الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والمراد (1) بالأهل: الزوجة والأولاد الذين تحت حجره دون الآباء والأخوة.
ومفهوم الآية: أن من كان من حاضري المسجد الحرام .. فلا هدي ولا صمام عليه وإن تمتع على ما قاله الشافعي ومن وافقه، وألحق بالتمتع في وجوب الدم أو بدله القارن بالسنة، وهو من أحرم بالحج والعمرة معًا، أو يدخل الحج عليها قبل الطواف كما مر.
{وَاتَّقُوا اللَّهَ} ؛ أي: خافوا الله تعالى بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه في الحج وفي غيره. {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} لمن خالف أمره، وتهاون بحدوده، وارتكب مناهيه.
197
- {الْحَجُّ} ؛ أي: وقت الحج {أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} ؛ أي: معروفات بين الناس، وهي شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة إلى طلوع فجر يوم النحر عند الشافعي.
فإن قلتَ: ما وجه جمع الأشهر مع أن الوقت شهران وعشر ليال؟
قلتُ: إنما جمعه؛ لأن المراد بالجمع ما فوق الواحد كما في قوله تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} ، أو أنه نزل بعض الشهر منزلة كله.
وأما وقت العمرة: فجميع السنة، وهذه الآية مخصصة لعموم آية:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ} حيث اقتضت أن جميع الأهلة وقت للحج.
تنبيه: واختلفت الأئمة في وقت الحج، وقال (2) الشافعي رحمه الله تعالى: وقت الحج: شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة، فيخرج وقته بطلوع فجر يوم النحر، وبه قال عبد الله بن مسعود، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم، ومن التابعين: الحسن، وابن سيرين، والشعبي، وعليه الثوري، وأبو ثور رحمهم الله تعالى.
(1) طبري.
(2)
الخازن.
وحجة الشافعي رحمه الله تعالى ومن وافقه: أن الحج يفوت بطلوع الفجر الثاني من يوم النحر، والعبادة لا تفوت مع بقاء وقتها، فدل على أن يوم النحر ليس من أشهر الحج، وأيضًا فإن الإحرام بالحج فيه لا يجوز، فدل على أنه وما بعده ليس من أشهر الحج.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: أشهر الحج: شوال وذو القعدة وعشرة أيامٍ من ذي الحجة آخرها يوم النحر، وبه قال ابن عمر، وعروة بن الزبير، وطاووس، وعطاء، والنخعي، وقتادة، ومكحول، وأبو حنيفة؛ وأحمد بن حنبل، وهي إحدى الروايتين عن مالك، وحجة هذا القول: أن يوم النحر هو يوم الحج الأكبر، ولأن فيه يقع طواف الإفاضة، وهو تمام أركان الحج، وهذا القول شاذ في مذهب الشافعي.
وقيل: إن أشهر الحج: شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله، وهو رواية عن ابن عمر وبه قال الزهري، وهي الرواية الأخرى عن مالك، وحجة هذا القول: أن الله تعالى ذكر أشهر الحج بلفظ الجمع وأقل الجمع المطلق ثلاث، ولأن كل شهر كان أوله من أشهر الحج كان آخره كذلك، وعلى هذا القول: يصح الإحرام في جميع ذي الحجة، وهذا القول أشذ وأبعد.
{فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} ؛ أي: فمن أوجب الحج على نفسه بالإحرام في هذه الأشهر عند الشافعي، أو بالتلبية، أو سوق الهدي عند أبي حنيفة؛ لأنه يقول لا يصح الشروع في الإحرام بمجرد النية حتى تنضم إليه التلبية أو سَوْق الهدي، ووجهه: أن الحج عبادة لها تحليل وتحريم، فلا بد من انضمام شيء إلى النية كتكبيرة الإحرام مع النية في الصلاة، وفي الآية: دليل على أن الإحرام بالحج لا ينعقد إلا في أشهره. {فَلَا رَفَثَ} ؛ أي: فلا جماع، أو فلا فحش من الكلام {وَلَا فُسُوقَ}؛ أي: ولا خروج عن حدود الشرع بالسباب وارتكاب المحظورات.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من حج ولم يرفث ولم يفسق .. رجع كيوم ولدته أمه" متفق عليه. {ولا جدال} ؛ أي:
ولا مراء ولا خصام مع الخدم والرفقة وغيرهما {فِي} أيام {الْحَجِّ} نفي الثلاثة على قصد النهي عنها للمبالغة، وإنما أمر باجتناب ذلك - وهو واجب الاجتناب - في كل حال؛ لأنه مع الحج أقبح، كلبس الحرير في الصلاة، والتطريب في قراءة القرآن.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {فلا رفثٌ ولا فسوقٌ} بالرفع والتنوين و {ولا جدال} بالفتح، والباقون قرؤوا الكل بالفتح، والمعنى على هذا: لا يكونن رفث ولا فسوق ولا خلاف في الحج، وذلك أن قريشًا كانت تخالف سائر العرب، فتقف بالمشعر الحرام، فارتفع الخلاف بأن أمروا بأن يقفوا بعرفات كسائر العرب، واستدل على أن المنهي عنه هو الرفث والفسوق دون الجدال بقوله صلى الله عليه وسلم:"من حج فلم يرفث ولم يفسق .. خرج من ذنبه كيوم ولدته أمه" فإنه صلى الله عليه وسلم لم يذكر الجدال.
ويروى عن عاصم برفع الثلاثة والتنوين، والعطاردي - شذوذًا - بنصب الثلاثة والتنوين. {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ} كصدقة وكترك المنهي عنه {يَعْلَمْهُ اللَّهُ}؛ أي: يقبله منكم ويجازيكم عليه خير الجزاء، ولا يخفى عليه شيء من أعمالكم.
ونزل في أهل اليمن وكانوا يحجون بلا زاد، فيكونون كلًّا على الناس {وَتَزَوَّدُوا}؛ أي: خذوا من الزاد ما يكفيكم لسفركم، واتقوا الاستطعام وإبرام الناس والتثقيل عليهم {فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ} وأفضله {التَّقْوَى}؛ أي: الاتقاء عن الإبرام، والتثقيل عليهم، والاستعفاف عن سؤالهم؛ أي: فإن خير الزاد ما يعفكم عن سؤال الناس، أو المعنى: تزودوا من التقوى لمعادكم، فإنها خير زاد، وهي فعل المأمورات وترك المنهيات {وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}؛ أي: خافوا عقابي بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات يا أصحاب العقول الكاملة الذين يعلمون حقائق الأمور، وقيل معناه: واشتغلوا بتقواي، وفيه: تنبيه على كمال عظمة الله جل جلاله.
واعلم: أن الإنسان لا بد له من سفر في الدنيا ولا بد فيه من زاد، ويحتاج فيه إلى الطعام والشراب والمركب، وسفر من الدنيا إلى الآخرة، ولا بد فيه من