المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

ثناءً حسنًا، وتَبِيْنُ زوجته منه، ولا يستحق الميراث من كل - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٣

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: ثناءً حسنًا، وتَبِيْنُ زوجته منه، ولا يستحق الميراث من كل

ثناءً حسنًا، وتَبِيْنُ زوجته منه، ولا يستحق الميراث من كل أحد، وحبوط أعمالهم في الآخرة أن الردة تبطل استحقاقهم للثواب الذي استحقوه بأعمالهم السالفة.

أما لو رجع المرتد إلى الإِسلام: عادت إليه أعماله الصالحة مجردة عن الثواب، فلا يكلف بإعادتها، وهذا هو المعتمد في مذهب الشافعي، وأما عند أبي حنيفة: فإن الردة تبطل العمل وإن أسلم.

{وَأُولَئِكَ} المصرون {أَصْحَابُ النَّارِ} ؛ أي: ملازموها {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ؛ أي: مقيمون لا يخرجون ولا يموتون.

‌218

- وروي أن عبد الله بن جحش رضي الله عنه قال: يا رسول الله، هبْ أنه لا عقاب علينا فيما فعلنا، فهل نطمع منه أجرًا وثوابًا؟ فنزلت هذه الآية الآتية؛ لأن عبد الله كان مؤمنًا، وكان مهاجرًا، وكان بسبب هذه المقاتلة مجاهدًا، ثم هي عامة في مَنْ اتصف بهذه الأوصاف.

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} بالله ورسوله {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا} ؛ أي: فارقوا أوطانهم وعشائرهم وأموالهم، وفارقوا مُسَاكنة المشركين في أمصارهم ومجاورتهم في ديارهم، فتحولوا عن المشركين وعن بلادهم إلى غيرها {وَجَاهَدُوا} المشركين {فِي سَبِيلِ اللَّهِ}؛ أي: في طاعة الله لإعلاء دين الله، وبذلوا جهدهم في قتل العدو، كقتل عمرو بن الحضرمي الكافر، وكرر الموصول لتعظيم الهجرة والجهاد، كأنهما مستقلان في تحقيق الرجاء {أُولَئِكَ} الموصوفون بالأوصاف الثلاثة {يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ}؛ أي: يطمعون في نيل رحمة الله، وينالون جنة الله {وَاللَّهُ غَفُورٌ} لما فعلوه خطأً وقلة احتياطٍ {رَحِيمٌ} بإجزال الأجر والثواب لهم.

الإعراب

{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} .

{كَانَ} : فعل ماض ناقص. {النَّاسُ} : اسمها. {أُمَّةً} : خبرها. {وَاحِدَةً} : صفة {أُمَّةً} ، والجملة مستأنفة. {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ}:{الفاء} :

ص: 266

عاطفة، {بعث اللَهُ النبينَ}: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة {كَانَ}. {مُبَشِّرِينَ}: حال من {النَّبِيِّينَ} . {وَمُنْذِرِينَ} : معطوف عليه. {وَأَنْزَلَ} الواو: عاطفة، {أنزل}: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على {اللَّهُ} والجملة معطوفة على جملة {بعث}. {مَعَهُمُ}: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ {أنزل} . {الْكِتَابَ} : مفعول به. {بِالْحَقِّ} : جار ومجرور متعلق بـ {أنزل} ، أو بمحذوف حال من {الْكِتَابَ}؛ تقديره: حال كونه ملتبسًا بالحق.

{لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} .

{لِيَحْكُمَ} : {اللام} : حرف جر وتعليل، {يحكم}: منصوب بـ {أن} مضمرة بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على {الْكِتَابَ} ، والجملة صلة {أن} المضمرة، {أن} مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ {اللام}؛ تقديره: لحكمه {بين الناس} ، الجار والمجرور متعلق بـ {أنزل}. {بَيْنَ النَّاسِ}: ظرف ومضاف إليه، والظرف متعلق بـ {يحكم}. {فِيمَا}: جار ومجرور متعلق بـ {يحكم} . {اخْتَلَفُوا} : فعل وفاعل. {فِيهِ} : جار ومجرور متعلق بـ {اخْتَلَفُوا} ، والجملة صلة لـ {ما} أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضميرُ {فيه} .

{وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ} .

{وَمَا} الواو استئنافية، {ما}: نافية. {اخْتَلَفَ} : فعل ماض. {فِيهِ} : جار ومجرور متعلق به. {إِلَّا} : أداة استثناء مفرغ. {الَّذِينَ} : اسم موصول في محل الرفع فاعل، والجملة مستأنفة. {أُوتُوهُ}: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل.

{مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} .

{مِنْ بَعْدِ} : جار ومجرور متعلق بـ {اخْتَلَفَ} وهو مضاف. {مَا} : مصدرية. {جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} : فعل ومفعول به وفاعل، والجملة صلة {مَا} المصدرية، {مَا} مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه، تقديره: من بعد مجيء البينات إياهم. {بَغْيًا} : مفعول لأجله منصوب بـ {اخْتَلَفَ} ، وفي

ص: 267

"الفتوحات الإلهية": أو منصوب على الحال. {بَيْنَهُمْ} : ظرف ومضاف إليه متعلق بمحذوف صفة لـ {بَغْيًا} ؛ تقديره: بغيًا كائنًا بينهم.

{فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ} .

{فَهَدَى} {الفاء} عاطفة، {هدى الله الذين}: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة معطوفة على جملة قوله {وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ}. {آمَنُوا}: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. {لِمَا}: جار ومجرور متعلق بـ {هدى} . {اخْتَلَفُوا} : فعل وفاعل، والجملة صلة لـ {ما} ، أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضميرُ {فِيهِ}. {فِيهِ}: جار ومجرور متعلق بـ {اخْتَلَفُوا} . {مِنَ الْحَقِّ} : جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من {ما} ؛ تقديره: حالة كون ما اختلفوا فيه كائنًا من الحق. {بِإِذْنِهِ} : جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ {هدى} .

{وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} .

{وَاللَّهُ} الواو: استئنافية، {الله}: مبتدأ. {يَهْدِي} : فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على {الله} ، والجملة خبر المتبدأ، والجملة الإسمية مستأنفة. {مَن}: اسم موصول في محل النصب مفعول به. {يَشَاءُ} : فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على {الله} ، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف؛ تقديره: من يشاءه. {إِلَى صِرَاطٍ} : جار ومجرور متعلق بـ {يَهْدِي} . {مُسْتَقِيمٍ} : صفة لـ {صِرَاطٍ} .

{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ} .

{أَمْ} : منقطعة بمعنى بل، والهمزة للإنكار. {حَسِبْتُمْ}: فعل وفاعل، وهي من أخوات {ظن} ، والجملة مستأنفة. {أَن}: حرف نصب ومصدر. {تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ} : فعل وفاعل منصوب بـ {أن} المصدرية، والجملة الفعلية صلة {أَن} المصدرية، {أَن} مع صلتها في تأويل مصدر سادٍّ، مسد مفعولي {حسب} عند سيبويه؛ تقديره: أم حسبتم دخولكم الجنة، وعند الأخفش: سادة

ص: 268

مسد المفعول الأول، والثاني محذوف؛ تقديره: أم حسبتم دخولكم الجنة واقعًا بمجرد الإيمان. {وَلَمَّا} : {الواو} حالية، {لمّا}: حرف نفي وجزم. {يَأْتِكُمْ} : فعل ومفعول مجزوم بـ {لما} ، وجزمه بحذف حرف العلة. {مَثَلُ}: فاعل وهو مضاف. {الَّذِينَ} : مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل النصب حال من فاعل {حَسِبْتُمْ}؛ تقديره: أم حسبتم دخول الجنة حالة كونكم عادمين إتيان {مثل الذين} . {خَلَوْا} : فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. {مِنْ قَبْلِكُمْ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ {خَلَوْا} .

{مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} .

{مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ} : فعل ومفعول به وفاعل، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. {وَالضَّرَّاءُ}: معطوف على {الْبَأْسَاءُ} . {وَزُلْزِلُوا} : فعل وفاعل معطوف على {مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ} . {حَتَّى} : حرف جر وغاية. {يَقُولَ} : منصوب بـ {أن} مضمرة وجوبًا بعد {حتى} بمعنى {إلى} . {الرَّسُولُ} : فاعل. {وَالَّذِينَ} : معطوف على {الرَّسُولُ} . {آمَنُوا} : فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. {مَعَهُ}: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ {آمَنُوا} ، وجملة {يَقُولَ} صلة {أن} المضمرة، {أن} مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ {حتى} بمعنى {إلى}؛ تقديره: وزلزلوا إلى قول الرسول والذين آمنوا معه، الجار والمجرور متعلق بـ {زلزلوا}. {مَتَى نَصْرُ اللَّهِ}: مقول محكي لـ {يَقُولُ} ، وإن شئت قلت:{مَتَى} : اسم استفهام في محل الرفع خبر مقدم وجوبًا. {نَصْرُ اللَّهِ} : مبتدأ مؤخر ومضاف إليه، والجملة الإسمية في محل النصب مقول القول.

{أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} .

{أَلَا} : حرف استفتاح وتنبيه. {إنَّ} : حرف نصب وتوكيد. {نَصْرَ اللَّهِ} : اسم {إنَّ} ومضاف إليه. {قَرِيبٌ} : خبر {إنَّ} ، وجملة {إِنَّ} من اسمها وخبرها في محل النصب، مقول لقول محذوف؛ تقديره: قال الله لهم: إن نصر الله قريب، وجملة القول المحذوف مستأنفة.

ص: 269

{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} .

{يَسْأَلُونَكَ} : فعل وفاعل ومفعول به أول، والجملة مستأنفة. {مَاذَا} {ما}: اسم استفهام مبتدأ، {ذا}: اسم موصول في محل الرفع خبر. {يُنْفِقُونَ} : فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف؛ تقديره: ما الذي ينفقونه، والجملة من المبتدأ والخبر في محل النصب، مفعول به ثان لـ {سأل}؛ تقديره: يسألونك أي الشيء الذي ينفقونه؟. {قُلْ} : فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد صلى الله عليه وسلم، والجملة مستأنفة. {مَا}: موصولة في محل الرفع مبتدأ. {أَنْفَقْتُمْ} : فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف؛ تقديره: ما أنفقتموه. {مِنْ خَيْرٍ} : جار ومجرور حال من الضمير المحذوف؛ تقديره: ما أنفقتموه حالة كونه كائنًا من خير. {فَلِلْوَالِدَيْنِ} : {الفاء} : زائدة في الخبر، أو رابطة الخبر بالمبتدأ؛ لما في المبتدأ من العموم. {للوالدين}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ؛ تقديره: فمصروف للوالدين، والجملة من المبتدأ والخبر في محل النصب مقول {قُلْ} ، ويحتمل كون {مَا} شرطية، والجواب جملة {فَلِلْوَالِدَيْنِ}. {وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ}: معطوفات على {الوالدين} .

{وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} .

{وَمَا} {الواو} : استئنافية، {ما}: اسم شرط جازم في محل النصب مفعول مقدم وجوبًا. {تَفْعَلُوا} : فعل وفاعل مجزوم بـ {ما} على كونه فعل الشرط لها. {مِنْ خَيْرٍ} : جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من {ما} ؛ تقديره: حالة كونه كائنًا من خير. {فَإِنَّ} : {الفاء} : رابطة لجواب {ما} الشرطية وجوبًا، {إنَّ}: حرف نصب وتوكيد. {اللَّهَ} : اسمها. {بِهِ} : جار ومجرور متعلق بـ {عَلِيمٌ} ، وهو خبر {إنَّ} ، وجملة {إنَّ} من اسمها وخبرها في محل الجزم بـ {ما} على كونها جواب الشرط لها، وجملة {ما} الشرطية مستأنفة.

{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ} .

ص: 270

{كُتِبَ} : فعل ماض مغيَّر الصيغة. {عَلَيْكُمُ} : جار ومجرور متعلق به. {الْقِتَالُ} : نائب فاعل، والجملة مستأنفة. {وَهُوَ كُرْهٌ}: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من {الْقِتَالُ}؛ تقديره: حالة كونه مكروهًا. {لَكُمْ} : جار ومجرور متعلق بـ {كُرْهٌ} .

{وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا} .

{وَعَسَى} : الواو: استئنافية، {عسى}: فعل من أفعال الرجاء، ولكن هنا للتحقيق، فنقول في إعرابه {عسى}: فعل ماض تام بمعنى حق. {أَن} : حرف نصب ومصدر. {تَكْرَهُوا} : فعل وفاعل منصوب بـ {أن} . {شَيْئًا} : مفعول به، والجملة الفعلية صلة {أَن} المصدرية، {أَن} مع صلتها في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية؛ تقديره: حق وثبت كراهتكم شيئًا وهو خير لكم، والجملة مستأنفة. وفي "الفتوحات الإلهية": ليس معنى {عسى} هنا على الترجي كنظائرها الواقعة في كلامه تعالى، فإن الكل للتحقيق، ويصح الترجي باعتبار حال السامع، وهي هنا تامة على حد قول ابن مالك:

بَعْدَ عَسَى اخْلَوْلَقَ أَوشَكَ قَدْ يَرِدْ

غِنَىً بِـ (أَنْ) يُفْعَلَ عَنْ ثَانٍ فُقِدْ

وفي "السمين"{عسى} : فعل ماضٍ نقل إلى إنشاء الترجي والاشتقاق، وهو يرفع الاسم وينصب الخبر، ولا يكون خبرها إلا فعلًا مضارعًا مقرونًا بـ {أن} ، وهي في هذه الآية ليست ناقصة فتحتاج إلى خبر، بل تامة؛ لأنها أسندت إلى {أن} ، وتَقَدم أنها تسد مسد الجزئين بعدها. انتهى.

{وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} .

{وَهُوَ خَيْرٌ} الواو حالية، أو زائدة، {هو خير}: مبتدأ وخبر. {لَكُمْ} : جار ومجرور متعلق بـ {خير} ، والجملة الإسمية في محل النصب حال من {شَيْئًا} - وإن كان مجيء الحال من النكرة التي لا مسوغ لها قليلًا - أو في محل النصب صفة لـ {شَيْئًا} ، وإنما دخلت {الواو} على الجملة الواقعة صفة لأن صورتها صورة الحال، فكما تدخل {الواو} عليها حالية تدخل عليها صفة، قاله

ص: 271

أبو البقاء. وإنما توسطت {الواو} بين الصفة والموصوف؛ لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف.

{وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} .

{وَعَسَى} الواو: عاطفة، {عسى}: فعل ماض تام بمعنى {حق} . {أَن} : حرف مصدر. {تُحِبُّوا} : فعل وفاعل منصوب بـ {أن} . {شَيْئًا} : مفعول به، وجملة {أَن} مع مدخولها في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية؛ تقديره: وعسى محبتكم شيئًا، والجملة معطوفة على جملة قوله {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} . {وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} جملة اسمية في محل النصب حال من {شَيْئًا} ، أو صفة له، كما مر نظيره قريبًا.

{وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} .

{وَاللَّهُ} هو الواو: استئنافية، {اللَّهُ}: مبتدأ. {يَعْلَمُ} : فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على {الله} ، والجملة خبر المبتدأ؛ تقديره: والله عالم، والجملة مستأنفة. {وَأَنْتُمْ} الواو: عاطفة، {أنتم}: مبتدأ. {لَا تَعْلَمُونَ} {لَا} : ناهية {تَعْلَمُونَ} : فعل وفاعل، والجملة خبر المبتدأ؛ تقديره: وأنتم غير عالمين مصالحكم، والجملة معطوفة على جملة قوله {وَاللَّهُ يَعْلَمُ} .

{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} .

{يَسْأَلُونَكَ} : فعل وفاعل ومفعول به أول، والجملة مستأنفة. {عَنِ الشَّهْرِ}: جار ومجرور متعلق بـ {يسألون} على كونه مفعولًا ثانيًا له. {الْحَرَامِ} : صفة لـ {الشهر} بمعنى المحرم؛ أي: المعظم. {قِتَالٍ} : - بالجر - بدل اشتمال من {الشَّهْرِ} . {فِيهِ} : جار ومجرور متعلق بـ {قِتَالٍ} ، أو بمحذوف صفة لـ {قِتَالٍ} ، وعلى قراءة الرفع {قتال}: مبتدأ، والجار والمجرور خبره، وسوغ الابتداء بالنكرة فيه همزة الاستفهام؛ لأنه في معنى أقتال كائن فيه؟ وهذه الجملة المستفهم عنها في محل الجر بدل من {الشَّهْرِ الْحَرَامِ} ، وزعم بعضهم: أنه مرفوع على إضمار اسم فاعل؛ تقديره: أجائز قتال فيه.

ص: 272

{قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} .

{قُلْ} : فعل أمر، وفاعله مستتر فيه يعود على محمد صلى الله عليه وسلم، والجملة مستأنفة. {قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ}: مقول محكي لـ {قُلْ} ، وإن شئت قلت:{قِتَالٌ} : مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة وصفه بما بعده. {فِيهِ}: جار ومجرور صفة لـ {قِتَالٍ} . {كَبِيرٌ} : خبر، والجملة في محل النصب مقول لـ {قُلْ} .

{وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} .

{وَصَدٌّ} الواو: استئنافية، أو عاطفة، {صد}: مع ما عطف إليه مبتدأ، وجملتها أربعة، فأخبر عنها بقوله {أَكْبَرُ} ؛ لأنه أفعل تفضيل، وهو يستوي فيه الواحد والأكثر إذا كان مجردًا من {أل} و {الإضافة} على حد قول ابن مالك:

وإنْ لِمَنْكُوْرٍ يُضَفْ أَوْ جُرِّدَا

أُلْزِمَ تَذْكِيْرًا وَأَنْ يُوَحَّدَا

{عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} : جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ {صَدٌّ} . {وَكُفْرٌ} : معطوف على {صد} . {بِهِ} : جار ومجرور متعلق بـ {كفر} . {وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} : معطوف على {سَبِيلِ اللَّهِ} ، وللمعطوف حكم المعطوف عليه، تبعه بالجر، واعترض بأنه إذا كان معطوفًا على {سَبِيلِ اللَّهِ ..} كان متعلقًا بقوله {وَصَدٌّ}؛ إذ التقدير: وصدٌّ عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، فهو من تمام عمل المصدر، وقد فصل بينهما بقوله {وَكُفْرٌ بِهِ} ، ولا يجوز أن يفصل بين الصلة والموصول، وأجيب بأن الكفر بالله، والصد عن سبيله متحدان معنىً، فكأنه لا فصل بأجنبي بين {سَبِيلِ} وما عطف عليه. {وَإِخْرَاجُ}: معطوف على {صد} وهو مضاف. {أَهْلِهِ} : {أهل} : مضاف إليه، وهو مضاف، والضمير: مضاف إليه. {مِنْهُ} : جار ومجرور متعلق بـ {إخراج} . {أَكْبَرُ} : خبر المبتدأ وما عطف عليه. {عِنْدَ اللَّهِ} : ظرف ومضاف إليه متعلق بـ {أكبر} ، والجملة من المبتدأ والخبر في محل النصب معطوفة على جملة قوله {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} على كونها مقولًا لـ {قُلْ}؛ لأن المعنى: قل لهم: قتال في الشهر الحرام إثم كبير،

ص: 273

وقيل لهم: صد عن سبيل الله، وكذا وكذا أكبر من القتال، أو مستأنفة استئنافًا نحويًّا؛ لأن المقصود منها مجرد إخبار عن أن الصد عن سبيل الله، وكذا وكذا أكبر عند الله.

{وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} .

{وَالْفِتْنَةُ} : مبتدأ. {أَكْبَرُ} : خبر. {مِنَ الْقَتْلِ} : متعلق بـ {أَكْبَرُ} ، والجملة مستأنفة. {وَلَا} الواو استئنافية، {لا}: نافية. {يَزَالُونَ} : به فعل مضارع ناقص، والواو اسمها. {يُقَاتِلُونَكُمْ}: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل النصب خبر {يزال}؛ تقديره: ولا يزالون مقاتلين إياكم، والجملة مستأنفة. {حَتَّى}: حرف جر وغاية. {يَرُدُّوكُمْ} : فعل وفاعل ومفعول به منصوب بـ {أن} مضمرة. {عَنْ دِينِكُمْ} : جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ {يردون} ، وجملة {يَرُدُّوكُمْ} صلة {أن} المضمرة، {أن} مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ {حَتَّى} بمعنى إلى؛ تقديره: إلى ردّهم إياكم، الجار والمجرور متعلق بـ {يقاتلون}. {إِنِ اسْتَطَاعُوا}:{إنِ} : حرف شرط وجزم. {اسْتَطَاعُوا} : فعل وفاعل في محل الجزم بـ {إنَّ} الشرطية على كونه فعل شرط لها، وجوابها محذوف دل عليه السياق؛ تقديره: إن استطاعوا يردوكم عن دينكم، وجملة {إنِ} الشرطية جملة غائية لا محل لها من الإعراب.

{وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} .

{وَمَنْ} الواو: استئنافية، {من}: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو جملة الجواب، أو هما. {يَرْتَدِدْ}: فعل مضارع مجزوم بـ {من} على كونه فعل الشرط، وفاعله ضمير يعود على {من}. {مِنْكُمْ}: جار ومجرور متعلق بـ {يَرْتَدِدْ} . {عَنْ دِينِهِ} : جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ {يَرْتَدِدْ} . {فَيَمُتْ} : {الفاء} : حرف عطف وتعقيب،

ص: 274

{يمت} : فعل مضارع معطوف على {يَرْتَدِدْ} وفاعله ضمير يعود على {من} . {وَهُوَ كَافِرٌ} : مبتدأ وخبر والجملة في محل النصب حال من فاعل {يمت} . {فَأُولَئِكَ} ؛ {الفاء} : رابطة لجواب {من} الشرطية وجوبًا، {أولئك}: مبتدأ. {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} : فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الجزم بـ {من} الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة {من} الشرطية مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. {فِي الدُّنْيَا}: جار ومجرور متعلق بـ {حَبِطَتْ} . {وَالْآخِرَةِ} : معطوف على {الدُّنْيَا} . {وَأُولَئِكَ} : الواو: عاطفة {أولئك} : مبتدأ. {أَصْحَابُ النَّارِ} : خبر ومضاف إليه، والجملة في محل الجزم معطوفة على جملة قوله:{أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} على كونها جوابًا لـ {من} الشرطية. {هُمْ} : مبتدأ {فِيهَا} متعلق بـ {خَالِدُونَ} ، وهو خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر في محل النصب، حال من {أَصْحَابُ النَّارِ}؛ تقديره: حالة كونهم مقدرين الخلود فيها، أو حال من {النَّارِ}؛ تقديره: حالة كونها مقدرًا خلودهم فيها.

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218)} .

{إِنَّ} : حرف نصب وتوكيد. {الَّذِينَ} : اسمها. {آمَنُوا} : فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. {وَالَّذِينَ}: في محل النصب معطوف على {الَّذِينَ} الأول. {هَاجَرُوا} : فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. {وَجَاهَدُوا}: معطوف على {هَاجَرُوا} . {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} : جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ {جَاهَدُوا} . {أُولَئِكَ} : مبتدأ. {يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ} : فعل وفاعل ومفعول ومضاف إليه، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ؛ تقديره: أولئك راجون رحمت الله، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الرفع خبر {إن} ، وجملة {إن} مستأنفة. {وَاللَّهُ} الواو: استئنافية، {الله}: مبتدأ. {غَفُورٌ} : خبر أول. {رَحِيمٌ} : خبر ثان، والجملة مستأنفة.

ص: 275

التصريف ومفردات اللغة

{أَمْ حَسِبْتُمْ} : وحَسِب من باب فَعِل المكسور، وفي مضارعه وجهان: الفتح على القياس، والكسر على الشذوذ، ومعناها الظن، وقد تستعمل لليقين كقوله.

حَسِبْتُ التُّقَى وَالْجُوْدَ خَيْرَ تِجَارَةٍ

رَبَاحًا إِذَا مَا الْمَرْءُ أَصْبَحَ ثَاوَيًا

وفي "المصباح" يقال: حسبت زيدًا قائمًا أحسَبه - من باب تعب في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضًا على غير قياس حسبانًا بالكسر بمعنى ظننته، وحسبت المال حسبًا - من باب قتل - أحصيته عددًا، وفي المصدر أيضًا حِسْبةً بالكسر، وحُسبانًا بالضم. انتهى.

{خَلَوْا} : أصله خلووا؛ لأنه من الأفعال المعتلة بالواو كدعا وغزا، تحركت {الواو} وانفتح ما قبلها قلبت ألفًا، فالتقى ساكنان، ثم حذفت الألف لبقاء دالها، فصار خلوا.

{وَزُلْزِلُوا} يقال: زلزل الله الأرض زلزلةً وزلزالًا بالكسر، فتزلزلت إذا تحركت واضطربت، والزلزلة: شدة التحريك يكون في الأشخاص والأحوال، وقال الزجاج: أصل الزلزلة نقل الشيء من مكانه، فإذا قلت: زلزلته .. فمعناه كررت زلله من مكانه، فهو من الثلاثي المزيد بالتضعيف والتكرير؛ لأن أصله زل.

{وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} قرئ بضم الكاف وفتحها، وهما لغتان بمعنى، وقيل: بالفتح مصدر بمعنى الكراهية، وبالضم اسم مصدر بمعنى المشقة، يقال: كرهت الشيء كُرهًا وكَرهًا، وكَراهةً وكَراهيةً، وأكرهته عليه إكراهًا.

{صد} الصد: المنع والطرد، يقال: صده عن الشيء يصده صدًّا - من باب شدّ - إذا منعه منه، فهو من المضاعف المعدى الذي لم يسمع فيه إلا القياس الذي هو ضم عين المضارع.

{وَمَنْ يَرْتَدِدْ} بالفك؛ لأنه لما سكنت الدال الثانية للجازم .. تعذر تسكين

ص: 276

الأول؛ لئلا يجتمع ساكنان.

البلاغة

{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ} : فيه إيجاز بالحذف، والأصل: فاختلفوا، فبعث الله النبيين.

{لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ} : فيه مجاز عقلي إن عاد الضمير إلى الكتاب من إسناد ما للفاعل إلى المفعول، وقوله {بَيْنَ النَّاسِ} إظهار في مقام الإضمار، لزيادة التعيين.

{أَمْ حَسِبْتُمْ} : {أَمْ} منقطعة مقدرة بمعنى بل التي في ضمنها الانتقال من أخبار إلى أخبار، وبمعنى الهمزة التي في ضمنها الإنكار والتوبيخ، والمعنى: ما كان ينبغي لكم أن تحسبوا هذا الحسبان، ولم حسبتموه؟ والغرض من هذا التوبيخ تشجيعهم على الصبر، وحضهم عليه.

{مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا} : فيه إيجاز بالحذف؛ لأن فيه حذف مضاف وحذف موصوف؛ تقديره: ولما يأتكم مثل محنة المؤمنين الذين خلوا {مِنْ قَبْلِكُمْ} : متعلق بـ {خلوا} ، وهو كالتأكيد لمعنى {خَلَوْا} فإن القبلية مفهومة من قوله:{خَلَوْا} .

{حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ} بالنصب على قراءة الجمهور على أن {حَتَّى} بمعنى إلى، وأن مضمرة بعدها؛ أي: إلى أن يقول الرسول، فهي غاية لما تقدم من المس والزلزال، وحتى إنما ينصب بعدها المضارع إذا كان مستقبلًا، وهذا قد وقع ومضى، والجواب: أنه على حكاية الحال الماضية، وبالرفع: فعلى قراءة نافع على أن الفعل بعدها حال مقارن لما قبلها، والحال لا ينصب بعد حتى ولا غيرها؛ لأن الناصب مخلص للاستقبال فتنافيا، واعلم أن حتى إذا وقع بعدها فعل .. فإما أن يكون حالًا أو مستقبلًا أو ماضيًا، فإن كان حالًا .. رفع نحو مرض زيد حتى لا يرجونه؛ أي: في الحال، وإن كان مستقبلًا .. نصب تقول: سرت حتى أدخل البلد، وأنت لم تدخل بعد، وإن كان ماضيًا .. فتحكيه ثم

ص: 277

حكايتك له؛ إما أن تكون بحسب كونه مستقبلًا، فتنصبه على حكاية هذا الحال، وإما أن يكون بحسب كونه حالًا، فترفعه على حكاية هذه الحال، فيصدق أن تقول في قراءة الجمهور حكاية حال، وفي قراءة نافع حكاية حال أيضًا، وإنما نبهت على ذلك؛ لأن عبارة بعضهم تخصص حكاية الحال بقراءة الجمهور، وعبارة آخرين تخصها بقراءة نافع.

ومعنى حكاية الحال الماضية: أن يفرض ويقدر الواقع في الماضي واقعًا وقت التكلم، ويخبر عنه بالمضارع الدال على الحال.

{أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} في هذه الجملة عدة مؤكدات:

الأول: بدء الجملة بأداة الاستفتاح.

الثاني: ذكر إن.

الثالث: إيثار الجملة الإسمية.

الرابع: إضافة النصر إلى رب العالمين القادر على كل شيء.

{وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا} {وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا} بين الجملتين من المحسنات البديعية ما يسمى عندهم بالمقابلة، فقد قابل بين الكراهية والحب، وبين الخير والشر.

{وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} : فيه طباق بالسلب.

والله سبحانه وتعالى أعلم

* * *

ص: 278

قال الله سبحانه جلَّ وعلا:

{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220) وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223) وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225)} .

المناسبة

قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ

} مناسبة (1) هذه الآية لما قبلها: أنهم لما سألوا عن ماذا ينفقون، فبين لهم مصرف ذلك في الوالدين وما بعدهما، ثم ذكر تعالى فرض القتال والجهاد في سبيل الله .. ناسب ذكر سؤالهم عن الخمر والميسر؛ إذ هما أيضًا من مصارف المال، ومع مداومتهما قَلَّ أن يبقى مال فتتصدق به أو تجاهد به، فلذلك وقع السؤال عنهما.

قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى

} مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما ذكر السؤال عن الخمر والميسر، وكان تركهما مدعاة إلى تنمية المال، وذكر السؤال عن النفقة، وأجيبوا بأنهم ينفقون ما سهل عليهم .. ناسب ذلك النظر في

(1) البحر المحيط.

ص: 279

حال اليتيم وحفظ ماله وتنميته واصلاح اليتيم بالنظر في تربيته، فالجامع بين الآيتين: أن في ترك الخمر والميسر إصلاح أحوال أنفسهم، وفي النظر في حال اليتامى إصلاحًا لغيرهم ممن هو عاجز أن يصلح نفسه، فيكونون قد جمعوا بين النفع لأنفسهم ولغيرهم، والظاهر أن السائل جمع بين الاثنين بواو الجمع.

قوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ

} مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما ذكر تعالى حكم اليتامى في المخالطة، وكانت تقتضي المناكحة وغيرها مما يسمى مخالطة، حتى أن بعضهم فسرها بالمصاهرة فقط، وكان في اليتامى من يكون من أولاد الكفار .. نهى الله تعالى عن مناكحة المشركات والمشركين، وأشار إلى العلة المسوغة للنكاح؛ وهي الأخوّة الدينية، فنهى عن نكاح من لم تكن فيه هذه الأخوّة، واندرج يتامى الكفار في عموم من أشرك.

وفيها مناسبة أخرى أيضًا وهي: أنه لما تقدم حكم الشرب في الخمر والأكل في الميسر .. ذكر حكم المنكح، فكما حرم الخمر من المشروبات وما يجر إليه الميسر من المأكولات .. حرم المشركات من المنكوحات.

قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ

} مناسبة هذه الآية لما قبلها (1): هو أنه لما نهى عن مناكحة الكفار، وتضمن مناكحة أهل الإيمان وإيثار ذلك .. بين حكمًا عظيمًا من أحكام النكاح، وهو نكاح في زمان الحيض.

قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ

} مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه تعالى لما أمر بتقوى الله تعالى وحذرهم يوم الميعاد .. نهاهم عن ابتذال اسمه، وجعله معرضًا لما يحلفون عليه دائمًا؛ لأن من يُتقى ويُحذر تجب صيانة اسمه وتنزيهه عما لا يليق به من كونه يذكر في كل ما يحلف عليه من قليل أو كثير، عظيم أو حقير؛ لأن كثرة ذلك توجب عدم الاكتراث بالمحلوف به.

وفيه مناسبة أخرى أيضًا: وذلك أنه تعالى لما أمر المؤمنين بالتحرز في أفعالهم السابقة من الخمر والميسر، وإنفاق العفو، وأمر اليتامى، ونكاح من

(1) البحر المحيط.

ص: 280

أشرك، وحال وطيء الحائض .. أمرهم تعالى بالتحرز في أقوالهم، فانتظم بذلك أمرهم بالتحرز في الأفعال والأقوال.

أسباب النزول

قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ

} سبب نزولها: أنه جاء جماعة من الأنصار فيهم عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر والميسر، فإنهما مذهبة للعقل، ومسلبة للمال، فأنزل الله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ

} الآية.

قوله تعالى (1): {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ

} سبب نزولها: أنه أخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد، أو عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نفرًا من الصحابة حين أمروا بالنفقة في سبيل الله .. أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إنا لا ندري ما هذه النفقة التي أمرنا بها في أموالنا، فما ننفق منها، فأنزل الله: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ

}.

وأخرج أيضًا عن يحيى أنه بلغه أن معاذ بن جبل، وثعلبة رضي الله عنهما أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالا: يا رسول الله، إن لنا أرقاء وأهلين، فما ننفق من أموالنا، فأنزل الله هذه الآية.

قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى

} أخرج أبو داود، والنسائي، والحاكم وغيرهم عن ابن عباس قال: لما نزلت: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} ، {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى

} الآية، انطلق من كان عنده يتيم، فعزل طعامه عن طعامه، وشرابه عن شرابه، فجعل يفضل له الشيء من طعامه، فيحبس له حتى يأكله، أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم؛ فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى

}.

قوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ

} أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والواحدي عن مقاتل قال: نزلت هذه الآية في ابن أبي مرثد الغنوي،

(1) لباب النقول.

ص: 281

استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في عناق أن يتزوجها، وهي مشركة، وكانت ذات حظ وجمال؛ فنزلت هذه الآية.

قوله تعالى: {وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ

} الآية، سبب نزولها: أنه أخرج الواحدي من طريق السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت هذه الآية في عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، كانت له أمة سوداء، وأنه غضب عليها فلطمها، ثم إنه فزع، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره وقال: لأعتقنها ولأتزوجنها ففعل، فطعن عليه ناس، وقالوا: ينكح أمه، فأنزل الله هذه الآية، وأخرجه ابن جرير عن السدي منقطعًا.

قوله تعالى (1): {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ

} الآية، روى مسلم، والترمذي عن أنس أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ..} الآية، فقال:"اصنعوا كل شيء إلا النكاح"، فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه! فجاء أسد بن حضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله، إن اليهود تقول كذا وكذا، أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى ظننا أن قد وجد (2) عليهما، فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل في آثارهما، فعرفا أن لم يجد عليهما. أخرجه الترمذي - وقال: هذا حديث حسن صحيح - وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد، والطيالسي.

قوله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ

} الآية، روى الشيخان، وأبو داود، والترمذي عن جابر رضي الله عنه قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت:{نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} .

وأخرج أحمد والترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هلكت، قال: وما أهلكك"؟ قال: حولت

(1) لباب النقول.

(2)

وَجَدَ: من الحزن والغضب.

ص: 282