المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

أنه بمعنى: تصير، وقرىء أيضًا بالتذكير، وبناء المفعول.   ‌ ‌211 - {سَلْ} - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٣

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: أنه بمعنى: تصير، وقرىء أيضًا بالتذكير، وبناء المفعول.   ‌ ‌211 - {سَلْ}

أنه بمعنى: تصير، وقرىء أيضًا بالتذكير، وبناء المفعول.

‌211

- {سَلْ} يا محمَّد {بَنِي إِسْرَائِيلَ} ؛ أي: أولاد يعقوب الحاضرين منهم توبيخًا لهم وتقريعًا {كَمْ آتَيْنَاهُمْ} ؛ أي: أيُّ عدد أعطيناهم {مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} ؛ أي: من معجزة واضحة، وحجج باهرة تدل على صدق أنبيائهم؛ أي: سلهم كم من المعجزات أعطينا لموسى نبيهم تدل على صدقه؟ كيَده، وعصاه، وفلقه البحر، وضربه الحجر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى وغير ذلك، فبدلوها كفرًا؛ أي: أخذوا بدل موجبها وهو الإيمان كفرًا، فاستوجبوا العقاب من الله تعالى، فإنكم لو زللتم عن آيات الله تعالى .. لوقعتم في العذاب كما وقع أسلافكم فيه، وهذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي: فلا غرابة في عدم إيمانهم بك، فإننا آتيناهم آيات بينات على يد موسى، فلم يؤمنوا ولم ينقادوا {وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ}؛ أي: ومن يغير آيات الله الباهرة الدالة على نبوة محمَّد صلى الله عليه وسلم بالكفر؛ أي: بدل موجبها الذي هو الإيمان بها بالكفر {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ} ؛ أي: من بعد ما وصلت إليه وعرفها، أو المعنى: ومن يغير دين الله وكتابه بالكفر من بعد ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم {فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} له فيعاقبه أشد عقوبة؛ لأنه ارتكب أشد جريمة، وفي هذا من الترهيب والتخويف ما لا يقادر قدره.

وقال ابن جرير الطبري (1): النعمة هنا الإِسلام، والظاهر دخول كل نعمة أنعم الله بها على عبد من عباده كائنًا من كان، فوقع منه التبديل لها، وعدم القيام بشكرها، ولا ينافي ذلك كون السياق في بني إسرائيل، أو كونهم السبب في النزول لما تقرر من أن الاعتبار بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.

{زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} ؛ أي: حسنت (2) في أعينهم، وأشربت محبتها في قلوبهم حتى تهالكوا فيها، وأعرضوا عن غيرها، والمزين لهم في الحقيقة هو الله تعالى؛ إذ ما من شيء إلا وهو فاعله، ويدل عليه قراءة {زيَّن} بالبناء

(1) شوكاني.

(2)

بيضاوي.

ص: 242

للفاعل، وكل من الشيطان والقوة الحيوانية، وما خلقه الله فيها من الأمور البهيمية، والأشياء الشهوية مزين بالعرض، وإنما لم (1) يلحق الفعل علامة التأنيث لكونه مؤنثًا مجازيًا، وحسن ذلك الفصل، وقرأ ابن أبي عبلة شذوذًا:{زينت} بالتأنيث مراعاة للفظ، وقرأ مجاهد، وأبو حيوة شذوذًا أيضًا {زَين} - بفتح الزاي مبنيًّا للفاعل، الحياة مفعول، والفاعل هو الله تعالى، والمعتزلة (2) يقولون: إنه الشيطان، وهذا تأويل ضعيف؛ لأن قوله تعالى:{زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا} يتناول جميع الكفار، فيدخل فيه الشيطان وغواة الجن والإنس، وإن كلهم مزين لهم، وهذا المزين لا بد وأن يكون مغايرًا لهم، فثبت بهذا ضعف قول المعتزلة.

وقيل: إن المراد من التزيين أنه تعالى أمهلهم في الدنيا حتى أقبلوا عليها وأحبوها، فكان هذا الإمهال هو التزيين.

قيل: نزلت هذه الآية (3) في مشركي العرب، أبي جهل وأضرابه؛ لأنهم كانوا يتنعمون بما بسط لهم في الدنيا من المال، ويكذبون بالمعاد، وقيل: نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه، وقيل: نزلت في رؤساء اليهود، ويحتمل أنها نزلت في الكل {و} هم {يسخرون من الذين آمنوا} ويستهزؤون بفقراءهم بضيق معيشتهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: مثل عبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر، وصهيب، وبلال، ونظرائهم رضي الله عنهم، وقيل: كانوا يقولون: انظروا إلى هؤلاء الذين يزعم محمَّد أنه يغلب بهم {وَالَّذِينَ اتَّقَوْا} عن الشرك، وعن الدنيا الشاغلة عن الله تعالى، وهم فقراء المؤمنين {فَوْقَهُمْ}؛ أي: فوق الكفار حسًّا {يَوْمَ الْقِيَامَةِ} ؛ لأن المؤمنين في عليين، والكافرين في سجين، والمعنى: لأنهم في أوج الكرامة، وهم في حضيض المذلة، ولأن سخرية المؤمنين بالكفار يوم القيامة فوق سخرية الكافرين بالمؤمنين في الدنيا.

(1) جمل.

(2)

الخازن.

(3)

الخازن.

ص: 243

وعن حارثة بن وهب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف مستضعف لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عُتُلّ جواظ جعظري مستكبر". متفق عليه. العتل: الفظ الغليظ الشديد في الخصومة، الذي لا ينقاد لخير، والجواظ: الفاجر المختال في مشيته، وقيل: هو القصير البطين، والجعظري: الفظ الغليظ، وقيل: هو الذي يتمدح بما ليس فيه أو عنده.

وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قمت على باب الجنة، فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجد محبوسون، غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار، فإذا عامة من دخلها النساء". متفق عليه. الجَد - بالفتح -: الحظ والغنى وكثرة المال. {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ} ؛ أي: والله يعطي من يشاء من عباده في الدنيا من مؤمن أو كافر، أو في الآخرة لمؤمن رزقًا واسعًا {بِغَيْرِ حِسَابٍ}؛ أي: رزقًا لا حساب فيه، ولا عد ولا ضبط لكثرته، فلا يضبطه عد، ولا كيل، ولا وزن من غير تكلف من المرزوق، ومن حيث لا يحتسب، وقد أغنى الله المؤمنين بما أفاض عليهم من أموال صناديد قريش، ورؤساء اليهود حتى ملكوا كنوز كسرى وقيصر، ولكن البسط في الدنيا لا يخلو: إما من الاستدراج، أو من الابتلاء.

الإعراب

{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} .

{وَمِنَ} الواو: استئنافية، {من الناس}: جار ومجرور خبر مقدم {مَن} : اسم موصول، أو نكرة موصوفة في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة. {يُعْجِبُكَ}: فعل ومفعول. {قَوْلُهُ} : فاعل ومضاف إليه، والجملة صلة لـ {من} أو صفة لها، والعائد أو الرابط الضمير في {قَوْلُهُ}. {الْحَيَاةِ}: جار ومجرور متعلق بـ {يُعْجِبُكَ} ، أو بـ {القول}. {الدُّنْيَا}: صفة لـ {الْحَيَاةِ} .

{وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} .

ص: 244

{وَيُشْهِدُ} الواو: عاطفة، أو حالية، {يشهد}: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على {مَن}. {اللَّهَ}: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة {يُعْجِبُكَ} على كونها صلة الموصول، أو في محل النصب حال من فاعل {يُعْجِبُكَ}. {عَلَى مَا}: جار ومجرور متعلق بـ {يشهد} . {فِي قَلْبِهِ} : جار ومجرور ومضاف إليه، والجار والمجرور متعلق بمحذوف صلة لـ {ما} أو صفة لها؛ تقديره: على ما استقر في قلبه. {وَهُوَ} الواو: عاطفة، {هو}: مبتدأ. {أَلَدُّ الْخِصَامِ} : خبر ومضاف إليه، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة يشهد على كونها حالًا من فاعل {يُعْجِبُكَ} ، أو معطوفة على جملة {يُعْجِبُكَ} على كونها صلة الموصول.

{وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205)} .

{وَإِذَا} الواو: استئنافية، {إذا}: ظرف لما يستقبل من الزمان. {تَوَلَّى} : فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على {مَنْ يُعْجِبُكَ} ، والجملة في محل الخفض بإضافة {إذا} إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي. {سَعَى}: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على {مَنْ يُعْجِبُكَ} ، والجملة جواب {إذا} لا محل لها من الإعراب، وجملة {إذا} من فعل شرط وجوابها مستأنفة. {فِي الْأَرْضِ}: جار ومجرور متعلق بـ {سَعَى} . {لِيُفْسِدَ} : {اللام} : حرف جر وتعليل، {يفسد}: فعل مضارع منصوب بـ {أن} مضمرة جوازًا بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على {مَنْ يُعْجِبُكَ}. {فِيهَا}: جار ومجرور متعلق به، والجملة صلة {أن} المضمرة، {أن} مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ {اللام} ، تقديره: لإفساده فيها، الجار والمجرور متعلق بـ {سَعَى}. {وَيُهْلِكَ} الواو: عاطفة، {يهلك}: معطوف على {يفسد} ، وفاعله ضمير يعود على {مَنْ} {الحَرْثَ}: مفعول به. {وَالنَّسْلَ} : معطوف على {الْحَرْثَ} ، والجملة في تأويل مصدر معطوف على مصدر منسبك من {يفسد}؛ تقديره: ولإهلاكه الحرث والنسل.

ص: 245

{وَاللَّهُ} الواو: استئنافية، {اللَّهُ}: مبتدأ. {لَا} : نافية. {يُحِبُّ} : فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على {الله}. {الْفَسَادَ}: مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة.

{وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206)} .

{وَإِذَا} الواو: عاطفة جملة على جملة، أو استئنافية، {إذا}: ظرف لما يستقبل من الزمان. {قِيلَ} : فعل ماض مغيَّرا الصيغة {لَهُ} : جار ومجرور متعلق به. {اتَّقِ اللَّهَ} : نائب فاعل محكي لـ {قِيلَ} ، وجملة {قِيلَ} في محل الخفض بإضافة {إذا} إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب، وإن شئت قلت:{اتَّقِ} : فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا؛ تقديره: أنت. {اللَّهَ} : مفعول به، والجملة في محل الرفع نائب فاعل لـ {قِيلَ}. {أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ}: فعل ومفعول وفاعل، والتاء علامة تأنيث الفاعل. {بِالْإِثْمِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من {الْعِزَّةُ} ؛ تقديره: حالة كونها ملتبسة بالإثم، أو حال من المفعول؛ تقديره: حال كونه ملتبسًا بالإثم، والجملة الفعلية جواب {إذا} لا محل لها من الإعراب، وجملة {إذا} معطوفة على جملة {يُعْجِبُكَ} على كونها صلة الموصول، أو مستأنفة. {فَحَسْبُهُ}:{الفاء} : فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفت أنه إذا قيل له: اتق الله أخذته العزة بالإثم، وأردت بيان عاقبته .. فأقول لك:{حسبه جهنم} ، {حسبه}:{الحسب} : مبتدأ، و {الهاء}: مضاف إليه. {جَهَنَّمُ} : خبر، والجملة الإسمية في محل النصب مقول لجواب {إذا} المقدرة، وجملة {إذا} المقدرة مستأنفة. {وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} الواو: استئنافية، أو حرف قسم، والمقسم به محذوف؛ تقديره {والله} ، الجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف؛ تقديره: أقسم والله، و {اللام}: موطئة للقسم، {بئس}: فعل ماضٍ من أفعال الذم. {الْمِهَادُ} : فاعل، وجملة {بئس} من الفعل والفاعل في محل الرفع خبر للمبتدأ المحذوف وجوبًا؛ لكونه مخصوصًا بالذم؛ تقديره:

ص: 246

جهنم، والجملة من المبتدأ المحذوف وخبره جواب القسم، لا محل لها من الإعراب.

{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207)} .

{وَمِنَ النَّاسِ} الواو: عاطفة، أو استئنافية، {من الناس}: جار ومجرور، خبر مقدم. {مَن} اسم موصول، أو موصوف في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على جملة قوله {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ} ، أو مستأنفة. {يَشْرِي}: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على {مَن}. {نَفْسَهُ}: مفعول به، ومضاف إليه، والجملة صلة لـ {مَن} أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير الفاعل. {ابْتِغَاءَ}: مفعول لأجله، وهو مضاف. {مَرْضَاتِ}: مضاف إليه، وهو مضاف. {الله}: مضاف إليه. {وَاللَّهُ} والواو: استئنافية. {اللهُ} : مبتدأ. {رَءُوفٌ} : خبر. {بِالْعِبَادِ} : جار ومجرور متعلق به، والجملة مستأنفة.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} .

{يَا أَيُّهَا} . {يا} : حرف نداء، {أي}: منادى نكرة مقصودة و {الهاء} : حرف تنبيه زائد تعويضًا عما فات أي: من الإضافة. {الَّذِينَ} : اسم موصول للجمع المذكر في محل الرفع صفة لـ {أي} ، وجملة النداء مستأنفة. {آمَنُوا}: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. {ادْخُلُوا}: فعل وفاعل، والجملة جواب النداء لا محل لها من الإعراب. {فِي السِّلْمِ}: جار ومجرور متعلق بـ {ادْخُلُوا} . {كَافَّةً} : حال من {السِّلْمِ} ، و {السلم} يذكر ويؤنث؛ فلذلك أنث الحال منها، فقيل كافة، ولم يقل كافًّا.

{وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} .

{وَلَا} الواو: عاطفة، {لا}: ناهية جازمة. {تَتَّبِعُوا} : فعل وفاعل مجزوم بـ {لا} الناهية، والجملة معطوفة على جملة قوله {ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ}. {خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}: مفعول به ومضاف إليه. {إِنَّهُ} : {إنَّ} : حرف نصب

ص: 247

وتوكيد، و {الهاء}: اسمها. {لَكُمْ} : جار ومجرور متعلق بـ {عَدُوٌّ} وهو: خبر {إن} . {مُبِينٌ} : صفة له، وجملة {إن} في محل الجر بـ {لام} التعليل المقدرة.

{فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209)} .

{فَإِنْ} {الفاء} : فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفتم أمرنا إياكم بالدخول في السلم كافة، ونهينا إياكم عن اتباع خطوات الشيطان، وأردتم بيان حالكم فيما إذا خالفتم الأمر والنهي .. فأقول لكم:{إن زللتم} ، {إن}: حرف شرط جازم. {زَلَلْتُمْ} : فعل وفاعل في محل الجزم بـ {إنْ} على كونه فعل شرط لها. {مِنْ بَعْدِ} : جار ومجرور متعلق بـ {زَلَلْتُمْ} . {مَا} : مصدرية. {جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ} : فعل ومفعول وفاعل، و {التاء} علامة تأنيث الفاعل، والجملة صلة {ما} المصدرية، {مَا} مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه؛ تقديره: فإن زللتم من بعد مجيء البينات إياكم .. فاعلموا. {فَاعْلَمُوا} : الفاء: رابطة لجواب {إن} الشرطية وجوبًا، {اعلموا}: فعل وفاعل، والجملة في محل الجزم بـ {إنْ} الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة {إن} الشرطية في محل النصب مقول لجواب {إذا} المقدرة، وجملة {إذا} المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. {أَنَّ}: حرف نصب ومصدر. {اللَّهَ} : اسمها. {عَزِيزٌ} : خبر أول لها. {حَكِيمٌ} : خبر ثان، وجملة {أَنَّ} من اسمها وخبرها في تأويل مصدر سادٍّ مسد مفعولي {اعلموا}؛ تقديره: فاعلموا كون الله عزيزًا حكيمًا.

{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210)} .

{هَلْ} : للاستفهام الإنكاري. {يَنْظُرُونَ} : فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. {إِلَّا}: أداة استثناء مفرغ. {أَن} : حرف نصب ومصدر. {يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ} : فعل ومفعول وفاعل منصوب بـ {أَن} ، والجملة صلة {أَن} المصدرية، {أَن} مع

ص: 248

صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية؛ تقديره: هل ينتظرون إلا إتيان الله إياهم. {فِي ظُلَلٍ} : جار ومجرور متعلق بـ {يأتي} . {مِنَ الْغَمَامِ} : جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لـ {ظلل} ؛ تقديره: في ظلل كائنة من الغمام. {وَالْمَلَائِكَةُ} : معطوف على لفظ الجلالة. {وَقُضِيَ الْأَمْرُ} الواو: عاطفة. {قضي الأمر} : فعل مغيَّر ونائب فاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة {يأتي}. {وَإِلَى اللَّهِ} الواو: استئنافية، {إلى الله}: جار ومجرور متعلق بـ {تُرْجَعُ} . {تُرْجَعُ} : فعل مضارع مغيَّر الصيغة. {الْأُمُورُ} : نائب فاعل، والجملة مستأنفة.

{سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} .

{سَلْ} : فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر يعود على محمد صلى الله عليه وسلم، والجملة مستأنفة. {بَنِي}: مفعول أول لـ {سَلْ} منصوب بـ {الياء} ، وهو مضاف. {إِسْرَائِيلَ}: مضاف إليه مجرور بالفتحة. {كَمْ} : استفهامية بمعنى: أي عدد، أو خبرية بمعنى: عدد كثير، معلقة لـ {سَلْ} عن العمل فيما بعدها في محل النصب مفعول ثان لـ {آتيناهم} مقدم عليه وجوبًا؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام؛ تقديره: آتيناهم أي عدد، أو أتيناهم عددًا كثيرًا، وإنما عُلِّق (1) سل عن العمل فيما بعده مع أنه ليس من أفعال القلوب، قالوا: لأنه سبب للعلم، والعلم يعلق، فكذلك سببه، فأجري المسبب مجرى المسبب، والتعليق هو إبطال العمل لفظًا لا محلًّا، كقولهم: ظننت لزيد قائم وعمرًا جالسًا. {آتَيْنَاهُمْ} : فعل وفاعل ومفعول أول؛ لأن أتى بمعنى أعطى، فيتعدى إلى مفعولين، وجملة {آتَيْنَاهُمْ} من الفعل والفاعل سادة مسد المفعول الثاني لـ {سَلْ}. {مِنْ}: زائدة، زيدت ليعلم أن مدخولها مميز لا مفعول ثانٍ لـ {آتَيْنَاهُمْ}: تمييز لـ {كَمْ} منصوب بفتحة مقدرة. {بَيِّنَةٍ} : صفة له.

{وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} .

(1) كرخي.

ص: 249

{وَمَنْ} الواو: اسئنافية، {من}: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط. {يُبَدِّلْ}: فعل مضارع مجزوم بـ {مَن} على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على {مَن} ، {نِعْمَةَ اللَّهِ}: مفعول به ومضاف إليه. {مِنْ بَعْدِ} : جار ومجرور متعلق بـ {يُبَدِّلْ} . {مَا} : مصدرية. {جَاءَتْهُ} : فعل ومفعول، والتاء علامة تأنيث الفاعل. وفاعله ضمير يعود على {نِعْمَةَ} ، والجملة من الفعل والفاعل صلة {مَا} المصدرية، {مَا} مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف؛ تقديره: من بعد مجيئها إياه. {فَإِنَّ} {الفاء} : رابطة لجواب {مَن} وجوبًا، {إن}: حرف نصب وتوكيد، {اللَّهَ}: اسمها. {شَدِيدُ} : خبرها. {الْعِقَابِ} : مضاف إليه، وجملة {إنَّ} من اسمها وخبرها في محل الجزم بـ {مَن} على كونها جوابًا لها، وجملة {مَن} الشرطية مستأنفة.

{زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} .

{زُيِّنَ} : فعل ماض مغيَّر الصيغة. {لِلَّذِينَ} : جار ومجرور متعلق به. {كَفَرُوا} : فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. {الْحَيَاةُ}: نائب فاعل. {الدُّنْيَا} : صفة له، والجملة من الفعل المغيَّر ونائبه مستأنفة. {وَيَسْخَرُونَ} الواو: عاطفة، {يسخرون}: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة {زُيِّنَ}. {مِنَ الَّذِينَ}: جار ومجرور متعلق بـ {يسخرون} . {آمَنُوا} : فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل.

{وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} .

{وَالَّذِينَ} الواو: عاطفة. {الذين} : مبتدأ. {اتَّقَوْا} : فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. {فَوْقَهُمْ}: ظرف مكان ومضاف إليه، والظرف متعلق بمحذوف وجوبًا، خبر المبتدأ؛ تقديره: والذين اتقوا كائنون فوقهم، والجملة معطوفة على جملة {يسخرون}. {يَوْمَ الْقِيَامَةِ}: ظرف زمان ومضاف إليه، والظرف متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الظرف المذكور قبله. {وَاللَّهُ}: الواو: استئنافية، {اللَّهُ}: مبتدأ. {يَرْزُقُ} : فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على {الله} ، والجملة خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة.

ص: 250

{مَن} : اسم موصول في محل النصب مفعول به. {يَشَاءُ} : فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على {الله} ، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف؛ تقديره: يشاءه. {بِغَيْرِ حِسَابٍ} : جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ {يَرْزُقُ} .

التصريف ومفردات اللغة

{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ} هو من أعجب الرباعي، يقال: أعجبني كذا؛ أي: ظهر لي ظهورًا لم أعرف سببه، والتعجب: انفعال يحدث في النفس عند شعورها بأمر خفي سببُهُ، ولذا يقال: إذا ظهر السبب بطل العجب، والإعجاب: استحسان الشيء والميل إليه والتعظيم له، وقال الراغب: العجب حيرة تعرض للإنسان بسب الشيء.

{أَلَدُّ الْخِصَامِ} . أَلَدُّ: صفة مشبهة من اللدد، وهو شدة الخصومة، يقال: لددت لددًا ولدادةً، ورجل ألد، وامرأة لداء الخِصَامِ، إما مصدر لخاصم على حد قول ابن مالك:

لِـ (فَاعَلَ) الفِعَالُ وَالمُفَاعَلَا

وَاجْعَلْ مَقِيْسًا ثَانِيًا لَا أَوَّلَا

وعلى هذا فالإضافة على معنى في والمعنى: شديد في خصومته، وإما جمع خصم كصعب وصعاب، وكلب وكلاب، وبحر وبحار، وكعب وكعاب؛ والمعنى: أشد المخاصمين في الخصومة.

{وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ} وفي "المختار" الحرث: الزرع، سمي الزرع حرثًا؛ لأنه يزرع، ثم يحرث، يقال: حرث يحرث حرثًا، من باب نصر، والحراث الزراع، وهو هنا بمعنى المحروث {وَالنَّسْلَ} الولد، يقال: نسل نسلًا - من باب ضرب - إذا كثر نسله، وسمي الولد نسلًا؛ لأنه ينسل؛ أي: يسقط من بطن أمه بسرعة، وهو هنا بمعنى المنسول.

{أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ} والعزة: القوة والغلبة، من عزه يعزه إذا غلبه، ومنه {وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ}. وقيل: العزة هنا الحمية، ومنه قول الشاعر:

أخَذَتْهُ عِزَّةٌ مِنْ جَهْلِهِ

فَتَوَلَّى مُغْضَبًا فَعَلَ الضَّجَرْ

وقيل: العزة هنا المنعة وشدة النفس، ومعنى:{أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ} حملته

ص: 251

العزة على الإثم. {الْمِهَادُ} : جمع المهد، وهو الموضع المهيأ للنوم، ومنه مهد الصبي، وسميت جهنم مهادًا؛ لأنها مستقر الكفار.

{مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ} ؛ أي: يبيع نفسه في مرضاة الله، يقال: شرى المال يشري - من باب رمى - إذا باع، ومنه قوله تعالى:{وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} وقد يكون يشري بمعنى: يشتري، لا بمعنى يبيع ويبذل، وهو المناسب لسبب نزول الآية. {ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} والمرضاة: مصدر ميمي بمعنى الرضا، تقول: رضي يرضى رضا ومرضاة، ضد سخط.

{فِي السِّلْمِ} بفتح السين وكسرها مع سكون اللام فيهما قال الكسائي: معناهما واحد الإِسلام والمسالمة، وقال أبو عمرو بن العلاء: إنه بالفتح للمسالمة، وبالكسر للإسلام، ورجح الطبري أنه هنا بمعنى الإِسلام. {كَافَّةً} بمعنى جميعًا، وهو مشتق من قولهم: كففت؛ أي: منعت؛ أي: لا يمتنع منكم أحد من الدخول في الإِسلام، وأصل الكف المنع، ولكن المراد به هنا الجميع كما مر آنفًا. {زَلَلْتُمْ} يقال: زل يزل زلا وزللا وزلولا إذا دحضت قدمه، وأصل الزلل في القدم، ثم استعمل في الاعتقادات والآراء، وغير ذلك.

{وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} بالبناء للمفعول وللفاعل، فـ {رجع} يستعمل لازمًا ومتعديًا، فالمبني للمفعول من المتعدي، ومصدره الرجع كالضرب، وهو الرد، والمبني للفاعل من اللازم، ومصدره الرجوع، على حد قول ابن مالك:

وَفَعَلَ اللَّازِمُ مِثْلُ قَعَدَا

لَهُ فُعُوْلٌ بِاطِّرَادٍ كَغَدَا

{سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} أصله: اسأل نقلت حركة الهمزة الثانية التي هي عين الكلمة إلى الساكن قبلها، ثم حذفت تخفيفًا، وحذفت همزة الوصل للاستغناء عنها، فصار وزنه: فل.

البلاغة

{وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ} معطوف على قوله: {لِيُفْسِدَ} من عطف

ص: 252

الخاص على العام؛ لأن الإفساد عام يكون بأنواع من الجور والقتل والنهب والسبي والكفر، ويدخل تحته إهلاك الحرث والنسل، وفائدة هذا العطف: الاهتمام بشأن هذا الخاص؛ لأنهما أعظم ما يحتاج إليه في عمارة الدنيا، فكان إفسادهما غاية الإفساد.

{أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ} فيه استعارة تصريحية تبعية، وتقريرها أن يقال: شبه حال حمية الجاهل، وحملها إياه على الإثم بحالة شخص له على غريمه حق، فيأخذه به ويلزمه إياه بجامع اللزوم في كل، ثم اشتق من الأخذ بمعنى الحمل أخذ بمعنى حمل على طريقة الاستعارة التصريحية التبعية، وفي قوله:{الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ} التتميم، وهو نوع من علم البديع؛ وهو عبارة عن إرداف الكلمة بأخرى ترفع عنها اللبس، وتقربها من الفهم، وذلك أن العزة تكون محمودة ومذمومة، فَمِنْ مجيئها محمودة قوله تعالى:{وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} ولو أطلقت .. لتوهم فيها بعض من لا دراية له أنها المحمودة، فقيل {بالإثم} توضيحًا للمراد. فرفع اللبس بها.

{وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} فهذا من باب التهكم والاستهزاء؛ أي: جعلت لهم جهنم غطاء ووطاء فأكرمهم بذلك كما تكرم الأم ولدها بالغطاء، والوطاء: اللين.

{هَلْ يَنْظُرُونَ} استفهام إنكاري في معنى النفي بدليل مجيء {إِلَّا} بعدها؛ أي: ما ينظرون، والاستفهام الإنكاري هو حمل المخاطب على الإنكار بأمر عُلِمَ عنده نفيه، والضمير في {يَنْظُرُونَ} عائد على المخاطبين بقوله:{فَإِنْ زَلَلْتُمْ} ففيه التفات من الخطاب إلى الغيبة، وفائدة هذا الالتفات: الإشعار بأن سوء صنيعهم موجب للإعراض عنهم، وحكاية جنايتهم لمن عداهم من أهل الإنصاف على طريق المهانة.

{فِي ظُلَلٍ} التنكير فيه للتهويل، فهي في غاية الهول والمهابة؛ لما لها من الكثافة التي تغم على الرائي ما فيها. {وَقُضِيَ الْأَمْرُ} فيه وضع الماضي موضع المستقبل، والأصل: ويقضي الأمر، وفائدته: الدلالة على أنه محقَّقٌ، فكأنه قد كان كقوله:{أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} .

ص: 253