الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني: منهج الشيعة في تفسير القرآن الكريم
تعريف الشيعة:
شيعة الرجل بالكسر: أتباعه وأنصاره، والفرقة على حدة، ويقع على الواحد والمثنى والجمع، والمذكر والمؤنث1، ومن ذلك قوله تعالى:{وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ} 2. وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة
…
وكل من عاون إنسانا وتحزب له فهو له شيعة3.
قال في القاموس: "وقد غلب هذا الاسم على كل من يتولى عليا وأهل بيته، حتى صار اسما لهم خاصا"1، والحق أن هذا غير صحيح؛ لأن أهل السنة والجماعة يتولون عليا رضي الله عنه وأهل بيته، ولا يطلق عليهم شيعة، إذن فلا بد من إطلاق آخر.
وإذا ما طلبنا تعريفا لهم من كتبهم وجدنا شيخهم "المفيد" يقرر أن لفظ الشيعة يطلق على "أتباع أمير المؤمنين علي، على سبيل الولاء والاعتقاد لإمامته بعد الرسول -صلوات الله عليه وآله- بلا فصل ونفي الإمامة عمن تقدمه في مقام الخلافة وجعله في الاعتقاد متبوعا لهم غير تابع لأحد منهم على وجه الاقتداء"4.
1 القاموس المحيط: الفيروزآبادي مادة شاع ج3 ص47.
2 سورة الصافات: الآية 83.
3 تاج العروس: محمد مرتضى الزبيدي ج5 ص405.
4 أوائل المقالات: أبو عبد الله العكبري، الملقب بالمفيد ص3.
وهو نفسه يعترف بأن هذا التعريف "لا يشمل إلا الإمامية والجارودية من فرقة الزيدية، أما باقي فرقة الزيدية فلا يشملهم التشيع، وكذا لم يعتبر في التعريف الاعتقاد بإمامة أئمتهم المعروفين بعد علي رضي الله عنه مع أنه هو ومشايخهم ينكرون سمة التشيع لمن لم يؤمن بالأئمة، وزد على هذا العقائد الأخرى كالتقية والرجعة وغيرهما، فقد ربط علماؤهم وصف التشيع بالإيمان بها وكل هذا غير داخل في تعريف المفيد.
وهناك تعاريف أخرى كثيرة وكلها تدور حول وصف الإيمان بإمامة علي رضي الله عنه ولا يذكر الخصائص الأخرى التي لا يشاركهم فيها أحد غيرهم؛ ولهذا فإن بعض علمائهم يتمسك بتعريف ابن حزم للشيعة حيث قال: "ومن وافق الشيعة في أن عليا رضي الله عنه أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحقهم بالإمامة وولده من بعده فهو شيعي، وإن خالفهم فيما عدا ذلك مما اختلف فيه المسلمون، فإن خالفهم فيما ذكرنا فليس شيعيا"1.
ومن هذا نرى أن ابن حزم جعل من خصائصهم الإيمان بإمامة علي رضي الله عنه وولده من بعده، فهو أدق من تعريف المفيد، وبين أيضا أن هذا هو الأصل في التشيع ولا أثر بعد ذلك فيما عداه من العقائد الأخرى، ويقصد بها التقية والعصمة والرجعة وغيرها.
ومع أن هذا التعريف فيما نرى هو الأقرب وهو الذي اختاره بعض كتاب الشيعة المعاصرين، فإنه ينبغي أن نفرق بين الشيعة في أطوارهم الأولى والشيعة المتأخرين، فالشيعي في الطور الأول يطلق على كل من فضّل عليا وقدمه على عثمان رضي الله عنهما ولهذا قال ليث بن أبي سليم، الذي أخرج له مسلم:"أدركت الشيعة الأولى وما يفضلون على أبي بكر وعمر أحدا"2، وقال أبو إسحاق السبيعي: "خرجت من الكوفة وليس أحد يشك في فضل أبي بكر
1 الفصل في الملل والأهواء والنحل: ابن حزم، ج2 ص107.
2 المنتقى من منهاج الاعتدال: أبو عبد الله الذهبي ت360-361.
وعمر وتقديمهما وقدمت الآن وهم يقولون ويقولون ولا والله ما أدري ما يقولون"1. ولما سأل سائل شريك بن عبد الله -الذي أخرج له البخاري ومسلم وغيرهما- فقال له: أيهما أفضل أبو بكر أو علي؟ فقال له: أبو بكر، فقال له السائل: تقول هذا وأنت شيعي؟ فقال له: نعم ومن لم يقل هذا فليس شيعيا والله لقد رقى علي هذه الأعواد فقال: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر فكيف نرد قوله وكيف نكذبه؟ والله ما كان كذابا2.
ولهذا لا يستغرب وجود طائفة من أعلام المحدثين وغيرهم يطلق عليهم وصف التشيع وهم من أعلام السنة، ذلكم أن للتشيع في زمن السلف مفهوما آخر غير مفهومه لدى المتأخرين3؛ ولهذا فرق الذهبي في ميزانه بين التشيع في عهد السلف والتشيع عند المتأخرين فعد الأول بدعة صغرى لا يرد معها الحديث ولو رد لذهبت جملة من الآثار النبوية، وعد الثاني بدعة كبرى كالرفض والغلو فيه والحط على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة4.
وكما مر بنا، فإن تعريف ابن حزم الذي نقلناه آنفا لا يدخل فيه الشيعة في عصر السلف فهو مختص بمن بعدهم؛ ولذا فإنا نراه هو الأقرب للصواب، والله أعلم.
1 المرجع السابق ص360.
2 منهاج السنة: ابن تيمية ت محمد رشاد سالم ج1 ص7 و8.
3 فكرة التقريب بين أهل السنة والشيعة: رسالة ماجستير مسحوبة على الإستنسل للشيخ ناصر القفاري ج1 ص115.
4 ميزان الاعتدال لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبي ج1 ص5 و6.