المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الجمع اتباع؛ أي: الشهر الحرام والبلد الحرام وحرمة الإحرام. {قِصَاصٌ}؛ - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٣

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: الجمع اتباع؛ أي: الشهر الحرام والبلد الحرام وحرمة الإحرام. {قِصَاصٌ}؛

الجمع اتباع؛ أي: الشهر الحرام والبلد الحرام وحرمة الإحرام. {قِصَاصٌ} ؛ أي: يجري فيه قصاص وبدل؛ أي: فكما هتكوا حرمة شهركم بالصد والقتال .. فافعلوا بهم مثله، وادخلوا عليهم عنوة فاقتلوهم إن قاتلوكم، ولا تبالوا بالحرمات كما قال:{فَمَنِ اعْتَدَى} ؛ أي: تعدى {عَلَيْكُمْ} بالقتال في الحرم أو الإحرام، أو الشهر الحرام {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ}؛ أي: جازوه {بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} ؛ أي: بعقوبة مثل الجناية التي اعتدى عليكم بها، سمى المجازاة اعتداء للمشاكلة، وكان مقتضى الظاهر أن يقال: فمن اعتدى عليكم فقابلوه وجازوه بمثل ما اعتدى عليكم به {وَاتَّقُوا اللَّهَ} ؛ أي: خافوا الله في الانتصار ممن اعتدى عليكم، فلا تعتدوا إلى ما لم يرخص لكم فيه. {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} بالنصر والحفظ فيحرسهم ويصلح شأنهم.

والحاصل: أنه لما أباح لهم الاقتصاص بالمثل، وشأن النفس حب المبالغة في الانتقام .. حذرهم من ذلك فقال:{وَاتَّقُوا اللَّهَ} .

‌195

- {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ؛ أي: وابذلوا أموالكم وأنفسكم في طاعة الله ومراضيه سواء الجهاد وغيره، فالإنفاق (1): صرف المال في وجوه المصالح الدينية، كالإنفاق في الحج والعمرة، وصلة الرحم والصدقة، وفي الجهاد وتجهيز الغزاة، وعلى النفس والعيال وغير ذلك مما فيه قربة إلى الله تعالى؛ لأن كل ذلك مما هو في سبيل الله، لكن إذا أطلقت هذه اللفظة .. انصرفت إلى الجهاد {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ}؛ أي: ولا توقعوا ولا تطرحوا أنفسكم {إِلَى التَّهْلُكَةِ} ؛ أي: إلى الهلاك، وعبر بالأيدي عن الأنفس اكتفاء بالجزء الأهم؛ لأن بها البطش والحركة؛ أي: لا تلقوا أنفسكم إلى الهلاك بالإسراف وتضييع وجه المعاش، أو بالكف عن الغزو والإنفاق فيه؛ لأن به يقوى العدو، وتكثر المصائب في الدين والذل لأهله كما هو مشاهد، ومن أنفق أمواله ونفسه في سبيل الله .. فقد ألقى نفسه إلى العز الدائم في الدنيا والآخرة.

(1) خازن.

ص: 186

{وَأَحْسِنُوا} أعمالكم وأخلاقكم، أو أحسنوا في الإنفاق على من تلزمكم مؤنته بأن يكون ذلك الإنفاق وسطًا، فلا تسرفوا ولا تقتروا، أو أحسنوا الظن بالله في الإخلاف عليكم {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}؛ أي: يريد بهم الخير ويثيبهم على إحسانهم.

الإعراب

{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} .

{وَلَا تَأْكُلُوا} {الواو} استئنافية، {لا}: ناهية جازمة. {تَأْكُلُوا} : فعل وفاعل مجزوم بـ {لا} الناهية، والجملة مستأنفة. {أَمْوَالَكُمْ}: مفعول به ومضاف إليه. {بَيْنَكُمْ} : ظرف ومضاف إليه، والظرف متعلق بـ {تَأْكُلُوا} ، وعبارة (1) "السمين" هنا قوله:{بَيْنَكُمْ} : في هذا الظرف وجهان:

أحدهما: أن يتعلق بـ {تَأْكُلُوا} بمعنى لا تتناولوها فيما بينكم بالأكل.

والثاني: أنه متعلق بمحذوف؛ لأنه حال من {أَمْوَالَكُمْ} ؛ أي: لا تأكلوها كائنة بينكم.

{بِالْبَاطِلِ} : جار ومجرور متعلق بـ {تَأْكُلُوا} ، وفي "السمين" (2) قوله {بِالْبَاطِلِ}: فيه وجهان:

أحدهما: تعلقه بالفعل؛ أي: لا تأخذوها بالسبب الباطل.

والثاني: أن يكون حالًا فيتعلق بمحذوف، ولكن في صاحبها احتمالان: أحدهما: أنه المال، كأن المعنى لا تأكلوها متلبسة بالباطل.

والثاني: أنه الضمير في تأكلوا، كان المعنى لا تأكلوها مبطلين؛ أي: متلبسين بالباطل.

(1) جمل.

(2)

جمل.

ص: 187

{وَتُدْلُوا} : الواو: عاطفة. {تدلوا} : فعل وفاعل معطوف على {تَأْكُلُوا} مجزوم بـ {لا} الناهية. {بِهَا} : جار ومجرور متعلق بـ {تدلوا} . {إِلَى الْحُكَّامِ} : جار ومجرور متعلق بـ {تدلوا} أيضًا. {لِتَأْكُلُوا} : {اللام} : حرف جر وتعليل، {تأكلوا}: فعل وفاعل منصوب بـ {أن} مضمرة جوازًا بعد لام كي. {فَرِيقًا} : مفعول به. {مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ} : جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف صفة لـ {فَرِيقًا} ؛ تقديره: فريقًا كائنًا من أموال الناس، وجملة {تَأْكُلُوا} صلة {أن} المضمرة، {أن} مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ {لام} التعليل؛ تقديره: لأكلكم فريقًا {مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ} الجار والمجرور متعلق بـ {تدلوا} . {بِالْإِثْمِ} : جار ومجرور متعلق بقوله: {لِتَأْكُلُوا} ، وعبارة "السمين" قوله:{بِالْإِثْمِ} : يحتمل أن تكون {الباء} سببية، فتتعلق بقوله:{لِتَأْكُلُوا} ، وأن تكون للمصاحبة؛ فتكون حالًا من الفاعل في {لِتَأْكُلُوا} ، وتتعلق بمحذوف؛ أي: لتأكلوا ملتبسين بالإثم. {وَأَنْتُمْ} : الواو: حالية، {أنتم}: مبتدأ. {تَعْلَمُونَ} : فعل وفاعل، والجملة خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل النصب حال من فاعل {لِتَأْكُلُوا} ، وذلك على رأي من يجيز تعدد الحال، وأما من لا يجيز تعدده: فيجعل {بِالْإِثْمِ} غير حال.

{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} .

{يَسْأَلُونَكَ} : فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. {عَنِ الْأَهِلَّةِ}: جار ومجرور متعلق بـ {يسألون} . {قُلْ} : فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة. {هِيَ} ، مبتدأ. {مَوَاقِيتُ}: خبر، والجملة في محل النصب مقول القول. {لِلنَّاسِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لـ {مَوَاقِيتُ} ؛ تقديره: كائنات للناس. {وَالْحَجِّ} : معطوف على {النَّاسِ} .

{وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} .

{وَلَيْسَ} : الواو استئنافية، {ليس البرُّ}. فعل ناقص واسمه. {بِأَنْ تَأْتُوا}:{الباء} : زائدة. {أن} : حرف نصب ومصدر. {تَأْتُوا} : فعل وفاعل منصوب بـ {أن} . {الْبُيُوتَ} : مفعول به. {مِنْ ظُهُورِهَا} : جار ومجرور

ص: 188

ومضاف إليه متعلق بـ {تَأْتُوا} ، وجملة {تَأْتُوا} صلة {أن} المصدرية، {أن} مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على كونه خبر {ليس} تقديره: وليس البر إتيانكم البيوت من ظهورها، وجملة {ليس} مستأنفة.

{وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} .

{وَلَكِنَّ} : {الواو} عاطفة، {لكن} حرف نصب واستدراك. {الْبِرَّ}: اسمها {مَنِ} : اسم موصول في محل الرفع خبر {لكن} ، ولكنه على حذف مضاف؛ تقديره: ولكن البرَّ برُّ من اتقى كما مر في الحل، والجملة معطوفة على جملة {ليس البر}. {اتَّقَى}: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على {من} ، والجملة صلة الموصول. {وَأْتُوا}: الواو: عاطفة، {أتوا البيوت}: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة {وَلَيْسَ الْبِرُّ}. {مِنْ أَبْوَابِهَا}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ {أتوا} . {وَاتَّقُوا اللَّهَ} : {الواو} عاطفة، {اتَّقُوا اللَّهَ}: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة قوله:{وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} . {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} : {لعل} : حرف نصب وتعليل، والكاف: اسمها، وجملة {تُفْلِحُونَ}: خبرها، وجملة {لعل} في محل الجر بـ {لام} التعليل المقدرة المتعلقة بـ {اتقوا}؛ تقديره: واتقوا الله؛ لفوزكم وفلاحكم.

{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190)} .

{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} : {الواو} استئنافية. {قاتلوا} : فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. {فِي سَبِيلِ اللَّهِ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ {قاتلوا} {الَّذِينَ} : اسم موصول في محل النصب مفعول به. {يُقَاتِلُونَكُمْ} : فعل وفاعل ومفعول به، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. {وَلَا تَعْتَدُوا}:{الواو} عاطفة. {لا} : ناهية جازمة. {تَعْتَدُوا} : فعل وفاعل مجزوم بـ {لا} الناهية، والجملة معطوفة على جملة {قاتلوا}. {إِنَّ}: حرف نصب، {اللَّهَ}

ص: 189

اسمها {لَا} : نافية. {يُحِبُّ} : فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على {اللَّهَ} .

{الْمُعْتَدِينَ} مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر {إِنَّ} ، وجملة {إِنَّ} في محل الجر بلام التعليل.

{وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} .

{وَاقْتُلُوهُمْ} الواو: استئنافية، {اقتلوهم}: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة قوله: و {وَقَاتِلُوا} . {حَيْثُ} : ظرف مكان في محل النصب على الظرفية، والظرف متعلق بـ {اقتلوهم}. {ثَقِفْتُمُوهُمْ}: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ {حَيْثُ}. {وَأَخْرِجُوهُمْ}:{الواو} عاطفة، {أخرجوهم}: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة {وَاقْتُلُوهُمْ}. {مِنْ حَيْثُ} جار ومجرور متعلق بـ {أخرجوا}. {أَخْرَجُوكُمْ}: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ {حَيْثُ}. {وَالْفِتْنَةُ}: الواو: اعتراضية. {الفتنة} : مبتدأ. {أَشَدُّ} : خبر. {مِنَ الْقَتْلِ} : متعلق به، والجملة معترضة لا محل لها من الإعراب لاعتراضها بين المعطوف والمعطوف عليه.

{وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} .

{وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ} : الواو: عاطفة، {لا}: ناهية، {تقاتلوهم}: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة قوله:{وَلَا تَعْتَدُوا} ، مؤكدة لها ومفسرة. {عِنْدَ الْمَسْجِدِ}: ظرف ومضاف إليه. {الْحَرَامِ} : صفة لـ {الْمَسْجِدِ} ، والظرف متعلق بـ {تُقَاتِلُوهُمْ}. {حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ}:{حَتَّى} : حرف جر وغاية. {يُقَاتِلُوكُمْ} : فعل وفاعل ومفعول منصوب بـ {أن} مضمرة. {فِيهِ} : جار ومجرور متعلق به، والجملة صلة أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور بـ {حتى}؛ تقديره: إلى مقاتلتهم إياكم، الجار والمجرور متعلق بقوله:{وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ} .

{فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} .

ص: 190

{فَإِنْ} : الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفتم حكم ما إذا لم يقاتلوكم، وأردتم بيان حكم ما إذا قاتلوكم .. فأقول: إن قاتلوكم، {إن}: حرف شرط. {قَاتَلُوكُمْ} : فعل وفاعل ومفعول في محل الجزم بـ {إن} على كونه فعل شرط لها. {فَاقْتُلُوهُمْ} : {الفاء} : رابطة لجواب إن الشرطية وجوبًا. {اقتلوهم} : فعل وفاعل ومفعول في محل الجزم بـ {إن} على كونه جوابًا لها، وجملة {إن} الشرطية في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. {كَذَلِكَ}: جار ومجرور خبر مقدم. {جَزَاءُ} : مبتدأ مؤخر. {الْكَافِرِينَ} . مضاف إليه، والجملة مستأنفة.

{فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192)} .

{فَإِنِ} الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفت حكم ما إذا قاتلوا، وأردت بيان حكم ما إذا انتهوا .. فأقول لك: إن انتهوا، {إن}: حرف شرط. {انْتَهَوْا} : فعل وفاعل في محل الجزم بـ {إن} على كونه فعل الشرط. {فَإِنَّ} : {الفاء} : رابطة لجواب {إن} الشرطية، {إن}: حرف نصب وتوكيد. {اللَّهَ} : اسمها. {غَفُورٌ} : خبر أول لها. {رَحِيمٌ} : خبر ثان، وجملة إنَّ في محل الجزم بـ {إن} على كونها جوابًا لها، وجملة إن الشرطية في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.

{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} .

{وَقَاتِلُوهُمْ} الواو: استئنافية، {قاتلوهم}: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. {حَتَّى}: حرف جر وغاية. {لَا} : نافية. {تَكُونَ} : فعل مضارع تام منصوب بـ {أن} مضمرة. {فِتْنَةٌ} : فاعل، والجملة صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ {حَتَّى} بمعنى إلى المتعلقة بـ {قاتلوهم}؛ تقديره: وقاتلوهم إلى عدم فتنة وشرك. {وَيَكُونَ} : الواو: عاطفة، {يكون}: فعل مضارع معطوف على تكون، منصوب بـ {أن} مضمرة، ولكن يصح كونها ناقصة وتامة، وعلى كونها ناقصة:{الدِّينُ} : اسمها. {لِلَّهِ} : جار ومجرور متعلق

ص: 191

بمحذوف خبر {يكون} ؛ تقديره: ويكون الدين خالصًا لله، والجملة في محل الجر معطوفة على جملة {لَا تَكُونَ} تقديره: وقاتلوهم إلى عدم فتنة، وإلى كون الدين خالصًا لله.

{فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} .

{فَإِنِ} : {الفاء} : فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفت وجوب مقاتلتهم إلى عدم الفتنة، وأردت بيان حكم ما إذا انتهوا .. فأقول لك: إن انتهوا، {إن}: حرف شرط جازم. {انْتَهَوْا} : فعل وفاعل في محل الجزم بـ {إن} . {فَلَا عُدْوَانَ} : {الفاء} : رابطة لجواب إن وجوبًا. {لا} : نافية تعمل عمل إن. {عُدْوَانَ} : في محل النصب اسمها. {إِلَّا} : أداة استثناء مفرغ. {عَلَى الظَّالِمِينَ} : جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر {لا} ؛ تقديره: فلا عدوان كائن إلا على الظالمين، وجملة {لا} في محل الجزم بـ {إن} على كونها جوابًا لها، وجملة {إن} الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة.

{الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} .

{الشَّهْرُ} : مبتدأ. {الْحَرَامُ} : صفة له. {بِالشَّهْرِ} : جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ. {الْحَرَامِ} : صفة للشهر مجرور؛ والتقدير: الشهر الحرام مقابل الشهر الحرام، والجملة مستأنفة. {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ}: مبتدأ وخبر، والجملة معطوفة على جملة قوله:{الشَّهْرُ الْحَرَامُ} على كونها مستأنفة.

{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} .

{فَمَنِ} : {الفاء} : تفريعية، وهي التي كان ما قبلها علة لما بعدها. {من}: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط على الراجح. {اعْتَدَى}: فعل ماضٍ في محل الجزم بـ {من} على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على {من}. {عَلَيْكُمْ}: جار ومجرور متعلق بـ {اعْتَدَى} . {فَاعْتَدُوا} : {الفاء} : رابطة لجواب {مَن} الشرطية؛ لكون الجواب

ص: 192

جملة طلبية، {اعتدوا}: فعل وفاعل في محل الجزم بـ {من} على كونه جواب الشرط، وجملة {من} الشرطية معطوفة على جملة قوله {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ}؛ لأنها مفرعة عليها. {عَلَيْهِ}: جار ومجرور متعلق بـ {اعتدوا} . {بِمِثْلِ} : جار ومجرور متعلق أيضًا بـ {اعتدوا} .

وعبارة "السمين"(1) في هذه {الباء} قولان:

أحدهما: أن تكون غير زائدة، بل تكون متعلقة بـ {اعتدوا} ، والمعنى: بعقوبة مثل جناية اعتدائه.

والثاني: أنها زائدة؛ أي: مثل اعتدائه، فيكون نعتًا لمصدر محذوف، أي: اعتداء مماثلًا لاعتدائه، و {ما} يجوز أن تكون مصدرية، فلا تفتقر إلى عائد، وأن تكون موصولة، فيكون العائد محذوفًا، أي: بمثل ما اعتدى عليكم به، وجاز حذفه؛ لأن المضاف إلى الموصول قد جر بحرف جر، وبه العائد، واتحد المتعلقان. انتهى.

{وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} .

{وَاتَّقُوا اللَّهَ} : {الواو} استئنافية، {اتقوا الله}: فعل وفاعل ومفعول والجملة مستأنفة. {وَاعْلَمُوا} : الواو: عاطفة، {اعلموا}: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة {اتقوا}. {أَنَّ}: حرف نصب ومصدر، {اللَّهَ}. اسمها. {مَعَ الْمُتَّقِينَ}: ظرف ومضاف إليه متعلق بمحذوف خبر {أَنَّ} ، وجملة {أَنَّ} في تأويل مصدر سادٍّ مسد مفعولي {اعلموا}؛ تقديره: واعلموا كون الله مع المتقين.

{وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} .

{وَأَنْفِقُوا} : {الواو} استئنافية، {أَنْفِقُوا}: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. {فِي سَبِيلِ اللَّهِ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ {أنفقوا} . {وَلَا تُلْقُوا}

(1) جمل.

ص: 193

الواو: عاطفة، {لا}: ناهية جازمة، {تُلْقُوا}: فعل وفاعل مجزوم بـ {لا} الناهية، والجملة معطوفة على جملة {وَأَنْفِقُوا}. {بِأَيْدِيكُمْ}:{الباء} : زائدة، {أيديكم}: مفعول به ومضاف إليه. {إِلَى التَّهْلُكَةِ} : جار ومجرور متعلق بـ {تُلْقُوا} .

{وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} .

{وَأَحْسِنُوا} : {الواو} عاطفة، {أحسنوا}: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة {أنفقوا}. {إِنَّ}: حرف نصب وتوكيد. {اللَّهَ} : اسمها. {يُحِبُّ} : فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على {اللَّهَ}. {الْمُحْسِنِينَ}: مفعول به، وجملة {يُحِبُّ} في محل الرفع خبر {إِنَّ} ، وجملة {إن} في محل الجر بـ {لام} التعليل المقدرة؛ تقديره: وأحسنوا لمحبة الله المحسنين؛ أي: لطلب محبته إياكم.

التصريف ومفردات اللغة

{الباطل} : اسم فاعل من بطل الشيء يبطل بطولًا فهو باطل؛ أي: زائل ذاهب، والمراد هنا الطريق الحرام كالنهب والغصب {وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ} يقال: أدلى الدلو في البئر إذا أرسلها فيه؛ فهو من الرباعي المزيد، والمراد بالإدلاء هنا: المبادرة إلى الحكام بالخصومة، أو بالرشوة ليحكم له بالباطل.

{الْأَهِلَّةِ} : جمع هلال، وهو القمر أول ما يراه الناس ليلة أو ليلتين أو ثلاثًا كما مر، ثم يكون قمرًا، ثم بدرًا حين تكامل نوره، وأصل الأهلة: أهللة، نقلت كسرة اللام الأولى إلى الساكن قبلها، ثم أدغمت في اللام الأخرى، وهو جمع مقيس في فعال المضعف نحو عِنَان وأَعِنَّة، وشذ فيه (فعل) قالوا: عنن في عنان، وحجج في حجاج. {مَوَاقِيتُ} ؛ جمع ميقات، أصله: موقات قلبت {الواو} ياء لسكونها إثر كسرة، وهو الوقت كالميعاد بمعنى الوعد، وقيل: الميقات منتهى الوقت.

والفرق (1) بين الوقت والمدة والزمان: أن المدة المطلقة: امتداد حركة

(1) كرخي.

ص: 194

الفلك من مبدئها إلى منتهاها. والزمان: مدة منقسمة إلى الماضي والحال والمستقبل، والوقت: الزمان المفروض لأمر.

{بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ} البيوت (1) يقرأ: بضم الباء، وهو الأصل في الجمع على فعول، والمعتل كالصحيح، وإنما ضم أول هذا الجمع ليشاكل ضمة الثاني والواو بعده. ويقرأ بكسر الباء؛ لأن بعده ياء، والكسرة من جنس الباء، ولا يستثقل بالخروج من كسر إلى ضم؛ لأن الضمة هنا في الياء، والياء مقدرة بكسرتين، فكانت الكسرة في الياء كأنها وليت كسرة، وهكذا الخلاف في العيون والجيوب والشيوخ، ومن هنا جاز في التصغير الكسر، فيقال في بيت: بييت.

{حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} يقال: ثقُف الرجل - من باب ظرُف - إذا صار حاذقًا خفيفًا، فهو ثَقف مثل ضخُم فهو ضخم، ومنه الثقافة. وثقف من باب طرب لغةٌ فيه، فهو ثَقِفْ وثَقُف كعضد، وفي "القاموس": وثقفه كسمعه إذا أخذه أو ظفر به أو أدركه، وأصل الثقف الحذق في إدراك الشيء علمًا أو عملًا، وفيه معنى الغلبة.

{فَإِنِ انْتَهَوْا} وأصل انتهوا: انتهيوا استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان؛ فحذفت الألف وبقيت الفتحة تدل عليها.

{وَالْحُرُمَاتُ} جمع حرمة كالظلمات جمع ظلمة، وإنما جمع الحرمات؛ لأنه أراد الشهر الحرام والبلد الحرام وحرمة الإحرام، والحرمة ما منع الشرع من انتهاكه.

{التهلكة} مصدر (2) لهلك من باب ضرب، وفي "المختار" يقال: هلك الشيء يهلِك - بالكسر من باب ضرب - هلاكًا وهلوكًا وتهلُكةً بضم اللام، والاسم: الهلك بالضم، قال اليزيدي: التهلكة من نوادر المصادر، ليست مما يجري على القياس، وقيل (3): التهلكة ما أمكن التحرز منه، والهلاك ما لا يمكنه التحرز منه، وقيل: التهلكة الشيء المهلك، والهلاك حدوث التلف، وقيل:

(1) عكبري.

(2)

جمل.

(3)

البحر المحيط.

ص: 195

التهلكة كل ما تصير غايته إلى الهلاك.

البلاغة

{قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ} وقد جعل (1) بعض علماء المعاني هذا الجواب من الأسلوب الحكيم، وهو تلقي المخاطب بغير ما يَترقب مُنَبِّها على أنه الأولى بالقصد، ووجه ذلك أنهم سألوا عن أجرام الأهلة باعتبار زيادتها ونقصانها، فأجيبوا بالحكمة التي كانت تلك الزيادة والنقصان لأجلها؛ لكون ذلك أولى بأن يقصد السائل، وأحق بأن يتطلع لعلمه. انتهى.

لأنه من الأحكام الظاهرة (2) التي شأن الرسول التصدي لبيانها، وأما سبب اختلافه: فهو من قبيل المغيبات التي لا غرض للمكلف في معرفتها، ولا يليق أن تبين له.

{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} فالمراد بالسبيل دين الله؛ لأن السبيل في الأصل الطريق، ففيه استعارة تصريحية أصلية، حيث شبه دين الله بالسبيل بجامع الوصول إلى المقصود في كلٍّ.

{عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} المراد به الحرم كله، ففيه مجاز مرسل من إطلاق اسم الجزء على الكل.

{الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ} فيه مجاز بالحذف؛ تقديره: هتك حرمة الشهر الحرام له وقع منكم مقابلٌ بهتك حرمة الشهر الحرام الواقع منهم؛ لأنم قاتلوا المسلمين في عام الحدييبة قتالًا خفيفًا بالرمي بالسهام والحجارة.

{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} تسمية جزاء العدوان عدوانًا من قبيل المشاكلة؛ وهي الاتفاق في اللفظ مع الاختلاف في المعنى، كقوله:{وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} قال الزجاج: العرب تقول: ظلمني فلان فظلمته؛ أي: جازيته بظلمه.

{وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} فيه مجاز حيث أطلق الأيدى، وأراد الأنفس

(1) شوكاني.

(2)

جمل.

ص: 196

من إطلاق الجزء على الكل.

فائدة: وفي تفسير (1) التهلكة أقوال تسعة:

أحدها: ترك الجهاد والإخلاد إلى الراحة وإصلاح الأموال. قاله أبو أيوب.

الثاني: ترك النفقة في سبيل الله خوف العيلة. قاله حذيفة، وابن عباس، والحسن، وعطاء، وعكرمة، وابن جبير.

الثالث: التقحم في العدو بلا نكاية. قاله أبو القاسم البلخي.

الرابع: التصدق بالخبيث قاله عكرمة.

الخامس: الإسراف بإنفاق كل المال قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا} ، {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} . قاله أبو علي.

السادس: الانهماك في المعاصي ليأسه من قبول توبته، قاله البراء، وعبيدة السلماني.

السابع: القنوط من التوبة. قاله قوم.

الثامن: السفر للجهاد بغير زاد. قاله زيد بن أسلم، وقد فعل ذلك قوم فأداهم إلى الانقطاع في الطريق، أو إلى كونهم عالة على الناس،

التاسع: إحباط الثواب بالمن والرياء والسمعة، كقوله:{وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} وهذه الأقوال كلها تحتمل هذه الآية، والظاهر أنهم نهوا عن كل ما يؤول بهم إلى الهلاك في غير طاعة الله؛ يعني غير الجهاد.

والله أعلم

* * *

(1) البحر المحيط.

ص: 197

قال الله سبحانه جلَّ وعلا:

{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196) الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202) وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203)} .

المناسبة

لمّا ذكر الله سبحانه وتعالى في الآيات السابقة أحكام الصيام .. أردف ذلك بذكر أحكام الحج؛ لأن شهور الحج تأتي مباشرة بعد شهر الصيام، وأما آيات القتال التي فصلت بين آيات الصيام وآيات الحج: فقد ذكرت عرضًا لبيان حكم هام؛ وهو بيان الأشهر الحرم، وحكم القتال فيها فيما لو تعرض المشركون للمؤمنين، وهم في حالة الإحرام هل يباح لهم رد العدو عن أنفسهم والقتال في الأشهر الحرم؟ فقد وردت الآيات السابقة تبين حكمة الأهلة وأنها مواقيت للصيام والحج ثم بينت الآيات بعدها موقف المسلمين من القتال في الشهر الحرام،

ص: 198

وذلك حين أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم العمرة وصده المشركون ومنعوه من دخول مكة، ووقع صلح الحديبية، ثم لما أراد القضاء في العام القابل وخشي أصحابه غدر المشركين بهم، وهم في حالة الإحرام .. نزلت الآيات تبين أنه ليس لهم أن ينتهكوا هذه الحرمات على سبيل الابتداء، بل على سبيل القصاص ودفع العدوان، ثم عاد الكلام إلى أحكام الحج وحكم الإحصار فيه، فهذا هو الارتباط والمناسبة بين الآيات السابقة واللاحقة.

أسباب النزول

قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ

} أخرج ابن أبي حاتم عن صفوان بن أمية قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم متضمخًا بالزعفران، عليه جبة فقال: كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي، فأنزل الله:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} فقال صلى الله عليه وسلم: "أين السائل عن العمرة؟ " قال: ها أنا ذا، فقال له صلى الله عليه وسلم:"ألق عنك ثيابك، ثم اغتسل واستنشق ما استطعت، ثم ما كنت صانعًا في حجك فاصنعه في عمرتك".

قوله (1) تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا

} روى البخاري عن كعب بن عجرة رضي الله عنه أنه سئل عن قوله تعالى: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ} قال: حملت إلى النبي صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي، فقال:"ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا، أما تجد شاة" قلت: لا. قال: "صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام، واحلق رأسك"، فنزلت فيّ خاصة، وهي لكم عامة.

قوله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا

} الآية، روى البخاري، وغيره عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن متوكلون، فأنزل الله:{وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} .

قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ

} الآية، روى البخاري عن ابن عباس قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية فتأثموا أن

(1) لباب النقول.

ص: 199