الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني عشر
بدعة الاحتفال بعيد الميلاد
من البدع المنكرة التي انتشرت بين الناس إقامة حفلات عيد الميلاد لأبنائهم وبناتهم فكلما مرّ عام على موعد ولادة الشخص ابناً كان أو بنتاً أو زوجاً أو زوجة يقيمون له حفلة عيد ميلاد فيصنعون الحلوى وما يسمى بكعكة عيد الميلاد ويضعون عليها الشموع بعدد سنوات العمر التي مضت وينشدون أنشوده مخصوصة لهذا الاحتفال باللغة الإنجليزية، وهي:
…
Happy birth day to you
…
وهذا الاحتفال بدعةٌ ومنكرٌ وتشبهٌ بالنصارى فإن أصل فكرة عيد الميلاد نبتت من النصارى الذين يحتفلون بعيد ميلاد عيسى عليه السلام في كل عام، فتقام له الاحتفالات في الكنائس في أواخر الشهر الأخير من العام الميلادي عند بعض طوائف النصارى وتحتفل طوائف أخرى به في أوائل الشهر الأول من العام ومما يؤسف له أن بعض المسلمين يشاركون في هذه الاحتفالات معهم في كنائسهم، وآخرون من المسلمين يقيمون حفلات الرقص والغناء في هذه الأيام ويتخلل هذه الاحتفالات كثير من المنكرات أقلها اختلاط الرجال بالنساء المتبرجات ويتخللها الرقص وشرب الخمور وأمور أخرى يخجل الإنسان من ذكرها فنسأل الله العفو والعافية.
وقد حذر العلماء منذ عهد بعيد من مشاركة المسلمين لأهل الكتاب في احتفالاتهم الدينية وشعائرهم ويظهر من استقراء الكتب التي تحدثت عن هذه المسألة أن بعض العوام من المسلمين ممن ضعف إيمانهم وكثر جهلهم بأحكام الإسلام كانوا يشاركون
النصارى احتفالاتهم أو يظهرون مظاهر عيدهم فقد حذر الإمام أبو بكر الطرطوشي المتوفى سنة 530 هـ المسلمين من المشاركة في هذه الاحتفالات (1).
وكذلك فعل شيخ الإسلام ابن تيمية المتوفى سنة 728 هـ وتلميذه العلامة ابن القيم والشيخ إدريس التركماني وكذلك فعل جلال الدين السيوطي وغيرهم (2).
وقد اتفق أهل العلم على تحريم حضور أعياد أهل الكتاب والتشبه بهم فيها وقد نص على ذلك فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم (3).
ومن نصوص العلماء في ذلك ما يلي:
1.
ما ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (لا تعلموا رطانة الأعاجم ولا تدخلوا على المشركين كنائسهم يوم عيدهم فإن السخطة تنزل عليهم) رواه عبد الرزاق والبيهقي وإسناده صحيح كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم (4).
2.
وعن عمر أيضاً أنه قال: (اجتنبوا أعداء الله في دينهم) رواه البيهقي (5).
3.
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: (من بنى ببلاد الأعاجم فصنع نيروزهم
(1) الحوادث والبدع ص 150.
(2)
انظر اقتضاء الصراط المستقيم ص 180 فما بعدها، أحكام أهل الذمة 2/ 156، اللمع في الحوادث والبدع 1/ 293 فما بعدها، الأمر بالإتباع ص 144 فما بعدها.
(3)
انظر أحكام أهل الذمة 2/ 156، التشبه المنهي عنه ص 335.
(4)
السنن الكبرى 9/ 234، مصنف عبد الرزاق 1/ 411، اقتضاء الصراط المستقيم ص 199 أحكام أهل الذمة 2/ 156.
(5)
السنن الكبرى 9/ 234.
ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة) رواه البيهقي (1).
4.
وقد ورد عن جماعة من التابعين في تفسير قوله تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ)(2). أن ذلك أعياد المشركين، فقد ورد عن محمد بن سيرين أنه قال في تفسير الزور بأنه الشعانين - وهو عيد للنصارى -.
وورد عن مجاهد أنه قال: [هو أعياد المشركين ونحوه ورد عن الربيع بن أنس والضحاك وأبي العالية وطاووس](3).
5.
قال أبو القاسم هبة الله بن الحسين الطبري الفقيه الشافعي: [ولا يجوز للمسلمين أن يحضروا أعيادهم لأنهم على منكر وزور وإذا خالط أهل المعروف أهل المنكر بغير الإنكار عليهم كانوا كالراضين به المؤثرين له فنخشى من نزول سخط الله على جماعتهم فيعم الجميع نعوذ بالله من سخطه](4).
6.
وقال أبو الحسن الآمدي: [لا يجوز شهود أعياد النصارى واليهود، نص عليه أحمد في رواية مهنا. واحتج بقوله تعالى:(وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) قال: الشعانين وأعيادهم (5).
7.
وقال الشيخ إدريس التركماني: [ومن قلة التوفيق والسعادة ما يفعله المسلم
(1) السنن الكبرى 9/ 234.
(2)
سورة الفرقان الآية 72.
(3)
اقتضاء الصراط المستقيم ص 181، تفسير ابن كثير 3/ 328 - 329.
(4)
أحكام أهل الذمة 2/ 156.
(5)
اقتضاء الصراط المستقيم ص 201، أحكام أهل الذمة 2/ 157.
الخبيث في يوم يعرف بالميلاد فيشتري لأولاده القصب والشمع والقفص
…
فيقع في البدع ويخرج عن طريق النبي المختار صلوات الله عليه وسلامه آناء الليل وأطراف النهار وفي فعلته هذه قد تشبه بالكفار
…
] (1).
8.
وقال الشيخ إدريس التركماني أيضاً: [وقد أجمع الأئمة على ما شرط عمر بن الخطاب رضي الله عنه وسائر الصحابة أن أهل الكتاب لا يظهرون أعيادهم وشعائرهم في بلاد المسلمين فإذا منعهم الشرع فمن لم ينكر عليهم في إظهار ذلك وشاركهم في شيء من أفعالهم أو ساعدهم بإعارة شيء أو كثر سوادهم حشر معهم](2).
9.
وقال جلال الدين السيوطي: [ومما يفعله كثير من الناس في أيام الشتاء ويزعمون أنه ميلاد عيسى عليه السلام فجميع ما يصنع أيضاً في هذه الليالي من المنكرات مثل: إيقاد النيران وإحداث طعام وشراء شمع وغير ذلك فإن اتخاذ هذه المواليد موسماً هو دين النصارى ليس لذلك أصل في دين الإسلام ولم يكن لهذا الميلاد ذكر في عهد السلف الماضين بل أصله مأخوذ عن النصارى وانضم إليه سبب طبيعي وهو كونه شتاء المناسب لإيقاد النيران](3).
وقال السيوطي أيضاً: [ومن ذلك أعياد اليهود أو غيرهم من الكافرين أو الأعاجم والأعراب الضالين لا ينبغي للمسلم أن يتشبه بهم في شيء من ذلك ولا يوافقهم عليه.
(1) اللمع في الحوادث والبدع 1/ 293.
(2)
المصدر السابق 1/ 296 - 297.
(3)
الأمر بالإتباع ص 145.
قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الامْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ
أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ). وأهواء الذين لا يعلمون هو: ما يهوونه من الباطل فإنه لا ينبغي للعالم أن يتبع الجاهل فيما يفعله من هوى نفسه.
قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ). فإذا كان هذا خطابه لنبيه صلى الله عليه وسلم فكيف حال غيره إذا وافق الجاهلين أو الكافرين وفعل كما يفعلون مما لم يأذن به الله ورسوله!! ويتابعهم فيما يختصون به من دينهم وتوابع دينهم!! وترى اليوم كثيراً من علماء المسلمين الذين يعلمون العلم الظاهر وهم منسلخون منه في الباطن يصنعون ذلك مع الجاهلين في مواسم الكافرين بالتشبه بالكافرين] (1).
10.
وقال السيوطي أيضاً: [واعلم أنه لم يكن على عهد السلف السابقين من المسلمين من يشاركهم في شيء من ذلك فالمؤمن حقاً هو السالك طريق السلف الصالحين المقتفي لآثار نبيه سيد المرسلين المقتدي بمن أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين جعلنا الله منهم بمنه وكرمه إنه جواد كريم ولا ينظر الرجل إلى كثرة الجاهلين الواقعين في مشابهة الكافرين والعلماء الغافلين وموافقتهم فقد قال السيد الجليل الفضيل بن عياض رضي الله عنه: عليك بطريق الهدى وإن قلَّ السالكون واجتنب طريق الردى وإن كثر الهالكون. اللهم اجعلنا من المهتدين المتبعين لآثار سبيل الصالحين ولا تجعلنا من الهالكين المتبعين لآثار سبيل الكافرين الضالين
(1) المصدر السابق ص 146.
بمنك وكرمك إنك جواد كريم] (1).
11.
وسئل الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: [عن حكم تهنئة الكفار بعيد الكريسمس؟ وكيف نرد عليهم إذا هنؤونا بها؟ وهل يجوز الذهاب إلى أماكن الحفلات التي يقيمونها بهذه المناسبة؟ وهل يأثم الإنسان إذا فعل شيئاً مما ذكر بغير قصد؟ وإنما فعله إما مجاملةً أو حياءً أو إحراجاً أو غير ذلك من الأسباب؟ وهل يجوز التشبه بهم في ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: تهنئة الكفار بعيد الكريسمس أو غيره من أعيادهم الدينية حرام بالاتفاق كما نقل ذلك ابن القيم - يرحمه الله - في كتابه " أحكام أهل الذمة " حيث قال: وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم فيقول: عيد مبارك عليك أو تهنأ بهذا العيد ونحوه فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب بل ذلك أعظم إثماً عند الله وأشد مقتاً من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه. وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك ولا يدري قبح ما فعل فمن هنأ عبداً بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه. انتهى كلامه - يرحمه الله -. وإنما كانت تهنئة الكفار بأعيادهم الدينية حراماً وبهذه المثابة التي ذكرها ابن القيم لأن فيها إقراراً لما هم عليه من شعائر الكفر ورضى به لهم وإن كان هو لا يرضى بهذا الكفر لنفسه لكن يحرم على المسلم أن يرضى بشعائر الكفر أو يهنئ بها غيره لأن الله تعالى لا يرضى بذلك كما قال الله تعالى: (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) وقال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا) وتهنئتهم بذلك حرام سواء كانوا مشاركين للشخص في العمل أم لا. وإذا هنئونا بأعيادهم فإننا لا نجيبهم على
(1) المصدر السابق ص 152.
ذلك لأنها ليست بأعياد لنا ولأنها أعياد لا يرضاها الله تعالى لأنها إما مبتدعة في دينهم وإما مشروعة لكن نسخت بدين الإسلام الذي بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم إلى جميع الخلق وقال فيه: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الاسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الاخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) وإجابة المسلم دعوتهم بهذه المناسبة حرام لأن هذا أعظم من تهنئتهم بها لما في ذلك من مشاركتهم فيها.
وكذلك يحرم على المسلمين التشبه بالكفار بإقامة الحفلات بهذه المناسبة أو تبادل الهدايا أو توزيع الحلوى أو أطباق الطعام أو تعطيل الأعمال ونحو ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من تشبه بقوم فهو منهم) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه " اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم ": مشابهتهم في بعض أعيادهم توجب سرور قلوبهم بما هم عليه من الباطل وربما أطمعهم ذلك في انتهاز الفرص واستذلال الضعفاء. انتهى كلامه - يرحمه الله - ومن فعل شيئاً من ذلك فهو آثم سواء فعله مجاملةً أو تودداً أو حياءً أو لغير ذلك من الأسباب لأنه من المداهنة في دين الله ومن أسباب تقوية نفوس الكفار وفخرهم بدينهم.
والله المسئول أن يعز المسلمين بدينهم ويرزقهم الثبات عليه وينصرهم على أعدائهم إنه قوي عزيز] (1).
(1) فتاوى العقيدة ص 246 - 248.