الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث عشر
بدعة الاحتفال بالإسراء والمعراج
جرت عادة المسلمين في هذه الديار وغيرها على الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج في السابع والعشرين من شهر رجب من كل عام وفي هذا اليوم تعطل الدوائر والمؤسسات والمدارس والجامعات وتقام الاحتفالات في المساجد وقبل بيان بدعية هذه الاحتفالات أقول إن حادثة الإسراء والمعراج حق وصدق لا شك في ذلك ولا ريب وقد ثبت ذلك بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وأشارت إلى ذلك أول آية من سورة الإسراء حيث يقول الله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الاقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْءَايَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(1).
وأما أنه صلى الله عليه وسلم أسري به في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب فلم يثبت ذلك بسند صحيح فقد اختلف العلماء في وقت الإسراء والمعراج على أقوال كثيرة، قال الحافظ ابن حجر:[وذهب الأكثر إلى أنه كان بعد المبعث ثم اختلفوا فقيل قبل الهجرة بسنة قاله ابن سعد وغيره وبه جزم النووي وبالغ ابن حزم فنقل الإجماع فيه وهو مردود فإن في ذلك اختلافاً كثيراً يزيد على عشرة أقوال](2).
ثم ذكر الحافظ هذه الأقوال وهي:
1.
قبل الهجرة بثمانية أشهر.
2.
قبل الهجرة بستة أشهر.
3.
قبل الهجرة بسنة.
4.
قبل الهجرة بأحد عشر شهراً.
(1) سورة الإسراء آية 1.
(2)
فتح الباري 8/ 201.
5.
قبل الهجرة بسنة وشهرين.
6.
قبل الهجرة بسنة وخمسة أشهر.
7.
قبل الهجرة بثمانية عشر شهراً.
8.
قبل الهجرة بثلاث سنوات.
9.
قبل الهجرة بخمس سنوات.
وكما أنهم اختلفوا في تحديد السنة التي حدثت فيها حادثة الإسراء والمعراج فكذلك اختلفوا في الشهر الذي وقعت فيه، فقيل:
كان ذلك في السابع والعشرين من رجب. وقيل في شهر رمضان. وقيل في شهر شوال. وقيل في شهر ربيع الأول. وقيل في شهر ربيع الثاني. وقد ذكر هذه الأقوال كلها الحافظ ابن حجر (1).
وقال الإمام أبو الخطاب ابن دحية: [وذكر بعض القصاص أن الإسراء كان في رجب وذلك عند أهل التعديل والتجريح عين الكذب. قال الإمام أبو إسحاق الحربي: أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الأول](2).
وقد بحث المسألة أيضاً الإمام القرطبي في تفسيره وذكر الاختلاف الكبير في تحديد وقت الإسراء والمعراج وزاد أنه قد روي أن الإسراء كان بعد مبعثه بخمس سنين (3).
وأضاف الحافظ ابن كثير أن من العلماء من يرى أن الإسراء والمعراج وقع قبل الهجرة بستة عشر شهراً وكان ذلك في شهر ذي القعدة وذكر أن بعض الناس ادعى أن ذلك كان أول ليلة جمعة من شهر رجب وعقب على ذلك بأنه لا أصل (4).
(1) فتح الباري 8/ 280.
(2)
أداء ما وجب من بيان وضع الوضاعين في رجب ص 53 - 54.
(3)
تفسير القرطبي 10/ 210.
(4)
البداية والنهاية 3/ 107.
وقال العلامة أبو شامة المقدسي: [وذكر بعض القصاص أن الإسراء كان في رجب وذلك عند أهل التعديل والتجريح عين الكذب](1)، وهذه العبارة سبقت في كلام ابن دحية.
وقال الإمام النووي: [وكان الإسراء سنة خمس أو ست من النبوة وقيل سنة اثنتي عشرة منها وقيل بعد سنة وثلاثة أشهر منها وقيل غير ذلك. وكان ليلة السابع والعشرين من شهر ربيع الأول](2).
وقال العلامة ابن القيم ناقلاً عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية: [ولم يقم دليل معلوم لا على شهرها ولا على عشرها ولا على عينها بل النقول في ذلك منقطعة مختلفة ليس فيها ما يقطع به ولا شرع للمسلمين تخصيص الليلة التي يظن أنها ليلة الإسراء بقيام ولا غيره](3).
وقال العلامة ابن القيم أيضاً: [ولا يجوز لأحد أن يتكلم فيها بلا علم ولا يعرف عن أحد من المسلمين أنه جعل لليلة الإسراء فضيلة على غيرها لا سيما على ليلة القدر ولا كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يقصدون تخصيص ليلة الإسراء بأمر من الأمور ولا يذكرونها ولهذا لا يعرف أي ليلة كانت وإن كان الإسراء من أعظم فضائله
(1) الباعث ص 116.
(2)
فتاوى الإمام النووي ص 28.
(3)
زاد المعاد 1/ 57.
ومع هذا فلم يشرع تخصيص ذلك الزمان ولا ذلك المكان بعبادة شرعية بل غار حراء الذي ابتدأ فيه بنزول الوحي وكان يتحراه قبل النبوة لم يقصده هو ولا أحد من أصحابه بعد النبوة مدة مقامه بمكة ولا خص اليوم الذي أنزل فيه الوحي بعبادة ولا غيرها ولا خص المكان الذي ابتدأ فيه بالوحي ولا الزمان بشيء ومن خص الأمكنة والأزمنة من عنده بعبادات لأجل هذا وأمثاله كان من جنس أهل الكتاب الذين جعلوا زمان أحوال المسيح مواسم وعبادات كيوم الميلاد ويوم التعميد وغير ذلك من أحواله وقد رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه جماعة يتبادرون مكاناً يصلون فيه فقال: ما هذا؟ قالوا: مكان صلَّى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد؟ إنما هلك من كان قبلكم بهذا، فمن أدركته فيه الصلاة فليصل وإلا فليمض] (1) وقد ذكر محققا الكتاب أن أثر ابن عمر أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف وسنده صحيح (2).
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [وقد روي أنه كان في شهر رجب حوادث عظيمة ولم يصح شيء من ذلك فروي أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد في أول ليلة منه وأنه بعث في السابع والعشرين منه وقيل في الخامس والعشرين ولا يصح شيء من ذلك وروي بإسناد لا يصح عن القاسم بن محمد أن الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم كان في سابع وعشرين من رجب وأنكر ذلك إبراهيم الحربي وغيره وروي عن قيس بن عباد قال: في اليوم العاشر من رجب](3).
وبعد هذا العرض للأقوال الواردة في وقت حادثة الإسراء والمعراج أقول إنه لم يثبت بحديث صحيح ولا خبر صحيح عن صحابي توقيت هذه الحادثة لا في السابع
(1) زاد المعاد 1/ 58 - 59.
(2)
المصدر السابق 1/ 59.
(3)
لطائف المعارف ص 233.
والعشرين من رجب ولا غيره وبناء على ذلك، فإن تحديد السابع والعشرين من رجب على أنه وقتها غير صحيح وينقصه الدليل الثابت وقد رأينا أن أهل العلم لم يثبتوا تلك الروايات الواردة في تعيين وقت هذه الحادثة وحتى لو سلمنا جدلاً أن وقت حادثة الإسراء والمعراج معلوم لا يجوز للمسلمين الاحتفال بهذه المناسبة لأن ذلك لم يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يجوز لهم أن يعتبروها عيداً من أعياد المسلمين تتعطل فيه الأعمال وتقام فيه الاحتفالات لأن ذلك زيادة في الدين وشرع لم يأذن به الله.
قال الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز: [وهذه الليلة التي حصل فيها الإسراء والمعراج لم يأت في الأحاديث الصحيحة تعيينها وكل ما ورد في تعيينها فهو غير ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل العلم بالحديث ولله الحكمة البالغة في إنساء الناس لها ولو ثبت تعيينها لم يجز للمسلمين أن يخصوها بشيء من العبادات فلم يجز لهم أن يحتفلوا بها لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم لم يحتفلوا بها ولم يخصوها بشيء ولو كان الاحتفال بها أمراً مشروعاً لبينه الرسول صلى الله عليه وسلم للأمة إما بالقول أو الفعل ولو وقع شيء من ذلك لعرف واشتهر ولنقله الصحابة رضي الله عنهم إلينا فقد نقلوا عن نبيهم صلى الله عليه وسلم كل شيء تحتاجه الأمة ولم يفرطوا في شيء من الدين بل هم السابقون إلى كل خير فلو كان الاحتفال بهذه الليلة مشروعاً لكانوا أسبق الناس إليه والنبي صلى الله عليه وسلم هو أنصح الناس للناس وقد بلَّغ الرسالة غاية البلاغ وأدى الأمانة فلو كان تعظيم هذه الليلة والاحتفال بها من دين الإسلام لم يغفله النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكتمه فلما لم يقع شيء من ذلك علم أن الاحتفال بها وتعظيمها ليس من الإسلام في شيء وقد أكمل الله لهذا الأمة دينها وأتم عليها النعمة وأنكر على من شرع في الدين ما لم يأذن به الله قال سبحانه وتعالى في كتابه المبين من سورة المائدة: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاسْلامَ دِينًا)، وقال عز وجل في سورة الشورى (أَمْ لَهُمْ
شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة التحذير من البدع والتصريح بأنها ضلالة تنبيهاً للأمة على عظم خطرها وتنفيراً لهم من اقترافها ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وفي رواية لمسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته يوم الجمعة: أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة)] (1).
وقال الشيخ علي محفوظ: [ومنها ليلة المعراج التي شرف الله تعالى هذه الأمة بما شرع لهم فيها وقد تفنن أهل هذا الزمان بما يأتونه في هذه الليلة من المنكرات وأحدثوا فيها من أنواع البدع ضروباً كثيرة كالاجتماع في المساجد وإيقاد الشموع والمصابيح فيها وعلى المنارات مع الإسراف في ذلك واجتماعهم للذكر والقراءة وتلاوة قصة المعراج وكان ذلك حسناً لو كان ذكراً وقراءة وتعليم علم لكنهم يلعبون في دين الله فالذاكر على ما عرفت والقارئ على ما سمعت فيزيد فيه ما ليس منه وينقص منه ما هو فيه وما أحسن سير السلف فإنهم كانوا شديدي المداومة على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم لا يخرجون عن الثابت قيد شعرة ويعتقدون الخروج عنه ضلالة لا سيما عصر الصحابة ومن بعدهم من أهل القرون الثلاثة المشهود لهم بالخير رضي الله عنهم أجمعين](2).
(1) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية 3/ 45.
(2)
الإبداع ص 272.