الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الخامس
تقسيم السنة النبوية إلى فعلية وتركية
وأثر الجهل بهذا الأصل في الابتداع
من المعلوم عند الأصوليين أن السنة النبوية هي: ما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير.
وأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم جزء من السنة النبوية باعتبارها مصدراً من مصادر التشريع الإسلامي وأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم على أقسام:
منها الأفعال الجبلية التي صدرت عن الرسول عليه الصلاة والسلام بمقتضى خلقته وجبلته وطبيعته كلباسه وقعوده ونومه فهذه وأمثالها لا يجب على الأمة اتباعها.
ومن الأفعال ما كان خاصاً به صلى الله عليه وسلم كزواجه أكثر من أربعٍ من النساء فهذه لا تشاركه فيها الأمة بالاتفاق.
ومن الأفعال التي صدرت عنه ما كان بياناً لمجمل كبيانه للصلاة والصيام والزكاة فهذا بالاتفاق بين أهل العلم يكون البيان تابعاً للمُبَين في الحكم من وجوب أو ندب أو إباحة.
والأفعال التي صدرت عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعلمت صفة الفعل فجمهور العلماء على الاقتداء به على تلك الصفة فإن كان الفعل واجباً فالاقتداء به واجب وإن كان مندوباً فالاقتداء به مندوب وإن كان مباحاً فالاقتداء به مباحٌ.
وأما الأفعال التي صدرت عن الرسول صلى الله عليه وسلم وجهلت صفة حكمها أواجبة هي أو مندوبة أو مباحة فهي محل خلاف عند الأصوليين (1).
(1) أصول السرخسي 2/ 86، كشف الأسرار 3/ 200، حاشية التفتازاني على شرح العضد 2/ 22، فواتح الرحموت 2/ 180، شرح الكوكب المنير 2/ 178.
وهناك أفعال تركها الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يفعلها وهذه على نوعين:
الأول: أفعال تركها الرسول صلى الله عليه وسلم لعدم توفر الدواعي لفعلها كجمع المصحف وتضمين الصناع ونحوها قال الشاطبي: [أحدهما أن يسكت عنه لأنه لا داعية له تقتضيه ولا موجب يقدر لأجله كالنوازل التي حدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها لم تكن موجودة ثم سكت عنها مع وجودها وإنما حدثت بعد ذلك فاحتاج أهل الشريعة إلى النظر فيها وإجرائها على ما تقرر في كلياتها. وما أحدثه السلف الصالح راجع إلى هذا القسم كجمع المصحف وتدوين العلم وتضمين الصناع وما أشبه ذلك مما لم يجر له ذكر في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تكن من نوازل زمانه ولا عرض للعمل بها موجب يقتضيها. فهذا القسم جارية فروعه على أصوله المقررة شرعاً بلا إشكال فالقصد الشرعي فيها معروف من الجهات المذكورة قبل](1).
والثاني: أفعال تركها الرسول صلى الله عليه وسلم مع توفر الدواعي لفعلها ومع ذلك لم يفعلها فدل على أن المشروع فيها هو الترك لا الفعل كترك الأذان للعيدين وتركه صلاة ليلة النصف من شعبان وتركه التلفظ بالنية وتركه أن يقول للمأمومين قبل بدء الصلاة استحضروا النية وغير ذلك.
قال الشوكاني: [تركه صلى الله عليه وسلم للشيء كفعله له في التأسي به فيه].
وقال ابن السمعاني: [إذا ترك الرسول صلى الله عليه وسلم شيئاً وجب علينا متابعته فيه ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم لما ُقدم إليه الضب فأمسك عنه وترك أكله أمسك الصحابة وتركوه إلى أن قال لهم: إنه ليس بأرض قومي فأجدني أعافه وأذن لهم في أكله وهكذا تركه صلى الله عليه وسلم لصلاة الليل جماعة خشية أن تكتب على الأمة](2).
(1) الموافقات 2/ 409.
(2)
إرشاد الفحول ص 42.
وقال الشاطبي ما ملخصه: [إن سكوت الشارع عن الحكم الخاص أو تركه أمراً وموجبه المقتضي له قائم وسببه في زمان الوحي موجود ولم يحدد فيه الشارع أمراً زائداً على ما كان من الدين فهذا القسم باعتبار خصوصه هو البدعة المذمومة شرعاً لأنه لما كان الموجب لشريعة الحكم موجود ثم لم يشرع كان صريحاً في أن الزائد على ما ثبت هنالك بدعة مخالفة لقصد الشارع إذ فهم من قصده الوقوف عند ما حدّ هنالك بلا زيادة ولا نقصان منه](1).
قال الشيخ الألباني: [ومن المقرر عند ذوي التحقيق من أهل العلم أن كل عبادة مزعومة لم يشرعها لنا رسول الله بقوله ولم يتقرب هو بها إلى الله بفعله فهي مخالفة لسنته، لأن السنة على قسمين: سنة فعلية وسنة تركية، فما تركه صلى الله عليه وسلم من تلك العبادات فمن السنة تركها، ألا ترى مثلاً أن الأذان للعيدين ودفن الميت مع كونه ذكراً وتعظيماً لله عز وجل لم يجز التقرب به إلى الله عز وجل، وما ذلك إلا لكونه سنة تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد فهم هذا المعنى أصحابه صلى الله عليه وسلم فكثر عنه التحذير من البدع تحذيراً عاماً كما هو مذكور في موضعه حتى قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: (كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تعبدوها) وقال ابن مسعود رضي الله عنه: (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، عليكم بالأمر العتيق)](2).
وقال العلامة القسطلاني: [وتركه صلى الله عليه وسلم سنة كما أن فعله سنة فليس لنا أن نسوي بين فعله وتركه فنأتي من القول في الموضع الذي تركه بنظير ما أتى به في الموضع الذي فعله](3).
(1) الاعتصام 1/ 361.
(2)
حجة النبي صلى الله عليه وسلم ص 100 - 101.
(3)
الإبداع ص 36.
وقال ابن النجار الحنبلي: [التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم فعلك كما فعل لأجل أنه فعل وأما التأسي في الترك فهو أن تترك ما ترك لأجل أنه ترك](1).
وقال العلامة ابن القيم: [فصل نقل الصحابة ما تركه صلى الله عليه وسلم وأما نقلهم لتركه صلى الله عليه وسلم فهو نوعان وكلاهما سنة. أحدهما: تصريحهم بأنه ترك كذا وكذا ولم يفعله، كقوله في شهداء أحد: ولم يغسلهم ولم يصل عليهم. وقوله في صلاة العيد: لم يكن أذان ولا إقامة ولا نداء. وقوله في جمعه بين الصلاتين: ولم يسبح بينهما ولا على إثر واحدة منهما. ونظائره.
والثاني: عدم نقلهم لما لو فعله لتوفرت هممهم ودواعيهم أو أكثرهم أو واحد منهم على نقله فحيث لم ينقله واحد منهم البتة ولا حدث به في مجمع أبداً علم أنه لم يكن وهذا كتركه التلفظ بالنية عند دخوله في الصلاة أو تركه الدعاء بعد الصلاة مستقبل المأمومين وهم يؤمنون على دعائه دائماً بعد الصبح والعصر أو في جميع الصلوات وتركه رفع يديه كل يوم في صلاة الصبح بعد رفع رأسه من الركوع الثانية، وقوله: اللهم اهدنا فيمن هديت. يجهر بها ويقول المأمومون كلهم: آمين. ومن الممتنع أن يفعل ذلك ولا ينقله عنه صغير ولا كبير ولا رجل ولا امرأة البتة وهو مواظب عليه هذه المواظبة لا يخل به يوماً واحداً وتركه الاغتسال للمبيت بمزدلفة ولرمي الجمار ولطواف الزيارة ولصلاة الاستسقاء والكسوف.
ومن هاهنا يعلم أن القول باستحباب ذلك خلاف السنة فإن تركه صلى الله عليه وسلم سنة كما أن فعله سنة فإذا استحببنا فعل ما تركه كان نظير استحبابنا ترك ما فعله ولا فرق.
فإن قيل: من أين لكم أنه لم يفعله وعدم النقل لا يستلزم نقل العدم؟
(1) شرح الكوكب المنير 2/ 196.
فهذا سؤال بعيد جداً عن معرفة هديه وسنته وما كان عليه ولو صح هذا السؤال وقُبل لاستحب لنا مستحب الأذان للتراويح، وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ واستحب لنا مستحب آخر الغسل لكل صلاة، وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ واستحب لنا مستحب آخر النداء بعد الأذان للصلاة يرحمكم الله ورفع بها صوته وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟
واستحب لنا آخر لبس السواد والطرحة للخطيب وخروجه بالشاويش يصيح بين يديه. ورفع المؤذنين أصواتهم كلما ذكر الله واسم رسوله جماعة وفرادى وقال: من أين لكم أن هذا لم ينقل؟ واستحب لنا آخر صلاة ليلة النصف من شعبان أو ليلة أول جمعة من رجب وقال: من أين لكم أن إحياءهما لم ينقل؟ وانفتح باب البدعة وقال كل من دعا إلى بدعة من أين لكم أن هذا لم ينقل؟] (1).
وقال الشاطبي: [والثاني أن يسكت عنه وموجبه المقتضي له قائم فلم يقرر فيه حكم عند نزول النازلة زائد على ما كان في ذلك الزمان فهذا الضرب السكوت فيه كالنص على أن قصد الشارع أن لا يزاد فيه ولا ينقص لأنه لما كان هذا المعنى الموجب لشرع الحكم العملي موجوداً ثم لم يشرع الحكم دلالة عليه كان ذلك صريحاً في أن الزائد على ما كان هنالك بدعة زائدة ومخالفة لما قصده الشارع إذ فهم من قصده الوقوف عند ما حد هنالك لا الزيادة عليه ولا النقصان منه](2).
وقال الشاطبي أيضاً: [وتقرير السؤال أن يقال في البدع مثلاً إنها فعل ما سكت الشارع عن فعله أو ترك ما أذن في فعله، أو تقول: فعل ما سكت الشارع عن الأذن فيه أو ترك ما أذن في فعله أو أمر خارج عن ذلك. فالأول كسجود الشكر عند مالك حيث لم يكن ثم دليل على فعله والدعاء بهيئة الاجتماع في أدبار الصلوات والاجتماع للدعاء
(1) إعلام الموقعين 2/ 389 - 391.
(2)
الموافقات 2/ 410.
بعد العصر يوم عرفه في غير عرفات والثاني كالصيام مع ترك الكلام ومجاهدة النفس بترك مأكولات معينة والثالث كإيجاب شهرين متتابعين في الظهار لواجد الرقبة. وهذا الثالث مخالف للنص الشرعي فلا يصح بحال فكونه بدعة قبيحة بيّن.
وأما الضربان الأولان وهما في الحقيقة فعل أو ترك لما سكت الشارع عن فعله أو تركه فمن أين يعلم مخالفتهما لقصد الشارع أو أنهما مما يخالف المشروع؟ وهما لم يتواردا مع المشروع على محل واحد بل هما في المعنى كالمصالح المرسلة والبدع إنما أحدثت لمصالح يدعيها أهلها ويزعمون أنها غير مخالفة لقصد الشارع ولا لوضع الأعمال أما القصد فمسلم بالفرض وأما الفعل فلم يشرع الشارع فعلاً نوقض بهذا العمل المحدث ولا تركاً لشيء فعله هذا المحدث كترك الصلاة وشرب الخمر بل حقيقته أنه أمر مسكوت عنه عند الشارع والمسكوت من الشارع لا يقتضي مخالفة ولا يفهم للشارع قصداً معيناً دون ضده وخلافه فإذا كان كذلك رجعنا إلى النظر في وجوه المصالح فما وجدنا فيه مصلحة قبلناه إعمالاً للمصالح المرسلة وما وجدنا فيه مفسدة تركناه إعمالاً للمصالح أيضاً وما لم نجد فيه هذا ولا هذا فهو كسائر المباحات إعمالاً للمصالح المرسلة أيضاً.
فالحاصل أن كل محدثة يفرض ذمها تساوي المحدثة المحمودة في المعنى فما وجه ذم هذه ومدح هذه؟ ولا نص يدل على مدح ولا ذم على الخصوص.
وتقرير الجواب ما ذكره مالك وأن السكوت عن حكم الفعل أو الترك هنا - إذا وجد المعنى المقتضي للفعل أو الترك إجماع من كل ساكت على أن لا زائد على ما كان. وهو غاية في هذا المعنى قال ابن رشد: الوجه في ذلك أنه لم يره مما شرع في الدين - يعني سجود الشكر - لا فرضاً ولا نفلاً إذ لم يأمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ولا فعله ولا أجمع المسلمون على اختيار فعله والشرائع لا تثبت إلا من أحد هذه الوجوه قال: واستدلاله على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك ولا المسلمون بعده بأن ذلك لو كان
لنقل، صحيح إذ لا يصح أن تتوفر دواعي المسلمين على ترك نقل شريعة من شرائع الدين وقد أمروا بالتبليغ، قال: وهذا أصل من الأصول
…
وهو أصل صحيح إذا اعتبر وضح به الفرق بين ما هو من البدع وما ليس منها ودل على أن وجود المعنى المقتضى مع عدم التشريع دليل على قصد الشارع إلى عدم الزيادة على ما كان موجوداً قبل، فإذا زاد الزائد ظهر أنه مخالف لقصد الشارع فبطل (1).
ومن أوضح الأمثلة التي ساقها شيخ الإسلام ابن تيمية على هذا القسم وهو ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم مع قيام المقتضى له الأذان للعيدين فينبغي تركه وإن كان فيه مصلحة ظاهرة وهي دعوة الناس للصلاة وإعلامهم بها فهو غير مشروع ما دام أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تركه رغم دخوله تحت بعض العمومات كما وضحه شيخ الإسلام بقوله: [الأذان في العيدين فإن هذا لما أحدثه بعض الأمراء أنكره المسلمون لأنه بدعة فلو لم يكن كونه بدعه دليلاً على كراهته وإلا لقيل هذا ذكر لله ودعاء للخلق إلى عبادة الله فيدخل في العمومات كقوله تعالى: (اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا) وقوله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ) أو يقاس على الأذان في الجمعة فإن الاستدلال على حسن الأذان في العيدين أقوى من الاستدلال على حسن أكبر البدع بل يقال: ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم له مع وجود ما يعتقد مقتضياً وزوال المانع سنة كما أن فعله سنة.
فلما أمر بالأذان في الجمعة وصلى العيدين بلا أذان ولا إقامة كان ترك الأذان فيهما سنة فليس لأحد أن يزيد في ذلك بل الزيادة في ذلك كالزيادة في أعداد الصلاة وأعداد الركعات أو الحج فإن رجلاً لو أحب أن يصلي الظهر خمس ركعات وقال: هذا زيادة عمل صالح لم يكن له ذلك
…
وليس له أن يقول: هذه بدعة حسنة، بل
(1) الموافقات 2/ 411 - 414.
يقال له: كل بدعة ضلالة ونحن نعلم أن هذا ضلالة قبل أن نعلم نهياً خاصاً عنها أو أن نعلم ما فيها من المفسدة.
فهذا مثال لما حدث مع قيام المقتضى له وزوال المانع لو كان خيراً، فإن كل ما يبديه المحدث لهذا من المصلحة أو يستدل به من الأدلة قد كان ثابتاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع هذا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا الترك سنة خاصة مقدمة على كل عموم وكل قياس.
ومثال ما حدثت الحاجة إليه من البدعة بتفريط من الناس تقديم الخطبة على الصلاة في العيدين فإنه لما فعله بعض الأمراء أنكره المسلمون لأنه بدعة واعتذار من أحدثه بأن الناس قد صاروا ينفضون قبل سماع الخطبة وكانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينفضون حتى يسمعوا أو أكثرهم فيقال له: سبب هذا تفريطك فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطبهم خطبة يقصد بها نفعهم وتبليغهم وهدايتهم وأنت تقصد إقامة رياستك وإن قصدت صلاح دينهم فلست تعلمهم ما ينفعهم فهذه المعصية منك لا تبيح لك إحداث معصية أخرى بل الطريق في ذلك أن تتوب إلى الله وتتبع سنة نبيه وقد استقام الأمر وإن لم يستقم فلا يسألك الله عز وجل إلا عن عملك لا عن عملهم.
وهذان المعنيان من فهمهما انحل عنه كثير من شبه البدع الحادثة) (1).
إن الجهل بهذا الأصل المهم أوقع كثيراً من الناس في البدع فانظر إلى البدع التي يفعلها الناس اليوم ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تركها مع أن الدواعي لفعلها كانت موجودة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فانظر إلى تلفظ كثير من المصلين بالنية فتسمع الواحد منهم يقول بصوت مرتفع: نويت أن أصلي أربع ركعات فرض صلاة الظهر مقتدياً
…
الخ ولم يؤثر مثل ذلك عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا علمه لأحد من أصحابه كما في حديث المسيء
(1) اقتضاء الصراط المستقيم ص 279 - 281.
صلاته حيث قال له النبي صلى الله عليه وسلم إذا قمت إلى الصلاة فكبر .. الخ رواه أصحاب السنن وهو حديث صحيح. ولم يقل قل نويت أن أصلي كذا وكذا فلو كان ذلك مشروعاً لعلمه النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الرجل فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما هو معلوم عند الأصوليين.
وكذلك قراءة القرآن الكريم على القبور رحمة بالميت تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قيام المقتضي للفعل وهو الشفقة على الميت وعدم المانع منه فتركه هو السنة وفعله بدعة مذمومة.
وكيف يعقل أن يترك الرسول صلى الله عليه وسلم شيئاً نافعاً يعود على أمته بالرحمة؟ وهو بالمؤمنين رؤوف رحيم. فهل يعقل أن يكون هذا باباً من أبواب الرحمة ويتركه الرسول صلى الله عليه وسلم طوال حياته ولا يقرأ على ميت مرة واحدة؟
وكذلك الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم تركه ولم يفعله وكذا تركه الصحابة الأجلاء مع توفر الدواعي لفعله فإن يوم ميلاده كان يتكرر كل عام ومع ذلك لم يحتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمولده ولا أمر أحداً من الصحابة بالاحتفال بذكرى مولده كما أمرهم بالصلاة والسلام عليه كما هو معروف فدل تركه ذلك على أن الاحتفال بمولده غير مشروع.
إذ لو كان الاحتفال بالمولد مشروعاً لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولفعله.
ولو كان الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم مشروعاً لسبقنا إليه الصحابة رضي الله عنهم فوالله لقد كانوا أشد حباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثر أدباً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسلمين الذين يحتفلون بالمولد.
ثم إن بدعة الاحتفال بالمولد حدثت بعد مئات السنين على الإسلام فأين كان المسلمون طوال هذه السنوات الطويلة؟ فقد قيل إن أول من احتفل بالمولد هو صاحب إربل الملك العظيم مظفر الدين كوكبرى الذي توفي سنة 630 هجري.
والسؤال أين كان العلماء والعباد والمسلمون طوال ستمائة عام؟ لماذا لم يحتفلوا بالمولد؟ وأين كان أهل القرون الثلاثة الأولى؟ وقد شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيرية في قوله: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذي يلونهم) رواه البخاري ومسلم واللفظ له (1).
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [
…
فأما ما اتفق السلف على تركه فلا يجوز العمل به لأنهم ما تركوه إلا على علم أنه لا يعمل] (2).
وخلاصة الأمر أنه لا يجوز لأحد أن يأتي بعبادة لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كما قال حذيفة: (كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تعبدوها) ومعنى كلام حذيفة رضي الله عنه أي لا تتقربوا بها إلى الله عز وجل ذلك لأنها ليست عبادة أنتم تظنونها عبادة ولكن الدليل على أنها ليست عبادة لأنها لو كانت عبادة لجاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم (3).
(1) صحيح البخاري مع الفتح 6/ 187، صحيح مسلم مع شرح النووي 6/ 68.
(2)
فضل علم السلف على الخلف ص 31 نقلاً عن البدعة وأثرها السيء ص 18.
(3)
انظر فتاوى الألباني ص 188.