} : معطوف على (تكونوا). {الرَّسُولُ} : اسمه. {عَلَيْكُمْ} : جار ومجرور متعلق بقوله: {شَهِيدًا} ، وهو خبر لـ {يكون} .
{وَمَا جَعَلْنَا} {الواو} استئنافية. {ما} : نافية {جَعَلْنَا} : فعل وفاعل. {الْقِبْلَةَ} : مفعول ثانٍ مقدم. {الَّتِي} : اسم موصول في محل النصب، صفة لمحذوف هو المفعول الأول، والتقدير: وما جعلنا الجهة التي كنت على استقبالها أولًا قبل الهجرة - وهي الكعبة - القبلة لك الآن بعد نسخ بيت المقدس إلا لنعلم .. إلخ. وجملة {جَعَلْنَا} من الفعل والفاعل مستأنفة. {كُنْتَ} : فعل ناقص واسمه. {عَلَيْهَا} : خبر كان، وجملة (كان): صلة الموصول، والعائد ضمير {عَلَيْهَا}. {إِلَّا}: أداة استثناء مفرغ. {لِنَعْلَمَ} : (اللام)، لام كي. نعلم: منصوب بأن مضمرة، وفاعله ضمير يعود على الله، وهو بمعنى (عرف) يتعدى لمفعول واحد، والجملة صلة (أن) المضمرة، (أن) مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام؛ تقديره: إلا لعلمنا من يتبع، الجار والمجرور متعلق بـ {جَعَلْنَا}. {مَنْ}: اسم موصول في محل النصب مفعول {لِنَعْلَمَ} ، {يَتَّبِعُ}: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على (مَنْ)، والجملة صلة {مَنْ} الموصولة، والعائد ضمير الفاعل. {الرَّسُولَ}: مفعول لـ {يتبع} . {مِمَّنْ} : جار ومجرور متعلق بـ {نعلم} ، {يَنْقَلِبُ}: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على {مَنْ} ، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. {عَلَى عَقِبَيْهِ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من فاعل {يَنْقَلِبُ} .
{وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} .
{وَإِنْ} : {الواو} : استئنافية. {إن} مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن؛ تقديره: وإنها، أي: القصة. {كان} فعل ناقص واسمها ضمير يعود على
القصة أيضًا. {لَكَبِيرَةً} : (اللام): فارقة بين (إن) المخففة والنافية، {كبيرة} خبر كان، والجملة مستأنفة. {إِلَّا} أداة استثناء مفرغ. {عَلَى الَّذِينَ}: جار ومجرور متعلق بكبيرة. فإن (1) قلت: لم يتقدم هنا نفي ولا شبهه، وشرط الاستثناء المفرغ تقدم شيء من ذلك .. قلت: إن الكلام وإن كان موجبًا لفظًا، فإنه في معنى النفي؛ إذ المعنى إنها لا تخفُّ ولا تسهل إلا على الذين {هَدَى اللَّهُ}: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف؛ تقديره: هداهم الله.
{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} .
{وَمَا} : {الواو} استئنافية. {ما} نافية. {كَانَ اللَّهُ} فعل ناقص واسمه. {لِيُضِيعَ} : (اللام): حرف جر وجحود. (يضيع): فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد لام الجحود، وفاعله ضمير يعود على الله. {إِيمَانَكُمْ}: مفعول به، ومضاف إليه. والجملة الفعلية صلة (أن) المضمرة، (أن) مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام الجحود، ولام الجحود متعلقة بمحذوف خبر كان؛ تقديره: وما كان الله مريدًا لإضاعة إيمانكم، وجملة {كَانَ}: مستأنفة. وهذا الإعراب على مذهب البصريين ويدل لمذهبهم التصريح بالخبر المحذوف في قوله:
سَمَوْتَ وَلَمْ تَكُنْ أَهْلًا لِتَسْمُوْ
وأما على مذهب الكوفيين: فاللام وما بعدها في محل الخبر، ولا يقدِّرون شيئًا، وإنّ (اللام) للتأكيد. وقد أشبعتُ الكلام على لام الجحود بإعرابها على كلا المذهبين في كتابي "الخريدة البهية في إعراب أمثلة الأجرومية" فراجعه إن شئت.
{إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ}
{إِنَّ} : حرف نصب. {اللَّهَ} اسمها. {بِالنَّاسِ} : جار ومجرور تنازع فيه ما بعده. {لَرَءُوفٌ} (اللام): لام الابتداء. {رءوف} : خبر أول لـ {إنَّ} .
(1) جمل.
{رَحِيمٌ} خبر ثان لها، والجملة مستأنفة بمنزلة التعليل لما قبلها.
{قَدْ} : حرف تحقيق أو تكثير. {نَرَى} : فعل مضارع، وهي بصرية، وفاعله ضمير يعود على الله. {تَقَلُّبَ}: مفعول به، وهو مضاف {وَجْهِكَ}:(وجه): مضاف إليه وهو مضاف، و {الكاف} مضاف إليه، والجملة مستأنفة وهي في المعنى علة ثانية لقوله:{وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ} إلخ؛ أي: إنما حولنا القبلة؛ لنعلم
…
الخ، ولأنا نرى
…
الخ. {فِي السَّمَاءِ} : جار ومجرور متعلق بـ {تَقَلُّبَ} ، وقال أبو البقاء: ولو جعل حالًا من الوجه لجاز {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ} : {الفاء} : عاطفة سببية (اللام): موطئة لقسم محذوف جوازًا؛ تقديره: وعزتي وجلالي لنولينك. (نولين): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم معطوفة على جملة قوله {قَدْ نَرَى} و (الكاف): مفعول أول لـ (نولي){قِبْلَةً} : مفعول ثان. {تَرْضَاهَا} : فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة الفعلية في محل النصب صفة لـ {قِبْلَةً}. {فَوَلِّ وَجْهَكَ}:(الفاء): عاطفة تفريعية. (ولّ): فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة معطوفة على جملة القسم. {وَجْهَكَ}: مفعول أول ومضاف إليه. {شَطْرَ} : مفعول ثان وهو مضاف. {الْمَسْجِدِ} : مضاف إليه. {الْحَرَامِ} : صفة له.
{وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} .
{وَحَيْثُ} : {الواو} استئنافية. {حيث} اسم شرط جازم في محل النصب على الظرفية المكانية، والظرف متعلق بـ {كُنْتُمْ}. {كُنْتُمْ}: فعل وفاعل في محل الجزم بـ {حيثما} على كونه فعل شرط لها. {فَوَلُّوا} {الفاء} رابطة لجواب حيثما وجوبًا؛ لكون الجواب جملة طلبية {ولوا} فعل أمر وفاعل مبني على حذف النون، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ {حيثما} على كونها جواب شرط
لها. وجملة {حيثما} مِنْ فعل شرطها وجوابها مستأنفة. {وُجُوهَكُمْ} : مفعول أول ومضاف إليه. {شَطْرَهُ} : مفعول ثان ومضاف إليه.
{وَإِنَّ} : {الواو} استئنافية: (إن) حرف نصب. {الَّذِينَ} : اسمها. {أُوتُوا} : فعل ماض مغير ونائب فاعل، وهو بمعنى أعطى يتعدى لمفعولين والأول منهما نائب الفاعل. {الْكِتَابَ}: مفعول ثان، وجملة {أُوتُوا}: صلة الموصول، والعائد ضمير الغائب. {لَيَعْلَمُونَ}:(اللام): لام الابتداء. {يعلمون} : فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر إن، وجملة {إن}: مستأنفة. {أَنَّهُ} : {أن} حرف نصب ومصدر. و {الهاء} : اسمها. {الْحَقُّ} : خبرها، وجملة {أن} في تأويل مصدر سادّ مسد مفعولي علم؛ تقديره: ليعلمون حقِيَّة التولي. {مِنْ رَبِّهِمْ} : جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من الحق؛ تقديره: حال كونه كائنًا من ربهم {وَمَا اللَّهُ} : {الواو} : استئنافية {ما} : حجازية. {اللَّهُ} : اسمها. {بِغَافِلٍ} : (الباء) زائدة. {غافل} : خبر {ما} منصوب {عَمَّا} : {عن} حرف جر. {ما} : مصدرية، أو موصولة، أو موصوفة. {يَعْمَلُونَ}: فعل وفاعل، والجملة صلة {ما} المصدرية، {ما} مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ (عن)؛ تقديره: عن عملهم، الجار والمجرور متعلق بـ {غافل} ، أو الجملة صلة لـ {ما} الموصولة، أو صفة للموصوفة، والعائد أو الرابط محذوف؛ تقديره: يعملونه، وجملة {ما} الحجازية مستأنفة.
التصريف ومفردات اللغة
{السُّفَهَاءُ} جمع سفيه، ككرماء جمع كريم، والسفيه: هو الكذاب البهات المعتمد خلاف ما يعلم. كذا قال بعض أهل اللغة، وقال في "الكشاف": هم خفاف الأحلام، ومثله في "القاموس".
{مَا وَلَّاهُمْ} يقال: ولاه عن الشيء يوليه إذا صرفه وحوله عنه، من باب فعل
المضاعف، كزكى تزكية. {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} يقال: شرقت الشمس تشرق - من باب نصر - شرقًا ومشرقًا، وهذا مشرق الشمس؛ أي: مكان شروقها، بالكسر على الشذوذ في المصدر والظرف كليهما، وقياسه: فتح مصدره وظرفه جميعًا، ويقال: غربت الشمس تغرب - من باب نصر - غربًا ومغربًا، وهذا مغرب الشمس؛ أي: مكان غروبها، بالكسر على الشذوذ فيهما، وقياسه: فتح مصدره وظرفه معًا.
{أُمَّةً وَسَطًا} : الوسط: الخيار أو العدل. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث رواه الترمذي كما مر في مبحث المناسبة تفسير الوسط هنا بالعدل، فوجب الرجوع إلى ذلك. ومنه قول الراجز:
لَا تَذْهَبَنَّ في الأُمُوْرِ مُفْرِطَا
…
لَا تَسْألنَّ إِنْ سَأَلْتَ شَطَطَا
وَكُنْ مِنَ النَّاسِ جَمِيْعًا وَسَطَا
والآية تحتمل المعنيين، ومما يحتملها قول الآخر:
هُمْ وَسَطٌ تَرْضَى الأنَامُ بِحُكْمِهِمْ
…
إِذَا نَزَلَتْ إِحْدَى اللَّيَالِي بِمُعَظَّمِ
ولما كان الوسط مجانبًا للغلو والتقصير .. كان محمودًا؛ أي: هذه الأمة لم تغل غلو النصارى في عيسى، ولا قصّروا تقصيرَ اليهود في أنبيائهم.
{شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} : جمع شهيد من الشهادة. وقد اختص هذا اللفظ في عرف الشرع بمن يخبِر عن حقوق الناس بألفاظٍ مخصوصةٍ على جهات.
{قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} : و {نَرَى} : هنا مضارعٌ بمعنى الماضي، وقد ذكر بعض النحويين أن مما يصرف المضارع إلى الماضي {قَدْ} في بعض المواضع، ومنه {قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ} ، {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ} ، {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ}. ويقال: تَقَلَّب تقلُّبًا - من باب تفعَّل - إذا تحول عن وجهه، وتقلب على فراشه إذا تحول من جانبٍ إلى جانبٍ آخر، وتقلب في الأمور إذا تصرف فيها، وانتقل من أمرٍ إلى غيره.
{شَطْرَ الْمَسْجِدِ} : الشطر يكون بمعنى النصف من الشيء والجزء منه. ومنه
حديث: "الطهور شطر الإيمان"، ويكون بمعنى الجهة والنحوِ كما هنا. ويقال: شطر - من باب دخل - شطورًا إذا بَعُدَ. وشَطرت الدار إذا بَعُدت، ومنه الشاطر؛ وهو الشابّ البعيد من الجيران الغائب عن منزله يجمع على شطر، والابن الشاطر هو الذي عصى أباه، وعاش في الخلاعة بعيدًا عنه، ثم عاد إليه ثانيًا، والشطر أيضًا الجهة والناحية، يجمع على أشطر وشطور، ومنه شطر شطره إذا قصد قصده، ومنه:{فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ} ؛ أي: تلقاءه.
{فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ} : وأصلُ ولُّوا: وليوا، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان فحذف أولهما وهو الياء، وضم ما قبله لتجانس الضمير، فوزنه فعوا.
البلاغة
{مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} ؛ أي: على استقبالها، أو على اعتقادها، ففيه إيجازٌ بالحذفِ، والاستعلاء في قوله:{عليها} فيه مجاز بالاستعارة حيث شبه مواظبتهم على المحافظة عليها باستعلاء من استعلى على الشيء.
{أُمَّةً وَسَطًا} ؛ أي: خيارًا عدولًا، فالوسط مستلزِم للخيار والعدول، فأطلق الملزوم وأراد اللازم، فيكونان استعارةً. وأصل الوسط: مكانٌ تستوي إليه المساحة من سائر الجوانب، ثم استعير للخصال المحمودة، ثم أطلق على المتصِف بها.
{إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ} : والالتفات من الخطاب إلى الغيبة في قوله: {الرَّسُولَ} مع إيراده عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالة للإشعار بعلة الإتباع. قاله أبو السعود.
{يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} : فيه استعارةٌ تمثيليةٌ حيث مثل لمن يرتدّ عن دينه بمن ينقلب على عقبيه. أفاده الفخر الرازي.
{إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} : ولما كان نفي الجملة السابقة مبالغًا فيها من حيث لام الجحود .. ناسب إثبات الجملة الخاتمة مبالغًا فيها، فبولغ فيها بإن
وباللام، وبالوزن على فعول وفعيل، كل ذلك إشارةً إلى سَعَة الرحمة، وكثرة الرأفة، وتقدم المجرور اعتناءً بالمرؤوف بهم، وتأَخرَ الوصف بالرحمة رعاية للفاصلة؛ لأنها على الميم، والفاصلة: هي الكلمة آخرَ الآيةِ كقافيةِ الشعرِ، وقرينة السجع، وسميت بالفاصلة أخذًا من قوله تعالى:{كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} وهي هنا قوله سابقًا: {إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} ، وهنا:{لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} .
{قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ} : والوجه (1) هنا قيل: أُريد به مدلول ظاهره. قال قتادة والسدي وغيرهما: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلب وجهه في الدعاء إلى الله تعالى أن يحوِّله إلى قبلة مكة)، وقيل: كُنِّي بالوجه عن البصر؛ لأنه أشرف، وهو المستعمل في طلب الرغائب. تقول: بذلت وجهي في كذا، وهو من الكناية بالكل عن الجزء. وفي قوله:{شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} مجازٌ مرسل من إطلاق اسم الكل على الجزء إن قلنا المراد منه الكعبة كما علله الأكثرون.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
(1) البحر المحيط.