المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

قوله تعالى: {مِنَ الْفَجْرِ} روى البخاري عن سهل بن سعيد - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٣

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: قوله تعالى: {مِنَ الْفَجْرِ} روى البخاري عن سهل بن سعيد

قوله تعالى: {مِنَ الْفَجْرِ} روى البخاري عن سهل بن سعيد قال: أنزلت {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} ولم ينزل {مِنَ الْفَجْرِ} وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعد {مِنَ الْفَجْرِ} فعلموا أنما يعني الليل والنهار.

قوله تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ ..} الآية، أخرج ابن جرير عن قتادة قال: كان الرجل إذا اعتكف، فخرج من المسجد: جامع إن شاء، فنزلت:{وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} .

التفسير وأوجه القراءة

‌183

- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} وصدَّقوا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وناداهم بالإيمان تنبيهًا لهم على استماع ما يلقى إليهم من هذا التكليف. {كُتِبَ}؛ أي: فرض {عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} ؛ أي: صيام شهر رمضان {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} ؛ أي: كتب عليكم كتابته على الذين سبقوا من قبلكم من الأنبياء وأممهم، من لدن آدم إلى عهدكم هذا، لكن لا كصومنا من كل وجه، فالتشبيه في الفرضية لا الكيفية والثواب.

والمعنى: أن الصوم عبادة قديمة؛ أي: في الزمن الأول ما أخلى الله أمة لم يفرضه عليهم كما فرضه عليكم، وأنتم متعبدون بالصيام في أيام كما تَعَبَّد من كان قبلكم به. وحكمة ذكر التشبيه: التأكيد في الأمر والتسلي بمن كان قبلنا، وذلك لأن الصوم عبادة شاقة، والشيء الشاق إذا عمَّ سهل عمله.

والصومُ لغةً: الإمساك عن الشيء، ولو عن الكلام كما في قول مريم:{إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} ؛ أي: صمت، وشرعًا: الإمساك عن المفطرات من الأكل والشرب وغيرهما في وقت مخصوص، وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية مخصوصة؛ وهي نية التقرب إلى الله تعالى. قال (1) الراغب: للصوم

(1) البحر المحيط.

ص: 151

فائدتان: رياضة الإنسان نفسه عما تدعوه إليه من الشهوات، والاقتداء بالملأ الأعلى على قدر الوسع.

وقيل (1): إن صيام شهر رمضان كان واجبًا على النصارى كما فرض علينا، فصاموا رمضان زمانًا، فربما وقع في الحر الشديد والبرد الشديد، وكان يشق ذلك عليهم في أسفارهم ويضرهم في معايشهم، فاجتمع رأي علمائهم ورؤسائهم أن يجعلوه في فصل من السنة معتدل بين الصيف والشتاء، فجعلوه في فصل الربيع، ثم زادوا فيه عشرة أيام كفارةً لما صنعوا، فصاموا أربعين يومًا، ثم بعد زمان اشتكى ملكهم فمه، فجعل لله عليه إن هو برأ من وجعه أن يزيد في صومهم أسبوعًا، فبرأ، فزاد فيه أسبوعًا، ثم مات ذلك الملك بعد زمان ووليهم ملك آخر، فقال: ما شأن هذه الثلاثة أيام؟ أتموها خمسين يومًا، فأتموه، وقيل: أصابهم موتان، فقالوا: زيدوا في صيامكم، فزادوا عشرًا قبله وعشرًا بعده.

وقيل: كان النصارى أولًا يصومون، فإذا أفطروا فلا يأكلون ولا يشربون ولا يطؤون إذا ناموا ثم انتبهوا، وكان ذلك في أول الإِسلام، ثم نسخ بسبب عمر وقيس بن صرمة كما مر. واختلف (2) المفسرون في وجه التشبيه ما هو، فقيل: هو قدر الصوم ووقته، فإن الله كتب على اليهود والنصارى صوم رمضان، فغيروا، وقيل: هو الوجوب فإن الله وجب على الأمم الصيام، وقيل: هو الصفة؛ أي: ترك الأكل والشرب، ونحوهما في وقت، فعلى الأول معناه: أن الله كتب على هذه الأمة صوم رمضان كما كتبه على الذين من قبلهم، وعلى الثاني: أن الله أوجب على هذه الأمة الصيام كما أوجبه على الذين من قبلهم وعلى الثالث: أن الله سبحانه أوجب على هذه الأمة الإمساك عن المفطرات كما أوجبه على الذين من قبلهم.

{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ؛ أي: لكي تخافون عقاب الله بصومكم وترككم للشهوات، فالرغبة في المطعوم والمنكوح أشد من الرغبة في غيرهما، والاتقاء

(1) خازن.

(2)

شوكاني.

ص: 152